توجيه ملكي باعتماد تصميم جامعة الملك سعود لتوسعة المسجد الحرام

«الشرق الأوسط» تنشر القصة... والأمير نايف كرَّم كلية العمارة والتخطيط

TT

توجيه ملكي باعتماد تصميم جامعة الملك سعود لتوسعة المسجد الحرام

الدولة السعودية عملت على رعاية المسجد الحرام والاهتمام بالتطوير العمراني والمشاريع العملاقة بهوية إسلامية (واس)
الدولة السعودية عملت على رعاية المسجد الحرام والاهتمام بالتطوير العمراني والمشاريع العملاقة بهوية إسلامية (واس)

بعد نشر «الشرق الأوسط» للسلسلة التوثيقية التي رصدت فيها عمارة المسجد الحرام خلال 1400 عام، والتي ورد في الجزء الرابع والأخير منها دور جامعة الملك سعود في تصميم التوسعة السعودية الثالثة، وما أثاره الموضوع من تفاعل، ونظراً للاستفسارات التي وردت إلى الصحيفة حول الموضوع، ولأهمية توثيق قصة التصميم ودور الجهات المشاركة فيه، تنشر «الشرق الأوسط» هذا التقرير التوثيقي الذي أعده الكاتب والباحث السعودي بندر بن عبد الرحمن بن معمر عن قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة. ويعتمد التقرير على الوثائق المتمثلة في الأوامر السامية والإصدارات التوثيقية من وزارة التعليم العالي في السعودية، وهي الجهة التي أُسند إليها عام 1429هـ - 2008م تولي مهمة دراسة مشروع التوسعة، إضافة إلى مجموعة من التقارير والوثائق والمستندات الأخرى، التي تحتفظ «الشرق الأوسط» بنسخ منها. قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة ليست قصة أفراد، أو جامعات، أو شركات أو استشاريين أسهم كل منهم بدوره وجهده، ولكنها قصة عمل مهني مشرف، وقبل ذلك وبعده قصة قيادة نذرت نفسها لخدمة الحرمين الشريفين ودولة سخرت مواردها لأمن وسلامة وراحة قاصديهما واستثمرت في الإنسان الذي أسهم في عمارتهما، وقدم الفكرة التصميمية لثالث التوسعات بعد حوالي 75 عاماً من تصميم أول توسعة سعودية للحرمين الشريفين.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز متشرفاً بغسل جدار الكعبة المشرفة (واس)

تصميم التوسعة والقصة التي لم تُروَ

هنا قصة لم تُروَ من قبل، ولم تنشر مفاصلها وتفصيلاتها التي تستحق أن يُعرّف بها، وأن يطلع عليها كل من له علاقة بإدارة المشروعات الكبرى التي تنفذ اليوم في طول المملكة العربية السعودية وعرضها، ليس لأنها قصة تصميم فقط؛ بل لأنها أنموذج فريد في منهجية إدارة المشاريع العملاقة وإدارة وتطبيق العمل الجماعي التكاملي integrated teamwork يمكن أن يؤسس عليه ويستفاد منه في هذه المرحلة تحديداً، وفي المشاريع الكبرى داخل السعودية وخارجها.

علاوة على أن هذه القصة تؤكد حجم الرعاية والعناية والدعم اللامحدود التي يحظى بهما الحرمان الشريفان من القيادة السعودية. فمنذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز، أولت السعودية الحرمين الشريفين جل اهتمامها وعظيم عنايتها وكان شرف خدمتهما أولوية من أهم أولوياتها وأحد ألقاب ملوكها، حتى اتخذه الملك فهد بن عبد العزيز في عام 1407هـ - 1986م لقباً رسمياً بدلاً من جلالة الملك.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان يوليان اهتماماً كبيراً بالحرمين الشريفين وخدمتهما (واس)

وهنا جزئية تتطلب أن ينوه بها وهي أن الله تعالى اختص بفضله جميع قادة المملكة العربية السعودية، الملوك عبد العزيز وسعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله وسلمان، بشرف خدمة الحرمين الشريفين ومواجهة تحديات هذه الخدمة التي لم يشهد حجمها وتعقيداتها الحرمان عبر التاريخ الإسلامي كله، وكان لكل ملك من ملوك هذه الدولة إسهامه في توسعة وعمارة وخدمة الحرم المكي والحرم النبوي والمدن والمشاعر المقدسة، وهذا شرف لا يضاهيه شرف، وذلك من فضل الله الذي يختص به من يشاء، ومن توفيقه الذي يؤتيه من يريد.

الأمير محمد بن سلمان في زيارة للمسجد الحرام ويطلع على مشاريع التوسعة (واس)

ما قبل التفاصيل

منذ بداية عمارات وتوسعات الحرمين الشريفين في العهد السعودي كان لتلك المشاريع اهتمام ومعاملة خاصة وآلية عمل مختلفة عن باقي المشروعات. بدأت بتكليف «مدير العمائر والإنشاءات الحكومية»، وقتذاك محمد بن لادن، تنفيذ الأعمال والإشراف عليها دون عقود تنفيذ أو تكاليف محددة مسبقًا، بل يتم الصرف على مشروعات الحرمين من قبل وزارة المالية حسب ما يقدمه بن لادن من تكاليف ويتقاضى عليها نسبة مئوية محددة. وكان (المعلم) ابن لادن كما يسمى في ذلك الوقت هو من يتولى التعاقد مع كل من يتطلب عمله في تلك المشروعات بما في ذلك المصممون والاستشاريون. واستمرت تلك الطريقة متبعة حتى بعد وفاته وتحول مؤسسته وتطورها إلى «مجموعة بن لادن السعودية» بكافة شركاتها وأذرعها وتحالفاتها الاستشارية والتصميمية، ومنذ بداية التوسعات السعودية كان للحرمين الشريفين هويتهما المعمارية الخاصة ضمن سياقهما العمراني المتفرد وخصوصيتهما التي لا نظير له.

الملك عبد الله بن عبد العزيز مستقبلاً الشيخ صالح الحصين

وحين جاءت الحاجة لتوسعة المسجد الحرام في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، كان قد بُدء في نزع ملكيات الأحياء الشمالية للمسجد الحرام (الشامية وما جاورها) والبدء في تنفيذ توسعة الساحات الشمالية، إلا أنه تقرر أن يتحول المشروع من مجرد توسعة ساحات إلى توسعة بنائية للمسجد الحرام.

وعملت مجموعة بن لادن السعودية من خلال أذرعها الاستشارية على تصميم مقترح لمبنى التوسعة، وعقدت عدة اجتماعات بين الرئاسة العامة لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي ممثلة آنذاك في الرئيس العام الشيخ صالح الحصين - رحمه الله - وفريقه الفني، ومجموعة بن لادن ممثلة في المهندس بكر بن لادن وفريقه، لمناقشة معطيات وجوانب التصميم المقترح من مجموعة بن لادن.

وكانت «رئاسة الحرمين» ترى أن التصميم المقدم للاعتماد لا يلبي احتياجات الحرم كاملة وفق المعطيات والمستجدات الحالية والمستقبلية نظراً لتغير المتطلبات المتعلقة براحة المصلين ومستجدات خدمتهم وإدارة سلامتهم وجوانب التشغيل الأخرى للمسجد الحرام.

وبعد عدة محاولات لتطوير التصميم من قبل مجموعة بن لادن لمقترحهم، لم يتحقق المطلوب في نظر الرئاسة، فاقترح الشيخ الحصين أن يُرفع محضر مشترك بين الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ومجموعة بن لادن السعودية إلى المقام السامي يتضمن التوصية بعرض مقترح تصميم التوسعة على فريق من المتخصصين من أساتذة الجامعات السعودية لدراسته وتقييمه وتقديم الملاحظات عليه إن وجدت، وهو ما وافق عليه المقام السامي ووجَّه بتحقيقه.

من إصدارات وزارة التعليم العالي التوثيقية عن المشروع

ووفقاً للإصدار التوثيقي المهم والمعنون بـ«دراسة مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتوسعة المسجد الحرام»، الذي أصدرته وزارة التعليم العالي (تم دمجها مع وزارة التربية والتعليم في وزارة واحدة باسم وزارة التعليم عام 1436هـ - 2015م) عن المشروع في مجموعة كتب. إضافة إلى عدد من التقارير الصادرة عن فرق العمل في المشروع والوثائق الخاصة به، والتي استندتُ إليها مع مستندات ومصادر أخرى في توثيق هذه القصة، أنقل لكم هنا بعضاً من قصة التوسعة وتصميمها ومقتطفات ولمحات عن خلفياتها وكواليسها، وقصص عدد من جنودها المجهولين، مورداً في سردها بعض ما جاء في هذه الوثائق والمصادر بتصرف، علماً أن ما أرويه هنا هو ملخص للقصة فحسب، بل هنالك الكثير من المعلومات:

البداية بالتوجيه السامي

صدر التوجيه السامي رقم 6555/م ب في 26 شعبان 1429هـ - 27 أغسطس 2008م بأن تقوم وزارة التعليم العالي بتكوين فريق عمل من المختصين المؤهلين يتولى دراسة مشروع مقترح مجموعة بن لادن للتوسعة الجديدة من جميع الجوانب المعمارية والهندسية والتشغيلية والفنية والأمنية مع الاستفادة من التقنيات العلمية الحديثة، وأن يتم ذلك وفق منهجية علمية ومهنية عالية والاستفادة من كل الخبرات المحلية والعربية والإسلامية وغيرها.

وحدد التوجيه السامي إطار المشروع وآليته التي مكنت الوزارة من الاستعانة بالمتميزين من أساتذة الجامعات السعودية والخبراء العرب والمسلمين والاستشاريين العالميين وبيوت الخبرة المختصة، على أن تعرض الوزارة النتائج على المقام السامي خلال 3 أشهر، كما تضمن التوجيه الأهداف والغايات من هذه الدراسة، والتي شملت:

دراسة التصميم المقترح من مجموعة بن لادن للتوسعة بشكل دقيق وشامل للتأكد من مدى وجودة الجوانب الآتية:

1- تحقيق مبادئ الشمولية والتكامل في التصميم المقترح من جميع الجوانب المعمارية والتشغيلية، والفنية والأمنية والاستدامة.

2- تسهيل حركة السير في ساحات المسجد الحرام وأروقته وما يجاوره.

3- الاستفادة من التقنيات العلمية الحديثة لخدمة المسجد الحرام وقاصديه.

4- تخفيف المشقة على قاصدي بيت الله الحرام وتيسير أدائهم للعبادات.

5- تلافي أي ملحوظات على التوسعة الأولى والثانية نتيجة المتغيرات الزمانية والتشغيلية ومتطلباتهما.

6- الاستفادة من مخرجات دراسة وتقويم التصميم المقترح لترشيد التوسعات المستقبلية للمسجد الحرام أو تعديلات تحسين الوضع القائم.

نطاق عمل الدراسة

شمل نطاق الدراسة عدة جوانب منها الجوانب المعمارية مثل: تصميم المباني والنواحي العمرانية المرتبطة بها حول المسجد الحرام. والجوانب التشغيلية مثل: أعمال الصيانة والإدارة، وشؤون التشغيل، وأنظمة الأمن والسلامة، وحركة الحشود. والجوانب البيئية وهي مثل:-

الآثار البيئية بجميع عناصرها كالاستدامة والحفاظ على مياه زمزم وجودة الهواء، والأنظمة الكهربائية ومستوى الاستهلاك، والأنظمة الميكانيكية وجودة التكييف. والجوانب الأمنية مثل: أنظمة المراقبة، وإدارة الحشود، وقضايا السلامة والطوارئ. والجوانب التقنية ومنها الاستفادة من التقنيات الذكية وغيرها من الجوانب الأخرى.

الملك عبد الله خلال تجوله في المعرض الذي أقامته وزارة التعليم العالي بمقر كلية علوم البحار في أبحر بمدينة جدة يوم الجمعة 28 نوفمبر 2008 يرافقه الأمير مقرن بن عبد العزيز والشيخ صالح الحصين ويقود مركبة الغولف كار وزير التعليم العالي خالد العنقري (الشرق الأوسط)

المنهجيات والاستكشافات ثم الرؤى والبدائل

باشرت وزارة التعليم العالي تنفيذ توجيه المقام السامي، وتطلب ذلك أمران هما:

1- البدء بتكوين نواة لفريق الجامعات المتخصص والتي ستوكل له هذه المهمة الحساسة.

2- تطوير منهجية عمل فاعلة ومرنة تراعي توفير كوادر التخصصات الفنية الدقيقة في وقت قياسي وديناميكي.

وتم في وقت قياسي تشكيل فرق متخصصة بكفاءات عالية من داخل المملكة وخارجها بقيادة كفاءات وطنية من جامعات المملكة، ويمكن تلخيص هيكلة العمل ومساراته في هذه المرحلة في الآتي:

1- اللجنة التوجيهية: ويرأسها وزير التعليم العالي حينذاك الدكتور خالد العنقري، ومن أعضائها نواة فريق الوزارة الفني مع عدد من المختصين وتتولى اللجنة بالتشاور مع الفريق الفني تحديد القضايا التي يشملها المشروع وتكوين الفرق العلمية المختلفة لدراسة تلك القضايا وتوجيه مسارات الفرق ومتابعة أعمالها، وتلقي التقارير الفنية من الفرق التخصصية، والموافقة على ورش العمل اللازمة، وإقرار الوثائق والتوصيات الصادرة عن فرق العمل. مع إيضاح أن «الفريق الفني للوزارة»، تعددت تسمياته في الوثائق والتقارير المختلفة مثل: (الفريق) أو (فريق الدراسة) أو (الفريق الأساس) أو (فريق الوزارة)، كما سيلاحظ في ثنايا هذا التقرير، كما تم تشكيل لجنة إدارية ومالية لمساندة فرق العمل في النواحي الإدارية والمالية واللوجستية.

2- محاور العمل الرئيسة: اقتضت المهمة تشكيل ثمانية محاور عمل رئيسية لتنفيذها وهي كالآتي: محور تقييم الوضع الراهن، ومحور المراجعة المحلية، ومحور المراجعة الدولية، ومحور الرؤية المعمارية، ومحور الرؤية التقنية، ومحور التطبيق، ومحور الإنتاج، ومحور المعرض.

3- الفرق الفنية التخصصية: شكلت الفرق التخصصية الفنية التابعة لـ«الفريق الفني للوزارة» للعمل ضمن إطار المشروع، حسب احتياجات كل مسار، وكلفت بإعداد التقارير اللازمة لذلك، وهي:

4- فريق الدراسات المعمارية والعمرانية.

5- فريق الدراسات الإنشائية.

6- فريق الحركة والحشود والخدمات المساندة والأمن.

7- فريق الدراسات البيئية.

8- فريق دراسات الاستدامة.

9- فريق الدراسات الخدمية والكهروميكانيكية.

سعت هذه الفرق من خلال تخصصاتها الفنية الدقيقة وعبر منهجية العمل الجماعي التكاملي وبروح الفريق الواحد إلى دراسة الوضع الراهن للمسجد الحرام وما حوله، وكذلك التصميم المقترح من مجموعة بن لادن من خلال جمع المعلومات وتحليل البيانات في النواحي التصميمية والفنية والتشغيلية، وتقويمها في الوضع الراهن، وذلك للتوصل إلى أهم القضايا التي يجب معالجتها ومراعاتها. مع الإيضاح بأن عبارة (الوضع الراهن) الواردة في ثنايا التقرير يقصد بها وضع المسجد الحرام وقت إعداد الدراسات عام 1429هـ - 2008م.

وقد بلغ عدد من شارك في هذه الأعمال من فرق تخصصية رئيسية وفرعية وفرق لوجستية مساندة، نظراً لأهمية المهمة ولقصر مدة التكليف بهذه المهمة الحساسة، عدة مئات من الأشخاص بمختلف مهماتهم ومسؤولياتهم الإدارية والفنية واللوجستية، عملوا خلال ثلاثة أشهر في مراحل مختلفة.

مسارات الدراسة الفنية لمقترح مجموعة بن لادن لمشروع التوسعة:

قامت الفرق المشاركة بالعمل على عدد من المسارات والعمل فيها بشكل متزامن ومتوازٍ في آن واحد، وذلك لإنجاز الدراسة بشكل متكامل ومهني ضمن المدى الزمني القصير جداً، حيث يركز كل مسار على قضايا جوهرية معينة كالآتي:

مسار تقويم الوضع الراهن للمسجد الحرام:

كأساس جوهري لتقويم أي مقترح للتوسعة، كان من المهم عمل دراسة للوضع الراهن للحرم للوصول إلى معرفة دقيقة جداً لتحديات تشغيل الحرم الواقعية وتحديد النقاط الحرجة في الاستخدام والتشغيل والسلامة ونحوها للتوصل إلى أهم القضايا التي يجب حلها ومراعاتها في أية توسعات جديدة. والانتهاء إلى تحديد معايير موضوعية وواقعية موجهة للتقويم لمقترح التوسعة المشار إليه بالخصوص.

ركزت دراسة الوضع الراهن على تحليل النواحي التصميمية والفنية والتشغيلية وتقويمها في الوضع الرهن للمسجد الحرام، وأنجزت من خلال فرق العمل التخصصية للمشروع بعقد ورش عمل مكثفة مع الجهات المعنية مباشرة بالحرم على اختلاف مهامها (الأمني والمدني والفني والإداري) وبعمل مسح ميداني لقاصدي الحرم (بالاستعانة بطلاب بعض الجامعات المحلية وبإشراف مباشر من الفريق)، وقامت مجموعة بن لادن السعودية خلال هذه المرحلة بتزويد الفريق بكافة المخططات والوثائق والرسومات والمعلومات المطلوبة، واطلع فريق العمل من كثب عن آلية التشغيل، كما أُجريت مقابلات مع عدد كبير من قاصدي المسجد الحرام وغير ذلك من الأعمال التي تقتضيها المهنية الفنية، إضافة إلى مشاهدة عدد كبير من الأفلام الخاصة بالحشود في الحرم، وغيرها من جوانب التشغيل.

كما عُمل على تحليل الجوانب المرتبطة بالنواحي العمرانية، والإنشائية، والحركة والحشود والخدمات المساندة والأمن، والبيئة، والاستدامة، إضافة إلى النواحي الخدمية، وذلك من خلال التركيز على الأهداف الآتية:

1- تحديد المميزات والخصائص الإيجابية للنواحي التصميمية الراهنة.

2- تحديد أبرز القضايا الحاسمة Crucial issues للنواحي التصميمية الراهنة للمسجد الحرام.

3- المتطلبات التي يجب أن تؤخذ في الحسبان لأي تصميم أو توسعة مستقبلية.

4- التوصيات المتعلقة بتحسين الوضع الراهن.

5- مسار تقويم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن - المراجعة المحلية:

بناء على مخرجات مسار الوضع الراهن ومعطيات فنية أخرى والمعايير التقويمية المستخرجة من ذلك، ركز هذا المسار على تحليل وتقييم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن للتوسعة، وذلك بهدف الوصول إلى التقويم المهني لأهم القضايا المتعلقة بجوانبه التصميمية والفنية والتشغيلية، وبما يراعي تحليل نقاط القوة ونقاط الضعف والتوصيات المقترحة، وجرى تقويم الخصائص التصميمية والفنية وفقاً لمجالات الفرق التخصصية وذلك من حيث:

1- المميزات والخصائص الإيجابية للتصميم.

2- الجوانب السلبية للنواحي التصميمية.

3- مدى النجاح والإخفاق في نواحي التصميم.

4- التوصيات المتعلقة بالتصميم المقترح.

وخلصت هذا المراجعة إلى عدم الكفاءة الكاملة للتصميم المقترح وأن هناك مجالاً واعداً للوصول إلى بدائل أكمل.

وحرصاً على تحقيق الموضوعية كان هناك مسار موازٍ لمسار المراجعة المحلية، وهو مسار المراجعة الدولية والتي قصد منها أن تتم المراجعة الدولية بمعزل عن المراجعة المحلية تحقيقاً لموضوعية النتائج، والتحقق من موثوقية المراجعتين المحلية والدولية.

التصميم المقترح للتوسعة السعودية الثالثة من مجموعة بن لادن السعودية (الشرق الأوسط)

مسار تقويم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن - المراجعة الدولية

لتنفيذ المراجعة الدولية المستقلة، قامت وزارة التعليم العالي بالتعاقد مع شركة إيكوم لإجراء تقويم للتصميم المقترح من مجموعة بن لادن لتوسعة المسجد الحرام استناداً لمخرجات مسار الوضع الراهن، والتوضيحات التامة له.

وبعد تطوير مجموعة من مؤشرات الأداء استخدمتها لقياس التصميم المقترح وتقويمه، وإجراء الدراسات اللازمة؛ قدمت شركة إيكوم AECOM التقرير النهائي في جزئين، الأول بعنوان: تقويم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن، والذي استند على مجموعة من المجالات للتقويم، منها: الأنظمة الميكانيكية والكهربائية، والأنظمة الجيوتقنية والزلزالية، والاستدامة، والأمن، وتقنية المعلومات، وقضايا البيئة، وأنظمة إدارة النفايات الصلبة، وحركة الحشود.

وخلص هذا الجزء إلى نفس ما خلصت له المراجعة المحلية وبتقارب كبير في النتائج مما عزَّز مصداقية التقويم المحلي والدولي للتصميم المقترح. وجاء الجزء الثاني بعنوان: الفرص والبدائل، حيث ناقش الفرص والبدائل للتطوير المستقبلي لتوسعات المسجد الحرام.

مسار الرؤى التقنية

وتعزيزاً للوصول إلى البديل الأمثل للتوسعة تم رسم هذا المسار والذي كان يعمل بالتوازي مع مسار المراجعة المحلية والدولية، وذلك لإيجاد رؤية تقنية متقدمة للحرم ومن هنا جاءت مشاركة معهد ماساتشوستس للتقنية MIT لتحقيق هذا المجال في دراسة مشروع توسعة المسجد الحرام وتم التركيز على الموضوعات الآتية: الاستدامة من الجانبين المعماري والتشغيلي، والسلامة والأمان للحجاج والعاملين، والسلاسة في حركة مرتادي المسجد الحرام، والمتطلبات الاستهلاكية والنفايات وإدارتها.

ونظر فريق الدراسة إلى المسجد الحرام على أنه منشأة ذات وظائف متعددة، خضعت لتطور مستمر عبر التاريخ. فقد مرَّ المسجد الحرام خلال توسعاته بتطويرات متلاحقة ويمكن تعزيز مسار هذا التطور من خلال تطبيق رؤية تقنية متقدمة، وإضافة أبعاد تطويرية جديدة باستخدام تقنيات وأنظمة متقدمة وذكية كالمراقبة الأكثر تطوراً، وتسيير الحركة اعتماداً على المعلومات الواردة في ذات اللحظة Real-time Information.

لقد اعتمدت الرؤية التشغيلية لفريق الدراسة على نوع من التشبيه بين المسجد الحرام وبين كائن حي له صفة الاستدامة ويتكون من هيكل عظمي، ودورة دموية، وجهاز عصبي يشبه جسم الإنسان. وبهذا التشبيه بالإمكان النظر للمسجد الحرام من خلال الأبعاد الثلاثية الآتية:

1- نظام المراقبة (الجهاز العصبي)، وذلك للتزود بالمعلومات ذات الصلة عن المسجد الحرام ومحتوياته ومحيطه.

2- نظام التدفق أو الحركة (الدورة الدموية)، وذلك لمراقبة حركة الهواء والناس والنفايات والتجهيزات والمعدات من وإلى المسجد الحرام ومحيطه.

3- النظام الإنشائي البنائي (الهيكل العظمي)، ومهمته تماسـك بنيان منطقة المسجد الحرام، وإبراز طابعه الجمالي، والتحكم في التأثيرات المناخية

وخلصت الرؤية التقنية إلى أن المسجد الحرام يشبه إلى حدٍ كبيرٍ نظاماً بيولوجياً مستداماً متطوراً من حيث قدرته وأنظمة التحكم والحركة والتدفق الخاصة به، إلى جانب نظامه البنائي، وهذا التشبيه يؤدي إلى تطوير المسجد الحرام باعتباره نظاماً مستداماً. لذا يجب أن يتم التعمق في دراسة الأفكار المطروحة بشكل يتجاوز الرؤية التقنية السائدة، ليبقى المسجد الحرام نموذجاً أمثل في التطور والاستدامة، وتقديم مجموعة من الحلول القائمة على الرؤية التقنية والمعالجة الشاملة.

مسار الحلول والرؤى المعمارية والمستقبلية

كانت كل المخرجات السابقة أساساً مرجعياً لتحليل الفجوات وتحديد نقاط القوة والضعف والتحديات والمخاطر في التصميم المقترح، وعليه قام (الفريق الأساسي) للوزارة بإعداد المعايير الهندسية، والاعتبارات التصميمية، والخطط المستقبلية، والشروط المرجعية للتصميم.

وعندما بدت بوادر عدم كفاءة (التصميم المقترح) كان القرار هو المسارعة ضمن إطار التوجيه السامي بتوجيه الدعوة إلى عدد من المكاتب والشركات الاستشارية العالمية والمحلية ورواد العمارة العالميين، إضافة إلى كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود وكلية تصاميم البيئة في جامعة الملك عبد العزيز لتقديم عروضهم، وذلك وفق مسارين:

الرؤى المعمارية لتوسعة جديدة تتناسب مع الوضع الحالي للحرم المكي

الرؤى المستقبلية: لتقديم مقترحات مستقبلية بعيدة المدى وتتعامل مع الحرم المكي ومحيطه دون قيود أو محددات سوى المحددات الشرعية وثبات المعالم المهمة في الحرم كالكعبة وحدود المسعى وزمزم ونحو ذلك.

وتم ترشيح واختيار المكاتب العالمية المشاركة وفق معايير موضوعية ومحددة، منها أن تكون هذه المكاتب من أفضل المكاتب العالمية أو من مكاتب الرواد المعماريين العالميين، كما تم اختيار مكاتب متميزة في العمارة الإسلامية من تركيا وماليزيا، ومكاتب عربية وسعودية كذلك. وتم في البداية عقد ورش عمل بين فرق وزارة التعليم العالي وهذه المكاتب وتزويدهم بالبيانات والمعلومات المطلوبة، كما زار الفريق المعني بهذا المحور المكاتب المعمارية وبيوت الخبرة العالمية والمحلية المشاركة لمراجعة الأعمال والتأكد من عدم وجود معوقات وتوجيههم لضمان أن يكون عملهم وفق المسار الصحيح.

الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال جولة في المعرض الذي أقامته وزارة التعليم العالي بمقر كلية علوم البحار في أبحر بمدينة جدة يوم الجمعة 28 نوفمبر 2008 (الشرق الأوسط)

النتائج والمقترحات أمام الملك عبد الله

وقبيل انتهاء المدة التي حددها التوجيه السامي لوزارة التعليم العالي بـ3 أشهر، عُرضت نتائج تحليل دراسة الوضع الراهن للمسجد الحرام ونتائج تقييم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن، إضافة إلى الرؤى المعمارية والأفكار التصميمية والرؤى المستقبلية المقدمة من المكاتب الاستشارية والجامعات السعودية، في سرادق أقامته الوزارة بمقر كلية علوم البحار في أبحر بمدينة جدة يوم الجمعة 29 ذي القعدة 1429هـ - 28 نوفمبر 2008م.

وعرضت الوزارة منهجية عمل فريقها ونتائج الدراسات الفنية ونتائج تقييم التصميم المقترح من مجموعة بن لادن (المراجعة المحلية والدولية) أمام الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله والمسئولين المعنيين مباشرة بالأمر، كما عرضت مقترحات المكاتب والجامعات التي قدمت رؤاها المعمارية والمستقبلية كالآتي:

أولاً: الرؤى المعمارية

قدمت عدد من بيوت الخبرة المعمارية العالمية والمحلية والتي بلغ عددها 12 بيت خبرة، رؤى ومقترحات معمارية وعمرانية تعين على فتح الآفاق العمرانية لتوسعة المسجد الحرام بحلول وأفكار تطبيقية ملموسة. وشملت المكاتب وبيوت الخبرة المعمارية العالمية والمحلية المشاركة كل من :-

1- إنجنهوفن أرشيتكتن Ingenhoven Architekten

التصميم المقترح من إنجنهوفن أرشيتكتن (الشرق الأوسط)

2- جنسلر Gensler

التصميم المقترح من شركة جنسلر (الشرق الأوسط)

3- جينيشي / أفشي / أروب ÇINICI / AVCL / ARUP

تصميم جينيشي أفشي أروب

4- هيجاس كستوري Hijass Kasturi

التصميم المقترح من هيجاس كستوري (الشرق الأوسط)

5- جامعة الملك سعود King Saud University

تصميم جامعة الملك سعود الأساس الذي عُرض أمام الملك عبد الله في المعرض الذي كان محل الأمر السامي بالاعتماد كأساس للتطوير

6- أرشتكتور ستوديو Architecture Studio

التصميم المقترح من أرشتكتور ستوديو (الشرق الأوسط)

7- البيئة مخططون معماريون ومهندسون Al-Beeah

تصميم البيئة

8- أتكنز ATKINS

تصميم أتكينز

9- جامعة الملك عبد العزيزKing Abdul Aziz University

تصميم جامعة الملك عبد العزيز

10- نیکن سیکیه Nikken Sekki

التصميم المقترح من نیكن سیكیه (الشرق الأوسط)

11- النعيم للاستشارات العمرانية Al-Na'eem

تصميم النعيم للاستشارات

12-نورمان فوستر Norman Foster

التصميم المقترح نورمان فوستر (الشرق الأوسط)

ثانياً: الرؤى المستقبلية (المعمارية والعمرانية)

ولتحفيز الأفكار (خارج الصندوق) التي يمكن أن تدعم مقترح التوسعة الجديد رؤي أن يطلب من بعض رواد العمارة العالميين تقديم رؤى مستقبلية للحرم. وعقدت ورش عمل مع هؤلاء الرواد، ورتبت زيارات لفرق العمل للاجتماع معهم في مقار عملهم ومناقشة الأفكار لضمان جودة فهم المشروع وصحة مسار التفكير فيه.

وتضمن هذا المسار وضع رؤى عمرانية لحل شامل وأمثل للمسجد الحرام على المدى البعيد، وذلك من خلال آفاق فكرية عمرانية دون قيود، وذلك بهدف اكتشاف آثار إيجابية في النظرة الشمولية لما يحتاجه المسجد الحرام من إضافات وتحسينات تؤدي لحلول مستقبلية أمثل وتقدم سبعة من رواد العمارة العالميين برؤاهم المقترحة وهم:

1- تاداو أندو Tadao Ando

تصميم تاداو أندو

2- شيغيرو بان Shigeru Ban

التصميم المقترح من شيغيرو بان (الشرق الأوسط)

3- تشارلز كوريا Charles Correa

تصميم تشارلز كوريا

4- زها حديد Zaha Hadid

التصميم المقترح زها حديد (الشرق الأوسط)

التصميم المقترح زها حديد (الشرق الأوسط)

5-محمد مايت Muhammad Mayet

تصميم محمد مايت

6- عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم Abdulhalim CDC

تصميم عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم

7- سانتياغو كالاترافا Santiago Calatrava

تصميم سانتياغو كالاترافا

حقائق

الملك عبد الله بن عبد العزيز

يكون التصميم المقترح من قبل جامعة الملك سعود لتوسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للمسجد الحرام أساساً لانطلاق أعمال التصميم، لكونه التصميم الأقرب للتكامل مع الوضع الحالي للمسجد الحرام ..على أن يتم تطويره بما يستجيب للرؤى التطويرية والتشغيلية والتصميمة لفريق الدراسة ويمكن لمجموعة بن لادن السعودية تبنيه وتنفيذه."


وبعد اطلاع الملك عبدالله والمسؤولين المعنيين على الدراسات الدقيقة والشاملة والتصورات والرؤى المعمارية والعمرانية والفنية والتقنية للمشروع، وإستماعهم لشرح المقترحات المقدمة ومناقشة الفريق الفني والتشاور مع المسؤولين المختصين، تم اختيار التصميم المقترح من جامعة الملك سعود كأساس لتصميم التوسعة الجديدة، ووثق هذا الاختيار بالتوجيه السامي رقم 1692 وتاريخ 26 صفر 1430هـ - 21 فبراير 2009م.

نص الخطاب الملكي باختيار التصميم المقترح من جامعة الملك سعود كأساس لتصميم التوسعة الجديدة (الشرق الأوسط)

ووثقت وزارة التعليم العالي الفكرة التصميمية لجامعة الملك سعود في إصداراتها عن المشروع، واحتفت جامعة الملك سعود بهذا الإنجاز وأعلنت عنه في حينه، وكرم الأمير نايف بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية حينذاك، وأثناء رعايته للمؤتمر العالمي الأول للتقنية والاستدامة في العمران الذي عقد في شهر محرم 1431هـ - يناير 2010م، كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود على ما حققته من إنجازات في تلك المرحلة.
وكان منها فوزها بالمركز الأول في مسابقة تصميم وقف الملك عبدالله لوالديه في المدينة المنورة، واختيار فكرتها التصميمية أساسًا لانطلاق أعمال تصميم توسعة الملك عبدالله للمسجد الحرام. إضافة إلى مشاركتها قبل وبعد ذلك في تصميم عدد من المشروعات الكبرى منها مشروع مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة بالتعاون مع نيكين سيكيه العالمية.

الأمير نايف بن عبد العزيز خلال تكريمه للدكتور عبد العزيز المقرن عميد كلية العمارة والتخطيط في جامعة الملك سعود (الشرق الأوسط)

مما لا يدع مجالا لأي ادعاء بعد ذلك حول (أساس) أو (فكرة التصميم) تحديداً، أما القول بأن (الفكرة المعمارية) لا تشكل سوى جزء يسير أو نسبة ضئيلة من حجم التصميم، فهذا ربما يصدق فقط عند الحديث عن الوقت الذي قد تستغرقه عملية توليد الأفكار ضمن مراحل التصميم، بينما في الواقع هي تمثل القيمة الأساسية للمنتج المعماري ككل، وتعد (الفكرة المعمارية) الجزء المهم والأساسي ضمن عملية التصميم المعماري، ودورها جوهري في تحقيق نتاجات متميزة وفريدة، كما تمثل الطريق إلى روح المشروع، وعملية تشكيلها يتطلب جهودًا مكثفة وإبداعية.

أما عن تطوير التصميم انطلاقًا من الفكرة التصميمية الأساسية المقدمة من جامعة الملك سعود، فقد تولى تلك المهمة مجموعة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية برئاسة رئيس الفريق المعماري للمشروع، وبالتضامن مع الفريق الفني للاستشاري (دار الهندسة) والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وكان على الفريق الالتزام التام بمضامين التوجيه السامي خلال العمل في تطوير ذلك التصميم، إضافة إلى التزام رئيس وغالبية أعضاء الفريق التزامًا أدبيًا وأخلاقيًا ومهنيًا بهذه المهمة النبيلة وما يرد إليهم من توجيهات، وهذا ما سنتناوله مع غيره من التفاصيل في فصل آخر من فصول هذه القصة.


مقالات ذات صلة

من الهجرة النبوية حتى عهد الملك سلمان... كيف تطورت مراسم غسل الكعبة في 1440 عاماً؟

يوميات الشرق خادم الحرمين الشريفين يقوم بغسل جدار الكعبة المشرفة في مناسبة سابقة (واس)

من الهجرة النبوية حتى عهد الملك سلمان... كيف تطورت مراسم غسل الكعبة في 1440 عاماً؟

في منتصف الشهر الأول من كل عام هجري، تُنجز الجهات السعودية المعنيّة، مراسم غسل الكعبة المشرّفة في المسجد الحرام

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

لا يتلاشى المشهد من الذاكرة ولا الرائحة. هكذا يصف كثير من الحجاج والمعتمرين تجربتهم في المسجد الحرام؛ إذ يرافقهم عبقٌ مميز، ثابت، يعرفونه كلما عادوا بذاكرتهم…

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

اعتمد تصميم التوسعة الثالثة على محاور إشعاعية تنطلق من الكعبة المشرفة وكتل حلقية تحيط بها، في رؤية معمارية تراعي قدسية المكان وتستوعب التوسعات المستقبلية.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج عدد المُصلين بالمسجد الحرام بلغ 30 مليوناً و16 ألفاً و73 مُصلياً خلال شهر (واس)

أكثر من 68 مليون زائر ومعتمر بالحرمين الشريفين خلال شهر

استقبل المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، أكثر من 68 مليون زائر خلال شهر.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه الاجتماع في مكة المكرمة الأربعاء (إمارة المنطقة)

سعود بن مشعل: خدمة المقدسات وقاصديها على هرم أولويات السعودية

أكّد الأمير سعود بن مشعل، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، أن السعودية منذ تأسيسها «أولت خدمة المقدسات وقاصديها اهتماماً خاصاً، وجعلتها على هرم الأولويات».

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

أثر الدومينو في احتجاجات أوروبا... انتفاضات قد تغير وجه الاتحاد

متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

أثر الدومينو في احتجاجات أوروبا... انتفاضات قد تغير وجه الاتحاد

متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)
متظاهر يرفع إشارة النصر على خلفية من نيران ودخان متصاعد خلال احتجاجات في مدينة نانت الفرنسية (أ.ف.ب)

عندما كان غوستاف فلوبير على فراش نزاعه الأخير يستعرض ما أحدثته الثورة الصناعية من تداعيات اجتماعية وسياسية أدّت إلى ظهور الحركات والنقابات العمالية والأحزاب الاشتراكية، واتساع المد الإمبريالي والاستعماري في أفريقيا وآسيا، في حين كانت تتشكّل التحالفات العسكرية التي تسببت لاحقاً في نشوب الحرب العالمية الأولى، قال كاتب «المراسلات» (1863) الذي عرف برفضه «الهوس باستخلاص أحكام نهائية»: «يتعرّض العالم، بين فترة وأخرى، لسيل جارف من الأحداث يقوّض الدعائم الراسخة منذ عقود ويهزّ المسلّمات التي تركن إليها المجتمعات في استقرارها».

الأحداث التي تتدفق سيولها في معظم بلدان العالم الغربي، خصوصاً في أوروبا منذ مطالع هذا القرن، بالتزامن مع مخاض جيوسياسي وإعادة تشكيل للتحالفات والمحاور الدولية، تنذر باهتزازات قوية في أكثر من اتجاه وعلى غير صعيد، وتؤشر إلى عصر جديد يقوم على أنقاض التوازنات التي استقرّ عليها العالم منذ نهاية الحرب العالمية إلى اليوم.

زجاج مكسور بفرانكفورت بعد احتجاجات شهدت عنفاً نظَّمتها مجموعات شبابية تحمل اسم «الجيل زد قادر» في ألمانيا (أ.ف.ب)

غضب واحد بأسماء كثيرة

تحمل تلك الأحداث أسماء متعددة، بلا روابط أو قواسم مشتركة هيكلية ظاهرة بينها، مثل الإصلاحات الهيكلية وتقليص الخدمات الاجتماعية واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء وانسداد الأفق أمام الشبّان، وتزايد المخاوف من تدفقات الهجرة، واتساع دائرة القلق من تداعيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن انتفاخ الإنفاق العسكري والأمني وضمور المال العام المخصص للخدمات الصحية والتعليم، وتضع المشروع الأوروبي الذي قام على الرخاء والأمن والاستقرار أمام أصعب اختبار في تاريخه الحديث.

من فرنسا إلى بلجيكا وصربيا وألبانيا، ومن إسبانيا إلى إيطاليا والبرتغال واليونان، تتزامن الاحتجاجات الغاضبة في المدن، لكن تتباين دوافعها من غير أن تشكّل حتى الآن حركة موحدة على امتداد الاتحاد. طلاب ومزارعون وعمّال، إلى جانب مواطنين عاديين ومنظمات بيئية ونسائية، ومراهقين دون الخامسة عشرة من العمر، يتدفقون في الشوارع للإعراب عن سخطهم إزاء الإجحاف الذي يلحق بهم جراء التفاوت الصارخ في توزيع تكلفة التحولات الاقتصادية والسياسية وتحمّلهم القسط الأكبر من تداعياتها.

وقد أظهرت «الجولات» الأولى من هذه الاحتجاجات، في مدريد وباريس وميلانو وتيرانا، أنها قابلة لأن تتحول بسرعة ومن غير دوافع واضحة، موجاتٍ من العنف تؤججها أجندات سياسية متطرفة ومناخ سياسي شديد التوتر، وتدفعها نحو مواجهات يمكن أن تخرج بسهولة عن السيطرة.

منذ أشهر حذّر «المرصد الاجتماعي» التابع للمفوضية الأوروبية من أن ثمة مؤشرات متراكمة تدلّ على وجود أرضية خصبة في بلدان الاتحاد لاندلاع موجات احتجاجية بسبب ظروف اقتصادية ومعيشية شتى، وأن جهات داخلية وخارجية متعددة قد تستغلها للتعبئة على أبواب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أو لزعزعة الاستقرار في الدول الأعضاء وتقويض الثقة بالمشروع الأوروبي الذي يمرّ في أحرج المراحل منذ تأسيسه.

متظاهر يرتدي قناعاً في مسيرة احتجاجية بمرسيليا تزامنت مع احتفالات «هالوين» ضمن موجة تظاهرات صاخبة عمَّت أرجاء فرنسا (أ.ف.ب)

«عدوى» الاحتجاجات والانتخابات

أضواء الإعلام الكاشفة بقيت خافتة إلى أن بدأت موجة الاعتصامات في إسبانيا احتجاجاً على أزمة المسكن، واندلعت بعدها المظاهرات العنيفة في المدن الفرنسية الكبرى، بالتزامن مع احتجاجات غير مسبوقة في ميلانو وبروكسل ولشبونة وتيرانا. لكن بلداناً أوروبية عدة كانت تشهد منذ أشهر احتجاجات متفرقة يقطع فيها المزارعون بجراراتهم الطرق المؤدية إلى المدن، وتعلن النقابات العمالية إضرابات عامة، ويخرج المواطنون إلى الشوارع ضد ارتفاع الإيجار وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتدني الخدمات الاجتماعية. تحركات قد تبدو في ظاهرها فروعاً من تيّار واحد، لكن في الواقع لكل منها دوافع وأسباب مختلفة، وأحياناً متضاربة.

الغضب الذي انفجر في شوارع المدن الفرنسية الكبرى كان جمراً يتقد تحت الرماد منذ فترة طويلة، وكان اندلاع شرارته متوقَعاً مع اقتراب موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية التي قد تغيّر وجه فرنسا التي تشكل الاحتجاجات العنيفة سمة رئيسية في حراكها الاجتماعي منذ عقود، وغالباً ما تنتقل عدواها بسرعة إلى الجوار، كما حصل في بلجيكا، حيث كان الاستياء الطلابي يغلي على نار خفيفة منذ أشهر، إلى أن انفجر بعد إقرار الموازنة العامة الأخيرة التي تضمنت دفعة جديدة من المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا، مُقتطَعة في معظمها من باب الخدمات التعليمية والاجتماعية. في إسبانيا، لم يكن انفجار أزمة المسكن وما رافقها من اعتصامات، سوى امتداد طبيعي للاحتقان الشديد الذي يشهده المناخ السياسي الإسباني منذ فترة طويلة، واحتدامه بعد الإعلان عن إجراء انتخابات مسبقة أواخر الشهر الحالي، وهو مناخ كان توتر إلى أقصى الحدود إثر أزمة تدفق عشرات آلاف المهاجرين غير الشرعيين من المغرب الصيف الماضي.

متظاهر ضد غلاء المعيشة في ليون الفرنسية مرتدياً زي الملكة ماري أنطوانيت ورافعاً لافتة تحمل عبارتها الشهيرة «اعطوهم البسكويت» (أ.ف.ب)

وفي إيطاليا الموعودة بانتخابات أخرى حاسمة في الربيع المقبل، ترتفع حرارة المواجهة السياسية يوماً غبّ اليوم بعد التنامي السريع للحزب اليميني الجديد الذي ينافس، في التطرف، الحكومة الحالية التي تقودها زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» اليميني المتطرف جورجيا ميلوني، وبعد أن استشعرت القوى والأحزاب اليسارية إمكانية الفوز في الانتخابات المقبلة، فقررت تصعيد المواجهة الشعبية وتأجيج الاحتجاجات التي خلّفت أضراراً جسيمة في ميلانو منذ أسبوع، ثم عادت وعمّت معظم المدن الإيطالية، الجمعة الماضي، الذي كانت النقابات العمالية أعلنت فيه الإضراب العام، وتخللته اضطرابات كانت أعنفها تلك التي شهدتها العاصمة روما.

احتفالات في وسط بلغراد بعد فوز الحزب التقدمي الصربي و«لائحة الطلاب» بالانتخابات إثر حركة احتجاجية سلمية دامت قرابة سنتين (رويترز)

صربيا... ومثابرة الطلاب

وبينما كانت المظاهرات والاحتجاجات تتوالى في البرتغال واليونان وألبانيا ضد تراجع الخدمات الاجتماعية وغلاء المعيشة وأزمة السكن، كانت المفاجأة الكبرى تعتمل في صربيا التي كان طلابها يواصلون احتجاجاتهم السلمية وتعبئتهم في جميع أنحاء البلاد بإصرار لافت منذ نحو السنتين، عندما أجبروا رئيس الجمهورية ألكسندر فوفيتش على الاستقالة والدعوة لإجراء انتخابات مسبقة. لكن المفاجأة لم تقتصر على ذلك فحسب، بل تحولت رسالةً وإنذاراً إلى دول البلقان الأخرى، وإلى الاتحاد الأوروبي، عندما قرر الطلاب خوض تلك الانتخابات بلائحة لا تحمل أي شعار سياسي، ضمّت مرشحين لم يسبق لهم أن خاضوا المعترك السياسي ومعظمهم من الأشخاص غير المعروفين في الأوساط الاجتماعية، واستطاعوا أن يحققوا فوزاً واضحاً على حزب فوفيتش الذي كان ترشح على رأس لائحته لمنصب رئيس الوزراء؛ لأن الدستور الصربي يمنع ترشحه لولاية رئاسية ثالثة.

وكانت احتجاجات الطلاب الصربيين بدأت، واستمرت حتى نهايتها، تحت شعار مكافحة الفساد المستشري على عهد فوفيتش منذ نحو عقدين، وسيادة القانون، ومحاسبة المسـؤولين الذين تربط كثيرين منهم علاقات بالجريمة المنظمة. ورغم القمع الذي تعرّض له الطلاب على يد الأجهزة الأمنية والتنظيمات الموالية للحزب الحاكم، والاتهامات التي وجهت إليهم بأنهم مرتزقة يعملون لحساب دول أجنبية، واعتقال العديد منهم، أصرّوا على سلمية الاحتجاجات والاعتصامات، وانتشروا في الأرياف التي يشكّل سكانها الخزان الانتخابي لفوفيتش، وقاموا بحملات متواصلة للتوعية وتعبئة المواطنين البعيدين عادة عن مسرح الأحداث السياسية ولا يتابعون مجرياتها، وحصدوا فيها نتائج لم تكن في حسابات الحزب الحاكم الذي اعترف زعيمه بالهزيمة بعد ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع.

ورغم أن فوز لائحة الطلاب في الانتخابات الصربية لا يكفي وحده لطي صفحة النظام الذي حكم البلاد طيلة عشرين عاماً توطن فيها الفساد وانتشر على كل المستويات، خاصة بعد ما شهدته بلغراد مؤخراً من التكريم العسكري الرسمي في جنازة راتكو ملاديش المحكوم بجرائم ضد الإنسانية لمسؤوليته في الفظائع التي شهدتها حرب يوغوسلافيا.

احتفالات في وسط بلغراد بعد فوز الحزب التقدمي الصربي و«لائحة الطلاب» بالانتخابات إثر حركة احتجاجية سلمية دامت قرابة سنتين (رويترز)

إلى جانب هذه الاحتجاجات التي يشكّل الطلاب رأس حربتها، بدأ المزارعون أيضاً سلسلة من الاحتجاجات ضد الضوابط والقيود الجديدة على الإنتاج والارتفاع الباهظ في تكلفته بسبب أسعار المحروقات، واستحالة المنافسة مع المنتجات المستوردة.

وفي المدن تخرج الطبقة الوسطى، أو ما تبقى منها، إلى الشوارع احتجاجاً على الغلاء المطرد الذي يشمل كل أبواب الاستهلاك الأساسية وعلى تدهور الخدمات الصحية والتعليمية. أما القاسم المشترك بين هذه الاحتجاجات، فهم الشبّان الذين يحملون الرصيد الأكبر من الغضب بسبب الإحباط الناجم عن تهميشهم ويأسهم من تلمّس فرص المستقبل، وشعورهم باتساع الفجوة بين الذين يتخذون القرارات ومن يقاسون تداعياتها اليومية.

احتقان يولّد العنف

في تشخيص «المرصد الاجتماعي» الأوروبي لهذه الأحداث ومسبباتها، أن الاستياء الذي يتراكم منذ سنوات بسبب الظروف المعيشية يولّد الغضب الذي يمكن أن ينفجر عند أي تدبير أو قرار عادي، مثل ضريبة إضافية، أو إلغاء مساعدة اجتماعية أو إصلاح عمالي، ويؤدي إلى احتجاج شعبي تترافد فيه فئات عدة لكل منها مطالبها. لكن ما يغفله هذا التشخيص، أو يتغاضى عنه، هو أن المواطن الأوروبي يعيش حالة مزمنة من فقدان الثقة بالمؤسسات الحاكمة، وأن القرارات الأساسية تتخذ خارجها أو تمليها عليها جهات ودوائر نافذة خدمة لمصالح لا تراعي مطالب المواطنين وتطلعاتهم.

ضباط شرطة مكافحة الشغب يعتقلون متظاهراً في وسط لشبونة بالبرتغال (أ.ف.ب)

القراءة المتأنية لهذه الاحتجاجات تبيّن أن المتظاهرين، في غالبيتهم، لا يرفضون بالضرورة كل الإصلاحات التي تطرحها الحكومات، بقدر ما يشككون في توزيع أعباء تكلفتها ومن سيقطف ثمارها، ومن يشارك في تصميمها. وهذا ما يفسّر كيف أن السياسات التي تعدّها الحكومات أساسية وضرورية، يراها المواطن مجحفة؛ لأنه غير قادر على تحمل أعبائها. يضاف إلى ذلك أن ثمة شعوراً متنامياً بين معظم الفئات الاجتماعية والاقتصادية، بأن صوتها ومطالبها لا تلقى آذاناً صاغية من المسؤولين ولا تصل إلى المؤسسات، وبالتالي تصبح الاحتجاجات هي الوسيلة الوحيدة المتبقية لإسماع صوتها وإيصال مطالبها. ولا شك في أن وسائل التواصل الاجتماعي، والشبان هم أحسن من يتقن استخدامها، تساعد على تسريع التعبئة وتوسيع دائرتها، لكنها في الوقت ذاته تضخّم الشعارات المتطرفة حولها، وتمزج بين المطالب المحقة وحملات التشويه والتحريض على العنف.

تربة لسياسات متطرفة

يوفّر كل ذلك الوضع المحتقن تربة خصبة للقوى والأحزاب السياسية التي تنادي بالحلول السريعة، وتحدد بوضوح المسؤولين عن آلام المجتمع ومصائبه وتعدّ الحوار والحلول الوسط خيانة عظمى. لكن اللافت أيضاً هو أن كل هذه الاحتجاجات لا تصب بالضرورة في مصلحة الأحزاب ذاتها، رغم أنها تدفع الناخبين بقوة نحو الأطراف التي تبيّن في السنوات الأخيرة أنها تتغذّى بسخاء من هذا المناخ الاجتماعي المشحون.

وحسب استطلاعات للرأي أجريت مؤخراً في فرنسا، فإن 48 في المائة من الشباب يصوّتون لصالح التيار اليساري المتطرف «فرنسا الأبيّة»، في حين 33 في المائة من الذين دون الخامسة والعشرين في الأرياف يصوّتون لصالح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف؛ ما يولّد أزمة ثقة بين الطرفين.

معظم المحللين الاجتماعيين يتفقون على أن أزمة الثقة هي المفتاح الأساسي لقراءة هذه الأحداث التي تعصف ببلدان الاتحاد الأوروبي، وأن معالجتها تقتضي إعادة نظر شاملة وعميقة في أساليب عمل المؤسسات الحاكمة ومقاربة التواصل مع المواطن الأوروبي، وبخاصة مع الفئات الشابة. لكنهم ينبهون بأن هذه المعالجة تكاد تكون مستحيلة في الأمد المنظور؛ بسبب مناخ التعبئة السياسية القصوى في العديد من الدول الأعضاء.

شرطية برتغالية تضع قرنفلة حمراء رمز «ثورة القرنفل» (1974) قدمها لها أحد المحتجين في ساحة «روسيو» بالعاصمة لشبونة خلال احتجاجات ضد أزمة السكن وارتفاع الإيجارات (أ.ف.ب)

سباق محموم مع أميركا والصين

يسهِم في استحالة تلك المعالجة، الظروف الجيوسياسية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا وتقلبات الموقف الأميركي منها وما يستدعيه من جهد أوروبي إضافي يستنزف موارد مالية ضخمة، فضلاً عن حاجة أوروبا الملحة إلى عدم خسارة رهانها على اللحاق بالصين والولايات المتحدة من حيث القدرة على التنافسية في الإنتاج والرسوخ قطباً ثالثاً في المعادلة الدولية. وما يزيد من صعوبة هذا الرهان الأوروبي أن الدول الأعضاء تراكم عجزاً عاماً متوسطه 83 في المائة من إجمالي الناتج القومي، وان معظمها ينفق ما يزيد على 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي على الخدمات العامة من غير أن يحول ذلك دون موجات الغضب والاستياء.

في ضوء هذه التحديات التي يتوقف عليها مستقبل المشروع الأوروبي على غير صعيد، وتحسباً لمخاطر انفجارات اجتماعية أوسع، يبقى السؤال الذي يطارحه الأوروبيون أنفسهم هو التالي: ما السبيل إلى الانتقال بالاقتصاد نحو المستوى التالي الذي يفرضه السباق التكنولوجي العالمي من غير أن تتحمل تكلفته دائماً الفئات الاجتماعية نفسها؟ والإجابة عنه تقتضي سياسات تقوم على مشاورات واسعة وسريعة وآجال واقعية، ورواتب وخدمات تساعد على استيعاب الأزمة وتداعياتها، وقنوات للحوار تسمح بتصويب المسار قبل حدوث الانفجار.

عرض تعبيري خلال إضراب عام احتجاجاً على الغلاء والإنفاق العسكري في روما وبدت لافتة كتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» (أ.ب)

مشهد مفتوح

السيناريو المتداول حالياً في أروقة القرار الأوروبي هو أن هذه الاحتجاجات ليست وليدة حالة واحدة على امتداد الاتحاد، بل هي سلسلة من الانتفاضات القطاعية التي تنسّق فيما بينها من حين إلى آخر وتبلغ ذروتها بفعل قرارات وطنية أو أوروبية، وأن الانتخابات والموازنات العامة المقبلة قد تعيد تأجيجيها. لكن المشهد العام يبقى مفتوحاً على احتمالات ثلاثة:

الأول، انفراج جزئي أو مرحلي نتيجة تنازلات وتدابير تخفف الضغط على المواطن من غير أن تحل المشاكل الأساسية وتعالج أسبابها.

الثاني، الانتقال إلى حال من الأزمات الممتدة، تتخللها إضرابات وصدامات مستمرة بهدف الدفع نحو المفاوضات.

والثالث، اتجاه الأحزاب السياسية والمؤسسات إلى استغلال موجات الغضب والاستياء وعدم التجاوب مع المطالب الشعبية، وترك المواطنين يعبّرون عن سخطهم وإحباطهم في صناديق الاقتراع التي يرجّح أن تخرج بمفاجآت قد يكون الوقت فات لاحتوائها.

متظاهر يواجه مجموعة من عناصر الشرطة خلال احتجاجات في مدينة كولون الألمانية من تنظيم «الجيل زد قادر» (أ.ف.ب)

ولعلّ أغرب ما رافق هذه الأحداث من ردود فعل خارجية، إن الدبلوماسية الإيرانية احتجت على «القسوة» التي تميّز بها تعامل السلطات الفرنسية مع إعمال الشغب التي سادت مظاهرات باريس، وتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما قال إن هذه الأزمة هي دليل آخر على هزال القيادات الأوروبية.


خريطة الناخبين الأميركيين بين المدن والأرياف... من يملك مفاتيح الكونغرس؟

 مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

خريطة الناخبين الأميركيين بين المدن والأرياف... من يملك مفاتيح الكونغرس؟

 مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)
مؤيدون للرئيس الأميركي دونالد ترمب يرفعون علماً على جانب الطريق أثناء مرور موكبه في فورت مايرز بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

مع اقتراب موعد الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) للانتخابات النصفية الأميركية، تتجاوز المعركة الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى صراع على الطبقة العاملة والنساء والشباب والمزارعين وسكان الضواحي. وبين تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب والغضب من الأسعار والحرب مع إيران، تبرز كتلة الناخبين المترددين والمحبطين باعتبارها القوة التي قد ترسم الخريطة السياسية الجديدة.

لكن السؤال لم يعد مقتصراً على قدرة الديمقراطيين على انتزاع الأغلبية من الجمهوريين، بل أي أميركا ستذهب إلى صناديق الاقتراع، وأيها ستبقى في منازلها؟ أميركا المدن الكبرى التي يهيمن عليها الديمقراطيون، أم المناطق الريفية التي تشكل العمود الفقري للجمهوريين؟ عمال المصانع الذين استمالهم ترمب بوعوده الصناعية، أم نساء الضواحي القلقات من سياساته؟ الشباب المتطلعون إلى التغيير، أم الناخبون الأكبر سناً الذين اعتادوا المشاركة؟

وراء هذا المشهد، تتشكل خريطة اجتماعية تتداخل فيها الفوارق الجغرافية مع التعليم والدخل والعمر والعرق والمهنة، فيما تعيد تداعيات الحرب مع إيران ترتيب أولويات ناخبين كانت ولاءاتهم تبدو مستقرة.

ناخبون يهتفون ترحيباً بالرئيس السابق باراك أوباما والمرشحين الديمقراطيين ووزيرة الخارجية جوسلين بنسون وعبد السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت بميشيغان (أ.ف.ب)

وتكشف الاستطلاعات عن تحولات لافتة، حيث أظهر استطلاع «رويترز/إبسوس» قبل أيام، تراجع شعبية ترمب إلى 31 في المائة، وتقدم الديمقراطيين في نيات التصويت بنسبة 47 مقابل 35 في المائة. لكن استطلاعاً لجمعية المتقاعدين الأميركيين «إيه إيه آر بي» في 43 دائرة تنافسية بمجلس النواب، أظهر تقدماً ديمقراطياً بـ3 نقاط فقط. والفارق يختصر معضلة الديمقراطيين: التفوق الوطني لا يتحول تلقائياً إلى أغلبية برلمانية. والأهم أن تراجع التأييد لترمب لا يعني انتقال أنصاره إلى الديمقراطيين؛ فبعضهم غاضب لكنه لا يزال محافظاً، وبعضهم يشكك في قدرة الحزبين على تحسين أوضاعه. لذلك، قد تُقرَّر النتائج بأصوات من يغيرون ولاءاتهم، وكذلك من يقررون عدم المشاركة.

المدن والأرياف: انقسام يتجاوز السياسة

بحسب مركز «بيو» للأبحاث، تقدم انتخابات 2024 محطة مهمة لفهم التحولات؛ فقد حصل ترمب على 69 في المائة من أصوات الناخبين الريفيين، مقابل 29 في المائة لكامالا هاريس. وفي المدن، انعكست الصورة: 65 في المائة لهاريس مقابل 33 لترمب. والأهم أن حصة ترمب الريفية ارتفعت من 59 في المائة التي كان حققها في عام 2016 إلى 65 في المائة في 2020، ثم 69 في المائة عام 2024، من دون أن يحقق الديمقراطيون مكاسب مماثلة في المدن.

ويعكس هذا الانقسام تحولات اقتصادية وثقافية؛ ففي المدن حيث تتركز الجامعات والخدمات والتكنولوجيا والوظائف المهنية، يميل الناخبون إلى الديمقراطيين. أما الأرياف التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الزراعة والصناعة والطاقة والنقل، فيجد الخطاب الجمهوري بشأن الضرائب والهجرة والهوية الوطنية صدى أوسع. ومع ذلك، الريف ليس كتلة متجانسة، فهو يضم مجتمعات سوداء ولاتينية وبلدات جامعية، مثلما تضم المدن محافظين وأصحاب أعمال صغيرة يتجاوبون مع الجمهوريين.

في المقابل، يواجه الديمقراطيون بدورهم معضلة حسابية؛ فانتصارات المدن لا تكفي إذا واصل الجمهوريون توسيع تقدمهم في المناطق الأقل كثافة. لذا فهم يراهنون على تقليص خسائرهم الريفية، بينما يعوّل الجمهوريون على استمرار تحالف المحافظين والعمال غير الجامعيين. لكن هل تصمد الولاءات الثقافية أمام الضغوط الاقتصادية؟

الضواحي: الطبقة الوسطى تعيد حساباتها

إذا كانت المدن والأرياف معقلَيْن شبه ثابتين للحزبين، فالضواحي هي المنطقة التي تتداخل فيها الهوية السياسية مع المصالح الاقتصادية. ووفق «بيو»، احتفظ الديمقراطيون في انتخابات 2024 بتقدمهم فيها، لكن هذا التقدم تقلص عملياً من 10 نقاط عام 2020 إلى 4 نقاط فقط، ما أسهم في عودة ترمب إلى البيت الأبيض. وتضم الضواحي موظفين ومهنيين وأصحاب أعمال وعائلات تعتمد على دخلين لتغطية أقساط السكن والتأمين الصحي والتعليم ورعاية الأطفال. وقد تؤيد هذه الفئات خفض الضرائب وتشديد الرقابة على الحدود، لكنها تتحفظ على بعض السياسات الاجتماعية للجمهوريين، كالقيود على الإجهاض مثلاً.

ويراهن الديمقراطيون على استعادة ناخبين خسروهم عام 2024 لأسباب اقتصادية، مستفيدين من تراجع شعبية ترمب. أما الجمهوريون فيحذرون من أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستعني مزيداً من الإنفاق والضرائب.

وتبرز أهمية هذه المنافسة في ولايات بنسلفانيا وميشيغان ونيوجيرسي وأريزونا، حيث تتداخل الضواحي مع المناطق الصناعية والأحياء المتوسطة الدخل. وقد يجمع الناخب الواحد في هذه المناطق، بين موقف محافظ من الهجرة، وموقف ليبرالي من الحقوق الاجتماعية، وقلق متزايد من أسعار السكن والرعاية الصحية.

غير أن التحول نحو الديمقراطيين امتد إلى دوائر أكثر محافظة، حيث نقلت «واشنطن بوست» عن تقرير «كوك» الانتخابي أنه عدّل تصنيف 11 سباقاً للنواب لمصلحتهم، بينها دوائر في أوهايو وكارولاينا الجنوبية وكانساس ونبراسكا. كما أصبحت دائرة في مونتانا فاز فيها ترمب بفارق 12 نقطة عام 2024 ضمن السباقات المتكافئة. وهذا يعني أن الضواحي لم تعد وحدها معرضة للتقلب، بل إن التراجع الجمهوري قد يمتد إلى مناطق كان الحزب يعدّها آمنة نسبياً، ما يفرض عليه توزيع موارده على خريطة أوسع.

لافتة في مصنع في ضواحي أوهايو كتب عليها «طوبى لمن دفعوا ثمن حريتنا» (رويترز)

العمال والمزارعون: ولاء بحسب الأسعار

من مصانع السيارات في ميشيغان إلى حقول الذرة في آيوا، ومن مستودعات النقل في أوهايو إلى الطرق السريعة، يواجه الجمهوريون مفارقة لافتة؛ فبعدما ساعدت فئات بعينها ترمب على الفوز، أصبحت هي نفسها الأكثر عرضة لتداعيات سياساته الاقتصادية والحرب مع إيران، فقد استمال ترمب العمال غير الجامعيين بخطابه المناهض للعولمة وإغلاق المصانع ونقل الوظائف إلى الخارج.

لكن الطبقة العاملة ليست جمهورية بالكامل، فالنقابات الصناعية وبعض المجتمعات العمالية تحتفظ بروابط قوية مع الديمقراطيين، خصوصاً في ولايات الغرب الأوسط. وفي استطلاع «بيو»، تقدم الجمهوريون بين الناخبين الذين لم يتجاوز تعليمهم المرحلة الثانوية بنسبة 39 مقابل 35 في المائة، لكن التعليم لا يعكس بالضرورة الانتماء المهني، فالعمال الصناعيون ليسوا بدورهم كتلة واحدة، وخياراتهم تختلف بحسب القطاعات والنقابات والمناطق ومستوى الأجور.

وتبدو الضغوط أشد في قطاعي الزراعة والنقل، حيث ارتفعت أسعار الديزل بنحو 70 في المائة منذ اندلاع الحرب مع إيران، لتبلغ 6.32 دولار للغالون، رغم إجراءات الإدارة لزيادة الإمدادات وتخفيف الضرائب. ويصيب ذلك المزارعين وسائقي الشاحنات مباشرة؛ لأن الوقود يدخل في كلفة الإنتاج والنقل، وليس فقط في النفقات المنزلية.

وفي مؤشر إلى حساسية الموقف، أعلن ترمب أخيراً في أمر تنفيذي برنامجاً بقيمة 8 مليارات دولار لمساعدة المزارعين على تحمل كلفة الديزل خلال موسم الحصاد، عبر توسيع استخدام المعفى من الضرائب في ظروف محددة.

غيرنوت دولنر الرئيس التنفيذي لشركة «أودي» للسيارات يتحدث إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في جورجيا (رويترز)

لكن المشكلة السياسية للجمهوريين لا تكمن فقط في الأسعار، بل في التناقض بين وعود حماية الاقتصاد المحلي والنتائج التي يلمسها الناخبون، فالرسوم الجمركية التي قدمها ترمب وسيلة لدعم الصناعة الأميركية زادت كلفة المعدات والمواد المستوردة، فيما يضغط ارتفاع الطاقة على أرباح المزارعين وشركات النقل. وهو ما يراهن عليه الديمقراطيون، بينما يعول الجمهوريون على بقاء الروابط الثقافية والمواقف من الهجرة والتجارة أقوى من الغضب الاقتصادي. وقد تكون النتيجة تراجع المشاركة الجمهورية في بعض المناطق، لا انتقالاً جماعياً إلى الديمقراطيين، وهذا فارق مهم في الدوائر التي اعتاد الجمهوريون الفوز بها بهوامش ضيقة.

النساء والشباب: أصوات التغيير

يشكل الناخبون من النساء والشباب قاعدتين أساسيتين للتفوق الديمقراطي، لكنهما تختلفان في الأولويات والسلوك الانتخابي. كما أن الانقسامات داخلهما لا تقل أهمية عن الفوارق بين الحزبين.

ناخبون يسلّمون بطاقات اقتراعهم في فعالية "تحرّك للتصويت" في حديقة سيول الدولية في لوس أنجلوس، كاليفورنيا (أ ب إ)

بحسب «بيو»، يتقدم الديمقراطيون بين النساء بنسبة 45 مقابل 31 في المائة، بينما يتعادل الحزبان بين الرجال عند 42 في المائة. وفي استطلاع «رويترز/إبسوس» الأحدث، اتسع تقدم الديمقراطيين بين النساء إلى 50 مقابل 32 في المائة. وتظل قضية الإجهاض عاملاً مهماً في تعبئة الناخبات، خصوصاً في الضواحي. لكن كلفة المعيشة والرعاية الصحية ورعاية الأطفال تضيف أبعاداً اقتصادية إلى خياراتهن، فالمرأة الجامعية في إحدى الضواحي تختلف سياسياً عن امرأة تعمل في قطاع الخدمات بمنطقة ريفية، رغم اشتراكهما في الضغوط المعيشية.

أما الشباب بين 18 و29 عاماً، فيفضلون الديمقراطيين بنسبة 51 مقابل 23 في المائة، لكن ربعهم تقريباً لم يحسم خياره أو يفضل مرشحاً آخر. وفي استطلاع لمركز «سايكل» بجامعة تافتس، شمل أكثر من 5500 شاب وشابة، قال 56 في المائة إنهم مرجحون للغاية للمشاركة، فيما أبدى 41 في المائة استعداداً أكبر للتصويت إذا توافرت أحزاب أو شخصيات تمثل جيلهم بصورة أفضل. وهذا يعني أن الشباب ليسوا بالضرورة متحمسين للديمقراطيين بقدر رغبتهم في تغيير الوضع القائم.

كما أن مكاسب ترمب بين بعض الشباب، خصوصاً الرجال، عام 2024 لا تعني تحولهم إلى جمهوريين ثابتين. فالقلق من فرص العمل وكلفة السكن والحرب يمكن أن يدفعهم إلى تغيير خياراتهم مجدداً، أو الابتعاد عن الصناديق.

وتبرز أهمية المقترعين للمرة الأولى، الذين لا يحملون بالضرورة ولاءات حزبية متوارثة، لكنهم أكثر عرضة لضعف المشاركة. لهذا، قد لا تكفي الأفضلية الديمقراطية بين الشباب والنساء ما لم تتحول إلى إقبال فعلي، خصوصاً في المدن الجامعية والضواحي المتنافسة.

ملاحظة كتب عليها «ديمقراطيتنا تعتمد على ذلك» خلال فعالية «تحرّك للتصويت» التي أقيمت في حديقة «سيول الدولية» في لوس أنجليس بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

الأقليات: مكاسب على المحك

كان توسيع ترمب حضوره بين بعض الناخبين اللاتينيين والرجال من الأقليات أحد أبرز تحولات 2024، ما أضعف الافتراض بأن التنوع العرقي يصب تلقائياً في مصلحة الديمقراطيين. لكن استطلاعات 2026 تشير إلى أن هذه المكاسب لم تتحول إلى ولاء جمهوري مستقر. وبحسب «بيو»، يفضل 51 في المائة من الناخبين اللاتينيين الديمقراطيين، مقابل 24 في المائة للجمهوريين. وبين الناخبين السود، تبلغ النسبتان 70 و7 في المائة، وبين الآسيويين 56 و16 في المائة. لكن هذه الأرقام لا تعني عودة تلقائية للتحالف الديمقراطي القديم، فالناخبون اللاتينيون يختلفون في أصولهم ودخولهم وأجيالهم ومناطق إقامتهم، ولا تتقدم الهجرة دائماً على الاقتصاد والرعاية الصحية في أولوياتهم.

وتقدم إحدى الدوائر في كولورادو مثالاً لافتاً، حيث عرضت «واشنطن بوست» حالة عاملة صناعية من أصل مكسيكي، لا تنتمي إلى أي حزب، مترددة بين مرشح ديمقراطي تفضل موقفه من الرعاية الصحية، وآخر جمهوري تتجاوب مع سياساته في مجال الطاقة المؤثرة في دخل أسرتها. وتختصر هذه الصورة طبيعة المنافسة؛ الناخب نفسه قد يكون ديمقراطياً في قضية وجمهورياً في أخرى، ما يجعل تصنيفه وفق انتمائه العرقي وحده غير كاف لتوقع تصويته.

وبينما يراهن الديمقراطيون على استعادة أصوات خسروها في 2024، خصوصاً بين اللاتينيين والناخبين الأصغر سناً، يسعى الجمهوريون إلى الحفاظ على اختراقاتهم داخل الطبقة العاملة متعددة الأعراق. وقد تحسم النتائج قدرة الحزبين على مخاطبة هذه الفئات بعدّها جماعات اقتصادية واجتماعية، لا مجرد كتل عرقية.

مشاركون في تجمّع انتخابي في ميشيغان وبدا أحدهم يعتمر قبعة «ماغا» (رويترز)

كبار السن والمستقلون: قوة صامتة

رغم التركيز على الشباب، قد يكون كبار السن أكثر تأثيراً بسبب انتظام تصويتهم. ففي استطلاع «إيه إيه آر بي» الذي شمل 43 دائرة متنافسة، قال 83 في المالئة من الناخبين فوق الخمسين إنهم متحمسون للغاية للتصويت، مقابل 66 في المائة ممن تقل أعمارهم عن الخمسين. ويتقدم الجمهوريون بين الأكبر سناً بنسبة 53 مقابل 43 في المائة، بينما يتقدم الديمقراطيون بين الأصغر سناً بنسبة 60 مقابل 34 في المائة.

وهنا تكمن معضلة الديمقراطيين؛ فالفئات الأكثر ميلاً إليهم ليست بالضرورة الأكثر انتظاماً في التصويت. لكن الاستطلاع أظهر أيضاً أن 21 في المائة من الناخبين فوق الخمسين في الدوائر المتنافسة لا يزالون قابلين للإقناع، وتتصدر أولوياتهم الأسعار والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي.

أما المستقلون فيفضل 40 في المائة منهم الديمقراطيين، مقابل 24 في المائة للجمهوريين، فيما لم يحسم 27 في المائة موقفهم، بحسب «بيو». وهذه كتلة قد تؤثر بصورة غير متناسبة في السباقات المتقاربة، خصوصاً إذا كان قرارها مرتبطاً بالأداء الاقتصادي أكثر من الانتماء الحزبي. والأكثر دلالة أن 77 في المائة ممن صوتوا لترمب عام 2024 يعتزمون تأييد مرشحين جمهوريين، مقابل 87 في المائة من ناخبي هاريس يعتزمون التصويت للديمقراطيين. وبين ناخبي ترمب ذوي النظرة السلبية للجمهوريين، لا يعلن سوى 49 في المائة تأييدهم لمرشحيهم، فيما يتوزع الباقون بين التردد وخيارات أخرى.

وهذا يعني أن الديمقراطيين قد يستفيدون من تراجع حماسة جزء من ناخبي ترمب، من دون إقناعهم بالتصويت لهم. لكن احتمال خسارة الجمهوريين الكونغرس قد تدفع هؤلاء أيضاً إلى المشاركة دفاعاً عن الرئيس وأجندته.

تظهر انتخابية تدعم فيفيك راماسوامي المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية أوهايو إلى جانب لافتات أخرى في ولاية أوهايو (رويترز)

الرهان الأخير: من يخرج للتصويت؟

قبل أقل من أسبوعين على الاقتراع، تبدو البيئة السياسية أكثر ملاءمة للديمقراطيين، لكن السيطرة على مجلسي الكونغرس ليست محسومة؛ ففي مجلس النواب، يحتاج الديمقراطيون إلى 3 مقاعد لانتزاع الأغلبية. أما مجلس الشيوخ، حيث يسيطر الجمهوريون على 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، فيحتاجون إلى 4 مقاعد إضافية.

وبحسب مؤسسة «رول كول» ارتفع عدد الولايات التي تشهد سباقات تنافسية لمجلس الشيوخ من 5 إلى 13، مع اضطرار الجمهوريين للدفاع عن مقاعد في آيوا وكانساس وتكساس وألاسكا. وكشفت «أسوشييتد برس» عن إعادة توزيع الإنفاق الجمهوري بين دوائر مجلس النواب، بينما وسّع الديمقراطيون استثماراتهم إلى مناطق كانت تعدُّ آمنة نسبياً لمنافسيهم. ويراهن الديمقراطيون على تعبئة المدن والنساء والشباب والأقليات والضواحي، مع تقليص خسائرهم الصناعية والريفية.

أما الجمهوريون فيعولون على تماسك قاعدتهم المحافظة والريفية، واستمرار تأييد قطاعات العمال، والتفوق في مشاركة كبار السن.

وتبقى الأسعار القاسم المشترك، بحسب استطلاع «أسوشييتد برس - نورك» الأخير، الذي أظهر أن 85 في المائة من الناخبين يعتبرون الاقتصاد قضية أساسية، و84 في المائة كلفة المعيشة، فيما يضع 64 في المائة حرب إيران ضمن أولوياتهم.

لكن الغضب الاقتصادي قد يؤدي إلى تغيير الأصوات، أو الامتناع عن التصويت، أو تعزيز الولاءات السابقة إذا غاب البديل المقنع. وتظهر هذه الاحتمالات في محاولات الديمقراطيين استعادة حضورهم في ولايات ريفية عبر التركيز على المشكلات المحلية وكلفة الوقود والأسمدة وتأثير سياسات الهجرة على اليد العاملة، بدلاً من الاكتفاء بمهاجمة ترمب.

وقد تصنع بضعة آلاف من الأصوات في دوائر محددة الفارق بين انتصار ديمقراطي واسع واحتفاظ الجمهوريين بأحد مجلسي الكونغرس. وفي هذه المسافة بين الانتماء الحزبي والقلق المعيشي، قد يتحدد مصير الكونغرس، وربما ما تبقى من ولاية ترمب الثانية.


أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
TT

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب

في الأيام القليلة الماضية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات ناشطين في مناطق كثيرة، بمقاطع فيديو وصور فتيات أجبرن على مغادرة مقاعد الدراسة في مدارس أذربيجان؛ لأنهن محجبات. وتداول كثيرون مشاهد استفزت مشاعر ملايين الأذريين، لتلميذات طردن من مقاعد الدراسة، ومعلمات أحطن بأطفال يذرفون دموعاً غزيرة في أثناء مراسم وداع أقيمت على عجل بعدما أجبرن على مغادرة صفوف الدراسة بسبب الحجاب.

كانت مشاهد عشرات الفتيات وهن يحاولن التواصل مع زميلاتهن من خلف أسوار المدرسة، أو اجتمعن في صف على الدرج الخارجي لمواصلة التعليم على الرغم من حظر دخولهن، مثيرة ولافتة، خصوصاً بعدما اقترن الوضع بمحاولات لاقتحام المدارس وخلع أبوابها وإشعال حرائق في بعض الممتلكات العائدة لمديريها. ثم اندلاع احتجاجات صاخبة عمت البلاد، التي حكمت بقبضة من حديد على مدى عقود، ولم يكن مظهر الاحتجاجات النشطة رائجاً فيها.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لمدرّسة أذرية تقوم بتعويض طالباتها عن الدروس خارج بناء المدرسة

علاوة على ذلك، انتشر مقطع فيديو صوّرته معلمة على الإنترنت، تُطالب فيه طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها بخلع حجابها أمام جميع الطلاب. تبكي الطفلة لكنها ترفض الامتثال. في مقطع فيديو آخر، تقف امرأة أمام لوحة مدرسية تحمل صور جنود قُتلوا في حرب كاراباخ، بينهم والد طفلتها، وطالبت بالسماح لابنتها بالذهاب إلى المدرسة أو إزالة صورة والدها.

في اليوم الأول من منع التلميذات من الذهاب إلى المدارس، انتشرت لقطات تُظهر اقتحام المدارس وحرق سيارة مدير مدرسة على الأقل. وقد اعتُقل ما لا يقل عن 200 شخص نتيجةً للاضطرابات الجماهيرية، وهم يواجهون حالياً عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وقالت وزارة الداخلية الأذرية في بيان لها: «الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات هو منع إغلاق الطرق وتعطيل سير العمل الطبيعي للمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الطلاب والمعلمين والمواطنين الآخرين».

والجدير ذكره أن معظم وسائل الإعلام في البلاد تجاهلت الاحتجاجات تماماً. فبينما كان الأطفال وذووهم يحاصرون المدارس في باكو، نقلت وسائل الإعلام الحكومية تغطيات واسعة لزيارة رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيه إلى البلاد. مع ذلك، تُغطي هذه المنشورات نفسها بالتفصيل احتجاجات طلاب المدارس في فرنسا، متهمةً الجمهورية الخامسة بالإمبريالية والاستعمار الجديد.

الرئيس الأذري إلهام علييف (أرشيفية - أ.ف.ب)

كاراباخ الحاضرة

مشهد جديد وصادم؛ حمل على المستوى الرسمي عنوان «احترام علمانية الدولة، وفرض إجراءات تتماشى مع نبذ أي مظاهر دينية أو عقائدية داخل المؤسسات التعليمية». وعلى المستوى الشعبي جاءت الترجمة مناقضة لمبدأ الدفاع عن القيم المتوارثة وهوية المجتمع الذي يمثل المسلمون 96 في المائة منه.

الجديد في المشهد أن الاحتجاجات لم ترفع شعارات سياسية مباشرة خلافاً لموجات احتجاج شعبية شهدتها في السابق بلدان المنطقة. بل عكست خيبة أمل واسعة تجاه حكم حظيت سياساته الخارجية عموماً برضا شعبي واسع.

لكن ذلك لا يعني أن السياسة غابت تماماً، ولكنها غلفت بإطار مختلف نوعياً. وخير مثال على ذلك مشهد السيدة التي نزعت صورة زوجها «الشهيد» التي علقت على جدار المدرسة، وقالت إن المدرسة التي تطرد ابنتها لأنها محجبة يجب ألا تبقى فيها صورة الوالد الذي ضحى بدمائه من أجل «تحرير كاراباخ».

وموضوع كاراباخ كان حاضراً بقوة في الاحتجاجات على مستويين؛ الأول عبر انخراط قدامى المحاربين لاستعادة هذا الجزء من البلاد في النشاطات الاحتجاجية، والثاني مساعي الكثيرين للتذكير بأن السياسات الداخلية التي يحاول الرئيس إلهام علييف فرضها تتعارض مع حجم الالتفاف الجماهيري حول تحركاته كـ«محرر كاراباخ».

الأهم من هذا وذاك، أن كثيرين تداولوا مقاطع فيديو لم يتم التأكد من صحتها، تظهر رفع الأذان في بعض ثكنات الجيش كنوع من الاحتجاج «العسكري» الصامت على ما يجري. وفي حال صحت تلك المقاطع فإن هذا يعكس مستوى الغضب الداخلي وامتداده إلى أكثر المؤسسات التزاماً وصلابة في الولاء لعلييف.

أما الجزء الصادم من المشهد، فتمثل في حجم الاحتجاجات التي انتشرت في البلاد، وشاركت فيها بنشاط فئات لا تظهر في سلوكها اليومي التزاماً دينياً. وإذا ما قال ذلك شيء، فهو أن القبضة الفولاذية التي حكمت البلاد منذ عقود يمكن أن تفلت الأمور منها لأسباب مجتمعية وداخلية لا علاقة مباشرة لها بما يدور حولها من صراعات وحروب.

وزير خارجية أذربيجان جيهون بيراموف ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحضران مؤتمراً صحافياً مشتركاً في موسكو 17 يوليو الماضي (إ.ب.أ)

مقص بطرس الأكبر

عموماً يظهر المشهد واحداً من الحالات الصارخة لـلاحتجاج ضد ما يوصف بأنه «الإصلاحات» المنبوذة جماهيرياً.

ولا شك أن تاريخ المنطقة حافل بأمثلة أبرزها الإصلاحات التي شهدتها روسيا بعد انهيار الدولة السوفياتية، والتي أسفرت عن تفاقم الفقر والجوع ونزول نحو نصف المجتمع إلى ما دون خط الفقر. لكن المقارنة هنا، في الإطار الديني والثقافي والمجتمعي قد تكون أكثر وضوحاً مع استذكار مقص الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر باني الدولة الروسية والمصلح الأبرز في تاريخها.

وتعود الحكاية إلى ما بين عامي 1697 و1698، عندما قام بطرس الأكبر برحلة إلى أوروبا الغربية للتعرف على بلدان تلك المناطق وثقافاتها، وكانت بين نتائج زياراته القرار بإحداث ثورة كاملة في المجال الثقافي والمجتمعي، بما في ذلك في إطار محاربة المظهر العام والأزياء السائدة.

وعند عودته إلى بلاده أجبر بعض النبلاء على حلق لحاهم، بل وقص لحى بعضهم بنفسه، وفرض تقصير ثياب النساء من طبقة النبلاء بعدما كانت الثياب التقليدية الروسية طويلة جداً. كما فرض ضرائب باهظة على من يخالف تعليماته بشأن المظهر العام واللباس. وألزم مرسوم إمبراطوري الأشخاص المقربين من القيصر والنبلاء والمسؤولين وكبار الموظفين بارتداء ملابس شبيهة بملابس الطبقة الأرستقراطية في بلدان أوروبا الغربية حينها.

وعلى الرغم من حماس بطرس الأكبر لتحديث روسيا، واجهت إصلاحاته انتقادات كبيرة. كانت الفترة المحددة لتنفيذ المرسوم قصيرة، كما أن الملابس الأوروبية كانت غير عملية في الشتاء الروسي، حيث اضطر الناس لارتداء ملابس قصيرة وجوارب بدلاً من الفراء الدافئ. بالإضافة إلى ذلك، لم تُطبق الإصلاحات على رجال الدين والفلاحين، الذين كانوا يشكلون غالبية ساحقة من السكان، مما زاد من الفوارق الطبقية وعمّق الانقسام بين «النخبة الأوروبية المحدثة» وبقية الشعب.

لكن علييف ليس بطرس الأكبر، وأذربيجان من جهة المساحة والثقل الجيوسياسي والتأثير لا يمكن مقارنتها بالإمبراطورية الروسية التي كانت في ذلك الحين تولد لتغدو عملاقاً سياسياً مقبلاً. لذلك فإن مقص علييف ضد غطاء الرأس بعيد عن مقص الإمبراطور الروسي، وإن كان يحاول التشبه به.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة أذرية منعت من دخول مدرستها بأمر من الشرطي

احتجاجات منبوذة

الاحتجاج على حظر الحجاب في مدارس أذربيجان، سرعان ما فتح ملف إصلاحات مثيرة للجدل ظلت مشاعر الاستياء تجاهها حبيسة في المجتمع ولم تظهر في تحركات مباشرة على مدار سنوات. لكنها تسللت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون في المدن الأذرية، وبينها، مع رفض مبدأ علمانية التعليم، قرارات الحكومة السابقة بفرض تعديلات دستورية اعتبرتها المعارضة والشارع تراجعاً ديمقراطياً يهدف إلى ترسيخ حكم عائلة علييف. في هذا الإطار جاء تمديد الولاية الرئاسية ورفع مدة الرئاسة من 5 إلى 7 سنوات. واستحداث مناصب جديدة، بينها إنشاء منصب «النائب الأول للرئيس» وتعيين زوجة الرئيس فيه، مع منح الرئيس صلاحية حل البرلمان، فضلاً عن تعديلات تشريعية فرضت عقوبات مالية باهظة وأحكاماً بالسجن على المشاركين في احتجاجات غير مصرح بها.

بالإضافة إلى انتقادات سابقة لسياسات اقتصادية اعتبرت مجحفة، وشهدت البلاد بسببها احتجاجات عمالية وشعبية متفرقة (مثل احتجاجات بلدة إسماعيلي واحتجاجات عام 2020)، رفعت شعارات تتحدث عن سوء توزيع الثروة، وحصر العوائد النفطية بيد النخبة الحاكمة وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت تلك السياسات قد قوبلت بمظاهرات قمعتها الشرطة بحزم، واعتقلت مئات المشاركين بدعوى تنظيم تجمعات غير مرخصة. غير أن الاستياء منها عاد ليطل برأسه خلال الاحتجاجات الحالية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والرئيس الأذري إلهام علييف يوقعان نسخاً من ميثاق الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان في مقر الرئاسة «زاغولبا» في باكو. أذربيجان 10 فبراير الماضي (رويترز)

كرة ثلج في محيط مضطرب

اللافت أيضاً في الأحداث التي تشهدها أذربيجان أنها قد تتحول وفقاً لبعض المعارضين إلى كرة ثلج تتضخم بسرعة رغم كل التدابير التي اتخذها السلطات، وبينها إبطاء سرعة الإنترنت لحرمان الناس من التواصل ونشر الدعوات الاحتجاجية والاطلاع عما يجري في باقي مناطق البلاد. فضلاً عن ملاحقة الناشطين البارزين وفرض إجراءات عقابية حازمة ضد مئات منهم.

ورغم الدعاية الرسمية التي تؤكد أنه لا نية للتراجع عن القرارات المتخذة، يتزايد شعور مجتمعي بأن الحدث الحالي قد تكون له تداعيات واسعة. لكن السلطات تبدي اطمئناناً؛ لأن الاحتجاجات سوف تذوي شيئاً فشيئاً، و«لن يحدث شيء»، وفقاً لفاضل مصطفى، رئيس اللجنة البرلمانية للجمعيات العامة والمؤسسات الدينية، الذي قال إنه كان ينبغي حظر ارتداء الحجاب في المدارس؛ لأنه يسمح للدول الأجنبية «بتسميم» الشباب الأذريين بآيديولوجيتها. وذهبت أيغون مرادخانلي، رئيسة قناة «برايم تي في»، وصف الآباء المحتجين بـ«السلفيين وعملاء إيران».

وقالت: «معظم المتظاهرين ضد حظر ارتداء الحجاب في المدارس هم من ذوي الصلات بإيران. وهناك متظاهرون آخرون من السلفيين، ولا شك في ارتباطهم بمراكز معينة. إن من يبالغون في هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي لا يكترثون بتعليم أبنائهم، وخاصة الفتيات. فهم لا يرسلونهم إلى المدارس أصلاً، بل لديهم مدارسهم الخاصة في الأحياء الراقية في باكو. الجميع يعلم بهذا، لكن الحكومة تجهله لسبب ما».

وصرح إيلخان شاهين أوغلو، رئيس مركز أطلس للدراسات السياسية، لموقع «إن جي» الإخباري بأن أذربيجان دولة إسلامية علمانية، حيث تُمارس الشعائر الدينية بحرية، ويتزايد عدد المساجد باستمرار. وفي الوقت نفسه، تُعزز بعض الدول، بما فيها إيران نفوذها على المسلمين الأذريين، مما يُؤجج النزعات المتطرفة بينهم.

وأضاف: «يشعر المسؤولون الأذريون والمواطنون المؤيدون للعلمانية بالقلق إزاء هذا الأمر. ويمكن استغلال حظر ارتداء الحجاب في المدارس لكشف القوى المتطرفة. أمام العائلات المتدينة خياران: إما السماح لبناتها بارتداء الزي المدرسي، وإما عدم إرسالهن إلى المدارس. ولن تتراجع الحكومة الأذرية».

مظاهرة أمام مقر الإسكوا في بيروت نظمها «كشف المهدي» التابع لـ«حزب الله» تضامناً مع قضية الحجاب في أذربيجان (إ.ب.أ)

مكافحة المعارضة

في المقابل، يعتقد الخبير بشؤون القوقاز، فلاديمير نوفيكوف، أن حظر الحجاب جزء من مكافحة المعارضة في أذربيجان.

ويضيف: «سبق للرئيس إلهام علييف أن نجح في حل مشكلة المعارضة العلمانية، لكن السخط الشعبي بدأ يركز على الدين. لذا، فهو يهاجم هذه القضية أيضاً، ما يعزز سلطته. وفي الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذه العملية عفوية، لكن هناك جهات فاعلة مهتمة بها». فعلى سبيل المثال، عارض أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي، ذلك علناً؛ علاوة على ذلك، هناك بعض الاضطرابات بين النخب القديمة التي برزت خلال حكم حيدر علييف. عموماً، من غير المرجح أن تشهد قضية الحجاب نفسها مضاعفات تهدد استقرار البلاد، لكن من الواضح أن خطاً جديداً من التوتر قد نشأ في أذربيجان وسيستمر في فرض حضوره.

لكن المهم هنا، هو تلك الإشارات المتزايدة إلى إيران وتركيا والنزاع التاريخي مع أرمينيا «حليفة إيران» ما يعطي التطورات الداخلية في أذربيجان بعداً إقليمياً في مرحلة تشهد فيها المنطقة اضطرابات محمومة. ويحمل جزء من الأذريين على سياسة باكو تجاه إيران، التي تضم جالية أذرية مهمة للغاية تشكل نحو ربع السكان. وكان هذا الحضور للأذريين (ثاني أكبر تكتل قومي في إيران بعد الفرس) أحد أبرز أسباب التوتر التاريخي في العلاقات بين باكو وطهران، بسبب مخاوف الأخيرة من استخدام هذا التكتل السكاني الضخم ضد سياساتها.

لكن الأهم هنا مع الاضطرابات المحيطة أن باكو اتخذت خلال السنوات الأخيرة سياسة نشطة للتقارب مع إسرائيل، وتحولت كما يقول معارضون إلى «رأس حربة إقليمية لمحاربة إيران». ويبلغ التغلغل الإسرائيلي السياسي في أذربيجان مستويات متقدمة، وتعد البلاد شريكاً إقليمياً أساسياً لإسرائيل أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً.

المثير هنا أنه رغم عدم وجود أي دليل على دور إسرائيلي في تطوير سياسات العلمنة في أذربيجان واتخاذ القرارات الأخيرة بحظر الحجاب في المدارس، برزت اتهامات لتل أبيب بأنها ساهمت في دفع الحكومة الأذرية لقرارات حاسمة أججت عملياً الأزمة الحالية.

يقول معارضون أذريون إنه لطالما شكلت العلاقات بين باكو وطهران مصدر قلق لإسرائيل. وتسعى وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل إلى إضعاف العلاقات الإقليمية لأذربيجان مع جيرانها المسلمين من خلال التركيز على المواقف المعادية للإسلام في أذربيجان، والمقارنة المتعمدة بين باكو والرأي العام في تركيا وإيران.

يرى البعض أيضاً أن نهج إسرائيل جزء من سيناريو أوسع يهدف إلى توجيه جمهورية أذربيجان نحو هوية علمانية بحتة تتوافق مع تل أبيب.

تركيا... ومصير «شعب واحد في دولتين»

يبرز هنا عنصر آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالسياسات الإقليمية؛ فالعلاقة الوثيقة التي تربط أذربيجان وتركيا والتي تحمل عنواناً سياسياً لافتاً: «شعب واحد في دولتين» تبدو معرضة لاختبار جدي أيضاً في ظل سياسات فرض العلمانية في أذربيجان. وقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مناطق تركية ضد سياسات باكو حول الحجاب جانباً من هذا الاختبار، فضلاً عن أن تفاقم التوتر في علاقات أنقرة وتل أبيب يضع الشريك و«الشقيق» الأذري في موضع تساؤلات متزايدة.

ويكفي هنا أن نقارن بين ردود فعل تركيا وأذربيجان على خطاب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) الذي انعقد أخيراً في باكو. وقد غادر الوفد التركي القاعة في أثناء خطاب هرتسوغ، بينما استُقبل الرئيس الإسرائيلي بحفاوة بالغة في العاصمة الأذرية.