آمال مختار: الفكر التنويري أنقذ تونس من الردّة

رئيسة «بيت الرواية التونسية» ترى أن الكتابة الإبداعية مغامرة

آمال مختار (تصوير: سعد الدوسري)
آمال مختار (تصوير: سعد الدوسري)
TT

آمال مختار: الفكر التنويري أنقذ تونس من الردّة

آمال مختار (تصوير: سعد الدوسري)
آمال مختار (تصوير: سعد الدوسري)

بين الصحافة والرواية، تنقلت الكاتبة والروائية التونسية آمال مختار. نشرت أول رواية لها بعنوان «نخب الحياة» (عن «دار الآداب» في بيروت)، ونالت عليها جائزة الإبداع الأدبي لوزارة الثقافة لسنة 1994. وفي عام 2002 قدمت روايتها الثانية «الكرسي الهزاز»، تلاها في عام 2006 رواية «المايسترو» الحاصلة على جائزة لجنة التحكيم لمسابقة الرواية التونسية «الكومار الذهبي»، ورواية «دخان القصر» (2013)، وفي مجال السرد القصصي لها مجموعتان: «لا تعشقي هذا الرجل» (2003)، و«للمارد وجه جميل» (2004). ومؤخراً تم تعيينها مديرة لمؤسسة «بيت الرواية» وهو أول بيت عربي للرواية.
أجرينا اللقاء التالي معها بمناسبة مشاركتها في فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب الثقافية، بمناسبة اختيار تونس «ضيف شرف» هذه الدورة من المعرض.
> كيف ترين الاحتفاء بالمبدعين التونسيين في معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- أرى الدعوة كريمة من الشقيقة السعودية التي يعود تاريخ التبادل الثقافي بينها وبين تونس إلى سنوات خلت. كما أرى في الاحتفاء بالمبدعين التونسيين في معرض مهمّ بأهميّة معرض الرياض تكريماً وإضافة متبادلة بين البلدين الشقيقين. وإذ يفتح معرض الرياض ذراعيه لتكريم المبدع التونسي بجعل تونس «ضيف شرف»، فإن ذلك سيجعل هذا المبدع يقدم كل ما لديه من معرفة ليكون في مستوى هذا التشريف.
> ما طبيعة مشاركتك في معرض الكتاب؟
- مشاركتي ستكون ضمن الوفد الرسمي الممثل لوزارة الشؤون الثقافية، تحت إشراف السيدة وزيرة الثقافة حياة قطاط قرماسي، وذلك باعتباري روائية أولاً، ومديرة لمؤسسة «بيت الرواية»، وهو أول بيت عربي للرواية. وستكون مساهمتي حسب البرنامج الذي أعدته الوزارة، بترؤس الجلسات الحوارية الخاصة بلقاءات الروائيين التونسيين المشاركين في الوفد الرسمي، كما ستكون لي مساهمة أخرى في يوم «التونسيات مبدعات ومنتجات للمعرفة».
> كيف تصفين التفاعل الثقافي بين المبدعين في تونس والعالم العربي؟
- الحضور الثقافي التونسي في المشهد الثقافي العربي متميز حقيقة، فالمبدع والمفكر والفنان والمثقف التونسي -عموماً- يحظى بمكانة مرموقة، نظراً لفرادة التجربة الثقافية التونسية التي نهلت من موجات التنوير التي هبّت وتهُب على البلاد التونسية منذ القدم، منذ أن أُلغيت العبودية سنة 1842 من تونس، ومنذ أن وُضع أول دستور تونسي وعربي سنة 1861، ومنذ أن قدّم خير الدين باشا إصلاحاته للبلاد التونسية، ومنذ أن كتب الطاهر الحداد كتابه الشهير: «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، وصولاً إلى الاستقلال ومسك الزعيم بورقيبة بزمام عملية التنوير، فاهتم بالركائز الثلاث التي يمكن أن تنهض عليها دولة حديثة متنورة، وهي: التعليم، والثقافة، وتحرر المرأة.
كل ذلك التراكم التنويري في تونس جعل من النتاج المعرفي والثقافي التونسي الذي تمتع دائماً بنسبة معقولة من الحريّة، وهي عماد كل عملية تفكير وإبداع، نتاجاً متميزاً في المشهد الثقافي العربي، فاتحاً أبوابه للتفاعل مع مشهدية ثقافية عربية أخرى مهمة تاريخياً، مثل التجارب المصرية واللبنانية والفلسطينية والعراقية والسورية، ولاحقاً بقية البلاد العربية؛ حيث تكفلت العولمة والثورة الرقمية بفتح كل المغلقات.

بين الصحافة والرواية
> منذ عام 1984 وأنت تعملين في الصحافة الثقافية، وكان لديك برنامج حواري مهم في الإذاعة، هو «خارج النصّ». فهل منحتك الصحافة سقفاً أعلى لممارسة الحرية؟ أم رسخت لديك «الرقيب الداخلي»؟
- أكاد أقول إن الصحافة والعمل الميداني فيها، وكل تلك العلاقات والتجارب التي يعيشها الصحافي خلال عمله، هي الطريق الأوفر حظاً لصاحب موهبة أدبية كي ينجح في شحذ تلك الموهبة بعد اكتشافها وإثرائها معرفياً وميدانياً.
وشخصياً، استفدت كل الاستفادة من تجربتي في العمل الصحافي بكل أشكاله، المكتوبة والمسموعة والمرئية، مما وسّع ثقافتي وعلاقاتي ومعرفتي، فنهلت من كل الفنون التي تعاملت معها في عملي الصحافي، من سينما وفن تشكيلي ومسرح وأدب وموسيقى، فمثَّل ذلك -إلى جانب ثقافتي الشخصية في قراءات علم النفس والفلسفة- ذخيرتي في الكتابة الروائية.
> كثيرون اعتبروا روايتك الأولى «نخب الحياة» (1993)، نقطة تحول في الرواية التونسية. بالنسبة إليك، ماذا أردت أن توصلي من طريق هذه الرواية؟
- نعم، لقد كان الناقد الكبير وأستاذ الأدب الراحل توفيق بكار هو من قال ذلك، في منتصف التسعينات من القرن الماضي، ليضع بذلك حداً لجدل كبير حدث في المشهد الأدبي التونسي منذ صدور روايتي الأولى «نخب الحياة» عن «دار الآداب» العريقة، وهي أوّل رواية تونسية تنشر عن هذه الدار. وكان سبب هذا الجدل ما اعتبره البعض جرأة في هذه الرواية الصغيرة التي فتحت باب جدل كبير حول جرأتها وأسئلتها الوجودية التي طرحتها خلالها، إلى جانب مفاهيم شائكة، مثل حرية المرأة، والعلاقة بالغرب.
والحقيقة أنّني عندما كتبت تلك الرواية بتلقائية الموهبة واندفاعة الشباب، لم أكن أخطط لشيء مطلقاً. لقد جاءت بمنزلة قدر محتوم على يدي الروائي الكبير والناشر سهيل إدريس، لأنطلق في عالم الرواية بصفة روائية، ولتثبت بقية التجربة واستمرارها صدق نبوءة سهيل إدريس الذي ما فتئ يساند المرأة العربية، مؤمناً بأهمية دورها في تحرير الشعوب وتنويرها.

المرأة والعنف... والربيع
> كثيراً ما تتناول أعمالك موضوع «العنف ضد المرأة» كثيمة ثابتة، كما في رواية «الكرسي الهزاز». ألا ترين أن المرأة في المغرب العربي خاصةً قد كسرت قيد العزلة إلى حد بعيد، وأصبحت شريكة في الحياة العامة؟
- صحيح؛ لكن إلى حدّ ما. فعلى الرغم من التطوّر المذهل الذي بلغته المرأة في تونس -مثلاً- متقدّمة على جيرانها في المغرب العربي على مستوى القوانين في مجلة الأحوال الشخصية التي وضعها بورقيبة، وطورها زين العابدين بن علي، فإن أمر تحرر المرأة ظل نسبياً على أرض الواقع، متخلفاً عن القوانين؛ لأن الحرب الحقيقية كانت على مستوى تحرير العقليات الذكورية المسيطرة، إلا أن كل ذلك سقط في عدمية العشرية السوداء الأخيرة التي عاشتها تونس، فعدنا على أرض الواقع إلى فترة بداية الاستقلال التي كانت بداية صعبة لإرساء برنامج تحرير المرأة، باعتبار أنّ الجهل كان مستشرياً في المجتمع، والانتصار عليه كان ممكناً بالتعليم والثقافة والمثابرة في إنجاز ذلك.

> ماذا عن الآن..؟
- أما الآن فإنّي أرى الوضع أشد استحالة لأن الشعوب عموما وتلك التي مرّ عليها الربيع العربي خصوصا، باتت بعد الثورة الرقمية تعاني ممّا أسميه نصف الجهل أو المعرفية المزيفة وهو التزود بمعلومات مغلوطة من شأنها أن تمنح الفرد الإحساس بثقة العارف بينما هو في حقيقة الأمر جاهل والأدهى أنّ ثقته بأنّه يعرف جعلته عنيدا وغير قابل للتلقي.
هذه التحولات الكبرى في العالم وفي منطقة المغرب العربي جعلت سقف الحرية يصبح واطئا ان لم نقل منعدما، فالمجتمعات باتت تعيش حالة انفصام بامتياز سببها هذه الحرية المادية الزائدة عن اللزوم التي توفرها الوسائط الاجتماعية وتلك الردّة في الفكر التنويري خاصة في تونس بسبب عودة العقلية الذكورية المريضة للسيطرة على البلاد ومفاصلها ممّا جعل النقاشات علي وسائل التواصل تعالج فضائح أخلاقية تكون البطلة بطلتها اما اغتصابا أو عنفا أو او … و قصصا غريبة حول الشعوذة والسحر وتفاهات اخرى بدل مناقشة قضايا جادة تصلح مَن شأن الوضع المتري في البلاد.
وهنا بات الكاتب مطالبا بمزيد من العمل وتحمّل مسؤوليته كمثقف عليه أن ينهض بمجتمعه ووسيلته الوحيدة هي الكتابة بحريّة لمعالجة تلك العقلية الذكورية الدكتاتورية التي عادت بشراسة ودمّرت كل شي جميل في تونس.
> بالمناسبة، أليس غريباً أن تُمنع رواية «الكرسي الهزاز» في بلد يملك سقفاً عالياً من حرية النشر والتعبير؟
- مُنعت روايتي الثانية «الكرسي الهزاز» في ظروف ملتبسة ومتضاربة، دون أن يكون هناك من يقرأ ويتمحّص الأمر جيداً. وقد ضاعت الحقيقة بين القيل والقال، وتكاثرت التهم، والرواية براء من كل ذلك. هي ليست رواية سياسية تتحدّث عن السلطة والكرسي، ولا هي لا أخلاقية (كما أُشيع) حتى وإن أُخرجت بعض مقاطع منها عن السياق العام للرواية. هي فقط رواية سيئة الحظ، كُتب لها أن تُمنع ظلماً من التوزيع، إلى أن حلّت سنة 2008 بالقرار الرئاسي الذي حذف جهاز المراقبة الإبداعية من تونس، وجعل القضاء فيصلاً بين الناس عندما يتجاوز عمل إبداعي ما حدوده الجماعية المتعارف عليها.
> إلى أي مدى تشكل الكتابة «مغامرة» في مجتمعات لم تتعود احترام حرية التعبير؟
- فعلاً، الكتابة الإبداعية مغامرة. وهي من أبدع المغامرات وأكثرها انفتاحاً على فضاء الخيال؛ حيث يمكن للكاتب أن يحلم بما يريد. وهنا تكمن المسؤولية الحقيقية للكتابة. والسؤال الحارق: ماذا يريد الكاتب فعلاً أن يقول؟ وماذا يمكن أن ينتج عمّا يقوله هذا الكاتب تحديدا؟ هذه الأسئلة جعلت من دور الكاتب أكثر مسؤولية وخطورة في الظروف التي نعيشها؛ حيث بات المتلقي ذو المعرفة المشوهة والعقلية الذكورية المنغلقة صعب المنال، وأصعب في الإقناع.
> كثيرون يعلمون بقصتك مع الناشر اللبناني سهيل إدريس، صاحب مجلة «الآداب»، و«دار الآداب» للنشر، حين رفض نشر قصة لك وصفها بـ«التافهة»، وبعد فترة اطلع على نصّ آخر اكتشف فيه الموهبة الروائية لديك، فكانت روايتك الأولى «نخب الحياة» (1993)؛ السؤال: كم من الناشرين والنقاد أطفأوا أحلام المبدعين الشباب؟
- تماماً، كانت تلك حادثة قدرية بيني وبين الناشر الراحل سهيل إدريس الذي رفض نشر قصة قصيرة لي سنة 1988، في مجلة «الآداب»، ليعود بعد ذلك وينشر لي رواية «نخب الحياة».

وقد تكون حادثة رفض نشر نص سردي أو شعري لمبدع شاب -مثلما حدث معي أوّل مرّة مع الدكتور سهيل إدريس- سبباً في وأد موهبة شابة تلتمس مساحة وتربة خصبة لتنمو وتزهر. فأنا مثلاً انقطعت عن النشر منذ أبدى الدكتور رأيه في تلك القصة، ولم أنشر إلا تحت إلحاحه رواية «نخب الحياة». لأجل ذلك ألتمس من الناشرين التريث والتمعّن قبل إطلاق حكم قد يكون بمنزلة رصاصة الإعدام لموهبة قد تكون فذة وواعدة.

> ماذا تغير في المشهد الثقافي التونسي بعد أحداث 2011؟ هل تخفف المثقفون من القيود التي كانوا يشتكون منها؟
- بعد أحداث 2011، تحول المشهد الثقافي التونسي إلى فوضى عارمة من فرط منسوب الحريّة الذي عرفته الحياة الثقافية؛ حيث اختلط الحابل بالنابل، وغابت الرقابة الصحية على كل شيء. وزادت وسائط التواصل الاجتماعي الطين بلّة، فتضاعف عدد الكتاب والناشرين والصحافيين والنقاد والفنانين في شتى المجالات. قد يقول قائل إنّ في ذلك نفساً صحيّاً؛ لكني أرى عكس ذلك، مؤمنة بأنّ كل شيء إذا ما فاق حدّه انقلب إلى ضدّه.
كما أؤمن بأنّ بعد كل انفجار وفوضى لا بد للأمور من أن تعثر على توازن ما، فيه من المنطق الكثير، وهذا ما يحدث الآن في المشهد الثقافي التونسي الذي بدأ يستعيد توازنه؛ خصوصاً بعد التوقف الذي فرضه وباء «كورونا» الذي شلّ العالم بأسره. وها نحن نستعيد ألقنا وفرادتنا بعد تجاوز كثير من العراقيل، محافظين على الحريّة في ممارسة فعل الإبداع، وهي شرطه الأوّل ليتحقق ويفيد.

> ماذا يمكنك أن تضيفي لحركة الإبداع الأدبي بعد تعيينك مسؤولة عن «بيت الرواية»؟
- لدي مشروع واضح الأهداف والرؤية بالنسبة لمؤسسة «بيت الرواية»، يتمثل في العمل بالشراكة مع وزارة التربية لالتقاط الشباب الذين يتمتعون بمواهب القراءة والكتابة، وتأطيرهم في ورشات مختصة يشرف عليها مختصون في المادة، لتساهم «بيت الرواية» في تنشئة جيل يقرأ أولاً، ومن يقرأ يمكن أن يُعوّل عليه، ثم تأطير أصحاب المواهب لكي تنمو في مناخ سليم.
هذا إلى جانب العمل العادي، من تنظيم ندوات تونسية وعربية وعالمية، حول الرواية وصناعتها ومحتواها، لمزيد إشعاع «البيت» عربياً وعالمياً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

اكتشاف سر صعوبة تعلم الرياضيات لدى الأطفال

قد يعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات (جامعة ستانفورد)
قد يعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات (جامعة ستانفورد)
TT

اكتشاف سر صعوبة تعلم الرياضيات لدى الأطفال

قد يعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات (جامعة ستانفورد)
قد يعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات (جامعة ستانفورد)

كشف باحثون في جامعة ستانفورد الأميركية عن سبب جديد يُفسِّر صعوبة تعلُّم الرياضيات لدى بعض الأطفال في الصغر.

وأوضح الفريق البحثي أن المشكلة لا تقتصر على فهم الأرقام ومعالجتها فحسب، بل تشمل أيضاً صعوبة تحديث طرق التفكير والتكيُّف مع الأخطاء أثناء حلِّ المسائل. ونُشرت النتائج، يوم الاثنين، في دورية «JNeurosci».

ويعاني بعض الأطفال من صعوبة في تعلُّم الرياضيات، وقد تظهر هذه الصعوبات في فهم العمليات الحسابية الأساسية، أو في التعامل مع الأعداد، أو حتى في بطء حلِّ المسائل مقارنة بأقرانهم. وتؤثر هذه التحديات على ثقة الطفل بنفسه، وتزيد من شعوره بالإحباط والقلق أثناء الحصص الرياضية، مما يجعل متابعة التعلُّم أكثر صعوبة.

وشملت الدراسة 87 طفلاً من الصفين الثاني والثالث، منهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات تعلُّم الرياضيات وفق نتائج اختبار الطلاقة الرياضية، و53 طفلاً يمتلكون قدرة رياضية طبيعية.

وطُلب من الأطفال تحديد أيّ الأرقام أكبر في مجموعات من التجارب، سواء كانت الأعداد مرمَّزة برموز رقمية أو ممثَّلة بمجموعات من النقاط. وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات تعلُّم الرياضيات كانوا أقل قدرة على تعديل استراتيجياتهم بعد ارتكاب خطأ، خصوصاً عند التعامل مع الرموز العددية، مقارنة بأقرانهم ذوي القدرة الرياضية الطبيعية.

وأظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) اختلافاً واضحاً في نشاط الدماغ بين المجموعتين، إذ كان لدى الأطفال الذين يعانون من صعوبات في الرياضيات نشاط أضعف في مناطق الدماغ المسؤولة عن الوظائف التنفيذية، مثل الجزء الأوسط من الجبهة الأمامية والقشرة الحزامية الأمامية، وهي مناطق أساسية لمراقبة الأداء، واكتشاف الأخطاء، واتخاذ القرارات.

ووفقاً للنتائج، فإن حتى الأطفال الذين ينجزون المهام الرياضية بشكل صحيح قد يستخدمون قدرات عصبية دماغية أقل من اللازم، مما يجعل حلّ المسائل أقل كفاءة. وأوضح الباحثون أن هذه الصعوبات قد تمتد لتشمل مهارات معرفية أوسع، مثل قدرة الطفل على مراقبة أدائه والتكيُّف مع الأخطاء، وليس فقط القدرات العددية.

وأشار الفريق إلى أن نتائج الدراسة تسلط الضوء على أهمية التركيز في التدخلات التعليمية على العمليات الميتامعرفية، مثل التعرُّف على الأخطاء وتعديل الاستراتيجيات أثناء حلِّ المشكلات، وليس فقط على تعزيز الفهم العددي الأساسي.

وأضافوا أن «تقديم تغذية راجعة مناسبة، وتدريب الأطفال على هذه المهارات، يمكن أن يساعدهم على تحسين أدائهم، ليس في الرياضيات فحسب، بل في حلِّ المشكلات بشكل عام».

وشدَّد الباحثون على أن الكشف المبكر عن صعوبات تعلُّم الرياضيات، وتقديم الدعم الفعَّال للأطفال في المراحل الدراسية المبكرة، أمرٌ حيوي للحفاظ على تحصيلهم الأكاديمي، وتحفيز اهتمامهم بالرياضيات، وتجنُّب تراكم المشكلات التعليمية والنفسية المرتبطة بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس.


هل أفقدت عملية التجميل الممثلة ليتيسيا كاستا جاذبيتها؟

صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
TT

هل أفقدت عملية التجميل الممثلة ليتيسيا كاستا جاذبيتها؟

صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)
صورتها بعد شد الوجه (إنستغرام)

تناقل رواد مواقع التواصل صورة جديدة للممثلة ليتيسيا كاستا وهي تحضر حفلاً بمناسبة موسم باريس للموضة. ورغم الأناقة الباذخة للحسناء الفرنسية، فإن المعجبين بها لاحظوا لجوءها إلى جراحة تجميلية لشد الوجه. وأجمع مئات المعلقين على أن العملية محت السحر الطبيعي لابنة مقاطعة النورماندي التي اشتهرت بملامحها البريئة الخالية من الزينة، وبقوامها الذي لا يتبع شروط النحافة السائدة بين النجمات.

كانت كاستا قد تألقت على السجادة الحمراء عندما حضرت عرض أزياء «ديور» لربيع وصيف 2026 في باريس الأسبوع الماضي. وشوهدت في تسجيل نشرته مجلة «غالا» وهي تحضر بصحبة الممثلة الأميركية كيت هدسون حفل عشاء في فندق فخم في ساحة فاندوم، تلبية لدعوة دار المجوهرات «غاراتي» باعتبارها ضيفة الشرف. وطبعاً فقد تزينت بعقد وقرطين من تصميم الدار الإيطالية. وحال نشر صور الحفل توالت تعليقات الجمهور التي انتقدت الوجه الجديد للممثلة البالغة من العمر 47 عاماً. فقد كتب أحد المعلقين: «لم نعد نعرفها». كما أبدى آخرون استياءهم من الفستان المكشوف الذي ارتدته.

سبق لليتيسيا كاستا أن أدلت بحديث لإذاعة «آر تي إل» الباريسية في الشتاء الماضي، تطرقت فيه إلى علاقتها بالعمر، وعدم خوفها من الشيخوخة. وقالت: «طوال حياتي المهنية كنت أتقدم في العمر. فقد بدأت عرض الأزياء وعمري 14 عاماً ونصف العام، ومن المؤكد أنني كبرت. فقد أدركت أن هناك أموراً نفقدها، وأموراً نكسبها. وما نكسبه يشكل قوتنا. لذلك لست أخشى الشيخوخة».

 

 


نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
TT

نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)
نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)

في السنوات الأخيرة، أُضيف إلى المشهد السينمائي العربي حضور متنامٍ لممثلين سعوديين باتوا يحصدون تقديراً فعلياً في مهرجانات دولية، مع الالتفات إلى أدوارهم بوصفها تعبيراً عن تحولات فنية أعمق، لا مجرد مشاركات عابرة. ومن بين هذه الأسماء، يبرز الممثل السعودي نواف الظفيري، الذي سجّل حضوراً لافتاً بحصوله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي، ضمن مسار تراكمي يعكس تحوّل التمثيل السعودي من هامش المشاركة إلى دائرة التنافس الفني.

جاء هذا التقدير في سياق أوسع تزامن مع جوائز فردية نالها ممثلون سعوديون في محافل عربية ودولية، من بينها فوز فيصل الدوخي بجائزة أفضل أداء تمثيلي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وحصول يعقوب الفرحان على جائزة أفضل ممثل في مهرجان «مالمو» للسينما العربية، وفوز خالد يسلم بجائزة أفضل ممثل عن فيلم «مدائن» في مهرجان أفلام الرعب بلوس أنجليس، في مؤشرات تعكس نضج التجربة التمثيلية السعودية وحضورها المتنامي على خريطة المهرجانات.

وضمن هذا السياق، يبرز مسار الممثل السعودي نواف الظفيري، الذي لا يَعدّ السينما منعزلة عن الدراما التلفزيونية، بل امتداداً طبيعياً لرحلة فنية بدأت بالمسرح، مروراً بالإذاعة، ثم الشاشة الصغيرة التي منحته حضوراً جماهيرياً واسعاً. وبالنسبة إليه، جاء الانتقال إلى السينما بدافع داخلي للبحث عن مساحات أعمق للأداء، حيث التركيز على التفاصيل النفسية واللغة البصرية، لا يعد انتقالاً مفاجئاً أو خياراً منفصلاً عن الجذور.

هذا الوعي بالمسار انعكس على اختياراته الفنية الأخيرة، التي اتجهت نحو أدوار أكثر هدوءاً وتعقيداً من حيث البناء النفسي، بعد سنوات من تقديم شخصيات مباشرة وديناميكية. ويصف الظفيري لـ«الشرق الأوسط» هذه المرحلة بأنها محاولة واعية للابتعاد عن منطقة الراحة، واستكشاف الصمت والانكسارات غير المعلنة كونها أدوات تمثيلية قادرة على إثراء التجربة الفنية ومنحها عمقاً إنسانياً.

وشكّل فيلم هجرة محطة مختلفة في هذا المسار، يقيّمها اليوم كواحدة من أصدق وأعمق تجاربه. فالشخصية، كما يوضح، كانت مرآة لواقع شخصي ومجتمعي في آن واحد، وأسهمت في إعادة تعريف علاقته بالأداء السينمائي، خصوصاً ما يتعلق بقوة الإيماءة والصمت، وقدرة التفاصيل الصغيرة على حمل المعنى دون الحاجة إلى حوار كثيف. وتجربة عززت لديه القناعة بأن السينما فعل جماعي يتطلب توازناً دقيقاً بين الممثل والمخرج والنص.

ويصف تعاونه مع المخرجة شهد أمين بأنه تعاون قائم على رؤية إخراجية واضحة منحت الممثل مساحة حرية داخل إطار فني منضبط، ساعده على التركيز على جوهر الشخصية وتقديم أداء أكثر صدقاً ودقة، بعيداً عن السطحيات.

ويأتي تكريمه بحصوله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج السينمائي كإحدى محطات هذا المسار، لا كذروته. فهو يقرأ الجائزة اليوم بوصفها تأكيداً على أن الجهد الصادق والعمل المتواصل يجدان طريقهما إلى التقدير، كما يعدّها إنجازاً يُسجَّل للسينما السعودية الفتية أكثر من كونها لحظة احتفال شخصية، في انسجام مع قناعته بأن القيمة الفنية تُقاس بالأثر طويل الأمد.

وفي قراءته للمشهد العام، يرى الظفيري أن نظرة المهرجانات العربية إلى الممثل السعودي شهدت تحولاً إيجابياً في السنوات الأخيرة، مدفوعةً بتنامي الإنتاج السينمائي النوعي، ودعم المؤسسات الثقافية، ومشاركة الأفلام السعودية في مهرجانات إقليمية ودولية بارزة. أما في المرحلة المقبلة، فيضع مسؤولية كبيرة على عاتق الممثل، بوصفه شريكاً في صياغة هوية سينمائية سعودية حديثة، تحكمها معايير واضحة، في مقدمتها قوة النص، وعمقه الإنساني، ورؤية المخرج، والقدرة على تقديم تجربة مختلفة تستحق المخاطرة.

وعن أعماله المقبلة، يكتفي بالإشارة إلى أن حضوره الجديد سيكون بعد موسم رمضان، ضمن مسار يفضّل فيه الاستمرارية وتراكم الأثر، على حساب الظهور.