أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

أطفال وجدوا في دول اللجوء حياة جديدة لا يرغبون في مغادرتها

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

أزمة اللجوء السودانية... وطنان في قلب طفل واحد

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وصلت الطفلة ندى إلى أوغندا مع أسرتها بعد أشهر من اندلاع الحرب في السودان، تاركة وراءها مدرستها وأصدقاءها وحياتها التي كانت تعرفها. بدأت الطفلة ذات الثلاثة عشر ربيعاً حياة جديدة في بلد لم تكن تعرف عنه شيئاً من قبل.

قالت ندى عبد المنعم لـ«الشرق الأوسط» إنها كوّنت صداقات جديدة في المدرسة، وتطوّرت لغتها الإنجليزية بصورة ملحوظة، كما تعلّمت بعض الكلمات من اللغات المحلية.

وحين سُئلت متى تعود إلى بلادها، قالت بثقة: «لن أعود إلى السودان». وأضافت: «هنا لم أشعر يوماً بأنني مختلفة عن بقية الأطفال». وتابعت مبتسمة: «الطقس هنا ألطف، والمدرسة أفضل، والأصدقاء أكثر لطفاً، والناس أكثر ترحيباً، فلماذا أعود؟».

وعلى المقعد المجاور، كانت شقيقتها لين، البالغة من العمر 9 أعوام، تنظر بطريقة مختلفة تماماً. جلست وهي تمسك بيد والدها الذي لا يزال يعمل في السودان ويزور أسرته في أوغندا بين حين وآخر، ولم تتحدث عن المدارس أو الأصدقاء أو البلدان، بل قالت بهدوء: «أكون مع أبي».

وعندما سمعت لين شقيقتها تعلن أنها لن تعود إلى السودان، حاولت الاعتراض على حديثها، فردت الأخيرة بالإنجليزية: «هذا ليس شأنك». وخلال المقابلة، كانت الطفلتان تتنقلان بسهولة بين العربية والإنجليزية في أثناء الحديث مع بعضهما.

بين الشقيقتين تتجسد صورة مصغرة لما قد تعيشه آلاف الأسر السودانية التي دفعتها الحرب إلى اللجوء، حيث بدأ الأطفال ينظرون إلى الوطن والانتماء والعودة بعيون مختلفة عن عيون آبائهم.

من مشاهد الحرب السودانية (أ.ف.ب)

أما في كينيا فتبدو الصورة مشابهة، لكنها بتفاصيل أخرى، فآمنة أمين، البالغة من العمر 11 عاماً، وشقيقها علي، البالغ من العمر 10 أعوام، لا يتحدثان كثيراً عن الحرب، بل عن المدرسة والأصدقاء والمستقبل.

والدتهما، تهاني عباس، قالت إنها لاحظت تغيّراً كبيراً في طريقة تفكير الطفلين منذ وصول الأسرة إلى العاصمة الكينية نيروبي، قبل نحو ثلاث سنوات. وتضيف: «اندمجا بسرعة في المدرسة والمجتمع، وتعلما اللغة الإنجليزية والسواحلية بسرعة، وصار لهما أصدقاء من جنسيات مختلفة، ويشاركان في الأنشطة كأنهما وُلدا هنا». وتتابع: «أكثر ما لفت انتباهي أنهما لا يشعران بأنهما غريبان، فلا أحد يسألهما عن جنسيتهما باستمرار، ولا يعاملهما أحد بوصفهما مختلفين عن بقية الأطفال».

وتوضح أن الطفلين بمرور الوقت صارا يتحدثان كثيراً عن أحلامهما وخططهما للمستقبل، وعن الدراسة والمهن التي يرغبان في العمل بها عندما يكبران.

ورغم تعلّق الطفلين بقريتهما الصغيرة «حسين آدم» في شرق ولاية الجزيرة بوسط السودان، فإن حديثهما عن العودة يدور حول الرغبة في زيارة القرية والأهل، ثم العودة مجدداً إلى كينيا لمواصلة الدراسة.

تضيف تهاني عباس: «لا يخفي علي وآمنة تعلقهما بحياتهما الجديدة التي بنياها هنا، فهما يتحدثان دائماً عن الطقس الجميل، وعن أصدقائهما في المدرسة، وعن التفاصيل الصغيرة التي جعلت كينيا جزءاً من حياتهما اليومية».

وتكشف مثل هذه القصص جوانب أقل ظهوراً لآثار الحرب. فبينما ينظر الكبار إلى الوطن بوصفه الأرض والذكريات والعائلة الممتدة، يربط الأطفال إحساسهم بالانتماء بالمكان الذي يشعرون فيه بالأمان، حيث يذهبون إلى مدارسهم ويعيشون حياتهم اليومية مع أصدقائهم الجدد، ولذلك قد يظهر «هذا التعلّق» ببلدان اللجوء عند بعضهم.

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم من جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

لكن هذا الإحساس يثير مخاوف الأسر. فمع اعتماد الأطفال على الدراسة والتواصل باللغة الإنجليزية واللغات المحلية، يخشى الأهل من تراجع اللغة العربية لديهم، ومن ضعف ارتباطهم بالثقافة السودانية، ويبدي أحد الآباء السودانيين المقيمين في كينيا قلقه هذا بقوله: «أخشى أن يفقدوا قدرتهم على التواصل باللغة العربية، وألا يرتبطوا بثقافتنا».

وتزداد مخاوف الأسر كلما طال أمد الحرب وابتعدت فرص العودة القريبة. فتعلق بعض الأطفال ببلدان اللجوء قد لا يكون أمراً مفاجئاً في نظر المختصين الذين لا يرون بالضرورة في تعلق الأطفال بالمجتمعات الجديدة فقداناً لارتباطهم بوطنهم الأصلي، بل إنه يعكس قدرة طبيعية على التكيّف مع البيئة التي يعيشون فيها.

ويلخص هذه المفارقة الطفل «علي» الذي يعيش في نيروبي مع أسرته، عندما سُئل عن السودان، فقال إنه يشتاق إلى قريته وأقاربه وأصدقائه، ويريد زيارتهم عندما تُتاح له الفرصة. وعند سؤاله عن المكان الذي يرغب في العيش فيه بشكل دائم، أجاب: «سأزور قريتي وأهلي وأرجع إلى كينيا».

ولا تمثل قصص ندى ولين وآمنة وعلي حالات فردية معزولة، فإثر اضطرار الناس إلى الفرار من ديارهم، كانت بينهم أعداد كبيرة من الأطفال، وجدوا أنفسهم في بيئات جديدة، ومجتمعات لم يعرفوها، ولغات لم يتحدثوا بها قط.

وأعداد اللاجئين السودانيين، حسب تقديرات منظمات الأمم المتحدة، بلغت منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، نحو أربعة ملايين شخص، النسبة الأكبر منهم أطفال. وتقول بعض التقديرات غير الرسمية إن الأطفال يشكلون نحو 60 في المائة من أعداد اللاجئين، ليرسموا واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم حالياً.

وهكذا قد تبدو عبارة الطفل «علي» بسيطة، لكنها تكشف عن تحول عميق أحدثته سنوات الحرب في حياة جيل كامل من الأطفال السودانيين، فبالنسبة إلى الكبار قد تكون العودة إلى الوطن حلماً مؤجلاً ينتظر نهاية الحرب. أما لبعض الأطفال الذين أمضوا سنوات التكوين الأولى في أوغندا وكينيا فإن السؤال لم يعد متى العودة، بل «أين الوطن حقاً؟».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

البرهان يطلق مشاورات الحوار الوطني الداخلي السوداني

شمال افريقيا البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

البرهان يطلق مشاورات الحوار الوطني الداخلي السوداني

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان مع «الكتلة الديمقراطية» إطلاق حوار سياسي داخلي... فيما احتضنت نيروبي اجتماعات لقوى «صمود».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
المشرق العربي جنود تابعون للجيش السوداني خلال دورية في شوارع مدينة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

ماذا نعرف عن الاتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في السودان؟

فرضت وزارة الخارجية الأميركية حزمة جديدة من العقوبات على الحكومة السودانية، على خلفية اتّهامها باستخدام أسلحة كيميائية في حربها ضد «قوات الدعم السريع».

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا دبابتان متضررتان أمام مبنى بنك السودان المركزي بعدما استعاد الجيش السيطرة على العاصمة في أبريل 2025 (أ.ف.ب) p-circle

السودان يرفض العقوبات الأميركية واتهامه باستخدام أسلحة كيماوية

رفضت الحكومة السودانية بشدة العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية عليها، بسبب اتهامها للجيش باستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا المسؤولة الأممية تتجول في معرض تراثي بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

مسؤولة أممية تشارك في حملة «تعافي نساء السودان من آثار الحرب»

إلى طاولة صغيرة جلست مسؤولة أممية رفيعة المستوى تستمع باهتمام كبير لعدد من السودانيات يروين تجاربهنّ الخاصة في فترة الحرب.

وجدان طلحة (الخرطوم) «الشرق الأوسط» (لندن)
خاص مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)

خاص الصمغ العربي السوداني... ثروة تنزف بين الحرب والنزوح

أخرجت الحرب الآلاف من منتجي الصمغ العربي من مناطقهم، ودمرت الغابات، وباتت إحدى أهم السلع الاستراتيجية التي يتصدر السودان إنتاجها عالمياً خارج نطاق الإنتاج

وجدان طلحة (الخرطوم)