«الشرعية الدولية» تهدد «المصالحة الفلسطينية» قبل لقاء الجزائر

عباس يقول إنها أساس الاتفاق... و«حماس» تتهمه بالعرقلة

الرئيس محمود عباس مترئسا اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح برام الله (وفا)
الرئيس محمود عباس مترئسا اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح برام الله (وفا)
TT

«الشرعية الدولية» تهدد «المصالحة الفلسطينية» قبل لقاء الجزائر

الرئيس محمود عباس مترئسا اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح برام الله (وفا)
الرئيس محمود عباس مترئسا اجتماع المجلس الثوري لحركة فتح برام الله (وفا)

وضع الرئيس الفلسطيني محمود عباس شروطه لإجراء المصالحة الفلسطينية الداخلية، قائلاً أمام اجتماع للمجلس الثوري لحركة «فتح»، وهو ثاني أعلى هيئة تنظيمية بعد «اللجنة المركزية»، إن الحركة ستمضي في إجراء المصالحة، على أساس اعتراف جميع الفصائل بمنظمة «التحرير» كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني والقبول بالشرعية الدولية.
الاعتراف بمنظمة «التحرير» متفق عليه في اتفاق المصالحة الأخير في الجزائر، لكن مع التأكيد على انضمام حركتي «حماس» و«الجهاد» لهذا الإطار، وهي مسألة تواجه خلافاً حول كيفية حدوث ذلك؛ إذ تطلب «حماس» إتمام الأمر على أساس ترفضه حركة «فتح» في هذا الوقت، وهو إعادة بناء المنظمة وتجديد قيادتها وبرنامجها عبر الانتخابات.
وتريد «فتح» أولاً إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية لإنهاء الانقسام في السلطة حتى لا ينتقل للمنظمة، ثم بعد ذلك يمكن إجراء انتخابات في المنظمة على قاعدة الاعتراف بالشرعية الدولية، وهو الطلب القديم المتجدد الذي ترفضه حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي»؛ لأنه ينضوي على اعتراف ضمني بحق إسرائيل بالوجود.
وقبل طلب عباس من الفصائل الاعتراف بالشرعية الدولية، كانت حركة «فتح» تطلب اعتراف أي حكومة توافق على الأقل، بالشرعية، وسبّب هذا خلافاً. وأوضح عباس موقفه بقوله لأعضاء «الثوري»: «نريد حماية مصالح شعبنا».
وجدد عباس التأكيد على الالتزام بإجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية، باعتبارها الأساس لبناء منظومة سياسية قائمة على تبادل السلطة عبر صناديق الاقتراع، على أن تشمل جميع الأراضي الفلسطينية بما فيها مدينة القدس حسب الاتفاقات الموقعة برعاية دولية كما حصل في الأعوام (1996، و2005، و2006)، لكنه لم يحدد وقتاً لذلك، كما لم يتطرق لانتخابات المنظمة.
وجاء موقف عباس قبل اجتماع مرتقب للفصائل الفلسطينية في الجزائر نهاية الشهر الحالي؛ إذ تنوي الجزائر دعوة الفصائل لها من أجل دفع اتفاق المصالحة الذي وقع هناك في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ولم يبدأ تنفيذه بعد.
وكانت الفصائل قد وقعت على إعلان جزائري متعلق بتحقيق مصالحة فلسطينية عُرف بوثيقة «إعلان الجزائر»، وتضمن التأكيد على اتخاذ الخطوات العملية لتحقيق المصالحة الوطنية عبر إنهاء الانقسام، وتعزيز وتطوير دور منظمة «التحرير الفلسطينية» وتفعيل مؤسساتها بمشاركة جميع الفصائل الفلسطينية، وانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج حيثما أمكن، بنظام التمثيل النسبي الكامل، والإسراع بإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، وتوحيد المؤسسات الوطنية الفلسطينية.
وتضمن الإعلان أن يتولى فريق عمل جزائري – عربي الإشراف والمتابعة لتنفيذ بنود هذا الاتفاق بالتعاون مع الجانب الفلسطيني، وتدير الجزائر عمل الفريق.
وخلال سنوات طويلة، وقعت حركتا «فتح» و«حماس» سلسلة اتفاقات اصطدمت جميعها بالتطبيق على الأرض، مما سيختبر الاتفاق الجديد الذي يبدو أن مسألة منظمة «التحرير» والاعتراف بالشرعية الدولية، ستحولانه إلى اتفاق آخر بلا تنفيذ.
وقال رئيس دائرة العلاقات الوطنية في حركة «حماس»، إن إصرار عباس على «قبول الفصائل الفلسطينية بالاعتراف بما يسمى الشرعية الدولية كشرط للمصالحة الوطنية يتعارض مع (إعلان الجزائر) ويؤخر تنفيذه». وأضاف: «هذا لا يعزز الوحدة الوطنية».
وكانت «حماس»، على لسان خليل الحية نائب رئيس الحركة في قطاع غزة، قد أوضحت موقفها من المصالحة، وكيف يمكن أن تنجح قبل لقاء الجزائر المرتقب، قائلاً إن الحركة تريد استعادة الوحدة على برنامج ورؤية مقاومة وبناء برنامج وطني وقيادة وطنية موحدة، وإعادة تعريف ماهية السلطة الفلسطينية، والتوافق على مرحلة انتقالية يجري فيها تشكيل لجنة تنفيذية وبرنامج وطني فلسطيني وبرنامج توافقي لإعادة بناء المرجعية الوطنية.
وأضاف: «حالتنا الوطنية تحتاج إلى قيادة وطنية جامعة تحمل رؤيتنا ممثلة بالمنظمة»، موضحاً: «نريد أن تجري الانتخابات ما أمكن، والتوافق وطنياً على مرحلة انتقالية لإعادة بناء منظمة (التحرير) وتشكيل مجلس وطني بالتوافق». وتحدث الحية عن الحاجة أيضاً إلى حكومة «تستجيب للواقع الفلسطيني بعيداً عن الشروط الخارجية».
وتشير رؤية عباس و«حماس» إلى أن الحركتين تتمسكان بمواقفهما السابقة. ويتوقع أن يتبنى «المجلس الثوري» موقف عباس في هذا الشأن.
وقد واصل «الثوري»، الاثنين، أعمال دورته العاشرة التي افتُتحت في مقر الرئاسة برام الله، الأحد.
ويناقش المجلس في دورته العاشرة التي عُقدت بعنوان «مقاومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني بكل الوسائل المشروعة»، الأوضاع السياسية على صعيد القضية الفلسطينية، وعدداً من القضايا الداخلية المتعلقة بالحركة.
وأثار عباس أمام «الثوري» عدة نقاط ستكون محور بيانه الختامي. وقال: «نحن في مرحلة غاية بالدقة والصعوبة نتيجة للمتغيرات في المنطقة والعالم، مما يتطلب من كل أبناء شعبنا وقيادته في الوطن والخارج، والأمتين العربية والإسلامية، وكل مؤيدي القضية الفلسطينية، التكاتف والوحدة لمواجهة هذه المتغيرات».
وطلب عباس مناقشة ما يجب القيام به في مواجهة الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي يشارك فيها عتاة المتطرفين الإسرائيليين، ودعا إلى تدعيم صمود الفلسطينيين والتمسك بالثوابت الوطنية ومواجهة الرواية الصهيونية، وحشد الدعم العربي والدولي لحماية حقوق القضية.
كما تحدث عن حشد الدعم لنيل المزيد من الاعتراف من قبل الدول الأوروبية بدولة فلسطين، ودعم الطلب الفلسطيني بالحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وتطبيق قرار مجلس الأمن رقم (2334) والقرارين (181) و(194)، وأيضاً تفعيل شبكة الأمان العربية.
وقال عباس أيضاً: «إننا سنواصل الانضمام للمنظمات الدولية والتوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على العضوية الكاملة، ومطالبة الدول التي لم تعترف بفلسطين الاعتراف بها».


مقالات ذات صلة

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي استمرار القتل في المجتمع العربي... وأم الفحم تتهم الأمن الإسرائيلي بالتقصير

استمرار القتل في المجتمع العربي... وأم الفحم تتهم الأمن الإسرائيلي بالتقصير

اتهمت بلدية أم الفحم في إسرائيل الأجهزة المكلفة تطبيق القانون، التي يقف على رأسها وزير الأمن إيتمار بن غفير، بالتقصير في محاربة جرائم القتل، وموجة العنف التي تعصف بالمجتمع العربي، واعتبرت أن هذا التقصير هو السبب الرئيسي في استمرار وتفاقم الجريمة. وجاء بيان البلدية بعد مقتل الشاب مهدي حريري البالغ من العمر 19 عاما من سكان أم الفحم، بإطلاق النار عليه على طريق بالقرب من (الطبية)، وهو الحادث الذي أصيب فيه كذلك شاب عشريني من سكان برطعة بجروح بين طفيفة ومتوسطة، وفي ضوء تحريض علني من صحيفة «الصوت اليهودي» التابعة لحزب «القوة اليهودية» الذي يتزعمه بن غفير، على أبناء أم الفحم في قضية الجريمة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي محمد بن سلمان ومحمود عباس يستعرضان مستجدات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية

محمد بن سلمان ومحمود عباس يستعرضان مستجدات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية

اجتمع الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة اليوم، مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وجرى خلال الاجتماع استعراض مستجدات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، والتأكيد على مواصلة الجهود المبذولة بما يكفل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفقاً لمبادرة السلام العربية والقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي أبو مرزوق ينأى بـ«حماس» عن تصريحات السنوار

أبو مرزوق ينأى بـ«حماس» عن تصريحات السنوار

قال موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، إن حركته ليست جزءاً من أي محور سياسي أو عسكري في المنطقة، بغض النظر عن الاسم والعنوان، في تصريح يناقض فيه تصريحات رئيس الحركة في غزة يحيى السنوار التي قال فيها إن حركته جزء مهم من المحور الذي تقوده إيران في سوريا ولبنان واليمن. وجاء في تغريدة لأبو مرزوق على حسابه على «تويتر»: «نحن حركة مقاومة إسلامية، ونسعى لعلاقات مع كل القوى الحية في المنطقة والعالم، وليس لنا عداء مع أي مكون، سوى العدو الصهيوني». وأضاف مسؤول مكتب العلاقات الدولية في المكتب السياسي لحركة «حماس»: «نشكر كل من يقف معنا مساعداً ومعيناً، وليس هناك من علاقة مع أي طرف على حساب طرف

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي عباس: الأمم المتحدة ستحيي ذكرى النكبة «لأول مرة» في مايو المقبل

عباس: الأمم المتحدة ستحيي ذكرى النكبة «لأول مرة» في مايو المقبل

قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إن الأمم المتحدة ستحيي الذكرى 75 لنكبة الشعب الفلسطيني لأول مرة، في 15 مايو (أيار) المقبل. كلام عباس جاء خلال إفطار رمضاني أقامه في مقر الرئاسة بمدينة رام الله (وسط)، مساء السبت، بحسب وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية «وفا». وشارك في الإفطار قادة ومسؤولون فلسطينيون، ورجال دين مسلمون ومسيحيون، وعدد من السفراء والقناصل، وعائلات شهداء وأسرى وجرحى. وبحسب «وفا»، طالب عباس «الفلسطينيين في كل مكان بإحياء الذكرى 75 للنكبة، لأنه لأول مرة، لا يتنكرون (الأمم المتحدة) فيها لنكبتنا».

«الشرق الأوسط» (رام الله)

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يواجه أطفال قطاع غزة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مساراً طويلاً لاستعادة ما فاتهم من التعليم، في ظل فجوات في القراءة والكتابة والحساب، ومدارس مدمّرة، وأعباء نفسية ومعيشية تعرقل انتظام الدراسة.

ويرى خبيران تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، أن معالجة ما فقده أطفال غزة قد تتطلب برامج تمتد لسنوات، تبدأ بتحديد ما يعرفه كل طفل وما يحتاج إلى تعلّمه.

مشاكل القراءة والكتابة

خلال وجوده في غزة، عاين الدكتور أحمد كمال جنينة، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى بغزة، آثار انقطاع أطفال القطاع عن التعليم من خلال تجربته مع أبنائه، وحديثه مع أقارب وأولياء أمور التلاميذ ليكتشف أن أبرزها عجز الأطفال عن القراءة والكتابة من الأساس.

ويقول جنينة الذي يشارك كزميل مقيم في معهد رادكليف للدراسات المتقدّمة بجامعة هارفارد الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أننا أمام فاقد تعليمي عميق يتراكم مع مرور الوقت، ويتفاوت حجمه من طفل إلى آخر».

وتحمل العودة إلى الدراسة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب في قطاع غزة، أسئلة عن مستوى الأطفال الفعلي، وما تتيحه ساعات التعليم المتاحة، وكيفية بناء برامج تساعدهم على متابعة دراستهم دون أن تتراكم فجوات جديدة.

وتشمل الفجوات مهارات تعلّمها الأطفال ثم ضعفت بسبب غياب الممارسة، وأساسيات لم تُتح لآخرين فرصة اكتسابها أصلاً. ومع الانتقال الإداري إلى صفوف أعلى، قد يبقى ضعف القراءة عائقاً أمام متابعة مواد أخرى، فتتراكم صعوبات جديدة فوق ما لم يُعالج من قبل. وتُضاف إلى ذلك خسارة الروتين المدرسي والتفاعل اليومي مع المعلّمين والأقران، وما يتيحه هذا التواصل من علاقات وتجارب تسهم في تكوين الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية والحياتية، وفقاً لجنينة.

طلاب فلسطينيون خلال حصة فنية في مدرسة أُنشئت بدعم من منظمة «يونيسف» داخل مخيم للنازحين في بلدة القرارة بمدينة خان يونس عام 2025 (أ.ف.ب)

وفي مؤشر إلى محدودية فرص التعلّم، يستشهد جنينة بمسح أجرته «يونيسف» بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وشمل 2071 أسرة في غزة. وأظهر أن 68 في المائة من الأطفال بين الخامسة والحادية عشرة شاركوا في أنشطة تعليمية لمدة ثلاثة أشهر أو أقل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى إجراء المسح. وتصف هذه النسبة مدة المشاركة في التعليم، أما تحديد مقدار التراجع في المهارات، فيحتاج إلى تقييم مباشر.

احتياجات تسبق الاستفادة من الدرس

وقد تتعثر استفادة الطفل من التعليم بسبب احتياج صحي أو نفسي لم يُنتبه إليه. هنا، يستحضر جنينة تجربة وثّقتها منظمة «وور تشايلد»، المتخصصة في دعم الأطفال المتأثرين بالحروب ومقرّها هولندا، لطفل فلسطيني يبلغ من العمر 7 سنوات يدعى «كريم»، في دير البلح وسط القطاع.

بعد فقدان والده ومنزله، واجه كريم صعوبة في المشاركة والبقاء في مركز التعلّم، ومع الدعم النفسي والأنشطة الجماعية والتعليم التعويضي، وتوفير نظّارات لمعالجة صعوبة بصرية، بدأ يشارك بثقة أكبر.

وفي تحليل لجنينة، تُبيّن هذه الحالة أهمية معالجة احتياجات قد تتوقف عليها قدرة الطفل على التفاعل مع المعلّم والاستفادة من الدرس.

أطفال فلسطينيون نازحون يشاركون في جلسات دعم نفسي داخل مرسم يستخدم حيوانات أليفة وطيوراً في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة عام 2026 (أ.ف.ب)

وتَرِد مؤشرات أخرى في مسح «يونيسف»، الذي أبلغ فيه أهالٍ عن اضطرابات نوم وانسحاب اجتماعي وتغيّرات سلوكية لدى أطفالهم، بما يستدعي مراعاة احتياجاتهم النفسية والاجتماعية عند استعادة الدراسة.

ويقول جنينة: «أعتقد أنه لا يمكن فهم ما يواجهه الطفل داخل الصفّ بمعزل عن ظروف حياته خارجه»، فمكان النوم، والشعور بالأمان، وتوافر مساحة للدراسة، وشخص يساعد في متابعة الدروس، كلها عوامل تدخل في قدرته على التركيز والاستمرار.

وقد عاين الدكتور جنينة أثر غياب الاستقرار أيضاً لدى طلبته الجامعيين؛ فمنهم من عرقل النزوح المتكرر دراسته، ومنهم من انتظر الليل بحثاً عن الهدوء، وسط صعوبات تأمين الإنترنت وشحن الهواتف والوصول إلى المواد التعليمية. وهذه شهادات تخصّ التعليم الجامعي، لكنها توضح جانباً من المشقة التي بات يتطلّبها الوصول إلى الدرس قبل البدء بمتابعته وفهمه.

تجربة سابقة وحدود المقارنة

توجد خبرات سابقة تشير إلى إمكان تحقيق تقدّم في المهارات الأساسية عبر التعليم التعويضي. ومن بينها برنامج وثّقته «يونيسف» عام 2021، وأكمله خمسة آلاف طفل من الصفوف الأول إلى الرابع في غزة، ارتفع فيه متوسط نتائج اختبار الرياضيات من 37 في المائة قبل البرنامج إلى 95.5 في المائة بعده، بحسب المثال الذي يستحضره جنينة.

لكن الفارق بين ظروف تلك التجربة والواقع الراهن يمنع استخدامها لتحديد مدة التعويض اليوم. ويشرح جنينة: «نتعامل مع نظام تعليمي فقد معظم مدارسه ومرافقه، إلى جانب ما تعرّض له المعلّمون والأطفال وأُسرهم من قتل ونزوح وفقدان وجوع وظروف معيشية قاسية. ولذلك لا يمكن القياس على تجربة عام 2021 لتقدير المدة التي يحتاج إليها الأطفال للتعافي من آثار الحرب الحالية».

وتبقى قيمة التجربة في إظهار إمكان الاستفادة من التدخّلات التعويضية، مع الاستعداد لبرامج تمتد لسنوات، تُراجَع أهدافها ونتائجها باستمرار. ويحذّر جنينة من أن يتحوّل العمل إلى سباق لإنهاء المناهج وإجراء الامتحانات وترفيع الطلبة: «فالغاية هي أن يتعلّم الطفل فعلاً ويمتلك المهارات التي يحتاج إليها لمواصلة تعليمه دون أن تتراكم عليه فجوات جديدة».

أطفال فلسطينيون يحملون حقائبهم المدرسية ويسيرون بين خيام مؤقتة في مدينة غزة يوم 28 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

المعلّمون وشركاء التعافي

تحتاج هذه البرامج إلى معلّمين قادرين على الاستمرار في عملهم، بينما يعيشون هم أنفسهم ظروف الحرب والنزوح والفقدان والضغوط المعيشية والنفسية. ويضع جنينة توفير دخل مستقر ودعم نفسي ومهني لهم في صلب استعادة التعليم، حتى يستطيعوا متابعة الأطفال والتعامل مع التجارب القاسية التي مرّوا بها.

وتبقى الأولوية لتحقيق التعافي، وفق جنينة، «وقف الاعتداءات والقتل المستمر، وضمان سلامة الأطفال والمعلّمين، وتوفير أماكن آمنة يمكنهم الوصول إليها والتعلّم فيها». ويرى أنه بالتوازي مع مواصلة التعليم في المساحات المؤقتة، لا بدّ من إصلاح المدارس المتضررة وتلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال بما يُمكّنهم من الانتظام في الدراسة.

أما وضع الخطط وتنفيذها، فيقتضي مشاركة أساسية من أصحاب الخبرة المحلية. وفي تعبير جنينة: «والأهم أن يكون للمعلّمين والمؤسسات التعليمية الفلسطينية دور أساسي في وضع خطط التعافي وتنفيذها، بمشاركة أهالي الطلبة، فهم الأعرف باحتياجات الأطفال وبالظروف التي يعيشونها».

حين تُستهلك الحصة في المراجعة

وفي تفاصيل العمل اليومي داخل الصفوف والمساحات المؤقتة، تظهر عقبات أمام تحويل خطط التعويض إلى تقدّم مستمر. ويشرح رائد أبو مخدة، المتخصص في الإدارة المدرسية والتعليم في ظروف الطوارئ، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، كيف يعطّل غياب أيام الدوام المتواصلة البناء على ما يتعلّمه الأطفال.

ويصف أبو مخدة ذلك بقوله: «نبدأ مهارة، ثم ينقطع الحضور، فنعود إلى مراجعتها بدل البناء عليها. ويصبح جزء كبير من الوقت المتاح مخصصاً لاستعادة ما سبق شرحه».

أطفال فلسطينيون يجلسون في فصلهم الدراسي في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد داخل مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

لذلك، لا يكفي عدّ أيام الغياب لتقدير ما خسره الطفل. فأيام الحضور نفسها قد تكون قصيرة ومتباعدة، أو يصل فيها الطفل مرهقاً أو جائعاً أو خائفاً، فتضعف استفادته من الوقت المتاح، وفق أبو مخدة.

وفي المساحات المؤقتة، يواجه المعلّم قيوداً إضافية؛ يوضح أبو مخدة: «الضوضاء وتقارب المجموعات قد يجعلان الاستماع والتركيز صعبين، ويحدّ ضيق المكان من الأنشطة والعمل في مجموعات ومتابعة كل طفل». ويشير إلى افتقار الخيام إلى الحماية المناسبة من تقلّبات الطقس، وقد تنقصها المقاعد والسبورة والكتب والوسائل التعليمية والمرافق الصحية الملائمة.

أما اختصار الدوام فيقلّص وقت الشرح والتدريب والتقييم، وقد ينتهي الدرس قبل التأكد من فهم الأطفال أو مساعدة المتعثرين. ويلخّص أبو مخدة حدود هذه الاستجابة بقوله: «الخيمة قد توفر مكاناً للدرس، لكنها لا توفر وحدها مقوّمات مدرسة قادرة على معالجة فاقد متراكم».

مجموعات بحسب المهارة

تبدأ المعالجة، في التصوّر الذي يطرحه أبو مخدة، بتقييم تشخيصي للقراءة والكتابة والحساب، ثم توزيع الأطفال على مجموعات بحسب مستوى المهارة، وتقديم تعليم علاجي منتظم بأهداف محدّدة ومتابعة مستمرة.

ويقتضي ذلك تدريب المعلّمين على التعامل مع تفاوت المستويات، وتوفير مواد تعليمية مناسبة، وإتاحة وقت كافٍ للتدريب والتحقق من الفهم. فلا يصحّ افتراض امتلاك الطفل مهارات الصف الذي وصل إليه بحسب عمره، قبل معرفة ما يستطيع إنجازه فعلياً.

وتختلف القدرة على التعويض بحسب العمر والمستوى السابق وطول الانقطاع والظروف النفسية والمعيشية؛ فقد تتحسّن مهارات محددة خلال أشهر إذا توافر انتظام حقيقي، فيما قد تستغرق معالجة الفجوات المتراكمة عدة سنوات. وهي تقديرات تربوية مشروطة، بحسب أبو مخدة، لا مواعيد مضمونة لإنجاز التعافي.

ويظل استمرار الدراسة شرطاً للحفاظ على أي تقدّم: «استمرار الانقطاع يعني أن الطفل يحاول التعويض بينما يتكوّن لديه فاقد جديد»، بحسب أبو مخدة.

طالب فلسطيني ينظر إلى داخل فصله الدراسي في أثناء حضوره اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مَن يواجه الخطر الأكبر؟

تترك الفجوات آثاراً مختلفة تبعاً للمرحلة العمرية؛ ففي الصفوف الأولى، يمتد ضعف المهارات التأسيسية إلى بقية المواد، ويصبح فهم السؤال نفسه عقبة أمام متابعة الدرس أو أداء الاختبار. وبعبارة أبو مخدة: «الطفل الذي لا يستطيع قراءة السؤال لن يتمكن من إظهار معرفته حتى إن كان يفهم بعض محتواه».

أما الطلبة الأكبر سناً، فقد تدفعهم الحاجة إلى العمل أو المسؤوليات الأسرية أو فقدان الأمل في استكمال الدراسة إلى الابتعاد النهائي عن التعليم، وفق أبو مخدة الذي يشير إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة، ومن تعرّضوا لإصابات أو فقدان أو نزوح متكرر، يواجهون صعوبات إضافية مع نقص الخدمات المتخصصة. ولهذا، يرى أن برامج التعويض تحتاج إلى متابعة المنقطعين والمعرّضين للتسرّب، وتقييم النجاح بما أصبح الطفل قادراً على قراءته وكتابته وفهمه، إلى جانب متابعة انتظامه واستمراره، دون الاكتفاء بأعداد المسجّلين والحصص المنفّذة.

ويختصر أبو مخدة شروط هذا العمل بقوله: «التعويض يحتاج إلى وقت واستقرار وموارد، والحديث عن التعافي التعليمي دون توفير هذه الشروط يحمّل الأطفال والمعلّمين مسؤولية ظروف لا يملكون تغييرها».


الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
TT

الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)

فتح الرئيس السوري أحمد الشرع أبواباً للشراكة مع بغداد، واستقبل في دمشق أمس، رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي.

وتعدّ زيارة الزيدي الأولى من نوعها لرئيس وزراء عراقي منذ سقوط نظام الأسد. وقالت مصادر مطلعة في دمشق إنها تشكّل «منعطفاً جوهرياً» في علاقات البلدين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو شراكة استراتيجية تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية.

وسعى الزيدي إلى إظهار التقارب المذهبي عبر زيارته الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، وتبرعه من «حسابه الشخصي» بـ10 ملايين دولار لاحتياجات المعلمين الدينيين بالمناصفة.


سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيين، أمس، في سادس اعتداء عليه خلال أيام، ما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين وأضرار مادية.

وأوضحت القوات المسلحة اليمنية، في بيان، أن هذا الاعتداء يؤكد استمرار نهج الميليشيات العدائي وانتهاكاتها السافرة.

ودخلت عملية «فجر اليمن»، أمس، يومها الرابع والعشرين، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز، واستمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب.

واتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن، مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية بريف محافظة لحج ومحيط تعز. وأفاد «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بأن الدفاع الجوي السعودي اعترض ودمّر صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون باتجاه محافظة الطائف.