التضخم يهدد العالم... واحتمالات الركود الأميركي «100 %»

تقلّص التوقعات بحدوث «تراجع حاد» للاقتصاد البريطاني

أظهر نموذج مرموق للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود أصبح 100 % (رويترز)
أظهر نموذج مرموق للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود أصبح 100 % (رويترز)
TT

التضخم يهدد العالم... واحتمالات الركود الأميركي «100 %»

أظهر نموذج مرموق للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود أصبح 100 % (رويترز)
أظهر نموذج مرموق للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود أصبح 100 % (رويترز)

في وقت يهدد التضخم العنيف كافة جنبات العالم، أظهر نموذج بلومبرغ إيكونوميكس للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود خلال الـ12 شهرا المقبلة أصبح 100 في المائة، وهو ما يمثل ضربة قوية للرئيس الأميركي جو بايدن قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الشهر المقبل.
وأشارت بلومبرغ إلى أن أحدث نماذج احتمالات الركود التي أعدتها المحللتان الاقتصاديتان في بلومبرغ آنا وونغ وإليزا وينغر، أشارت إلى ارتفاع احتمالات الركود لكل الأطر الزمنية لتصل إلى 100 في المائة بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مقابل 65 في المائة فقط في الفترة السابقة.
وأشارت بلومبرغ إلى أن هذه التوقعات ستكون غير جيدة بالنسبة للرئيس بايدن الذي قال أكثر من مرة إن الولايات المتحدة ستتجنب الركود الاقتصادي، وإن أي تراجع للاقتصاد سيكون «طفيفا للغاية»، في إطار محاولاته التأكيد على أن الاقتصاد الأميركي يقف على أقدام صلبة في ظل إدارته.
ويذكر أن نموذج بلومبرغ إيكونوميكس للتوقعات الاقتصادية يستخدم 13 مؤشرا ماليا واقتصاديا للتنبؤ بفرص التباطؤ خلال فترة من شهر إلى عامين قادمين. وبحسب النموذج، فإن احتمال حدوث ركود للاقتصاد الأميركي خلال 12 شهرا يصل إلى 100 في المائة. في حين أن احتمال حدوث الركود خلال 11 شهرا مقبلة يصل إلى 73 في المائة، مقابل 30 في المائة وفق القراءة السابقة للنموذج. ويقل الاحتمال إلى 25 في المائة خلال الـ10 أشهر، مقابل صفر في المائة وفق القراءة السابقة.
ولا يتوقف الأمر على الركود الأميركي، إذ يتوقع خبراء اقتصاد معدلات تضخم عالية للغاية في جميع أنحاء العالم هذا العام والعام المقبل. وبحسب استطلاع أجراه معهد «إيفو» الألماني للبحوث الاقتصادية ومعهد السياسة الاقتصادية السويسرية في سبتمبر (أيلول) الماضي وشمل 1687 خبيرا اقتصاديا من 129 دولة، يتوقع الخبراء بالنسبة لهذا العام أن يبلغ متوسط التضخم 9.5 في المائة على مستوى العالم، وهو «أعلى بنسبة 6.7 نقطة مئوية من متوسط معدل التضخم على مدى العقد الماضي الذي أعلنه البنك الدولي»، حسبما ذكر معهد «إيفو» يوم الاثنين في ميونيخ.
وتشير الأرقام إلى متوسط معدلات التضخم المتوقعة على مستوى الدول. وأظهر المسح فوارق إقليمية كبيرة للغاية: في غرب أوروبا يتوقع الخبراء تضخما بنسبة 7.3 في المائة هذا العام، مقابل 19 في المائة في شرق أوروبا، و5.6 في المائة في جنوب شرقي آسيا، و30 في المائة في غرب آسيا، و7.2 في المائة في أميركا الشمالية، و30 في المائة في أميركا الجنوبية، وما يقرب من 60 في المائة في شرق أفريقيا.
ويرجح الخبراء أن تواصل الأسعار ارتفاعها في جميع أنحاء العالم. وذكر معهد «إيفو»: «من المتوقع أن يشهد التضخم العام المقبل تراجعا طفيفا مقارنة بهذا العام مع متوسط معدل تضخم يبلغ 7.5 في المائة في عام 2023». ويتوقع الخبراء أن يبلغ متوسط التضخم على مستوى العالم 5 في المائة في عام 2026.
وفي تقرير منفصل يظهر حالة شديدة الهشاشة، حذر محللون اقتصاديون من انكماش الاقتصاد البريطاني بنحو 0.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي كل ربع سنة ابتداء من أكتوبر الحالي وحتى يونيو (حزيران) المقبل.
وقال محللو مؤسسة «إي واي آيتم كلوب» في أحدث توقعاتهم الموسمية إن «هذا التراجع الممتد سيؤدي إلى انكماش إجمالي الناتج المحلي لبريطانيا خلال العام المقبل ككل بنسبة 0.3 في المائة تقريبا».
وذكرت وكالة «بي إيه ميديا» البريطانية للأخبار أن هذه المجموعة الاقتصادية خفضت توقعاتها الموسمية السابقة، والتي كانت تشير إلى نمو الاقتصاد البريطاني بمعدل 1 في المائة خلال العام المقبل.
وأدى مزيج ارتفاع أسعار الطاقة ومعدل التضخم وزيادة أسعار الفائدة وتراجع الاقتصاد العالمي إلى زيادة احتمالات دخول الاقتصاد البريطاني دائرة الركود حتى منتصف العام المقبل. ويذكر أن أي اقتصاد يعتبر في حالة ركود من الناحية الفنية عندما ينكمش إجمالي الناتج المحلي خلال ربعين متتالين من العام.
ورغم ذلك يرى المحللون أن احتمالات حدوث تراجع حاد للاقتصاد البريطاني تقلصت بفضل قرار الحكومة وضع حد أقصى لأسعار الطاقة للمستهلكين، وهو ما يعني أن الركود القادم لن يكون بنفس حدة الركود السابق.
وتدخلت الحكومة البريطانية في سبتمبر الماضي ووضعت سقفا لقيمة فاتورة استهلاك الكهرباء للأسرة البريطانية العادية وهو 2500 جنيه إسترليني (2800 دولار) وتعهدت بتغطية جزء من نفقات الكهرباء للشركات البريطانية أيضا.
وفي الوقت نفسه يرى الخبراء أن الاقتصاد البريطاني سيعود إلى النمو خلال النصف الثاني من 2023 بمجرد تراجع معدل التضخم المرتفع، وتحسن قيمة الجنيه الإسترليني المتراجع، وتوقف بنك إنجلترا المركزي عن زيادة أسعار الفائدة.
ويتوقع الخبراء نمو الاقتصاد البريطاني بمعدل 2.4 في المائة خلال 2024، و2.3 في المائة خلال 2025، لكنهم حذروا من احتمالات تراجع النمو إذا حدثت صدمات اقتصادية جديدة.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

البنك الأهلي السعودي يعلن استرداد صكوك من الفئة الأولى بـ1.25 مليار دولار

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
TT

البنك الأهلي السعودي يعلن استرداد صكوك من الفئة الأولى بـ1.25 مليار دولار

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

أعلن البنك الأهلي السعودي، يوم الأحد، عزمه استرداد صكوكه الإضافية من الفئة الأولى والمقومة بالدولار بالكامل، والتي تبلغ قيمتها الإجمالية 1.25 مليار دولار (نحو 4.68 مليار ريال).

وأوضح البنك، في بيان منشور على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، أنَّ عملية الاسترداد ستتم عملاً بأحكام وشروط الصكوك التي جرى إصدارها في 26 يناير (كانون الثاني) من عام 2021، حيث يعتزم البنك استدعاءها بالكامل بنسبة 100 في المائة في أول تاريخ استدعاء متاح، والذي يوافق 26 يوليو (تموز) 2026، وذلك بعد الحصول على موافقة الجهات التنظيمية اللازمة بهذا الشأن.

تفاصيل عملية الاسترداد

ووفقاً للبيان، فإنَّ العدد الإجمالي للصكوك المستردة يبلغ 6250 صكاً (على أساس الحد الأدنى للقيمة والحجم الإجمالي)، بقيمة اسمية تبلغ 200 ألف دولار للصك الواحد عند الاسترداد. وسيكون سعر الاستدعاء معادلاً لـ100 في المائة من القيمة الاسمية المتبقية، بالإضافة إلى أي مدفوعات مستحقة حتى تاريخ الاستدعاء.

وحول الجدول الزمني للعملية، أشار البنك الأهلي إلى أنَّ تاريخ توقف تداول هذه الصكوك سيكون في 26 يوليو 2026، على أن يتم إيداع المبالغ في حسابات حاملي الصكوك في اليوم التالي مباشرة، الموافق 27 يوليو 2026. وتصبح قيمة الإصدار الإجمالية بعد إتمام عملية الاسترداد «صفراً».

وحدَّد البنك «سيتي بنك إن إيه - فرع لندن» بصفته وكيل الدفع الرئيسي ووكيل حَمَلة الصكوك المفوّض لتولي عملية إيداع المبالغ، مشيراً إلى أنَّه يمكن للمستثمرين الراغبين في الحصول على مزيد من المعلومات أو تقديم استفسارات بشأن المدفوعات التواصل مع الوكيل عبر البريد الإلكتروني المخصص لذلك.


«جبل عمر» تطرح 400 وحدة فندقية في مكة للبيع بعد فتح التملك للأجانب

مشروع تطوير جبل عمر في مكة المكرمة المجاور للمسجد الحرام (الشركة)
مشروع تطوير جبل عمر في مكة المكرمة المجاور للمسجد الحرام (الشركة)
TT

«جبل عمر» تطرح 400 وحدة فندقية في مكة للبيع بعد فتح التملك للأجانب

مشروع تطوير جبل عمر في مكة المكرمة المجاور للمسجد الحرام (الشركة)
مشروع تطوير جبل عمر في مكة المكرمة المجاور للمسجد الحرام (الشركة)

أعلنت شركة «جبل عمر للتطوير»، يوم الأحد، ملامح استراتيجيتها الجديدة للاستفادة من قرار مجلس الوزراء السعودي الصادر في 23 يونيو (حزيران) الحالي، والقاضي بالموافقة على اللائحة التنفيذية لنظام تملك غير السعوديين للعقار، والتي أدرجت مشروع «جبل عمر» في مكة المكرمة ضمن النطاقات الجغرافية التي يجوز لغير السعوديين التملك فيها.

وأكدت الشركة، في بيان نشرته على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، أنَّ القرار يمتلك أثراً إيجابياً كبيراً في توسيع قاعدة المستثمرين والملاك المحتملين من المسلمين في أنحاء العالم كافة، مما يدعم نمو الطلب على الأصول والمنتجات العقارية التابعة لها.

مبادرات استراتيجية

وكشفت «جبل عمر» عن عزمها تفعيل خططها عبر مسارين رئيسيين:

  • طرح الوحدات القائمة: البدء بطرح 400 وحدة من الوحدات السكنية الفندقية القائمة للبيع خلال العام الحالي كمرحلة أولى، مع توجيه متحصلات البيع بشكل رئيسي نحو خفض معدلات قروض الشركة، وتقليص الأعباء التمويلية.
  • تطوير المرحلة السابعة والأخيرة: تبني استراتيجية تطويرية للمرحلة المتبقية تركز على زيادة الوحدات السكنية الفندقية الموجَّهة للبيع، والاستفادة من منتجات «البيع على الخريطة» للحدِّ من الاحتياجات التمويلية والاعتماد على السيولة الذاتية للمشروع.

وتوقَّعت الشركة أن يسهم هذا التحول الاستراتيجي في تحسين ربحيتها وتدفقاتها النقدية، من خلال تقليص تكاليف التمويل والحد من الاستثمارات الرأسمالية الضخمة المطلوبة لتطوير المرحلة السابعة.

وأشار البيان إلى أن شركة «جبل عمر» تمتلك حالياً محفظةً عقاريةً تشغيلية تضم أكثر من 6500 غرفة وجناح فندقي، ومن المتوقع أن ترتفع هذه السعة لتصل إلى 7700 غرفة وجناح فور اكتمال الأجزاء المتبقية من المرحلة الرابعة التي شارفت على الانتهاء، مما يعزِّز قدرتها التنافسية لاستيعاب الطلب العالمي الجديد.

واختتمت الشركة بيانها بالإشارة إلى أنَّ جميع هذه المبادرات ستخضع للموافقات النظامية والتشريعية ذات العلاقة قبل البدء الفعلي في تنفيذها.


السودان على خطى الانقسام النقدي

طبعة من الألف جنيه (إكس)
طبعة من الألف جنيه (إكس)
TT

السودان على خطى الانقسام النقدي

طبعة من الألف جنيه (إكس)
طبعة من الألف جنيه (إكس)

لم يعد الانقسام في السودان مقتصراً على الجغرافيا والإدارة والخدمات، بل بدأ يلامس واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حساسية، فقد تم رصد تداول أوراق نقدية جديدة من فئتي 1000 و500 جنيه، وهي إصدارات صادرة عن بنك السودان المركزي في مايو (أيار) 2022، في مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستقبل وحدة العملة الوطنية وقدرة البنك المركزي على بسط ولايته على الكتلة النقدية في البلاد.

وسمحت الحكومة «الموالية» لـ«الدعم السريع»، والتي تتخذ من نيالا عاصمة لها، بتداول فئات ورقية تحمل توقيع محافظ بنك السودان المركزي السابق «حسين يحيى جنقول»، بعد أن أعادت تعيينه في المنصب نفسه، باعتباره محافظاً لـ«البنك المركزي الموازي».

وحظرت حكومة نيالا «فئات أخرى موقعة من المحافظ الحالي، برعي الصديق، في وقت أعلن فيه رئيس وزراء الحكومة الموازية محمد حسن التعايشي، عن سياسات نقدية ومصرفية من قبل حكومته، تهدف لبناء نظام مالي متكامل».

ووفقاً لما حصلت عليه «الشرق الأوسط»، فإن تداول أوراق جديدة في مناطق سيطرة «الدعم السريع»، ومن مصدر غير محسوم «ليست المرة الأولى»، وما إذا كانت أوراقاً مخزنة سابقاً، أم ناتجة عن طباعة جديدة.

وبحسب مصرفيين وخبراء اقتصاديين، فإن الخطر لا يكمن في تداول الورقة النقدية نفسها، بل في الجهة التي تتحكم في إصدارها وتداولها، وما قد يترتب على ذلك من آثار على فاعلية السياسات الاقتصادية، والثقة بالعملة الوطنية، واستقرار النظام المالي.

ووفقاً لآراء الخبراء، فإن فاعلية السياسة النقدية تعتمد أساساً على قدرة بنك السودان المركزي على بسط ولايته على الكتلة النقدية، وإدارة السيولة، والحد من الضغوط على سوق النقد الأجنبي، والتحكم في التضخم ودعم استقرار سعر الصرف.

وفي حال تداول كتل نقدية خارج هذه الولاية، فإن قياس المعروض النقدي «عرض النقود» يصبح أكثر تعقيداً، ويضعف قدرة السلطات النقدية على مكافحة التضخم، وإدارة السيولة، واحتواء الضغوط على سعر الصرف، والحفاظ على استقرار الأسعار وسلامة النظام المالي.

وبحسب بيانات صادرة عن «بنك السودان المركزي» في أبريل (نيسان) الماضي، بلغ معدل المعروض النقدي «عرض النقود» 27.3 في المائة، ويعكس ذلك تحديات على إدارة السيولة، لا سيما في الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.

وطبقاً لخبراء، فتداول أوراق نقدية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» يزيد من تعقيد قياس الكتلة النقدية، لا سيما في مكون العملة المتداولة خارج الجهاز المصرفي، ويحد من دقة المؤشرات النقدية، ويضعف فاعلية تصميم وتنفيذ السياسة النقدية، ينتج عنه تراجع في الثقة بالعملة الوطنية، وتراجع قدرة المؤسسات على إنفاذ السياسات الاقتصادية بصورة متجانسة على مستوى البلاد.

وطبقاً لتقرير العرض الاقتصادي والمالي الصادر عن بنك السودان المركزي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، استحوذت العملة المتداولة لدى الجمهور (الكاش) على نحو 97.4 في المائة من إجمالي العملة المتداولة، مقابل 2.6 في المائة فقط لدى البنوك التجارية.

ويشير هذا المستوى المرتفع من التداول النقدي خارج الجهاز المصرفي إلى اتساع ظاهرة التعاملات النقدية المباشرة، الذي يحد من قدرة الجهاز المصرفي على تعبئة المدخرات، ويزيد من تعقيد إدارة السيولة، وقال خبراء في هذا الصدد، إن أي تداول إضافي لكتل نقدية خارج ولاية البنك المركزي، سيفاقم اختلالات الاقتصاد، ويعرقل إدارة المعروض النقدي، واستقرار النظامين النقدي والمالي.

الاقتصاد غير الرسمي

تذكر دراسات حديثة أن الاقتصاد غير الرسمي في السودان يمثل نحو 60 في المائة من النشاط الاقتصادي، وهي نسبة مرتفعة تحد من فاعلية السياسات، وتضعف قدرة الدولة على قياس وإدارة النشاط الاقتصادي.

ولا يزال الاقتصاد السوداني يعتمد بصورة كبيرة على التعاملات النقدية مقارنة بوسائل الدفع الإلكتروني، ورغم التطورات التي شهدتها التطبيقات المصرفية في الآونة الأخيرة، فإن مستويات الشمول المالي والانتشار المصرفي لا تزال دون المستوى المطلوب، ما يعزز الاقتصاد الموازي، ويحد من كفاءة السياسات الاقتصادية، وتطويرها إلى اقتصاد «حقيقي».

ومن وجهة نظر الخبراء والمصرفيين، يبدو سيناريو مضي البلاد في اتجاه نظامين مصرفيين من الناحية الفنية والمؤسسية غير مرجح في المدى المنظور. فقيام نظام مصرفي مستقل لا يقتصر على إصدار أوراق نقدية، وإنما يتطلب وجود بنك مركزي يمارس وظائفه الأساسية كاملة، بما في ذلك إدارة السياسة النقدية، وتشغيل أنظمة المدفوعات والتسويات، والإشراف والرقابة المصرفية، وإدارة الاحتياطيات، وإقامة علاقات مصرفية مع البنوك المراسلة في الخارج. وهي متطلبات يصعب توافرها في ظل الظروف الراهنة.

وحذرت جهات مالية من أن يؤدي استمرار الصراع إلى نشوء منظومة مالية «موازية» تؤدي الوظائف المصرفية بصورة غير رسمية، لا سيما التحويلات المالية، ونقل الأموال، وتمويل التجارة المحلية.

بنكان مركزيان

شهدت بعض الدول التي عانت من نزاعات ممتدة، مثل الصومال، تطوراً كبيراً في شبكات تحويل خاصة، اضطلعت عملياً بجزء من وظائف الجهاز المصرفي، وإن ظلت تعمل خارج الإطار الرقابي الرسمي، وفي الحالة السودانية يمكن أن يؤدي اتساع هذه القنوات لتقليص دور القطاع المصرفي الرسمي.

لكن حتى لا يوجد في السودان بنك مركزي موازٍ يمارس وظائفه المؤسسية الكاملة، كما في شرق ليبيا، فهذا يعتمد على أمد الصراع، فقد يقترب السودان تدريجياً من النموذج الليبي، بحيث يستمر الجنيه السوداني عملةً وطنية واحدة من الناحية القانونية، مع تعدد الإصدارات النقدية، وتفاوت مستويات قبولها بين المناطق، وظهور أسواق نقدية جزئية.

وكانت السلطات السودانية قد استبعدت في أوقات سابقة لجوء «الدعم السريع» لطباعة عملة جديدة عبر شركات، أو في دول تخضع للنظام المصرفي العالمي.

ويرى وزير المالية السابق إبراهيم البدوي لـ«الشرق الأوسط»، أن ما حدث أمر طبيعي ومتوقع في ظل استمرار الحرب بضراوة لأكثر من ثلاثة أعوام.

واعتبر البدوي المعضلة الأكبر تتمثل في «الإصرار على الحرب»، مع صعوبة تحقيق أي طرف لـ«انتصار حاسم»، وأضاف: «معظم النزاعات الأهلية تنتهي بتسويات سياسية، وعلى وجه الخصوص حالة الحرب السودانية».

وكان رئيس وزراء حكومة «تأسيس»، محمد حسن التعايشي، قد ذكر في تصريحات صحافية، أن حكومته تمضي في إنفاذ سياسات نقدية ومصرفية بهدف بناء نظام مالي متكامل، دون أن يعلق مباشرة على ما يتم تداوله بشأن طرح أوراق نقدية جديدة في نيالا.

وقال التعايشي إن المواطنين في المناطق التي تديرها حكومته، واجهوا خلال الفترة الماضية صعوبات في الحصول على الخدمات المصرفية، وإجراء التحويلات المالية، نتيجة الظروف التي فرضتها الحرب والانقسام المؤسسي.

وجدد الرجل الذي يقود الحكومة الموالية لـ«الدعم السريع» وتحالف «تأسيس»، اتهاماته للحكومة التي يقودها الجيش، باستهداف المواطنين في مناطق سيطرته، عن طريق «تغيير العملة»، وتجفيف الأسواق من السيولة النقدية، واستخدامها كورقة ضغط، وأداة من أدوات الحرب.

وأوضح أن جميع المسائل المتعلقة بطباعة العملة، تدخل ضمن اختصاص سلطة النقد والجهات الفنية المختصة، مشيراً إلى أن أي ترتيبات تتعلق بإدارة النقد أو توفير السيولة تتم وفق خطط فنية مدروسة، تستهدف الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتلبية احتياجات المواطنين والأسواق.

وكان التعايشي قد أعلن في مايو (أيار) الماضي إنشاء «مجلس العملة الانتقالي»، وحدد دوره في تنظيم الشؤون النقدية والمصرفية وإدارة تداول العملة، والإشراف على برامج لاستبدال العملة، ومنح تراخيص مزاولة الأعمال المصرفية بالتنسيق مع محافظ «بنك السودان المركزي في نيالا».

وأسست حكومة «تأسيس» في الأشهر الماضية «بنك المستقبل»، وهو أول مصرف تجاري بدأ فعلياً في تقديم عدد من الخدمات المصرفية، من بينها التحويلات المالية الخارجية.

وعقب اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل 2023، خرجت المصارف والبنوك، عن الخدمة تماماً في إقليم دارفور غرب البلاد، ما أدى إلى شح كبير في السيولة بالأسواق واهتراء العملات الورقية المتداولة، بينما واصلت الحكومة السودانية تشديد الرقابة على المعابر بمنع دخول أي عملات جديدة إلى تلك المناطق.