تساؤلات حول مساعي إيران لإعادة ملفها النووي إلى الواجهة

مصادر أوروبية في باريس: «انفتاح» طهران «مناورة دبلوماسية» وأسبابها الرئيسية أربعة

رئيس المنظمة الذرية الإيراني محمد إسلامي يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة لمجلس محافظي «الطاقة الذرية» في فيينا سبتمبر الماضي (الطاقة الذرية)
رئيس المنظمة الذرية الإيراني محمد إسلامي يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة لمجلس محافظي «الطاقة الذرية» في فيينا سبتمبر الماضي (الطاقة الذرية)
TT

تساؤلات حول مساعي إيران لإعادة ملفها النووي إلى الواجهة

رئيس المنظمة الذرية الإيراني محمد إسلامي يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة لمجلس محافظي «الطاقة الذرية» في فيينا سبتمبر الماضي (الطاقة الذرية)
رئيس المنظمة الذرية الإيراني محمد إسلامي يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة لمجلس محافظي «الطاقة الذرية» في فيينا سبتمبر الماضي (الطاقة الذرية)

(تحليل إخباري)
منذ ثلاثة أشهر، على مضي آخر اجتماع حصل بخصوصه، غاب الملف النووي الإيراني عن المشهد الدبلوماسي العالمي ولم تنجح الوساطة الأوروبية ممثلة بـجوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد، الذي قدّم الصيف الماضي ورقة مقترحات «نهائية» في التوفيق بين المطالب الإيرانية والأميركية.
ومعها تبخر التفاؤل السابق بإمكانية إحياء الاتفاق النووي للعام 2015 بعد 16 شهراً شهدت مئات الساعات من المفاوضات الشاقة، ولكن أيضاً أشهراً من الانقطاع. وجاءت المفاجأة أول من أمس من طهران، حيث أعلن وزير خارجيتها أمير حسين عبداللهيان، أن وفداً إيرانياً سيتوجه إلى فيينا «في الأيام المقبلة لبدء محادثات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، معرباً عن أمله «في حل القضايا العالقة بناءً على ما اتفقنا عليه في الأيام الماضية».
وفي اليوم التالي، كشف المسؤول الإيراني، عقب اتصاله مع بوريل، عن ثلاثة أمور متصلة ببعضها بعضاً: الأول، العلاقة بين بلاده والوكالة الدولية، والثاني استمرار التواصل مع الجانب الأميركي عبر الوسيط الأوروبي، والثالث تمسك طهران بالتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي.
وكعادته، سعى عبداللهيان للترويج لأجواء متفائلة. فمن جهة، أفاد، وفق ما نقلت عنه وكالة «إرنا»، بأن «الاتفاق على تعاون جيد بين الوكالة وإيران جارٍ في الوقت الحاضر». ومن جهة ثانية، وفي حين العلاقات بين طهران وواشنطن بالغة التوتر، قال عبداللهيان، إن إيران «قدمت آراءها إلى الجانب الأميركي بنهج بنّاء وماضٍ إلى الأمام». وأخيراً، شدد على أن إيران «مستعدة للتوصل إلى اتفاق نووي جيد وقوي ومستقر». ويبدو أن عدوى التفاؤل وصلت إلى بوريل الذي التزم بـ«مواصلة الجهود البناءة من أجل التوصل إلى الاتفاق النهائي ونحن متفائلون بالنتيجة»، ورأى في التوافق بين طهران والوكالة على التواصل واستمرار الجهود لحل الخلافات بينهما بأنه «خطوة إلى الأمام». ثمة تساؤل يطرح نفسه بقوة: ما هي الأسباب والمبررات التي تدفع بإيران اليوم لإحياء الحديث عن الاتفاق النووي بينما الظروف الموضوعية كافة تدفع بعكس ذلك؟
حقيقة الأمر، أن السياق الراهن بعيد كل البعد عن الأجواء المريحة التي من شأنها تسهيل الحوار بين إيران والغربيين. فالقمع الذي تمارسه السطات الإيرانية بحق المتظاهرين الذين ينزلون إلى الشوارع منذ وفاة الشابة مهسا أميني في 16 سبتمبر (أيلول) الماضي والذي أفضى إلى مقتل العشرات والقبض على المئات، دفع الغربيين إلى التنديد بالنظام الإيراني وإلى فرض عقوبات على من يعتبرهم الغربيون مسؤولين عن القمع.
وأبعد من ذلك، تسعى واشنطن لطرد إيران من لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق المرأة. وجاء في بيان لنائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس، أول من أمس «تعتقد الولايات المتحدة أنه لا ينبغي أن تقوم أي أمة تنتهك حقوق النساء والفتيات بصورة ممنهجة بدور داخل أي منظمة دولية، أو أممية مكلفة حماية هذه الحقوق». وأضاف البيان «سنعمل مع شركائنا لاستبعاد إيران» من المفوضية.
كذلك، فإن الغربيين أبدوا قلقاً وامتعاضاً وتنديداً مما يعتبرونه مساهمة إيرانية في الحرب الروسية على أوكرانيا من خلال تزويد موسكو بمسيرات «وربما أيضاً بصواريخ» تستخدم في ضرب المرافق المدنية الحيوية مثل شبكة الكهرباء والبنى التحتية، كل ذلك فاقم النقمة على إيران التي ردت من جهة، باتهام الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً بـتأجيج الاحتجاجات، لا، بل أيضاً باستثارتها. وذهب المرشد الإيراني علي خامنئي إلى اعتبار أن الأحداث الأخيرة «حرب مركبة» يستخدم فيها أعداء إيران وعلى رأسهم واشنطن «لدورها الواضح في إثارة أعمال الشغب».
أما بالنسبة لأوكرانيا، فقد نفت أي دور لها. ووصف عبداللهيان الاتهامات الموجهة لبلاده بأنها «لا أساس لها من الصحة».
إزاء كل ما سبق، ترى مصادر أوروبية في باريس، أن رغبة إيران في إعادة التداول بالملف النووي وإظهار الليونة والاستعداد للذهاب إلى توقيع الاتفاق رغم الأجواء العامة العدائية بين إيران والغرب «لا يمكن فهمه إلا من خلال رغبة المسؤولين الإيرانيين في حرف الانتباه عما يحصل في الداخل الإيراني».
وتستطرد هذه المصادر بالقول، إن ما تعيشه إيران من احتجاجات مكثفة منذ ما يقارب 60 يوماً «كشف هشاشة النظام وكشف عن القطيعة بينه وبين شرائح واسعة من المجتمع التي لم تعد قادرة على السكوت؛ الأمر الذي تكشفه المظاهرات الواسعة والشاملة والمتنقلة».
بيد أن هناك أسباباً أخرى، وفق المصادر المشار إليها، تدفع النظام إلى محاولة معاودة التواصل مع الغربيين انطلاقاً من اعتبار أن «الانفتاح» في الملف النووي يمكن أن يفضي إلى تغير في اللهجة الغربية إزاء طهران ما يمكن النظر إليه على أنه «مناورة دبلوماسية». وما يدفع إلى هذا الاعتقاد أن الملف - العقبة الذي منع حتى اليوم من التوصل إلى اتفاق يتمثل في امتناع طهران عن التعاون مع الوكالة الدولية بشأن المواقع الثلاثة غير المعلنة التي عثر فيها مفتشو الوكالة على آثار لتخصيب نووي. والحال، أن هذه المسألة قديمة وتعود لما قبل اتفاق العام 2015.
ومنذ العام 2019، تسعى الوكالة لإلقاء كامل الضوء عليها ولكن دون طائل. وقد حاول رافاييل غروسي، مدير الوكالة، بزياراته العديدة لطهران ولقاءاته خارجها، الحصول على المعلومات التي تمكنه من الاستجابة للمطلب الإيراني أي إغلاق الملف الذي جعلته طهران شرطاً لا تنازل عنه لقبول العودة إلى الاتفاق. لذا؛ فإن السؤال اليوم يتناول «الجديد» الذي يدفع طهران للتعاون مع الوكالة بشكل جدي في حين امتنعت عنه منذ ثلاث سنوات على الأقل؟
حقيقة الأمر، أن إيران ترصد المتغيرات الإقليمية والدولية، وأهمها ثلاثة: الانتخابات النصفية الأميركية القريبة وما يبدو أنه سيحرم، وفق استطلاعات الرأي المتواترة، الحزب الديمقراطي، أي الرئيس جو بايدن، من الأكثرية في مجلسي الشيوخ والنواب.
ويعني ذلك عملياً الحد من قدرته على التحرك إن في سياساته الداخلية أو الخارجية التي ستواجه عقبات، ومن بينها تلك الخاصة بالملف النووي الإيراني. والنتيجة، أنه سيكون صعباً على طهران الحصول منه على «تنازلات» تسهّل دربها للعودة إلى الاتفاق النووي. والتحول الثاني عنوانه عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية التي ستكون الأكثر يمينية ربما في تاريخ إسرائيل. ولم ينسَ أحد ما قام به نتنياهو لدفع الرئيس دونالد ترمب للخروج من الاتفاق النووي وكم عارض بقوة وعنف رغبة خلفه بايدن العودة إلى الاتفاق، فضلاً عن اتهاماته لخلفه نفتالي بينيت ثم يائير لبيد بـ«الضعف» و«الخنوع لواشنطن». ولا شك أن نتنياهو سيعاد السير على سياسته السابقة ما سيشكل عامل ضغط إضافياً على طهران.
وكان لافتاً أن حسين طائب، مستشار القائد العام لـ«الحرس الثوري»، عدّ أن عودة نتنياهو إلى السلطة «ستضعف الحكومة الديمقراطية في أميركا وستكون بداية تحدٍ جديد لكل من إسرائيل وواشنطن»، وفاته أن يضيف «لإيران أيضاً». والتحول الثالث يكمن في قلق السلطات الإيرانية من اصطفاف الأوروبيين وراء المواقف الأميركية المتشددة المستجدة وبالتالي خسارتها لـ«التفهم» الأوروبي لمواقفها. والقاسم المشترك بين العواصم الأوروبية الثلاث (باريس ولندن وبرلين) وواشنطن اليوم، أنها تعتبر كلها أن إيران هي العقبة، وأن النص الذي طرحه الوسيط الأوروبي موجود على الطاولة ولا ينقصه سوى توقيع طهران.
هذه صورة الوضع اليوم التي تبدو داكنة إلى درجة أن تفاؤل الوزير عبداللهيان لا يجد ما يبرره إلا إذا كانت إيران مستعدة للإقدام على خطوة ليست في الحسبان، وهو أمر مستبعد.


مقالات ذات صلة

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

شؤون إقليمية «الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

«الطاقة الذرية» تؤكد وضع كاميرات في إيران

أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقارير بشأن إعادة وضع كاميرات مراقبة في إيران، في سياق الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية. وقال فريدريك دال، المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، أمس، إن «العمل جار» دون تحديد عدد الكاميرات أو المواقع التي وصلتها الوكالة الدولية. وأفادت «جمعية الحد من التسلح» التي تراقب امتثال لدول لمعاهدة حظر الانتشار النووي ومقرها واشنطن، بأن الوكالة الدولية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض منشآت إيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي في طهران بداية مارس

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أنباء عن إعادة كاميرات المراقبة «الأممية» في منشآت نووية إيرانية

أفادت «جمعية الحد من التسلح» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدأت في إعادة تركيب كاميرات المراقبة في بعض المنشآت النووية الإيرانية بموجب الاتفاق الأخير بين مدير الوكالة رافائيل غروسي، وإيران التي تقترب من عتبة الأسلحة النووية. وتوصل غروسي طهران في بداية مارس (آذار) إلى اتفاق مع المسؤولين الإيرانيين بشأن إعادة تشغيل كاميرات المراقبة في مواقع نووية عدة وزيادة عمليات التفتيش في منشأة فوردو. وتسبب الاتفاق في تفادي مجلس محافظي التابع للوكالة الدولية إصداراً جديداً يدين طهران بسبب عدم تجاوبها مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً تلك المتعقلة بالتحقيق في ثلاثة مواقع سرية، عثر فيها على آثا

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

الكشف عن «فوردو»... أبرز تسريبات مسؤول أعدمته إيران بتهمة التجسس

بعد نحو 5 أشهر على إعدام علي رضا أكبري، النائب السابق لوزير الدفاع الإيراني، على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح بريطانيا، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر إسرائيلية وإيرانية أن المسؤول السابق «كان جاسوساً غير متوقع» بسبب ولائه الشديد للنظام، لكنه لعب دوراً رئيسياً في الكشف عن منشأة فوردو التي ضمت أنشطة سرية لإيران قبل أن تعترف طهران بوجود موقع تخصيب اليورانيوم الواقع تحت الأرض في عام 2009. وأعدم أكبري (62 عاماً)، الذي يحمل الجنسية البريطانية، فجر 14 يناير (كانون الثاني)، بعد ثلاثة أيام من تسريب قضية اعتقاله لوسائل الإعلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

موسكو تُحمل الغرب تعثر إحياء «الاتفاق النووي»

حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمس من ضياع فرص إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وحمّل الغرب مسؤولية تعثر المفاوضات. وقال لافروف خلال مؤتمر صحافي في نيويورك أمس: «سيكون من الخطأ الفادح تفويت فرصة استئناف خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامج إيران النووي»، وحمّل «تصرفات الغرب» المسؤولية إذ قال «في هذه المرحلة، لا يعتمد استئناف الاتفاق، على إيران أو روسيا أو الصين... الذين دمروه يجب عليهم إعادته إلى الحياة الآن». وانتقد لافروف «متطلبات جديدة لم يتم ذكرها في المسودة الأولى للاتفاق». وأضاف «لنفترض أنه تم التوصل إلى اتفاق لاستئنافه منذ فترة طويلة.

شؤون إقليمية عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

عبداللهيان يتحدث عن «مبادرات» لاستئناف مفاوضات «النووي»

أعلن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان، أمس أن بلاده تلقت أفكاراً بشأن مفاوضات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عن إيران، معرباً عن امتنانه للدور البناء لسلطان عمان ونواياه الصادقة في هذا الصدد. وفي اليوم الثاني لزيارته إلى عمان التي اختتمها أمس متوجهاً إلى بيروت، قال عبداللهيان عقب لقائه مع نظيره العماني إن مسقط «تلعب دائماً دوراً بناء» في محادثات النووية، وأضاف «قد أجرينا المشاورات اللازمة في هذا الصدد». وفي وقت لاحق، نقلت وكالة الأنباء العمانية عن عبداللهيان القول إن سلطنة عُمان لديها «مبادرات جدية» فيما يخص الملف النووي الإيراني «ستسهم» في عودة المفاوضات. وذكرت وزارة الخارجية العما

ميرزا الخويلدي (مسقط)

«ديمونة» و«نطنز» تحت نار الحرب

«ديمونة» و«نطنز» تحت نار الحرب
TT

«ديمونة» و«نطنز» تحت نار الحرب

«ديمونة» و«نطنز» تحت نار الحرب

دخلت الحرب بين إيران وإسرائيل، أمس، أخطر منعطفاتها النووية، مع سقوط صاروخ إيراني في ديمونة بجنوب إسرائيل بعد ساعات من إعلان طهران تعرض منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم لهجوم جديد من دون تسجيل أي تسرب إشعاعي.

وقال الجيش الإسرائيلي، أمس، إن محاولة اعتراض الصاروخ الذي أصاب ديمونة أخفقت، في حين قالت طهران إن الضربة جاءت رداً على استهداف نطنز. وفي أول تعليق رسمي إيراني، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن وصول الصواريخ الإيرانية إلى ديمونة يعد مؤشراً عملياً على دخول الحرب مرحلة جديدة، معتبراً أن «السماء الإسرائيلية باتت بلا دفاع».

وأسفر الهجوم على ديمونة عن إصابة 47 شخصاً، وفق حصيلة إسرائيلية.

قبل ذلك بساعات، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن بلاده تقترب من تحقيق أهدافها في الحرب وتدرس «تقليص» عملياتها تدريجياً، في حين أكد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن وتيرة الضربات «ستزداد بشكل كبير» هذا الأسبوع، في إشارة جديدة إلى التباين بين واشنطن وتل أبيب بشأن مسار إنهاء العمليات.

وبقي مضيق هرمز في قلب التصعيد، مع تحذير مصدر عسكري إيراني من أن أي هجوم أميركي على جزيرة خرج سيفتح الباب أمام توسيع المواجهة إلى البحر الأحمر وباب المندب.

في الأثناء، قال قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر إن القوات الأميركية ضربت أكثر من 8000 هدف عسكري داخل إيران، بينها 130 سفينة، مؤكداً تراجع قدرة طهران على تهديد الملاحة. وفي المقابل، قال إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس»، إن «محور المقاومة» يواصل عملياته «بشكل مستقل» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. بدوره، تحدث الجيش الإسرائيلي عن ضرب مئات الأهداف داخل إيران، في حين أعلن «الحرس الثوري» مواصلة هجماته الصاروخية على إسرائيل و«قواعد أميركية» في المنطقة.


إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة
TT

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

عادت الحرب بين إيران وإسرائيل، السبت، إلى أخطر تقاطعاتها النووية، مع سقوط صاروخ إيراني بشكل مباشر في مدينة ديمونة، المدينة التي تضم المنشأة النووية الرئيسية في جنوب إسرائيل، بعد ساعات من إعلان طهران تعرض منشأة نطنز للتخصيب لهجوم جديد.

وبينما قالت تل أبيب إن محاولة اعتراض الصاروخ أخفقت، أكدت طهران عدم تسجيل أي تسرب إشعاعي في نطنز، في وقت جددت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية دعوتها إلى ضبط النفس لتجنب أي حادث نووي.

وارتفع عدد المصابين في ديمونة إلى 54 شخصاً بعد نحو ساعة من الهجوم، بينهم طفل في الثانية عشرة في حالة خطيرة، بعد سقوط صاروخ إيراني أو شظاياه على المدينة. وقال الجيش الإسرائيلي إن عمليات اعتراض نُفذت لكنها فشلت، مؤكداً فتح تحقيق في الحادث، فيما قالت طهران إن الضربة جاءت «رداً» على استهداف منشأة نطنز.

صورة نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية من موقع إصابة الصاروخ في ديمونة

محاولات الاعتراض أخفقت

قالت خدمات الإسعاف الإسرائيلية إن 54 شخصاً نقلوا إلى المستشفى بعد سقوط صاروخ باليستي إيراني في ديمونة، بينهم طفل في حالة خطيرة وامرأة أصيبت بجروح متوسطة، فيما أصيب آخرون بشظايا أو أثناء اندفاعهم إلى الملاجئ، إضافة إلى حالات هلع. وكانت حصيلة سابقة تحدثت عن نحو 20 جريحاً، قبل أن ترتفع لاحقاً مع اتضاح حجم الأضرار.

وأفاد الجيش الإسرائيلي بأنه رصد إطلاق صواريخ من إيران باتجاه الجنوب، وأن الدفاعات الجوية حاولت اعتراض الصاروخ الذي أصاب ديمونة، لكن «محاولات الاعتراض أخفقت». وأضاف أن الحادث سيخضع للتحقيق. ونقلت الشرطة الإسرائيلية صوراً من موقع الإصابة أظهرت أضراراً كبيرة في مبانٍ سكنية، فيما تحدث مسعفون عن «دمار واسع» ووجود محاصرين في بعض الأبنية.

وقال مسعفان من «نجمة داود الحمراء» إنهما وصلا إلى «ساحة صعبة» شهدت دماراً كبيراً، وإن فرق الإنقاذ سمعت نداءات استغاثة من داخل المنازل المتضررة، بينما تحدث سكان عن وجود مسنين في الأبنية المصابة. وأضافا أن المصابين شوهدوا قرب ملجأ عام في الشارع، بينهم رجل في الثلاثين أصيب في رأسه وآخر أصيب بشظايا وهو في طريقه إلى مكان محمي؛ وفقاً للقناة الـ13 الإسرائيلية.

وفي وقت لاحق، أفاد الإسعاف الإسرائيلي عن إصابة نحو 30 شخصاً في بلدة عراد الواقعة على مسافة نحو 25 كيلومتراً الى الشمال الشرقي من ديمونة، بعد إنذار بإطلاق إيران صواريخ إضافية.في إيران، قال التلفزيون الرسمي إن الهجوم الصاروخي على مدينة ديمونة، جاء «رداً» على قصف «العدو» منشأة نطنز النووية في وقت سابق السبت.

وفي أول تعليق رسمي إيراني، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن وصول الصواريخ الإيرانية إلى ديمونة، «أكثر المناطق الإسرائيلية تحصيناً»، يعد مؤشراً عملياً على دخول الحرب مرحلة جديدة، معتبراً أن «السماء الإسرائيلية باتت بلا دفاع».

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا التطور يعني، أن وقت تنفيذ «الخطط اللاحقة» قد حان، واصفاً ذلك بأنه بداية مرحلة جديدة في مسار المواجهة.

وتكتسب ديمونة حساسية خاصة بسبب قربها من المنشأة النووية الإسرائيلية الرئيسية في صحراء النقب. ولم ترد تقارير فورية تؤكد إصابة المنشأة نفسها، لكن سقوط الصاروخ في المدينة دفع الملف النووي الإسرائيلي مجدداً إلى واجهة الحرب.

وتواصل إسرائيل سياسة الغموض حول برنامجها النووي، وتقول رسمياً إن مفاعل ديمونة مخصص للأبحاث، لكنها لا تؤكد ولا تنفي امتلاك أسلحة نووية، فيما يقدّر معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن لديها 90 رأساً نووياً.

قوات قيادة الجبهة الداخلية بموقع الحادث في ديمونة (الجيش الإسرائيلي)

ضربة على منشأة نطنز

جاءت ضربة ديمونة، بعد ساعات من إعلان المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا صباح السبت هجوماً على مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم في وسط إيران. وقالت، في بيان، إن الموقع استُهدف «إثر الهجمات الإجرامية» الأميركية والإسرائيلية، لكنها شددت على أنه «لم يتم الإبلاغ عن أي تسرب لمواد مشعة».

وقالت وسائل إعلام إيرانية إن الضربة لم تؤد إلى أي تسرب إشعاعي، وإن السكان القريبين من المنشأة ليسوا في خطر. وأضافت وسائل إعلام رسمية أن هذه هي المرة الثانية التي يستهدف فيها الموقع منذ بدء الحرب الحالية، بعد أن كان قد تعرض أيضاً للقصف في الأسبوع الأول من العمليات.

وتقع نطنز، وهي الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران، على بُعد نحو 220 كيلومتراً جنوب شرقي طهران. وكانت قد تعرضت كذلك لضربات في حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت 12 يوماً. وحسب المواد المتاحة، فإن الضربات الأولى في هذه الحرب أصابت مباني مدخل المنطقة الواقعة تحت الأرض، حيث كانت تجري غالبية أنشطة التخصيب في الموقع.

وفي المقابل، نفى الجيش الإسرائيلي علمه بوقوع ضربة على نطنز، فيما لم يصدر تعليق فوري من الجيش الأميركي. لكن سواء أقرت إسرائيل أو لم تقر، فإن تكرار ورود اسم نطنز في قلب المواجهة يثبت أن موقع التخصيب الأكثر حساسية في إيران لا يزال هدفاً مباشراً أو محتملاً في الحرب الجارية.

دعوة لـ«ضبط النفس»

كرر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، السبت، دعوته إلى «ضبط النفس» بعد إعلان إيران تعرض نطنز للقصف.

وقالت الوكالة التابعة للأمم المتحدة في منشور على منصة «إكس» إن إيران أبلغتها بالهجوم على الموقع، وإنه «لم يُرصد أي ارتفاع في مستويات الإشعاع خارج الموقع»، مضيفة أنها تتحقق من الحادث.

وشدّد غروسي على ضرورة تجنب «أي خطر لوقوع حادث نووي»، في ظل استهداف مواقع شديدة الحساسية خلال حرب مفتوحة ومتعددة الجبهات. وتكتسب هذه الدعوة وزناً إضافياً لأن الوكالة كانت قد ذكرت سابقاً أن الضربات الأولى على نطنز في هذه الحرب لا يُتوقع أن تؤدي إلى «أي عواقب إشعاعية»، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن استمرار استهداف المواقع النووية يرفع المخاطر.

وكان غروسي قد أعلن، الأربعاء الماضي في واشنطن، أن الوكالة لا تملك أي معلومات عن حالة منشأة التخصيب الإيرانية الجديدة في أصفهان، الواقعة داخل مجمع نووي تحت الأرض.

وقال إن منشأة أصفهان «موجودة تحت الأرض، لكننا لم نتمكن من زيارتها بعد»، بعدما ألغى المفتشون زيارة سابقة إثر القصف الذي تعرض له المجمع في بداية حرب يونيو 2025.

وأضاف أن الوكالة لا تعرف ما إذا كانت المنشأة الجديدة «مجرد قاعة فارغة»، أم أنها تضم قواعد خرسانية بانتظار تركيب أجهزة الطرد المركزي، أو ما إذا كان قد تم تركيب بعض هذه الأجهزة بالفعل. وقال: «هناك كثير من الأسئلة التي لن نتمكن من توضيحها إلا عندما نستطيع العودة».

إدانة روسية

نددت وزارة الخارجية الروسية، السبت، بما قالت طهران إنه ضربات أميركية - إسرائيلية على منشأة نطنز، ووصفتها بأنها «غير مسؤولة». وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن من واجب المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تقديم «تقييم حازم وموضوعي» لهذا السلوك.

وأضافت أن هذه الضربات تهدف بوضوح إلى تقويض السلام والاستقرار والأمن في المنطقة. وتعكس المواقف الروسية، وإن جاءت ضمن حدود الإدانة السياسية، تنامي القلق الدولي من انتقال الحرب إلى مستوى أكثر خطورة مع إدخال المواقع النووية في دائرة النار المباشرة.

أضرار في موقع قرب مجمع أصفهان

في موازاة ذلك، نشر معهد العلوم والأمن الدولي، ومقره واشنطن، تحليلاً لصور أقمار اصطناعية أظهر أضراراً في موقع قرب مجمع أصفهان النووي يرجح أنها وقعت بين 28 فبراير (شباط) و6 مارس(آذار)، في موقع يحتمل أن يكون مرتبطاً بالدفاع عن المجمع.

وقال التحليل إن المبنى الرئيسي الذي تعرض للهجوم ربما كان مركز القيادة والسيطرة المسؤول عن الحماية المادية للمنشأة النووية فوق الأرض، الواقعة على بُعد نحو 1.2 كيلومتر من الموقع، ونحو 2.1 كيلومتر من المجمع الواقع تحت الأرض.

وأضاف أن الموقع يضم مجمع أنفاق صغيراً شُيد نحو عام 2007، وأن الضربات الأخيرة أصابت مدخلي النفقين، أحدهما ربما كان يستخدم في السنوات الأخيرة أساساً لدعم الخدمات، ويضم ما يبدو أنها وحدة تبريد محمية بحاجز دفاعي خرساني. وحسب التحليل، فإن هذين العنصرين يبدوان وقد دمرا في الضربة.

وأشار المعهد أيضاً إلى أن منشأة محصنة يرجح أنها كانت مركزاً للقيادة والسيطرة تعرضت لضربة ثانية بين 6 و18 مارس 2026، وأن جزءاً تحت الأرض متصلاً بها يبدو أنه انهار. ووفقاً للتحليل، عرّف موقع «ويكيمابيا» هذا المكان على أنه «وحدة الدفاع التابعة للجيش في أصفهان»، فيما تظهر المنطقة السكنية المجاورة، الموسومة باسم «بلدة ثمري - إسكان منظمة الطاقة الذرية الإيرانية»، من دون مؤشرات على تعرضها للقصف.

وتُظهر الصور، حسب المعهد، الموقع قبل الهجوم وبعده، إلى جانب صور للنفق والملجأ خلال مرحلة إنشائهما عام 2007، وموقع المنشأة نسبة إلى مجمع أصفهان النووي الرئيسي. ويعني ذلك أن الحرب لا تشمل فقط مواقع التخصيب المباشرة مثل نطنز، بل تمتد أيضاً إلى البنية الدفاعية والقيادية المحيطة بالمجمعات النووية.


مجموعة السبع تدعو إيران إلى وقف فوري لهجماتها «غير المبرّرة»

لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مجموعة السبع تدعو إيران إلى وقف فوري لهجماتها «غير المبرّرة»

لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا وزراء خارجية دول مجموعة السبع، السبت، إيران، إلى «الوقف الفوري وغير المشروط» لهجماتها «غير المبرّرة» على دول الشرق الأوسط في إطار الرد على الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها.

وجاء في بيان لوزراء خارجية دولها «ندعو إلى الوقف الفوري وغير المشروط لكل الهجمات التي يشنها النظام الإيراني». وتضم المجموعة ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، إضافة إلى الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي.

وأعربت المجموعة عن «دعمها لشركائنا في الشرق الأوسط في مواجهة الهجمات غير المبرّرة التي تشنّها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووكلاؤها».

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

وتابع وزراء الخارجية: «ندعم حق الدول التي تعرضت لهجمات غير مبرّرة تشنّها إيران أو وكلاؤها، في الدفاع عن أراضيها وحماية مواطنيها. ونؤكد مجدداً دعمنا الراسخ لأمنها وسيادتها وسلامة أراضيها».

وفي ما يتّصل بحركة الملاحة في مضيق هرمز، شدّدت مجموعة السبع على «أهمية صون مسارات النقل البحري وضمان سلامة الملاحة، خصوصاً في مضيق هرمز وسائر الممرات البحرية الرئيسية المتصلة به، وكذلك حماية سلاسل الإمداد واستقرار أسواق الطاقة».