محادثات جزائرية - كوبية لرفع المبادلات إلى مستوى العلاقات السياسية

بعد 6 أشهر من احتفال البلدين بمرور 60 سنة على تأسيس علاقاتهما

الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً نظيره الكوبي أمس في العاصمة الجزائرية (الرئاسة)
الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً نظيره الكوبي أمس في العاصمة الجزائرية (الرئاسة)
TT

محادثات جزائرية - كوبية لرفع المبادلات إلى مستوى العلاقات السياسية

الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً نظيره الكوبي أمس في العاصمة الجزائرية (الرئاسة)
الرئيس عبد المجيد تبون مستقبلاً نظيره الكوبي أمس في العاصمة الجزائرية (الرئاسة)

بحث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم، في قصر الرئاسة مع رئيس كوبا، ميغيل دياز كانيل برموديز، في تطوير العلاقات الثنائية في جوانبها الاقتصادية والتجارية، خارج قطاع المحروقات. وجاءت هذا المحادثات بعد ستة أشهر من احتفال البلدان بمرور 60 سنة على تأسيس علاقاتهما، التي طغت عليها في سنواتها الأولى الجوانب الآيديولوجية، والاصطفاف أيام الحرب الباردة.
وقالت الرئاسة الجزائرية إن الرئيس الكوبي زار اليوم «متحف المجاهد» بأعالي العاصمة، وهو مَعْلم تاريخي يخلِّد ثورة التحرير (1954 - 1962)، والنضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، «حيث طاف بمختلف أقسامه، واستمع إلى شروحات وافية، قُدمت له حول مختلف الحقب والمراحل التاريخية للجزائر، لا سيما تلك المتعلقة بالكفاح المسلح من أجل استرجاع السيادة الوطنية». ووصل برموديز إلى الجزائر مساء أول من أمس، وكان في استقباله الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمن، ووزير الخارجية رمطان لعمامرة، وأعضاء آخرون من الطاقم الحكومي. وتستمر زيارته 3 أيام، حسب الرئاسة الجزائرية.
وقالت مصادر حكومية إن زيارة الرئيس الكوبي «تهدف إلى تجسيد الإرادة السياسية المشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي، واستغلال فرص الاستثمار في القطاعات ذات الأولوية، كالزراعة والصناعة الغذائية والأدوية والتجهيزات الطبية والسياحة». علماً بأن التعاون في المجال الطبي والعلاج قطع أشواطاً كبيرة في العشريات الأخيرة، وباتت التجربة الكوبية في الطب مطلوبة بكثرة في الجزائر.
وفي مارس (آذار) الماضي، صرح صالح قوجيل، رئيس «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية الثانية)، والرجل الثاني في الدولة حسب الدستور، لدى حديثه مع السفير الكوبي عن العلاقات الثنائية، بأن «النظام العالمي الموروث عن الحرب العالمية الثانية ولَّى، وبات العالم على عتبة تحولات جيواستراتيجية عميقة، تتطلب من دول العالم الثالث استعداداً أمثل». مبرزاً أن «المرحلة التي نعيشها تُظهر أهمية الاستلهام من مبادئ عدم الانحياز الأصيلة، بمفهومها الحضاري الواسع، الذي يدعو إلى تكريس السلام والأمن الدوليين، بعيداً عن ضيق الأفق الذي ساد أيام الحرب الباردة».
وقررت الحكومتان التوقيع على مذكرة تفاهم تشمل تعزيز التعاون الطبي، في يناير (كانون الثاني) المقبل بكوبان، وذلك بمناسبة انعقاد «اللجنة العليا المشتركة للتعاون الجزائري - الكوبي». كما ستحيي العاصمتان العام المقبل الذكرى الستون لإيفاد بعثة طبية كوبية إلى الجزائر، قصد مساعدة حكومتها على بناء نظام صحي بعد الاستقلال. وكتبت وكالة الأنباء الجزائرية أن العلاقات بين الجزائر وكوبا «حققت عدة مكاسب، كان آخرها تنصيب المجموعة البرلمانية للصداقة الجزائرية - الكوبية في شهر فبراير (شباط) الماضي، لتكون فرصة للانطلاق نحو عهد جديد من التعاون الثنائي، وتعزيز التبادل في جميع المجالات، وذلك بما يعكس العلاقات الوطيدة بين البلدين والشعبين». مبرزةً أن البلدين «يمتلكان إمكانيات كبيرة لترقية التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما، تم استعراضها خلال انعقاد اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والفني والثقافي، على مستوى الخبراء في فبراير 2019».
كما وقَّع البلدان قبل خمس سنوات اتفاقاً لتنصيب مجلس أعمال جزائري - كوبي، والاتفاق على خريطة طريق تكون بمثابة أرضية للتعاون الاقتصادي. وأشارت الوكالة الحكومية إلى الاتفاق الذي عقده وزيرا الصحة الجزائري عبد الحق سياحي، والكوبي خوسيه أنخيل بورتال ميرلندا، خلال لقاء جمعهما الاثنين الماضي، تناول البحث عن فرص شراكة جديدة لتعزيز التعاون، وتوسيعه إلى مجالات أخرى، ودراسة ثلاثة مشروعات للشراكة، وهي: التكوين المتواصل لفائدة الأطباء العامين الجزائريين في طب النساء والتوليد والأشعة والإنعاش، وتكوين متخصص في طب العيون، إلى جانب التعاون وتبادل الخبرات مع «معهد باستور الجزائر” في مجال تطوير وإنتاج اللقاحات.


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد. وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تو

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

دعوة أميركية ـ أوروبية لهدنة إنسانية عاجلة في السودان

عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية المسلحة» الموالية للجيش خلال عرض عسكري في ولاية القضارف شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية المسلحة» الموالية للجيش خلال عرض عسكري في ولاية القضارف شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

دعوة أميركية ـ أوروبية لهدنة إنسانية عاجلة في السودان

عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية المسلحة» الموالية للجيش خلال عرض عسكري في ولاية القضارف شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية المسلحة» الموالية للجيش خلال عرض عسكري في ولاية القضارف شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

جددت الولايات المتحدة وبلجيكا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة، في بيان مشترك، الاثنين، تأكيد الحاجة المُلحة لهدنة إنسانية في السودان، تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، مشددة في الوقت نفسه على أنه لا توجد حلول عسكرية للأزمة.

وأعربت المجموعة عن «قلقها العميق» إزاء التداعيات الإنسانية للنزاع الذي أدى إلى نزوح ملايين السودانيين، وانعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار الهجمات على المدنيين والبنية التحتية.

وأكد البيان دعم الدول للمشاورات التي أجرتها «الآلية الخماسية» المكونة من الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، مع الأطراف السياسية السودانية الفاعلة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في الأيام الماضية، مكملة لمؤتمر برلين الدولي بشأن السودان الذي عُقد في أبريل (نيسان) الماضي.

وتوافقت قوى سياسية ومدنية سودانية على رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تُمهّد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي للحكم الديمقراطي.

قائد الجيش السوداني رئيس مجلس السيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

وجددت حكومات الدول الثماني و«الآلية الخماسية» في البيان المشترك التزامها الثابت تجاه شعب السودان من أجل مستقبل سلمي وديمقراطي ومستقر للبلاد.

وأعربت المجموعة عن استعدادها لدعم جهود «الآلية الخماسية» لضمان هيكلة الحوار السوداني في غضون 6 أشهر، لاستكمال المساعي المبذولة من أجل السلام والانتقال الأوسع نطاقاً، مؤكدة «أن تشكيل حكومة مستقلة بقيادة مدنية أمر لا غنى عنه لضمان إنهاء دائم للصراع».

كما رحب البيان بنتائج مؤتمر برلين، التي اعتمدتها 22 دولة ومنظمة، لإنهاء الحرب ودفع مسار عملية سياسية بملكية سودانية، وبتسهيل من «الآلية الخماسية»، مشيراً إلى أن هذه الخطوات تمثل مرحلة هامة نحو تعزيز التنسيق الدولي، ودعم مسار الوصول إلى تسوية سلمية دائمة.

وقال بيان المجموعة: «نقف متحدين في إيماننا بأنه لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري لهذه الأزمة، وأن أي تسوية مستدامة يجب أن ترتكز على عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية تعكس تطلعات الشعب السوداني».

وشدد على أهمية المضي قدماً في المسار المدني بوصفه ركيزة أساسية في الجهود الرامية لإنهاء الحرب، ووضع الأساس لعملية انتقال ديمقراطية وشاملة بقيادة مدنية، مستقلة عن الجماعات المتطرفة.

وأعلنت مجموعة الدول و«الآلية الخماسية» دعمها «مساراً مدنياً سريعاً ومحدداً بزمن يؤدي إلى انتقال يقوده المدنيون».

وذكر البيان أن المجتمع الدولي سينظر في اتخاذ تدابير مناسبة ضد أولئك الذين يسعون إلى تقويض عملية الانتقال المدني، معرباً عن دعمه لجهود «الآلية الخماسية» لبدء عملية حوار شاملة يقودها المدنيون السودانيون.

سودانيات نزحن إلى شرق تشاد جراء الصراع الدائر في البلاد 20 نوفمبر 2025 (رويترز)

وشدد بيان المجموعة على أهمية أن تجمع العملية السياسية الفاعلين المدنيين والسياسيين السودانيين والمجتمع المدني والمجموعات النسائية، والشباب، والأطراف الفاعلة التي تمثل التنوع الجغرافي والاجتماعي في السودان، كما ينبغي إدارتها بطريقة شفافة وموثوق بها وخالية من الإكراه.

ودعت الدول في البيان المشترك إلى إسناد دولي أوسع، مؤكدة التزامها بمواصلة التنسيق للمساعدة في إنهاء الصراع، ودعم الانتقال السلمي في السودان، فضلاً عن ضمان اتخاذ إجراءات معزِّزة بشكل متبادل لدعم تحقيق هذه الأهداف النهائية.


فاجعة «قارب مالطا» تُسلط الضوء مجدداً على «مسارات الهجرة» الليبية

مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)
TT

فاجعة «قارب مالطا» تُسلط الضوء مجدداً على «مسارات الهجرة» الليبية

مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير نظاميين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية الشهر الماضي (وزارة الداخلية الليبية)

تتجه أنظار أسر عربية وأفريقية عديدة صوب ليبيا، بعد الإعلان عن غرق قارب كان يقل عشرات المهاجرين غير النظاميين في البحر المتوسط، في أحدث فاجعة تتعلق بـ«ممرات الموت» التي تتربص بالطامحين للعبور نحو الشواطئ الأوروبية.

والقارب الذي غرق على بعد نحو 45 ميلاً بحرياً جنوب شرقي مالطا بعد انطلاقه من ليبيا، بحسب مصادر بجهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في طرابلس وخفر السواحل الإيطالي، كان يقل 60 مهاجراً، غرق منهم 10 ونجا 48.

ونكأ الحادث جراح أسر مصرية فقدت 21 من أبنائها في قارب غرق قرب اليونان في مارس (آذار) الماضي، كما سلط الضوء مجدداً على مخاطر هذه الرحلات المميتة، ووَضَع فاعلية عمليات الرقابة على معابر الهجرة في ليبيا تحت مجهر المساءلة.

وتلقت منظمات ومراكز عدة معنية بالهجرة غير المشروعة في ليبيا تساؤلات كثيرة من أسر مصرية وأفريقية بشأن القارب الذي أُعلن عن غرقه.

من عملية إنقاذ مهاجرين من الغرق قبالة شرق طبرق في مارس الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

وباتت هذه النوعية من حوادث غرق القوارب التي تقل مهاجرين معتادة بالنظر إلى تكرارها بفوارق زمنية متقاربة. وكان قارب انطلق من ليبيا يقل أكثر من 105 مهاجرين من النساء والرجال والأطفال قد غرق في البحر المتوسط في الخامس من أبريل (نيسان) الماضي، وفُقد أكثر من 70 شخصاً، وتم إنقاذ 32 آخرين، بحسب ما أعلنت في حينه منظمة «ميديتيرانيا سيفينغ هيومنز» المعنية بالبحث والإنقاذ بالبحر المتوسط.

ويُرجع مسؤول ليبي سابق في جهاز الهجرة غير المشروعة بالعاصمة طرابلس استمرار تدفق القوارب التي تقل مهاجرين باتجاه الشواطئ الأوروبية إلى «تزايد أعداد المنتفعين من تهريب مئات المهاجرين في قوارب عبر المتوسط».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، إن من يعملون في مجال تهريب المهاجرين «يدفعون بجنون بالمهاجرين إلى ليبيا عبر الصحراء، ومنها إلى البحر».

وأضاف المسؤول السابق الذي رفض ذكر اسمه لأنه بات خارج الخدمة، وغير مصرح له بالحديث للإعلام: «لا تزال هناك أوكار عديدة تضم مهاجرين في أنحاء ليبيا لم تصل إليها الأجهزة الأمنية، وينتظرون ساعة الصفر للهرب عبر البحر».

وكان خفر السواحل الإيطالي قد أعلن الأحد انتشال 10 جثث بعد غرق قارب مهاجرين قبالة سواحل مالطا. وقال في بيان نقلته وكالة «رويترز» إن القارب الذي انطلق من السواحل الليبية كان على متنه نحو 60 شخصاً؛ و«بحسب آخر المعلومات، انتشلت سفينة صيد في المنطقة نحو 48 شخصاً على قيد الحياة».

مسارات التهريب

تدفع عصابات الاتجار بالبشر بالمئات إلى رحلات هجرة غير نظامية لأوروبا عبر ما يُعرف بـ«قوارب الموت». وسبق وأحصت «المنظمة الدولية للهجرة» أكثر من ألف شخص غرقوا في البحر المتوسط منذ بداية العام، بعد انطلاقهم من ليبيا عبر قوارب متهالكة باتجاه السواحل الأوروبية.

أحد أوكار اختباء المهاجرين غير النظاميين في أجدابيا يوم الاثنين (مديرية الأمن)

ومسارات تهريب المهاجرين إلى داخل ليبيا ومنها إلى البحر عديدة؛ من بينها المسار الشرقي، حيث يصل المهاجرون الآسيويون أو المصريون أحياناً عبر مطار بنينا، أو الحدود البرية، ثم يُنقلون إلى نقاط تجميع مثل بني وليد، والشويرف، ومزدة.

أما المسار الجنوبي والبري للتهريب من دول أفريقية، فإنه يمتد -بحسب سماسرة تهريب تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»- عبر الحدود مع تشاد، والسودان، والنيجر، ثم الممر الحدودي المشترك بين مصر، وليبيا، والسودان.

ونقاط تجمع المهاجرين غير النظاميين والانطلاق منها إلى السواحل الليبية عديدة؛ من بينها ما هو في غرب ليبيا، مثل زوارة، والقره بوللي، وصبراتة، والخمس؛ وفي شرق ليبيا تظل طبرق هي الأكثر نشاطاً من حيث انطلاق قوارب المهاجرين.

خلال نقل مهاجرين غير نظاميين بعد ضبطهم في أجدابيا يوم الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

والأسبوع الماضي قال الطاهر الباعور، وزير الخارجية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، إن أفواجاً من المهاجرين غير النظاميين تعبر إلى داخل البلاد عبر مطار بنينا الدولي بشرق البلاد بعقود وهمية مزورة.

وأضاف أن مهاجرين، خصوصاً من شرق آسيا، يدخلون من بنغازي بـ«موافقة أمنية، وأختام وإجراءات رسمية... لكن بناءً على عقود شركات وهمية ومزورة يتم استغلالها لتسهيل تدفقهم إلى البلاد»، مشيراً إلى أن «بعض شركات المقاولات وخدمات النظافة في ليبيا تتقدَّم بطلبات رسمية بحجة حاجتها إلى عمالة من دول مختلفة، وبعد الحصول على الموافقات اللازمة يتم استقدام هذه العمالة التي تدخل البلاد عقب استكمال الإجراءات الأمنية، ودفع الرسوم المطلوبة».

ويظل ممر عبور «القطاع الأوسط للبحر الأبيض المتوسط» هو الأشهر لقطاع واسع من المهاجرين، ويمتد من شمال أفريقيا إلى إيطاليا، ومالطا، وقد لقي أكثر من 1330 شخصاً حتفهم في هذا الممر العام الماضي، بحسب «المنظمة الدولية للهجرة».

مداهمات في أجدابيا

وفي السياق ذاته، وعلى خلفية أوامر من الفريق صدام حفتر، رئيس أركان القوات البرية بـ«الجيش الوطني» الليبي، بضبط المهاجرين غير النظاميين، وترحيلهم، سارعت الأجهزة الأمنية بمداهمة العديد من الأوكار والمناطق التي يتجمعون فيها.

عدد من المهاجرين غير النظاميين بعد ضبطهم في أجدابيا يوم الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

وقالت مديرية أمن أجدابيا بشرق ليبيا، الاثنين، إن دوريات أمنية تابعة لها «تواصل تنفيذ الخطة الأمنية الشاملة الهادفة إلى مكافحة ظاهرة الهجرة وضبط المتورطين في عمليات التهريب».

على إثر ذلك شهدت أجدابيا تنفيذ سلسلة من المداهمات الأمنية لعدد من الأوكار التي تُستغل في إيواء المهاجرين، ونشاطات التهريب، حيث أسفرت العمليات عن ضبط أعداد من المهاجرين من جنسيات مختلفة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم تمهيداً لإحالتهم إلى الجهات المختصة قبيل ترحيلهم إلى بلدانهم.


أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وصلت الطفلة ندى إلى أوغندا مع أسرتها بعد أشهر من اندلاع الحرب في السودان، تاركة وراءها مدرستها وأصدقاءها وحياتها التي كانت تعرفها. بدأت الطفلة ذات الثلاثة عشر ربيعاً حياة جديدة في بلد لم تكن تعرف عنه شيئاً من قبل.

قالت ندى عبد المنعم لـ«الشرق الأوسط» إنها كوّنت صداقات جديدة في المدرسة، وتطوّرت لغتها الإنجليزية بصورة ملحوظة، كما تعلّمت بعض الكلمات من اللغات المحلية.

وحين سُئلت متى تعود إلى بلادها، قالت بثقة: «لن أعود إلى السودان». وأضافت: «هنا لم أشعر يوماً بأنني مختلفة عن بقية الأطفال». وتابعت مبتسمة: «الطقس هنا ألطف، والمدرسة أفضل، والأصدقاء أكثر لطفاً، والناس أكثر ترحيباً، فلماذا أعود؟».

وعلى المقعد المجاور، كانت شقيقتها لين، البالغة من العمر 9 أعوام، تنظر بطريقة مختلفة تماماً. جلست وهي تمسك بيد والدها الذي لا يزال يعمل في السودان ويزور أسرته في أوغندا بين حين وآخر، ولم تتحدث عن المدارس أو الأصدقاء أو البلدان، بل قالت بهدوء: «أكون مع أبي».

وعندما سمعت لين شقيقتها تعلن أنها لن تعود إلى السودان، حاولت الاعتراض على حديثها، فردت الأخيرة بالإنجليزية: «هذا ليس شأنك». وخلال المقابلة، كانت الطفلتان تتنقلان بسهولة بين العربية والإنجليزية في أثناء الحديث مع بعضهما.

بين الشقيقتين تتجسد صورة مصغرة لما قد تعيشه آلاف الأسر السودانية التي دفعتها الحرب إلى اللجوء، حيث بدأ الأطفال ينظرون إلى الوطن والانتماء والعودة بعيون مختلفة عن عيون آبائهم.

من مشاهد الحرب السودانية (أ.ف.ب)

أما في كينيا فتبدو الصورة مشابهة، لكنها بتفاصيل أخرى، فآمنة أمين، البالغة من العمر 11 عاماً، وشقيقها علي، البالغ من العمر 10 أعوام، لا يتحدثان كثيراً عن الحرب، بل عن المدرسة والأصدقاء والمستقبل.

والدتهما، تهاني عباس، قالت إنها لاحظت تغيّراً كبيراً في طريقة تفكير الطفلين منذ وصول الأسرة إلى العاصمة الكينية نيروبي، قبل نحو ثلاث سنوات. وتضيف: «اندمجا بسرعة في المدرسة والمجتمع، وتعلما اللغة الإنجليزية والسواحلية بسرعة، وصار لهما أصدقاء من جنسيات مختلفة، ويشاركان في الأنشطة كأنهما وُلدا هنا». وتتابع: «أكثر ما لفت انتباهي أنهما لا يشعران بأنهما غريبان، فلا أحد يسألهما عن جنسيتهما باستمرار، ولا يعاملهما أحد بوصفهما مختلفين عن بقية الأطفال».

وتوضح أن الطفلين بمرور الوقت صارا يتحدثان كثيراً عن أحلامهما وخططهما للمستقبل، وعن الدراسة والمهن التي يرغبان في العمل بها عندما يكبران.

ورغم تعلّق الطفلين بقريتهما الصغيرة «حسين آدم» في شرق ولاية الجزيرة بوسط السودان، فإن حديثهما عن العودة يدور حول الرغبة في زيارة القرية والأهل، ثم العودة مجدداً إلى كينيا لمواصلة الدراسة.

تضيف تهاني عباس: «لا يخفي علي وآمنة تعلقهما بحياتهما الجديدة التي بنياها هنا، فهما يتحدثان دائماً عن الطقس الجميل، وعن أصدقائهما في المدرسة، وعن التفاصيل الصغيرة التي جعلت كينيا جزءاً من حياتهما اليومية».

وتكشف مثل هذه القصص جوانب أقل ظهوراً لآثار الحرب. فبينما ينظر الكبار إلى الوطن بوصفه الأرض والذكريات والعائلة الممتدة، يربط الأطفال إحساسهم بالانتماء بالمكان الذي يشعرون فيه بالأمان، حيث يذهبون إلى مدارسهم ويعيشون حياتهم اليومية مع أصدقائهم الجدد، ولذلك قد يظهر «هذا التعلّق» ببلدان اللجوء عند بعضهم.

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم من جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

لكن هذا الإحساس يثير مخاوف الأسر. فمع اعتماد الأطفال على الدراسة والتواصل باللغة الإنجليزية واللغات المحلية، يخشى الأهل من تراجع اللغة العربية لديهم، ومن ضعف ارتباطهم بالثقافة السودانية، ويبدي أحد الآباء السودانيين المقيمين في كينيا قلقه هذا بقوله: «أخشى أن يفقدوا قدرتهم على التواصل باللغة العربية، وألا يرتبطوا بثقافتنا».

وتزداد مخاوف الأسر كلما طال أمد الحرب وابتعدت فرص العودة القريبة. فتعلق بعض الأطفال ببلدان اللجوء قد لا يكون أمراً مفاجئاً في نظر المختصين الذين لا يرون بالضرورة في تعلق الأطفال بالمجتمعات الجديدة فقداناً لارتباطهم بوطنهم الأصلي، بل إنه يعكس قدرة طبيعية على التكيّف مع البيئة التي يعيشون فيها.

ويلخص هذه المفارقة الطفل «علي» الذي يعيش في نيروبي مع أسرته، عندما سُئل عن السودان، فقال إنه يشتاق إلى قريته وأقاربه وأصدقائه، ويريد زيارتهم عندما تُتاح له الفرصة. وعند سؤاله عن المكان الذي يرغب في العيش فيه بشكل دائم، أجاب: «سأزور قريتي وأهلي وأرجع إلى كينيا».

ولا تمثل قصص ندى ولين وآمنة وعلي حالات فردية معزولة، فإثر اضطرار الناس إلى الفرار من ديارهم، كانت بينهم أعداد كبيرة من الأطفال، وجدوا أنفسهم في بيئات جديدة، ومجتمعات لم يعرفوها، ولغات لم يتحدثوا بها قط.

وأعداد اللاجئين السودانيين، حسب تقديرات منظمات الأمم المتحدة، بلغت منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، نحو أربعة ملايين شخص، النسبة الأكبر منهم أطفال. وتقول بعض التقديرات غير الرسمية إن الأطفال يشكلون نحو 60 في المائة من أعداد اللاجئين، ليرسموا واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم حالياً.

وهكذا قد تبدو عبارة الطفل «علي» بسيطة، لكنها تكشف عن تحول عميق أحدثته سنوات الحرب في حياة جيل كامل من الأطفال السودانيين، فبالنسبة إلى الكبار قد تكون العودة إلى الوطن حلماً مؤجلاً ينتظر نهاية الحرب. أما لبعض الأطفال الذين أمضوا سنوات التكوين الأولى في أوغندا وكينيا فإن السؤال لم يعد متى العودة، بل «أين الوطن حقاً؟».

Your Premium trial has ended