قلق في مناطق المعارضة السورية من التحركات التركية

محتجون في إدلب يوم الجمعة على التقارب التركي مع دمشق (أ.ف.ب)
محتجون في إدلب يوم الجمعة على التقارب التركي مع دمشق (أ.ف.ب)
TT

قلق في مناطق المعارضة السورية من التحركات التركية

محتجون في إدلب يوم الجمعة على التقارب التركي مع دمشق (أ.ف.ب)
محتجون في إدلب يوم الجمعة على التقارب التركي مع دمشق (أ.ف.ب)

يسود جو من القلق والترقب وخيبة أمل كبيرة في الأوساط الشعبية والفعاليات السياسية والثورية والقطاعات العسكرية في مناطق المعارضة بشمال غربي سوريا، حول مصير المنطقة، بعد أن كشف اجتماع وزراء دفاع روسيا وسوريا وتركيا في موسكو الأربعاء 27 ديسمبر (كانون الأول)، مدى التغير المتسارع في الاستراتيجية التركية تجاه النظام السوري والتقارب والتطبيع معه، وانعكاساته المستقبلية على المنطقة، بعد 11 عاماً من القطيعة السياسية الحادة بين الجانبين، واصطفاف تركيا إلى جانب المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري.
* تسلسل التصريحات وخطوات التقارب
أثار لقاء وزير الدفاع التركي ورئيس جهاز الاستخبارات في تركيا ونظرائهم الروس والسوريين في موسكو مؤخراً، حالة من الغضب الشعبي والشعور بخيبة الأمل في تركيا إلى حد انعدام الثقة بتعاملها مع الملف السياسي لصالح المعارضة السورية، بعدما بدا واضحاً مدى التنسيق والتقارب بين تركيا والنظام السوري، الذي بدأت أولى خطواته عندما كشف وزير الخارجية التركية قبل أشهر في تصريح له على وسائل إعلام تركية، أنه تكلم مع وزير الخارجية السوري فيصل المقداد على هامش قمة دول عدم الانحياز في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأكد لنظيره السوري خلال اللقاء أن «السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة هو الحل السياسي والقضاء على الإرهابيين دون أي تمييز بينهم وتحقيق اتفاق بين النظام والمعارضة، وتركيا تدعم هذه الخطوات»، ليؤكد بعد ذلك في تصريحات لاحقة وجود اتصالات بين رؤساء أجهزة الاستخبارات في البلدين، حول عدد من القضايا؛ وأهمها الملف الأمني المتعلق بالبلدين.
وشكل تصريح الرئيس التركي إردوغان مؤخراً، حول إمكانية عقده لقاء مع نظيره السوري بشار الأسد برعاية روسية، الذي قال فيه «إنه لا توجد خصومة دائمة في عالم السياسة»، صدمة كبيرة في أوساط السوريين، وذلك عندما رد على سؤال صحافية في البرلمان التركي، تعقيباً على إعلان زعيم حزب «الحركة القومية» دولت بهتشلي، تأييده للقاء إردوغان مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قطر، واقتراحه إجراء لقاء مع بشار الأسد. وقال إردوغان حينها: «هذا ممكن، فلا يوجد خلاف أو خصومة دائمان في السياسة، يتم اتخاذ الخطوات في هذا الصدد عاجلاً أم آجلاً في الظرف الأنسب».
* ردود فعل المعارضة
وعلى وقع تصريحات المسؤولين الأتراك الأخيرة حول خطوات التقارب بين تركيا والنظام السوري، بدأت الفعاليات الثورية في مناطق شمال غربي سوريا بالدعوة للخروج بمظاهرات شعبية حاشدة، في كل المدن والبلدات الخاضعة لسيطرة المعارضة في إدلب وريف حلب، للتنديد بالموقف التركي الأخيرة تجاه النظام السوري والتقارب معه.
وخرجت يوم الجمعة، عشرات المظاهرات الشعبية الحاشدة تحت عنوان «نموت ولا نصالح الأسد» في مدن إدلب وجسر الشغور وأريحا وبنش ومعرة مصرين وحارم وسلقين وسرمدا، وعدد من البلدات ومخيمات النازحين في محافظة إدلب، إلى جانب مدن الباب وجرابلس وأعزاز وصوران ومارع وأخترين وعفرين وجنديرس والراعي وأتارب وبلدات أخرى في ريف حلب الشمالي، ندد خلالها المتظاهرون بالتقارب بين تركيا والنظام السوري والاجتماعات الأخيرة بين مسؤولي البلدين، والتأكيد على إسقاط النظام ورفضهم لما سمّوها «المؤامرة» الحالية على الشعب السوري، أو التطبيع مع نظام الأسد.
من جانبهم، دعا خطباء المساجد في مناطق إدلب وريف حلب، يوم الجمعة، إلى عدم الاستكان أو الصمت عما يجري من محاولات دولية وإقليمية تقود إلى فرض مصالحة بين السوريين والنظام السوري، وطالب الخطباء بفتح الجبهات والمعارك ضد النظام السوري وحلفائه في أقرب وقت لقطع الطريق على من يحاول التفريط بحقوق الشعب السوري وثورته التي راح ضحيتها ما يقارب مليون شهيد ونزوح الملايين بالداخل والخارج.
* التنازلات أمام القوى الإقليمية والدولية
ويرى العقيد مصطفى بكور وهو ضابط منشق عن قوات النظام، أن رضوخ من تصدر مشهد قيادة المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري للمطالب الدولية والإقليمية، والقبول بمسارات آستانة وسوتشي وهيئة التفاوض واللجنة الدستورية خارج مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كان أهم الأسباب التي أدت إلى إضعاف الثورة وثوارها، وتمكين أي جهة دولية أو إقليمية من اتخاذ أي قرار أو الانخراط بأي مسار سياسي بمعزل عن قوى الثورة، سواء قبلت أو رفضت ذلك.
ويقول العقيد مصطفى بكور إن «كثيراً من العوامل أسهمت في إضعاف الموقف العسكري للثورة وجعلها ضعيفة أمام التدخلات الإقليمية والدولية، وكان من أهم التنازلات العسكرية للثورة السورية التي تصد والتي أضعفتها أمام القوى الإقليمية عدة تنازلات، وأفقد الفصائل فاعليتها، ما جعل أنقرة تتفاوض مع نظام الأسد بمعزل عن رأي المعارضة ومن دون أن تحسب حساباً لردة الفعل، ومنها: 1- الرضا بالاعتماد على الدعم الخارجي الذي منح الإمكانية للخارج للتحكم بمسار الثورة. 2- الانخراط بالمسارات السياسية خصوصاً آستانة وسوتشي. 3- الرضا بارتهان التحرك العسكري على الأرض لرغبة السياسيين الذين يمثلون مصالح دول وليس مصلحة الثورة. 4- الانخراط في الاقتتال الداخلي بين الفصائل بناء على أجندات لا علاقة لها بمصلحة الثورة. 5- تحييد أهل الاختصاص من العسكريين وتصدر المدنيين لقيادة الفصائل العسكرية.
وشدد على أن «السبيل الوحيد للخروج من هذه الدوامة وفك الارتهان للقوى الدولية والإقليمية، هو إعادة تشكيل جيش فتح جديد بقيادة جديدة لم تنخرط بمسارات التفاوض والتنازلات، وتلاحم الحاضنة مع الثوار في مصير واحد وكلمة واحدة، وهذا بالطبع يشكل عامل جذب لكل الشباب المؤمن بالثورة ونعيدها سيرتها الأولى».
من جانبه، قال الناشط الحقوقي أكرم جنيد، إنه «يتعين على تركيا أن تعيد النظر بحساباتها وسياساتها الجديدة تجاه قوى وممثلي الثورة السورية الحقيقيين، ومراجعة مواقفها الأخيرة مع النظام السوري، وأن تفرق في مشروع تقاربها مع النظام السوري، بين مفهوم الثورة والثوار والمعارضة (المصطنعة)، فالثورة قضية شعبية بامتياز طالب فيها الشعب السوري منذ اليوم الأول على اندلاعها قبل 11 عاماً بإسقاط نظام استبدادي ووحشي وديكتاتوري مارس أبشع الجرائم بحق الشعب السوري، وقتل فيها أكثر من مليون مدني وغُيب مصير أكثر من مليون سوري آخر في سجون النظام السرية، وبالرغم من ذلك، ما زال الثوار السوريون عند الهدف الذي خرجوا من أجله، أما المعارضة السورية في الخارج فلا تمثل الثورة ولا ثوارها وتضحياتهم في ميادين القتال مع عصابات الأسد ولا الأحرار في الساحات السورية الذين هتفوا للحرية والكرامة وتعرضوا لأبشع وسائل القمع والقتل والاعتقال، إنما تمثل هذه المعارضة الدول التي ارتهنت لها ولقراراتها».
ويضيف: «تركيا لها الحق في التنصل من اتفاقاتها وتضامنها مع فصائل الثورة السورية والشعب السوري، ولكن ليس لها الحق بفرض مصالحة بين الثوار والنظام السوري، أو استخدام الملف السوري بما فيه ملف اللاجئين السوريين في تركيا ورقة تستثمر فيه الأحزاب التركية فيما بينها، بما فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم، ومحاولته تهدئة تصعيد الأحزاب المعارضة ضده لكسب الانتخابات التركية المقبلة».
* تحذيرات من نتائج التقارب
وفي السياق أصدرت «هيئة تحرير الشام»، الفصيل ذو النفوذ العسكري الأكبر على الساحة في شمال غربي سوريا، بياناً، الخميس الماضي، قالت فيه، إن «الثورة أمام تحدٍّ سياسي جديد يتمثل بتنشيط التواصل مع النظام من قبل أبرز حلفاء الشعب السوري (الدولة التركية)؛ حيث تأتي هذه المحادثات لأجل إحراز تقدم في ملف اللاجئين قبيل الانتخابات التركية المقبلة من جهة، وممارسة مزيد من الضغط على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وأبرز مكوناته حزب العمال الكردستاني من جهة أخرى».
وأشارت إلى أن «النظام السوري الحالي، ومن قبله حكم أبيه حافظ الأسد، هدد الأمن القومي التركي لعقود من خلال دعمه لحزب العمال الكردستاني، وإيواء كوادره وأبرز قادته عبد الله أوجلان، وهو لا يملك النوايا الحسنة للمشاركة بإزالة المخاوف والتهديدات الأمنية لصالح سلامة وأمن تركيا، فضلاً عن عدم قدرته على ذلك، إضافة إلى كونه السبب الرئيسي في دفع ملايين السوريين للجوء، فكيف سيكون هو الحل اليوم، أو يرضى السوريون بالعودة إلى مناطقه التي يسيطر عليها، وإلى هذه اللحظة لم يتغير سلوك النظام السوري أو يبدل نهجه ضد الشعب السوري من قتل وتشريد واعتقال، بل تجاوز ذلك بتحويل المناطق التي يسيطر عليها إلى معامل تصدير الكبتاغون، ورعاية تجارة المخدرات، وبذلك جمع النظام بين ظلمه لشعبه وانتقامه من شعوب المنطقة وحكوماتها، مهدداً الأمن المجتمعي ومستقبل الأجيال».
* استعادة القرار
من جهته، قال الرائد جميل الصالح، قائد فصيل «جيش العزة»، في تغريدة على حسابة في «تويتر»، إنه «حين نكون أقوياء لن نحتاج إلى التنازلات المؤلمة، وحين نكون أقوياء سيكون قرارنا ملكاً لنا غير مستورد أو مفروض علينا وعندئذ لا أحد قادر على مصادرته منا، وأن التحاق الشباب بالفصائل التي تنفذ مطالب أهالي الشهداء وتحمي ثوابت ثورتنا أولى الخطوات الصحيحة».
وأكد العقيد رياض الأسعد، وهو مؤسس «الجيش السوري الحر» الذي تشكل من آلاف الضباط السوريين المنشقين عن النظام السوري، بعد اندلاع الثورة في مارس (آذار) 2011، أن «المصالحة مع عصابة بشار القاتلة المجرمة هي انتحار رغم جميع الظروف التي نمر بها، فلا سلام ولا استقرار بوجود عصابة فاشية إرهابية واحتلال قاتل إرهابي بكل المقاييس الدولية، لما ارتكبوه من جرائم بحق الشعب السوري من قتل وتعذيب وتهجير واستخدام الكيماوي والأسلحة المحرمة دولياً لقتل الشعب».
ولفت الناشط الإعلامي طاهر العمر في إدلب، إلى أنه «يتوجب على الفصائل العسكرية رص الصفوف وفتح معركة كبيرة تقلب الطاولة على جميع المتآمرين، وهذا مطلب الجميع والحاضنة الشعبية، ومعارك التحرير هي من تعطي القوة للثورة السورية، وهي أقوى من المفاوضات والصفقات السياسية، وإن نظام الأسد فعلياً منهار اقتصادياً، ولا يمتلك القدرة على أي معركة برية أو عسكرية بشكل عام ولا حتى الدفاع عن نفسه».
وقال قيادي في فصائل المعارضة بشمال غربي سوريا، رداً على تسريبات صرحت بها صحيفة «وطن» الموالية للنظام السوري، إن أحد أهم الشروط التي تم الاتفاق عليها بين وزراء دفاع تركيا وروسيا والنظام السوري خلال الاجتماع الأخير في موسكو، هو انسحاب القوات التركية من سوريا (دون تحديد المدة الزمنية)، وأن «انسحاب القوات التركية من المناطق التي نشرت فيها القواعد العسكرية، سواء في إدلب أو أرياف حلب، لا يؤثر ميدانياً على موقف المعارضة السورية المسلحة ووجودها، حيث إن الأخيرة على مدار السنوات الأخيرة الماضية، دعمت من وجودها على خطوط التماس وعززت مواقعها العسكرية بمختلف صنوف الأسلحة والمقاتلين المدربين على خوض المعارك وعلى استعداد كامل وجاهزية قتالية لأي سيناريو على الصعيد العسكري واستئناف المعارك ضد قوات النظام من جديد التي أوقفتها اتفاقات تركيا وروسيا في مسارات آستانة وسوتشي».


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

هجوم إرهابي على كنيسة في الكرك يوقع عشرات الضحايا

TT

هجوم إرهابي على كنيسة في الكرك يوقع عشرات الضحايا

مواطنون ورجال شرطة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)
مواطنون ورجال شرطة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)

توعّد الملك الأردني عبد الله الثاني بإنزال «أشد العقوبات» بحق الذين نفذوا هجوماً على كنيسة في الكرك، جنوب البلاد، وأوقعوا عشرات الضحايا.

وقام الملك عبد الله الثاني بزيارة مصابين بـ«الهجوم الإرهابي» و«اطمأن على سلامتهم»، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الأردنية.

 

و‏أكد العاهل الأردني ضرورة «مواجهة العمل الإرهابي الذي استهدف محافظة الكرك بأشد العقوبات»، مُبشّراً بـ«خيبة مساعي من يظنون أن رصاص الغدر سيشق صف الأردنيين»، ومُتعهداً بـ«صلابة الأردنيين ووحدتهم».

وفي تعليق له على منصة «إكس» قال الملك: «إن جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر».

وقدم العاهل الأردني العزاء لذوي القتلى والأمنيات بالشفاء للمصابين، مشدداً على أن «دم الأردني غالٍ، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد».

رجل ينظر عبر فجوة بجدار إلى الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ب)

وفي قرية الحمود التابعة لمحافظة الكرك (150 كم جنوب العاصمة) والتي تقطنها عشائر الهلسة المسيحية، وهي من أكبر العشائر المسيحية في المحافظة، فتح مسلحان اثنان النار من بنادق أوتوماتيكية بشكل عشوائي، مما تسبب في سقوط قتلى وعشرات الجرحى بينهم حالات حرجة، وذلك بحسب فيديوهات كاميرات المراقبة الأمامية للكنيسة التي تم تداولها على نطاق واسع. وظهر مسلح ثالث في الهجوم لكنه لم يتمكن من اطلاق النار، كما يبدو.

شاهد عيان

يروي شاهد عيان لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل مرعبة عاشها الموجودون في محيط الكنيسة. فقرابة الساعة 02:15 ظهراً بتوقيت عمّان دخل مسلحان اثنان وفتحا النار، وبدأت مشاهد الدماء تملء المكان وسط جثث تسبق الدخول لمسرح الجريمة الأكبر داخل صحن الكنيسة. يقول شاهد عيان كان واقفاً على باب الكنيسة إنه لحظة إطلاق النار لم يستوعب ما يحدث إلا عندما أخطأته رصاصة لتستقر في صدر ابن عمته الواقف بمحاذاته، والذي قُتل بين يدي الشاهد.

صورة من شريط فيديو للحظة هجوم المسلحين على الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)

ويزيد صاحب القصة أن لحظة هذيان أصابته بين وفاة ابن عمته بين ذراعيه، ووجود والدة شاهد العيان داخل الكنيسة. وعندها فقط أدرك أن الموت يحاصر المكان، فاندفع والرصاص ينطلق من كل الاتجاهات لنجدة والدته أو افتدائها. ويقول: «لقد ظل إطلاق النار لمدة طويلة، ولم ينجح أحد في ردع المسلحَين».

تلك الصور التي يتحدث شاهد العيان عنها وثّقتها عشرات الفيديوهات التي جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد غير مسبوق في البلاد استهدف أبناء الطائفة المسيحية في محافظة الكرك التي تُعد حاضنة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.

هوية المنفذين؟

كان ذلك قبل أن يُعلن وزير الداخلية الأردني مازن الفراية أن الأردن «أمام عملية إرهابية نفذتها مجموعة من المتطرفين أقدموا على عمل فظيع». ليكشف مدير الأمن العام عبيد الله المعايطة عن ارتفاع عدد الشهداء إلى 7، وارتفاع عدد الإصابات إلى 27 مصاباً.

وكانت الكنيسة استقبلت المعزين بإقامة جنّاز لأحد أفراد العشيرة، وكان المكان مزدحماً بالمعزين، فكان من السهل على المنفذين أن يرتكبا جريمتهما بحق أكبر عدد من الضحايا، وسط تجمع لأبناء القرية الذين عادة ما يجتمعون في مثل هذه المناسبات.

مصادر «الشرق الأوسط» أكدت أن «منفذَي العملية اللذين لاذا بالفرار هما من أبناء المحافظة»، وهما من حملة الفكر التكفيري، وعلى علم بـ«مكان وموعد إقامة الجنّاز»، فكان العمل مدبراً مع سبق الإصرار.

رجل شرطة يتولى الحراسة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ب)

وفي وقت أكدت فيه مصادر «الشرق الأوسط» أنه جرى التعرف على هوية المنفذَين، وأن البحث ما يزال جارياً عنهما، وعن آخرين مشتبه بهم بتشكيل خلية إرهابية، أكدت ذات المصادر أنه تم تطويق مخارج ومداخل المحافظة منعاً لفرار المشتبه بهم.

وأكد اللواء المعايطة «توفر المعلومات عن منفذَي العملية الإرهابية»، وأن «الحديث عن أسماء المشتبه بهم سابق لأوانه»، ورفض المعايطة تحديد مدة لإلقاء القبض على الفارين، وقال: «لا نستطيع تحديد مدة زمنية لانتهائه؛ لأنه مرتبط بطبيعة الموقف».

وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها المحافظة لحادثة إرهابية؛ فقد تابع الكركيون أحداث قلعة الكرك، التي وقعت في ديسمبر (كانون الأول) 2016؛ إذ تمت ملاحقة عناصر ينتمون لتنظيم «داعش»، ليتمكن الإرهابيون من التحصن بقلعة الكرك التي تمت تخبئة أسلحة فيها.

في تلك الحادثة تم حجز رهائن داخل القلعة، واستمرت العملية لأكثر من 15 ساعة، مسفرة عن مقتل 14 من عناصر الأمن ومدنيين وسائحة أجنبية، وإصابة الكثير من الموجودين في محيط القلعة، ومقتل عناصر العملية الأربعة.


وقفات احتجاجية في مدن سورية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية

متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
TT

وقفات احتجاجية في مدن سورية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية

متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)

نفّذ مئات السوريين، الجمعة، وقفات احتجاجية في مدن عدة، وفق ما أفاد به مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» والإعلام الرسمي، تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا والتي أسفرت، هذا الأسبوع، عن مقتل مدني من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وتتهم سوريا إسرائيل بانتهاك اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، عبر توغل قواتها المتكرر في جنوب البلاد، ودَهم منازل السكان، واعتقال أفراد منهم، في موازاة تنفيذ قصف مدفعي وأعمال تجريف، وقطع أشجار.

وتجمَّع المعتصمون في مدن عدة، من بينها دمشق ودوما الواقعة شرقها، وفي مدينة حمص (وسط) وفي بلدة خان أرنبة في ريف محافظة القنيطرة (جنوب)، احتجاجاً على «الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة» في محافظتي القنيطرة ودرعا (جنوب).

سيدة تحمل لافتة خلال مظاهرات للتنديد بالتوغلات الإسرائيلية أمام مقر الأمم المتحدة في دمشق (د.ب.أ)

وحمل المعتصمون، وفق مشاهد بثّها التلفزيون السوري الرسمي، الأعلام السورية ولافتات كتب على إحداها «كلنا معاذ»، في إشارة إلى اسم السوري الذي قُتل، الخميس، «برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال توغلها في قرية جملة» في ريف درعا الغربي، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الرسمية «سانا».

ورفع متظاهر آخر لافتة كتب عليها «سوريا لن تكون ساحة مفتوحة للاحتلال».

وقال تيسير الحريري، وهو مسؤول محلي سابق في بلدة بصرى الحرير في درعا: «الوطن السوري واحد جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، نحن يد واحدة ضد التوغلات الإسرائيلية».

قوات الأمن السورية تنتشر أمام مقر الأمم المتحدة في دمشق خلال مظاهرات تنديد بالتوغلات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وأمام مقر الأمم المتحدة في دمشق، طالبت عائلة سوري اعتقلته إسرائيل بالإفراج عنه. وحمل أفراد عائلته وبينهم طفلان صغيران لافتات جاء فيها «أريد أبي»، وفق ما شاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ إطاحة الحكم السابق أواخر 2024، احتجزت القوات الإسرائيلية 56 شخصاً، لا يزال الجزء الأكبر منهم قيد الاعتقال، وفق مسؤول محلي في محافظة القنيطرة.

ونددت السلطات السورية، الخميس، بمقتل الرجل من ذوي الاحتياجات الخاصة. ورأت «الخارجية»، في بيان، أن «استهداف المدنيين يشكل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني».

وشدّدت على أن «استمرار التوغّلات والاعتداءات على المواطنين السوريين يشكل انتهاكاً لسيادة» البلاد «وتهديداً لأمن المنطقة واستقرارها».

وأعرب نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني، عبر منصة «إكس»، الخميس، عن أسفه إزاء «مقتل شاب سوري مدني من ذوي الإعاقة على يد القوات الإسرائيلية»، داعياً إسرائيل إلى «احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها والقانون الدولي».

متظاهرون يلوّحون بالعلم السوري خلال وقفات احتجاجية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا (أ.ب)

وبعد إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنّت القوات الإسرائيلية مئات الغارات على سوريا. وتوغّلت قواتها خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان التي تحتل معظمها منذ عام 1967، وصولاً إلى جبل الشيخ الفاصل بين لبنان وسوريا. وأعلنت عزمها على إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مؤكدة أن قواتها ستبقى في المنطقة.

وعملت القوات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة على تجريف حقول واسعة مزروعة بأشجار الزيتون في محافظة القنيطرة. وخاضت السلطات الجديدة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، من دون إحراز أي تقدم بعد.


إيطاليا تدعو لإطلاق سراح 5 ناشطات تحتجزهن إسرائيل في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
TT

إيطاليا تدعو لإطلاق سراح 5 ناشطات تحتجزهن إسرائيل في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)

قال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، الجمعة، إن إيطاليا تطالب بالإفراج الفوري عن 5 ناشطات إيطاليات تحتجزهن القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وأفادت مصادر في وزارة الخارجية الإيطالية بأن النساء الخمس احتُجزن، الخميس، على أيدي الشرطة الإسرائيلية في كريات أربع برفقة ناشطين أجانب آخرين، في أثناء محاولة توفير حماية للمزارعين الفلسطينيين خلال موسم حصاد الزيتون.

وأضاف تاياني للصحافيين على هامش قمة دولية في إسطنبول: «ما حدث أمر غير مقبول، فهن لم يرتكبن أي جريمة»، مضيفاً أنه يأمل في الإفراج عنهن في غضون ساعات، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأوضحت المصادر أن السلطات الإسرائيلية أبلغت دبلوماسيين إيطاليين، في وقت سابق من اليوم، بأن من المتوقع تحويل النساء إلى سلطة الهجرة الإسرائيلية، الجمعة، بانتظار إجراءات الترحيل والإعادة إلى الوطن.

وطلبت «الخارجية الإيطالية»، الخميس، من السلطات الإسرائيلية «توضيحات عاجلة» بشأن توقيف عدد من الناشطات الإيطاليات في الضفة الغربية المحتلة.

وقالت الوزارة، في بيان، إن المواطنات الإيطاليات اعتُقلن «بالتزامن مع نشطاء دوليين آخرين» في قرية البويب جنوب الخليل بالضفة الغربية «في أثناء مرافقتهم مزارعين فلسطينيين في قطف الزيتون».

وخلال موسم الزيتون، هذا العام، قالت السلطات الفلسطينية إن 3 فلسطينيين قُتلوا في هجمات يومية شنها مستوطنون متطرفون، وتسببت هذه الهجمات أيضاً في إصابة عدد من الصحافيين والدبلوماسيين الأوروبيين ورئيس بلدية فرنسي.

وذكرت منظمة «ييش دين» الحقوقية الإسرائيلية أن العنف «جزء من حملة تطهير عِرقي، تمهد الطريق لضم الضفة الغربية من دون سكانها الفلسطينيين».

وتقول إسرائيل، التي سبق أن بحثت فكرة الضم، إنها تحقق في بعض الوقائع.