التضخم يهدد العالم... واحتمالات الركود الأميركي «100 %»

تقلّص التوقعات بحدوث «تراجع حاد» للاقتصاد البريطاني

أظهر نموذج مرموق للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود أصبح 100 % (رويترز)
أظهر نموذج مرموق للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود أصبح 100 % (رويترز)
TT

التضخم يهدد العالم... واحتمالات الركود الأميركي «100 %»

أظهر نموذج مرموق للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود أصبح 100 % (رويترز)
أظهر نموذج مرموق للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود أصبح 100 % (رويترز)

في وقت يهدد التضخم العنيف كافة جنبات العالم، أظهر نموذج بلومبرغ إيكونوميكس للتوقعات الاقتصادية أن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي إلى دائرة الركود خلال الـ12 شهرا المقبلة أصبح 100 في المائة، وهو ما يمثل ضربة قوية للرئيس الأميركي جو بايدن قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الشهر المقبل.
وأشارت بلومبرغ إلى أن أحدث نماذج احتمالات الركود التي أعدتها المحللتان الاقتصاديتان في بلومبرغ آنا وونغ وإليزا وينغر، أشارت إلى ارتفاع احتمالات الركود لكل الأطر الزمنية لتصل إلى 100 في المائة بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مقابل 65 في المائة فقط في الفترة السابقة.
وأشارت بلومبرغ إلى أن هذه التوقعات ستكون غير جيدة بالنسبة للرئيس بايدن الذي قال أكثر من مرة إن الولايات المتحدة ستتجنب الركود الاقتصادي، وإن أي تراجع للاقتصاد سيكون «طفيفا للغاية»، في إطار محاولاته التأكيد على أن الاقتصاد الأميركي يقف على أقدام صلبة في ظل إدارته.
ويذكر أن نموذج بلومبرغ إيكونوميكس للتوقعات الاقتصادية يستخدم 13 مؤشرا ماليا واقتصاديا للتنبؤ بفرص التباطؤ خلال فترة من شهر إلى عامين قادمين. وبحسب النموذج، فإن احتمال حدوث ركود للاقتصاد الأميركي خلال 12 شهرا يصل إلى 100 في المائة. في حين أن احتمال حدوث الركود خلال 11 شهرا مقبلة يصل إلى 73 في المائة، مقابل 30 في المائة وفق القراءة السابقة للنموذج. ويقل الاحتمال إلى 25 في المائة خلال الـ10 أشهر، مقابل صفر في المائة وفق القراءة السابقة.
ولا يتوقف الأمر على الركود الأميركي، إذ يتوقع خبراء اقتصاد معدلات تضخم عالية للغاية في جميع أنحاء العالم هذا العام والعام المقبل. وبحسب استطلاع أجراه معهد «إيفو» الألماني للبحوث الاقتصادية ومعهد السياسة الاقتصادية السويسرية في سبتمبر (أيلول) الماضي وشمل 1687 خبيرا اقتصاديا من 129 دولة، يتوقع الخبراء بالنسبة لهذا العام أن يبلغ متوسط التضخم 9.5 في المائة على مستوى العالم، وهو «أعلى بنسبة 6.7 نقطة مئوية من متوسط معدل التضخم على مدى العقد الماضي الذي أعلنه البنك الدولي»، حسبما ذكر معهد «إيفو» يوم الاثنين في ميونيخ.
وتشير الأرقام إلى متوسط معدلات التضخم المتوقعة على مستوى الدول. وأظهر المسح فوارق إقليمية كبيرة للغاية: في غرب أوروبا يتوقع الخبراء تضخما بنسبة 7.3 في المائة هذا العام، مقابل 19 في المائة في شرق أوروبا، و5.6 في المائة في جنوب شرقي آسيا، و30 في المائة في غرب آسيا، و7.2 في المائة في أميركا الشمالية، و30 في المائة في أميركا الجنوبية، وما يقرب من 60 في المائة في شرق أفريقيا.
ويرجح الخبراء أن تواصل الأسعار ارتفاعها في جميع أنحاء العالم. وذكر معهد «إيفو»: «من المتوقع أن يشهد التضخم العام المقبل تراجعا طفيفا مقارنة بهذا العام مع متوسط معدل تضخم يبلغ 7.5 في المائة في عام 2023». ويتوقع الخبراء أن يبلغ متوسط التضخم على مستوى العالم 5 في المائة في عام 2026.
وفي تقرير منفصل يظهر حالة شديدة الهشاشة، حذر محللون اقتصاديون من انكماش الاقتصاد البريطاني بنحو 0.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي كل ربع سنة ابتداء من أكتوبر الحالي وحتى يونيو (حزيران) المقبل.
وقال محللو مؤسسة «إي واي آيتم كلوب» في أحدث توقعاتهم الموسمية إن «هذا التراجع الممتد سيؤدي إلى انكماش إجمالي الناتج المحلي لبريطانيا خلال العام المقبل ككل بنسبة 0.3 في المائة تقريبا».
وذكرت وكالة «بي إيه ميديا» البريطانية للأخبار أن هذه المجموعة الاقتصادية خفضت توقعاتها الموسمية السابقة، والتي كانت تشير إلى نمو الاقتصاد البريطاني بمعدل 1 في المائة خلال العام المقبل.
وأدى مزيج ارتفاع أسعار الطاقة ومعدل التضخم وزيادة أسعار الفائدة وتراجع الاقتصاد العالمي إلى زيادة احتمالات دخول الاقتصاد البريطاني دائرة الركود حتى منتصف العام المقبل. ويذكر أن أي اقتصاد يعتبر في حالة ركود من الناحية الفنية عندما ينكمش إجمالي الناتج المحلي خلال ربعين متتالين من العام.
ورغم ذلك يرى المحللون أن احتمالات حدوث تراجع حاد للاقتصاد البريطاني تقلصت بفضل قرار الحكومة وضع حد أقصى لأسعار الطاقة للمستهلكين، وهو ما يعني أن الركود القادم لن يكون بنفس حدة الركود السابق.
وتدخلت الحكومة البريطانية في سبتمبر الماضي ووضعت سقفا لقيمة فاتورة استهلاك الكهرباء للأسرة البريطانية العادية وهو 2500 جنيه إسترليني (2800 دولار) وتعهدت بتغطية جزء من نفقات الكهرباء للشركات البريطانية أيضا.
وفي الوقت نفسه يرى الخبراء أن الاقتصاد البريطاني سيعود إلى النمو خلال النصف الثاني من 2023 بمجرد تراجع معدل التضخم المرتفع، وتحسن قيمة الجنيه الإسترليني المتراجع، وتوقف بنك إنجلترا المركزي عن زيادة أسعار الفائدة.
ويتوقع الخبراء نمو الاقتصاد البريطاني بمعدل 2.4 في المائة خلال 2024، و2.3 في المائة خلال 2025، لكنهم حذروا من احتمالات تراجع النمو إذا حدثت صدمات اقتصادية جديدة.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

«وكالة الطاقة الدولية»: لا نناقش حالياً إطلاق دفعة ثانية من احتياطات النفط الاستراتيجية

خزانات للنفط الاحتياطي الاستراتيجي بولاية تكساس (رويترز)
خزانات للنفط الاحتياطي الاستراتيجي بولاية تكساس (رويترز)
TT

«وكالة الطاقة الدولية»: لا نناقش حالياً إطلاق دفعة ثانية من احتياطات النفط الاستراتيجية

خزانات للنفط الاحتياطي الاستراتيجي بولاية تكساس (رويترز)
خزانات للنفط الاحتياطي الاستراتيجي بولاية تكساس (رويترز)

قال فاتح بيرول، المدير العام لـ«وكالة الطاقة الدولية»، يوم الاثنين، إن الوكالة لا تناقش، في الوقت الراهن، إصداراً ثانياً من احتياطات النفط الاستراتيجية.

وأضاف بيرول، وفقاً لوكالة «رويترز»، أن الوكالة تُتابع الأسواق من كثب، وأن 80 في المائة من الاحتياطات الاستراتيجية لا تزال موجودة بعد إعلان بدء استخدام 400 مليون برميل في مارس (آذار) الماضي.

وفي أكبر خطوة من نوعها في تاريخها، أوصت «وكالة الطاقة الدولية» بالإفراج عن نحو 400 مليون برميل من النفط من المخزونات الاستراتيجية للدول الأعضاء؛ في محاولة لكبح الارتفاع الحاد بأسعار الخام، في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وتسببت حرب إيران في إغلاق مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية.


«سوفت بنك» تقترض 6.3 مليار دولار لتمويل رهان الذكاء الاصطناعي

شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«سوفت بنك» تقترض 6.3 مليار دولار لتمويل رهان الذكاء الاصطناعي

شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)

تتجه مجموعة «سوفت بنك» اليابانية إلى تنفيذ أكبر إصدار سندات في تاريخها، في أحدث مؤشر على حجم الأموال التي تضخها شركات التكنولوجيا الآسيوية لتمويل سباق الذكاء الاصطناعي، وما يرافق ذلك من اعتماد متزايد على أسواق رأس المال.

وأعلنت المجموعة، الاثنين، اعتزامها إصدار سندات شركات لأجل سبع سنوات بقيمة تريليون ين (6.29 مليار دولار)، موجهة إلى المستثمرين الأفراد، مع تحديد نطاق مبدئي للعائد بين 4.3 و4.9 في المائة. ومن المنتظر إعلان الشروط النهائية للإصدار في 4 سبتمبر (أيلول).

ويمثل الإصدار الجديد قفزة كبيرة مقارنة بأكبر عملية سابقة لـ«سوفت بنك»، والبالغة 600 مليار ين في أبريل (نيسان) 2025؛ إذ يقترب حجمه من ضِعف ذلك المستوى.

وتعكس الخطوة استراتيجية المجموعة لتوفير السيولة اللازمة لتوسيع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. واعتمدت «سوفت بنك» مزيجاً من الاقتراض وإصدارات السندات وبيع الأصول لتمويل خططها، بما في ذلك تصفية حصص في «إنفيديا» و«تي موبايل».

وتأتي العملية وسط موجة تمويل واسعة للذكاء الاصطناعي في آسيا. فقد أعلنت «علي بابا» الصينية، الأحد، طرح أسهم بقيمة 10.2 مليار دولار لتمويل قدراتها المتكاملة في الذكاء الاصطناعي؛ ما يكشف عن الاحتياجات الرأسمالية الضخمة التي يفرضها بناء مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية.

اقتصادياً، يبرز إصدار «سوفت بنك» تحولاً مهماً في سباق الذكاء الاصطناعي؛ فالمنافسة لم تعد تقتصر على امتلاك التكنولوجيا، بل أصبحت أيضاً سباقاً على القدرة على توفير التمويل طويل الأجل.

لكن العائد المرتفع نسبياً للسندات يرفع في المقابل تكلفة هذا الرهان. ولذلك؛ سيتركز اهتمام المستثمرين على قدرة «سوفت بنك» على تحويل استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي عوائد تتجاوز تكلفة التمويل، خصوصاً مع توسع الشركات العالمية في الاقتراض والإنفاق على القطاع بوتيرة غير مسبوقة.


«علي بابا» تجمع 10.2 مليار دولار لرهان الذكاء الاصطناعي

زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)
زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

«علي بابا» تجمع 10.2 مليار دولار لرهان الذكاء الاصطناعي

زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)
زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)

أشعلت «علي بابا» موجة جديدة من القلق بشأن التكلفة المتصاعدة لسباق الذكاء الاصطناعي، بعدما أطلقت عملاق التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية الصينية طرح أسهم بقيمة 80 مليار دولار هونغ كونغي (10.21 مليار دولار أميركي)، لتمويل توسعاتها في الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية المرتبطة به، في خطوة دفعت سهم الشركة إلى هبوط حاد، وألقت بظلالها على قطاع التكنولوجيا الصيني بأكمله. وتراجعت أسهم «علي بابا» في هونغ كونغ بما يصل إلى 10.5 في المائة إلى أدنى مستوى في شهر، بعدما جرى تسعير الأسهم الجديدة عند 112.70 دولار هونغ كونغي للسهم، بخصم 8.4 في المائة عن إغلاق الجمعة. وتعد الصفقة أكبر طرح أولي لاحق للأسهم تنفذه شركة مدرجة في هونغ كونغ على الإطلاق، وثالث أكبر صفقة من نوعها عالمياً هذا العام بعد طرحي «ألفابت» و«إنتل». المشكلة بالنسبة إلى المستثمرين ليست في قدرة «علي بابا» على جمع الأموال، وإنما في السؤال الذي بات يطارد شركات التكنولوجيا من الصين إلى الولايات المتحدة: متى تتحول عشرات المليارات التي تنفق على الذكاء الاصطناعي إلى أرباح وتدفقات نقدية تبرر هذه الاستثمارات؟ وقال تشارلز وانغ، رئيس مجلس إدارة «شنتشن دراغون باسيفيك كابيتال مانجمنت»، إن العملية تمثل خبراً سلبياً على المدى القصير بسبب تخفيف حصص المساهمين، مشيراً إلى أن المستثمرين لا يفضلون عادة الإنفاق الرأسمالي الكبير، حتى إذا كان الاستثمار مفيداً على المدى الطويل. ويتفق جيسون تشان، الاستراتيجي لدى «بنك أوف إيست آسيا»، مع هذا التقييم، إذ وصف حجم الطرح والخصم بأنه مفاجئ للسوق، محذراً من ضغوط تخفيف الملكية، ومن عودة التساؤلات حول العائد الذي يمكن أن تحققه المنافسة الشرسة في الذكاء الاصطناعي.

رهان بـ56 مليار دولار: الطرح الجديد ليس خطوة منفصلة، وإنما جزء من استراتيجية استثمارية ضخمة أعلنتها «علي بابا» في أكتوبر (تشرين الأول)، تتضمن إنفاق 380 مليار يوان، أو نحو 56.54 مليار دولار خلال ثلاث سنوات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وبالفعل، كشفت الشركة عند إعلان نتائجها الفصلية قبل نحو أسبوع أنها أنفقت ما يقارب نصف خطة الإنفاق الرأسمالي المخصصة للسنوات الثلاث، ما يعكس السرعة التي تتحرك بها لتوسيع قدراتها الحاسوبية، ومراكز البيانات، وخدمات الذكاء الاصطناعي. وفي مؤشر إلى حجم الضغط الذي يفرضه هذا الاستثمار على النتائج الحالية، هبط صافي أرباح «علي بابا» الفصلية بنسبة 75 في المائة على أساس سنوي، ويعود ذلك بصورة أساسية إلى النفقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكن الشركة تراهن على أن الطلب المتسارع سيختصر فترة انتظار العائد. فقد خفضت تقديراتها لفترة استرداد استثمارات الذكاء الاصطناعي من ثلاث سنوات إلى عامين ونصف العام، مدفوعة بارتفاع الطلب على الخدمات ذات الصلة. كما افتتحت «علي بابا كلاود» الأسبوع الماضي ثالث مركز بيانات لها في كوريا الجنوبية، لترتفع شبكتها إلى 104 مناطق توافر موزعة على 30 منطقة حول العالم، في مؤشر إلى أن الاستثمار لا يستهدف السوق الصينية وحدها، بل بناء منصة حوسبة سحابية قادرة على المنافسة دولياً. وتكتسب هذه الاستثمارات بعداً استراتيجياً إضافياً في ظل احتدام المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة. فالوصول إلى الرقائق المتقدمة والقدرات الحاسوبية ومراكز البيانات أصبح جزءاً من معادلة القوة الاقتصادية، ما يدفع شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى إلى ضخ رؤوس أموال ضخمة لبناء منظومات محلية، وتقليل الاعتماد على التقنيات الأميركية.

السوق الصينية تدفع الثمن: ولم تبقَ تداعيات العملية محصورة في سهم «علي بابا»، فقد تراجع مؤشر هانغ سينغ 2.1 في المائة، وخسر مؤشر هانغ سينغ للتكنولوجيا 3.8 في المائة، بينما هبط مؤشر الذكاء الاصطناعي في هونغ كونغ بأكثر من 5 في المائة. وفي البر الرئيس، انخفض مؤشر شنغهاي المركب 0.7 في المائة إلى 3877.3 نقطة، وفقد «سي إس آي 300» نحو 1.3 في المائة. وكانت الخسائر أكثر حدة في أسهم النمو، إذ تراجع «تشاينكست» بنسبة 3.5 في المائة، وهبط مؤشر «سي إس آي للذكاء الاصطناعي» 4.7 في المائة، بينما خسر قطاع أشباه الموصلات أكثر من 2 في المائة. وهذه التحركات توضح أن المستثمرين بدأوا يعيدون تسعير مخاطر الإنفاق الرأسمالي للذكاء الاصطناعي على مستوى القطاع بأكمله، وليس شركة واحدة فقط. فجمع رأس المال من خلال إصدار أسهم جديدة يوفر للشركات تمويلاً لا يضيف ديوناً إلى ميزانياتها، لكنه يؤدي إلى تخفيف حصص المساهمين الحاليين، ويضغط على ربحية السهم، ما لم يحقق الاستثمار نمواً كافياً لتعويض هذا الأثر.

• اليوان يضيف متغيراً جديداً: تزامنت الضغوط على الأسهم مع تراجع طفيف لليوان من أعلى مستوياته في ثلاث سنوات ونصف. وتم تداول العملة المحلية قرب 6.7238 يوان للدولار، بعدما سجلت الجمعة أقوى مستوياتها منذ فبراير (شباط) 2023. ولا يزال اليوان مرتفعاً بنحو 4 في المائة أمام الدولار منذ بداية العام، بعد ثمانية أسابيع متتالية من المكاسب، مستفيداً من الضعف الواسع للعملة الأميركية. لكن بنك الشعب الصيني أظهر مجدداً أنه لا يريد ارتفاعاً سريعاً للعملة، إذ حدد السعر المرجعي عند 6.7841 يوان للدولار، أضعف بنحو 593 نقطة من تقديرات السوق. ويرى محللو «أو سي بي سي» أن البنك المركزي مرتاح لارتفاع تدريجي لليوان، لكنه يقاوم أي صعود سريع، أو أحادي الاتجاه. بالنسبة إلى «علي بابا»، سيكون الاختبار الحقيقي خلال العامين المقبلين في قدرة استثماراتها الهائلة على توليد إيرادات وأرباح تتناسب مع الأموال التي تضخها. فالذكاء الاصطناعي انتقل بالنسبة إلى المستثمرين من مرحلة الاحتفاء بحجم الإنفاق إلى مرحلة أكثر صرامة عنوانها «العائد على الاستثمار». وإذا نجحت الشركة في تحويل بنيتها التحتية الجديدة إلى نمو قوي في الحوسبة السحابية، وخدمات الذكاء الاصطناعي، فقد يبدو طرح الـ10.2 مليار دولار استثماراً استراتيجياً في توقيت حاسم. أما إذا تأخر العائد، فقد يصبح الهبوط الحالي للسهم بداية مرحلة أوسع يعيد خلالها المستثمرون تقييم السعر الحقيقي لسباق الذكاء الاصطناعي الصيني.