مباحثات ملك البحرين مع الرئيس الإسرائيلي تؤكد تعزيز التعاون الاقتصادي

المنامة وتل أبيب تتفقان على مواجهة التحديات الإقليمية وحماية أمن المنطقة

حمد بن عيسى آل خليفة يتحدث مع هرتسوغ خلال لقائهما المشترك (د.ب.أ)
حمد بن عيسى آل خليفة يتحدث مع هرتسوغ خلال لقائهما المشترك (د.ب.أ)
TT

مباحثات ملك البحرين مع الرئيس الإسرائيلي تؤكد تعزيز التعاون الاقتصادي

حمد بن عيسى آل خليفة يتحدث مع هرتسوغ خلال لقائهما المشترك (د.ب.أ)
حمد بن عيسى آل خليفة يتحدث مع هرتسوغ خلال لقائهما المشترك (د.ب.أ)

عقد العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، أمس، مباحثات رسمية في قصر القُضيبية بحضور ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، حيث بحث الجانبان علاقات التعاون الثنائي والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وقالت وكالة الأنباء البحرينية، إن ملك البحرين رحب في مستهل اللقاء بالرئيس الإسرائيلي، معرباً عن تطلعه أن تسهم زيارته في تعزيز وتنمية علاقات البلدين.
وقال الملك حمد مخاطباً الرئيس الإسرائيلي: «نحن على ثقة بأن هذه الزيارة لها دور هام في توطيد العلاقات بين بلدينا، ودعم تطلعاتنا المشتركة على صعيد ترسيخ السلام والتنمية المستدامة في المنطقة والعالم». وأضاف أن الزيارة «تمثل فرصة لتعرفكم عن قرب على جمال التنوع الديني والثقافي في بلادنا، وروح الود والتسامح والتعايش السلمي بين أبناء مجتمعنا من جميع الأديان والأعراق، تأكيداً لإيماننا بقيم السلام والإخاء والتعاون بين البشر.
وقال الملك حمد: «نثمن بكل التقدير التطورات التي شهدتها العلاقات بين بلدينا، منذ توقيع اتفاق المبادئ الإبراهيمية، وإعلان تأييد السلام، ما يفتح آفاقاً أرحب أمام نشر ثقافة السلام وتعزيز الأمن والاستقرار والسلم في منطقة الشرق الأوسط والعالم».
وأكد العاهل البحريني لنظيره الإسرائيلي، موقف بلاده «الثابت والداعم لتحقيق السلام العادل والشامل والمستدام الذي يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والذي سيؤدي إلى الاستقرار والنماء والازدهار للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وجميع شعوب المنطقة».
من جهته، ألقى الرئيس الإسرائيلي كلمة قال فيها: «أتواجد في مملكة البحرين بصحبة الوفد المرافق الذي يضم نخبة من ممثلي قطاعات الاقتصاد والتجارة في إسرائيل، ونتطلع جميعاً للعمل مع ممثلي هذه القطاعات في مملكة البحرين. ونؤكد كذلك على تطلعنا للعمل على تقوية العلاقات بين شعب إسرائيل وشعب البحرين».
وقالت وكالة الأنباء البحرينية، إن المباحثات تركزت على سبل تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، والعلمية، والتقنية. وكذلك في مجالات الصحة والتعليم والشباب والسياحة والثقافة، وتدارس سبل تشجيع التواصل بين القطاع الخاص وتبادل الزيارات والوفود الرسمية، لما من شأنه زيادة حجم التبادل التجاري بين الجانبين، بما يعود بالخير والنفع على البلدين.
وأكد الجانبان على أهمية مواصلة العمل على تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين البلدين في المجالات الحيوية ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز دور اللجان الاقتصادية المشتركة في الارتقاء بالتعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين لما من شأنه خدمة المصالح المشتركة. كما أكد الملك حمد والرئيس الإسرائيلي على أن اتفاق المبادئ الإبراهيمية وإعلان تأييد السلام بين البلدين، يجسدان عزم البلدين على تعزيز قيم السلام والتعايش والإخاء، وترسيخ التسامح والتعايش بين الأديان والمعتقدات، والعمل المشترك لبناء علاقات تعاون بناء ومثمر يؤدي إلى تحقيق الخير والنماء والاستقرار والازدهار لما فيه خير وصالح شعوب المنطقة.
وبحث الجانبان مستجدات الأوضاع في المنطقة، والتحديات الإقليمية والدولية الراهنة، وأكدا على ضرورة مواصلة بذل مزيد من الجهود لمواجهة التحديات الإقليمية والعمل على حماية أمن المنطقة واستقرارها وتعزيز جهود إحلال السلام الدائم والتعايش المبني على الثقة والاحترام المتبادل، ومكافحة الإرهاب والتطرف والعنف لما فيه خير شعوب المنطقة والعالم.
وبدأ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ والوفد المرافق، أمس الأحد، زيارة إلى المنامة استمرت يوماً واحداً، وكان في استقبال الرئيس الإسرائيلي لدى وصوله مطار البحرين الدولي، عبد اللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية البحريني.
يذكر أن هذه هي أول زيارة رسمية لرئيس إسرائيلي إلى البحرين منذ تطبيع العلاقات بين البلدين في عام 2020، وقام وزير الخارجية الإسرائيلي في حينه يائير لبيد، بزيارة البحرين في سبتمبر (أيلول) 2021 لافتتاح السفارة الإسرائيلية هناك. وزار رئيس الوزراء السابق نفتالي بنيت البحرين في فبراير (شباط) هذا العام.
وسيحل الرئيس الإسرائيلي، اليوم الاثنين، ضيفاً على رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد آل نهيان، ومن المتوقع أن يتضمن الاجتماع محادثات بشأن التعاون في قطاع الفضاء.


مقالات ذات صلة

وفد إسرائيلي برئاسة إيلي كوهين في الخرطوم لتطبيع العلاقات مع السودان

شمال افريقيا رئيس المجلس الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان مستقبلاً وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين (أ.ف.ب)

وفد إسرائيلي برئاسة إيلي كوهين في الخرطوم لتطبيع العلاقات مع السودان

نقلت وسائل إعلام سودانية في وقت مبكر من صباح اليوم (الخميس)، أن طائرة أقلعت من «تل أبيب» وحطت في مطار الخرطوم، وهو ما أكدته هيئة البث الإسرائيلية بأن الطائرة أقلت عدداً من المسؤولين الدبلوماسيين والأمنيين الإسرائيليين إلى الخرطوم، للبحث في توقيع السودان «اتفاقات أبراهام» وتطبيع العلاقات بين البلدين، بيد أن السلطات السودانية ما تزال تتكتم على تفاصيل الزيارة. وقالت هيئة البث الإسرائيلية «مكان» إن طائرة إسرائيلية هبطت في مطار الخرطوم صبيحة اليوم، وإن مصادر في الخرطوم أبلغتها أن السودان يتجه لتوقيع اتفاقيات «أبراهام» مع إسرائيل بشكل نهائي.

أحمد يونس (الخرطوم)
شؤون إقليمية صورة مركبة للعاهل الأردني ورئيس الوزراء الإسرائيلي (أ.ف.ب)

نتنياهو في الأردن ويستعد لزيارة الإمارات

في ظل أجواء عدائية للمملكة الأردنية في صفوف ائتلافه الحكومي، طار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى عمان، وعقد في زيارته الخاطفة لقاء مع العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني بن الحسين، (الثلاثاء)، وفي الوقت نفسه أرسل وزير الشؤون الاستراتيجية في حكومته، رون دريمر، إلى أبوظبي ليمهد لزيارة قريبة حيث التقاء الشيخ محمد بن زايد، رئيس الإمارات. وقال بيان صادر عن مكتب نتنياهو، إن نتنياهو والملك عبد الله ناقشا قضايا إقليمية، وأكدا على «التعاون الاستراتيجي والأمني والاقتصادي بين إسرائيل والأردن بما يساهم في استقرار المنطقة».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا الفاروق بلخير المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية (الشرق الأوسط)

اجتماع مغربي - إسرائيلي للتعاون الدفاعي

احتضن نادي الضباط في مدينة الرباط المغربية، أمس واليوم، الاجتماع الأول للجنة تتبع التعاون المغربي - الإسرائيلي في مجال الدفاع. وأوضح بيان للقيادة العامة للقوات المسلحة الملكية المغربية أنه تم خلال هذا الاجتماع، الذي ترأسه كل من الفاروق بلخير والجنرال دوكور دارمي (الفريق الأول) المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، ودرور شالوم مدير مكتب الشؤون السياسية العسكرية بوزارة الدفاع الإسرائيلية، بحث مختلف مجالات التعاون العسكري الثنائي، لا سيما اللوجستيك والتكوين والتدريبات، وكذلك اقتناء وتحديث التجهيزات. وبعد أن أشاد المسؤولان بمستوى التعاون العسكري الثنائي، يضيف البيان: «اتفقا على تعزيز هذا التعاون أك

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شؤون إقليمية اجتماع النقب مارس الماضي ويبدو من اليمين: وزراء خارجية الإمارات والمغرب والولايات المتحدة وإسرائيل ومصر والبحرين (أ.ب)

ترتيبات أميركية لاجتماع عربي ـ إسرائيلي

تعتزم الولايات المتحدة تنظيم اجتماع مطلع العام المقبل سيضم دولاً عربية لديها علاقات مع إسرائيل، في مقدمتها مصر والأردن.

شؤون إقليمية اجتماع النقب مارس الماضي ويبدو من اليمين: وزراء خارجية الإمارات والمغرب والولايات المتحدة وإسرائيل ومصر والبحرين (أ.ب)

اجتماع اقتصادي عربي ـ إسرائيلي مطلع 2023 بترتيبات أميركية

قالت مصادر مصرية مطلعة، (الأربعاء)، إن «المشاورات بشأن اجتماع تعتزم الولايات المتحدة تنظيمه مطلع العام المقبل لا تزال جارية»، لا سيما في ظل «استكشاف مواقف الحكومة الإسرائيلية الجديدة». وتحدثت المصادر إلى «الشرق الأوسط» شريطة عدم الكشف عن هويتها، قائلة إن «الاجتماع الذي تسعى واشنطن إلى عقده سيضم دولا عربية لديها علاقات مع إسرائيل في مقدمتها مصر والأردن».


ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

أمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إيران، «يومين أو ثلاثة أيام» لتفادي ضربة عسكرية جديدة، قائلاً إنه كان على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في الهجوم قبل أن يؤجله لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي. وشدد ترمب على أن المهلة «محدودة» لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد»، مضيفاً أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق.

وتمسّكت طهران بمقترحها الأخير للتسوية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي، لنواب البرلمان، إن المقترح يتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.

كما حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا، من فتح «جبهات جديدة» إذا استؤنفت الهجمات.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الحرب أضعفت بدرجة كبيرة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، ودمّرت 90 في المائة من القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.

وبدأ حلف شمال الأطلسي «الناتو» مناقشة إطلاق مهمة بحرية محتملة إذا استمر إغلاق المضيق حتى يوليو (تموز) المقبل، حسبما نقلت وكالة «بلومبرغ».


مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.