«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

يراهن الفيلم المصري على 5 حكايات إنسانية

أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
TT

«القصص» للمنافسة في صالات السينما بعد حصده جوائز المهرجانات

أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)
أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر في مشهد من «القصص» (الشركة المنتجة)

بعد أشهر من عرضه الافتتاحي في الدورة الـ5 من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، ومشاركته في عدد من المهرجانات وحصوله على جوائز مهمة، من بينها «التانيت الذهبي» لأفضل فيلم في «مهرجان قرطاج»، ينطلق العرض التجاري لفيلم «القصص» في القاهرة يوم 17 يونيو (حزيران)، على أن يبدأ عرضه عربياً في 18 من الشهر نفسه.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

يأتي عرض الفيلم في موسم سينمائي متنوع يضم أفلاماً جماهيرية كبيرة وأعمالاً كوميدية، مراهناً على 5 حكايات إنسانية تدور في خضم أحداث سياسية واجتماعية صاخبة. ويُقسِّم الفيلم هذه الحكايات إلى فصول تحمل عناوين منفصلة، ترتبط بفترات زمنية تمتد من ستينات القرن الماضي حتى أواخر الثمانينات، وكيف ألقت تلك الأحداث بظلالها على أسرة مصرية بسيطة. ويقدِّم الفيلم ذلك في إطار يمتزج فيه السرد الدرامي بالموسيقى والأغنيات ومباريات كرة القدم التي ارتبطت بتلك الحقبة، عبر قصة إنسانية مؤثرة تتناول العائلة والهوية والصمود وقوة الروابط الإنسانية.

ويتزامن العرض الجماهيري للفيلم مع ذكرى نكسة 5 يونيو 1967، التي تنطلق منها أحداث العمل، وذلك بعد نحو 59 عاماً من وقوعها. وكان عنوان الفيلم في البداية «صيف 67» قبل أن يُغيَّر إلى «القصص».

الفيلم من بطولة أمير المصري، ونيللي كريم، وكريم قاسم، والممثلة النمساوية فاليري باشنر، وأحمد كمال، وصبري فواز، وخالد مختار، وشريف الدسوقي، وأحمد العزاز، وعمرو عابد. وهو من تأليف وإخراج المخرج المصري - النمساوي أبو بكر شوقي، وإنتاج شركات «فيلم كلينك»، و«لاجوني للإنتاج السينمائي»، و«فيلم سكوير»، و«شوفها»، بمشاركة «صندوق البحر الأحمر السينمائي»، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، إلى جانب مشاركة كل من فرنسا والنمسا والسويد. وقد صُوِّرت مشاهده بين مصر والنمسا.

وأُقيم عرض خاص للفيلم، الأسبوع الماضي، في القاهرة بحضور طاقم العمل.

طاقم الفيلم في العرض الخاص بالقاهرة (الشركة المنتجة)

ويستعيد المخرج فيه زمن المراسلات البريدية، مستلهماً فكرته من قصة تعارف والديه، إذ ينتمي إلى أب مصري وأم نمساوية. وفي الفيلم يتلقَّى بطل العمل، وهو عازف بيانو شاب، رسالةً بريديةً من فتاة نمساوية بعدما نشر صورته ضمن باب لهواة المراسلة في إحدى المجلات، لتنشأ بينهما صداقة سرعان ما تتحوَّل إلى قصة حب. ويسافر أحمد إلى النمسا من أجلها، ويتعرَّف إلى أسرتها، لكنه يواجه رفضاً من والدها في البداية، في حين يواصل دراسته للموسيقى. ومع الصعوبات التي يواجهها هناك، واستشهاد شقيقه التوأم، يُقرِّر العودة إلى القاهرة.

ويتتبَّع الفيلم حياة أسرة مكونة من الأب، الذي يُجسِّد دوره أحمد كمال ويعمل موظفاً في الزراعة، والأم التي تؤدي دورها نيللي كريم، وتظهر أماً لـ3 أبناء كبار قبل أن تضع طفلها الرابع، إضافة إلى شقيقها العازف في «فرقة أم كلثوم»، الذي يؤدي دوره صبري فواز، وشقيق الزوج الذي يجسِّده شريف الدسوقي. ويجمع أفراد الأسرة شغف متابعة مباريات نادي الزمالك، في حين يرصد الفيلم أحوال المجتمع المصري وانعكاساتها على الأسرة، من هزيمة 1967 إلى نصر أكتوبر (تشرين الأول)، مروراً بمحطات سياسية مهمة، مثل مظاهرات 18 و19 يناير (كانون الثاني) 1977، واغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981.

وعن العرض التجاري للفيلم، وما إذا كانت مشاركاته في المهرجانات وتتويجه بالجوائز تؤهِّله للمنافسة بقوة في الموسم الصيفي، يقول المنتج محمد حفظي: «المهرجانات والجوائز ليست شرطاً لضمان المنافسة في شباك التذاكر»، مشدداً على أن «القصص» يُنافس لأنَّه فيلم ممتع وجذاب، ويضم ممثلين يحظون بجماهيرية واسعة، مثل نيللي كريم، وأمير المصري، لافتاً إلى أنَّ «اختيارات الممثلين من أبرز عناصر قوة الفيلم».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أُدرك أن المنافسة صعبة، لكننا نراهن على قدرة الفيلم على جذب الجمهور. فمَن يشاهده سيُشجع آخرين على مشاهدته، وأعتقد أنَّه قادر على المنافسة وسط الأفلام الكبيرة في موسم الصيف».

وتابع قائلاً: «بالطبع ليس هذا أمراً سهلاً، لكننا لا نقيس نجاح الفيلم فقط بإيرادات شباك التذاكر، بل بقدرته على البقاء في ذاكرة الجمهور لسنوات، ولديَّ شعور بأنَّه قد يُحقِّق مفاجأة على مستوى الإيرادات».

وعن أكثر ما جذبه إلى المشروع، يقول حفظي: «عملت مع أبو بكر شوقي في فيلمه الطويل الأول (يوم الدين)، ثم في فيلمه الثاني (هجَّان)، وأحببت مواصلة هذه التجربة معه، خصوصاً أنَّ سيناريو (القصص) أعجبني كثيراً، كما أنَّه مرتبط بشكل شخصي بالمخرج وأسرته. إضافة إلى ذلك، فإنَّ الفيلم إنتاج مشترك مع فرنسا والنمسا والسويد، وهي تجربة جديدة بالنسبة إلينا، انطوت على تحديات إنتاجية كثيرة، لذلك رغبت في خوضها».

وعن تغيير عنوان الفيلم من «صيف 1967» إلى «القصص»، يقول حفظي: «لأن الفيلم يروي حكايات عائلية، وفي أحد مشاهده تقول شخصية نيللي كريم لزوجة ابنها النمساوية: (عايزة أحكيلك قصص عيلتنا). وقد اقترح المخرج عنوان (القصص)، ورأينا أنه الأنسب، لأنَّ العمل لا يرتبط بأحداث عام 1967 فقط، بل يتناول أكثر من 20 سنة من حياة أسرة مصرية».

صبري فواز وشريف الدسوقي وخالد مختار في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

من جانبه، عدَّ الناقد السعودي أحمد العياد فيلم «القصص» من أجمل أفلام أبو بكر شوقي وأكثرها مصرية، مؤكداً أنه، على الرغم ممَّا قد يبدو عليه للوهلة الأولى من طابع أوروبي أو نخبوية فنية، فإنَّه في جوهره شديد القرب من الإنسان المصري والعربي، ومن أسئلته الوجودية وعلاقته بمحيطه وقدره.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يمتد الفيلم عبر عقود عدة، مستعرضاً أحداثاً تاريخية بإيجابياتها وسلبياتها من منظور إنساني بسيط وعفوي، من دون أن يفقد حِسَّه الترفيهي ومتعة المشاهدة، عبر الأغنيات والملابس والحنين إلى أزمنة مضت. وقد قدَّم أمير المصري واحداً من أفضل أدواره، في حين كانت نيللي كريم، كعادتها، حاضرة بكاريزما وموهبة كبيرتين».

بيد أن العياد أبدى تحفظه على تغيير عنوان الفيلم، مؤكداً أن «صيف 67» كان أكثر خصوصية وجاذبية من «القصص».

ويلفت العياد إلى أن «القصص» يُمثل امتداداً طبيعياً لمشروع أبو بكر شوقي السينمائي، الذي لفت الأنظار عالمياً بفيلمه الأول (يوم الدين)، ومن ثَمَّ قدم التجربة السعودية المختلفة في (هجَّان)، مشيراً إلى أن «القصص» يبدو أقرب أفلامه إلى الجمهور، من دون أن يتخلى عن حساسيته الإنسانية وصوته السينمائي الخاص، وهو ما يجعل شوقي واحداً من أبرز المخرجين العرب الذين يمتلكون بصمةً واضحةً، وشخصيةً فنيةً متفردةً.


مقالات ذات صلة

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

يوميات الشرق الممثل ميثاق زارع بطل فيلم «قليل من النور» (الجونة السينمائي)

«قليل من النور»... فيلم إيراني يتشبّث بالأمل على حافة الانتحار

الروابط الأسرية تعيد طبيباً فقد الثقة بالمستقبل إلى التمسُّك بالحياة.

انتصار دردير (الجونة )
يوميات الشرق المخرج المغربي يعتبر تكريمه في الجونة محطة مهمة (الشرق الأوسط)

فوزي بنسعيدي: تكريمي في «الجونة» محطة مهمة لتأمل مشواري

قال المخرج المغربي فوزي بنسعيدي إن تكريمه في مهرجان «الجونة السينمائي» بمصر، يمثل لحظة للتأمل في تجربته.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمهور يتعلّم الخروج عن المألوف (متروبوليس)

«متروبوليس»... 20 عاماً من المشاكسة السينمائية

ما يبدو برنامجاً طبيعياً في إحدى السينماتيك الأوروبية، هو في بيروت حدث يستحقّ التوقّف عنده...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «خروج آمن» تجمع بين بطليه (الشركة المنتجة)

«خروج آمن» ينكأ جراح الطفولة والاضطهاد الديني

يستعيد الفيلم المصري «خروج آمن» جراح الطفولة، ومخاوف الاضطهاد الديني.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق جمع الفيلم بين الأرشيف واللقطات الجديدة (الشركة المنتجة)

بارني ريفيل: وثّقت «صداقة العمر» بين عَالِمة سويسرية وعائلة دلافين

قال المخرج البريطاني بارني ريفيل إن أكثر من ربع قرن أمضاها في صناعة أفلام الطبيعة لم تجعله يتوقع ما رآه في البحر الأحمر.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.