تونس أمام أزمة اجتماعية ـ اقتصادية... وجو سياسي متفاقم

الاضطرابات تعرقل «الإصلاح الهيكلي» وتوصيات «صندوق النقد الدولي»

الرئيس قيس سعيّد (د.ب.أ)
الرئيس قيس سعيّد (د.ب.أ)
TT

تونس أمام أزمة اجتماعية ـ اقتصادية... وجو سياسي متفاقم

الرئيس قيس سعيّد (د.ب.أ)
الرئيس قيس سعيّد (د.ب.أ)

دخل الرئيس التونسي قيس سعيّد وحكومة نجلاء بودن سباقاً «ضد الزمن»؛ لمحاولة احتواء الاحتجاجات الاجتماعية التي تزامنت مع عودة ملايين الطلاب والموظفين والعمال من إجازاتهم الصيفية. إنها مرحلة تشكو فيها الدولة وشركات القطاع الخاص في تونس أزمة مالية غير مسبوقة، وعجزاً عن توفير «المواد الأساسية» بسهولة والتحكم في أسعارها، بما في ذلك المواد الغذائية والمحروقات التي تضخّمت أسعارها خلال الأشهر القليلة الماضية. هذا حصل رغم تحفظ الحكومة والنقابات على تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي، ومنها «إلغاء الدعم» للمواد الأساسية والشركات العمومية «المفلسة» الذي يكلف الدولة كل عام مليارات من الدولارات.
يلاحظ متابعو الأوضاع في تونس أنه على الرغم من الضغوط الداخلية والخارجية التي تمارَس على السلطة، منذ أكثر من سنة؛ «للعودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني»، فإن رئاسة الجمهورية أعلنت مجدداً عزمها على المضي في تنفيذ «الخريطة السياسية» للرئيس قيس سعيّد، وتنظيم الانتخابات البرلمانية المقررة لشهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل في موعدها.
لقد قلل الرئيس التونسي ومسؤولون مقربون منه أخيراً من قيمة تلويح أحزاب المعارضة بمقاطعة هذه الانتخابات، كما اتهموا بعض «المعارضين» و«المناوئين»، من دون تسميتهم، بمحاولة ركوب «بعض الاحتجاجات على الفقر والأسعار» في الجهات الشعبية والأحياء الفقيرة.
وفي المقابل، حذّر كثرة من الساسة والإعلاميين من مخاطر «انفجار اجتماعي سياسي أمني شامل»؛ بسبب استفحال معضلات البطالة والفقر وغلاء الأسعار، ما قد يدفع البلاد نحو «منعرج حاسم ومجهول العواقب»، حسب وصف بعضهم.

دعوات «الحوار الوطني»
الرئيس قيس سعيّد استبق تصعيد معارضيه لضغوطهم عبر «اتفاقات جديدة» مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون أسفرت عن فتح الحدود البرّية بين البلدين وتصدير الجزائر إلى تونس كميات كبيرة من المواد الأساسية التي كانت قد اختفت من الأسواق، بما في ذلك المحروقات والزيوت النباتية والسكّر والمياه المعدنية. وفي السياق ذاته استقبل الرئيس الجزائري وعدد من مساعديه أمين عام نقابات العمال التونسي نور الدين الطبوبي علناً. وأوردت مصادر نقابية وسياسية تونسية وجزائرية أن الرئاسة الجزائرية طلبت من زعيم النقابات ورفاقه «التوقف عن التصعيد ضد الرئيس التونسي»، ودعتهم إلى «دعم خريطة الطريق السياسية» التي اعتمدها.
وفي قصر قرطاج، استبق الرئيس سعيّد تحركات المعارضة الرافضة للقانون الانتخابي الجديد «المثير للجدل»، وأصدر مرسومَ بدء العملية الانتخابية، ودعا 9 ملايين ناخب تونسي إلى المشاركة في انتخاب البرلمان الجديد يوم 17 ديسمبر المقبل. ولتفنيد تهمة رفض الحوار مع الأطراف السياسية والاجتماعية، عقد الرئيس لأول مرة منذ أكثر من سنة اجتماعاً علنياً مع رئيس نقابة «رجال الأعمال» سمير ماجول وأمين عام «اتحاد نقابات العمال» الطبوبي. كذلك، لأول مرة منذ أشهر صدرت -بالمناسبة- عن قصر قرطاج (الرئاسي) دعوات إلى «الحوار والوحدة الوطنية».

توافق مع النقابات
من جهة ثانية، بعد فشل سلسلة الاجتماعات بين ممثلي الحكومة وقيادات نقابات العمال ورجال الأعمال حول الزيادات في الرواتب وتحسين مناخ الاستثمار في البلاد، نجح الرئيس سعيّد في «إقناع» قيادات كل النقابات بأن توقع على اتفاقية تنص على زيادات «محدودة» في الأجور مقابل التعهد بالمطالبة بالزيادات طوال السنوات الثلاث المقبلة.
وتوقع محافظ البنك المركزي مروان العباسي، والوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة نصر الدين النصيبي، أن يؤدي هذا «التوافق» بين السلطة والنقابات إلى إقناع إدارة صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية العالمية بالإفراج عن نحو 4 مليارات دولار أميركي تحتاجها الحكومة فوراً لتغطية حاجياتها الاجتماعية العاجلة؛ منها تسديد رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين، وتمويل صناديق التأمين على المرض، وموازنات شركات المحروقات والحبوب والزيوت.

تصعيد واضطرابات
إلا أن التحدي بالنسبة لزعماء النقابات وبعض أحزاب المعارضة، مثل وزير المالية السابق زعيم حزب «آفاق تونس» الفاضل عبد الكافي، يكمن في أن التقارب الحذر جاء في وقت دخلت نقابات ومنظمات غير حكومية عديدة في سلسلة من تحركات التصعيد والتلويح بمزيد من الإضرابات والاحتجاجات على غلاء الأسعار وارتفاع نسب الفقر والبطالة.
أيضاً، فسّرت قيادات منظمات الشباب العاطل عن العمل بعض هذه الاحتجاجات بما وصفته بـ«عدم احترام الحكومة قانوناً أصدره البرلمان المنحلّ وصادق عليه الرئيس قيس سعيّد» قبل سنة ونصف السنة على توظيف مئات الآلاف من الشباب العاطل منذ 10 سنوات. لذا لم يؤد فتح الحوار مجدداً بين رئاسة الجمهورية والنقابات إلى إلغاء الإضراب العام الذي لوّحت به النقابات، ولا إلى تراجع المركزية النقابية عن معارضتها لوثيقة «البرنامج الوطني للإصلاح» الذي عرضته الحكومة برئاسة نجلاء بودن في سياق مساعيها لتنفيذ سياسة «الإصلاح الهيكلي» وتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومؤسسات الاتحاد الأوربي ضمن شروطها؛ لتوفير حاجيات الدولة المالية التي تتراوح بين 7 و10 مليارات دولار.

نقص الأغذية والمحروقات
في هذه الأثناء تعاقبت التحركات الاحتجاجية وجلسات العمل الحكومية في علاقةٍ رأى الخبير الاقتصادي وليد صفر، رئيس المكتب السياسي لحزب «آفاق تونس»، خلال تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنها تتصل بـ«فشل الدولة لأول مرة في توفير كثير من المواد الأساسية التي تحتكر توريدها والإشراف على توزيعها مثل المحروقات والمواد الغذائية والسجاير... بينما سجلت أسعار الكهرباء والغاز والماء واللحوم والأسماك زيادات غير مسبوقة».
ولقد توقف السياسي والكاتب الصحافي عمر صحابو - وهو مدير عام سابق في وزارة الداخلية وفي الحزب الحاكم - عند الظاهرة نفسها. واتهم الحكومات المتعاقبة منذ 2011، وخاصة الحكومة الحالية، بالفشل لأول مرة في توفير المواد المدعومة لملايين العائلات التونسية، وبالعجز عن التحكم في ارتفاع الأسعار ونسب البطالة والتضخم والعجز المالي والتجاري والمديونية. وحذر من أنْ يؤدي ذلك إلى «انفجار اجتماعي سياسي خطير».
ومن جانبه، ربط الخبير المالي عز الدين سعيدان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بين العجز المالي للدولة و«الحلقة المفرغة» التي وصلت إليها مؤسساتها الرسمية رغم احتكارها عمليتي الإنتاج والتسويق بالنسبة للمحروقات وكثير من المواد الغذائية والأساسية الأخرى. وأوضح سعيدان أن «شركات تصنيع الكهرباء وتوزيع والغاز والماء ومؤسسات توريد النفط في عجز مالي يقدر بعشرات المليارات، لكن وضعيتها يمكن أن تكون سليمة لو تسترجع ديونها ومستحقاتها لدى الحكومة».
وأردف: «لكن المشكلة أن الحكومة عاجزة عن تسديد مبالغ هائلة متراكمة منذ أكثر من 20 سنة، مثلما أصبحت عاجزة عن تسديد ديون صناديق التأمين الاجتماعي والتقاعد وشركات صنع الأدوية والمستشفيات العمومية والخاصة. وبذا تكون الحصيلةُ الدخولَ في نفق مظلم وتعميق الأزمات الهيكلية بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية الاجتماعية التابعة للدولة كلياً أو جزئياً».

حكومة إنقاذ وطني
جوهر بن مبارك، الأكاديمي والناشط السياسي اليساري والقيادي في «جبهة الخلاص الوطني» رأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحل يبدأ بتشكيل حكومة إنقاذ وطني سياسية... والخروج من الأزمات الظرفية والهيكلية يبدأ بمصارحة الشعب بالحقيقة، وباعتراف كبار المسؤولين في الدولة بحجم المخاطر التي تهدد البلاد».
يدعم هذا الطرح غازي الشوّاشي، الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي المعارض والوزير السابق لأملاك الدولة والتجهيز والإسكان. ويسير في المنحى ذاته الأمناء العامون للأحزاب الاجتماعية الديمقراطية اليسارية الخمسة. وبالتوازي، مع ذلك صعّدت قيادات الحزب الدستوري الحر بزعامة المحامية عبير موسي تحركاتها الاحتجاجية ضد الحكومة وضد «خريطة الطريق السياسية» للرئيس سعيّد، وطالبت مع بقية الأحزاب المعارضة بمقاطعة انتخابات 17 ديسمبر المقبل.
إلا أن الرئيس التونسي وأنصاره في «حراك 25 يوليو» ماضون في مسارهم السياسي، ولا يعتبرون أن تونس تواجه أزمات مالية اقتصادية أو شحاً في الإنتاج وفي الموارد؛ بل «مؤامرات داخلية وخارجية»، ومخططات تهريب واحتكار، وتلاعب بالأسعار وبالمخزون الوطني من المواد الأساسية، بتشجيعٍ ممن يصفونهم بـ«مناوئين سياسيين للدولة ولحراك الإصلاح والتصحيح» الذي بدأ منذ مسار 25 يوليو، وأسفر عن حل البرلمان وحكومة هشام المشيشي.
وفي هذا الإطار، عقد الرئيس سعيّد جلسات عمل بالجملة مع عدد من كبار المسؤولين، وطالبهم بتتبع المتهمين بالاحتكار ورفع الأسعار وبالتهريب، وفق البلاغات الرسمية في صفحة رئاسة الجمهورية. كذلك زار سعيّد بعض الأسواق الشعبية ومقرات حكومية ومكتب البنك الوطني الفلاحي الحكومي الذي يسند قروضاً سنوية لعشرات آلاف الفلاحين ورجال الأعمال.
وطالب مَن التقاهم بتتبع المتهمين بالفساد والاحتكار ومحاولة إرباك عمل الدولة والتزويد العادي للأسواق بهدف «تأزيم الوضع الاجتماعي من قبل من يدفعون الأموال لتحقيق مآربهم السياسية وخدمة أجنداتهم الشخصية والحزبية».

تداعيات «كوفيد-19» وأوكرانيا
بطبيعة الحال، قيادات المعارضة والنقابات وخبرات أكاديمية اقتصادية في الجامعات ومراكز الدراسات لها رأي آخر. وبالفعل، انتقد سامي الطاهري، الناطق الرسمي باسم «الاتحاد العام التونسي للشغل» تصريحات كبار المسؤولين في الحكومة واتهمها بـ«تجاهل تدهور القدرة الشرائية للعمال والطبقات الشعبية» حيث أورد أنه يتراوح بين 8 و20 في المائة. إلا أن الناطق الرسمي باسم الحكومة الوزير نصر الدين النصيبي ربط الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية المتفاقمة في البلاد بمضاعفات أزمة جائحة «كوفيد-19» وبالتهاب أسعار المواد الغذائية والمحروقات والمواد المدرسية عالمياً بعد «حرب أوكرانيا»، إلى جانب اضطراب الأوضاع الاقتصادية والمالية في دول الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لتونس.
في أي حال، حذر نقابيون ومسؤولون في مؤسسة شركات الكهرباء والغاز والمياه والنفط الحكومية من الصعوبات المالية الخطيرة التي تمر بها مؤسساتهم. واعتبروا أنها يمكن أن تبلغ مرحلة «العجز عن توفير ما تحتاجه البلاد من التنوير العمومي»، وتدفق المياه في كل المدن بعد سنوات من الجفاف ونقص المياه في السدود.

بالأرقام...
وأورد مسؤولون في «المعهد الوطني للإحصاء» الحكومي في تقرير رسمي جديد أن عجز الميزان التجاري الغذائي في تونس ارتفع بنحو 17 في المائة بين يوليو (تموز) وأغسطس (آب). كذلك، أورد تقرير حكومي جديد أن حصة عجز الميزان التجاري للمواد الغذائية من إجمالي العجز الإجمالي ارتفعت وأصبحت تناهز 13 في المائة. وكشفت مصادر وزارة التجارة ارتفاعاً في قيمة الواردات الغذائية بنحو 41 في المائة، بينما لم ترتفع الصادرات إلا بنسبة 30 في المائة. فكانت النتيجة ارتفاع قيمة العجز التجاري الغذائي إلى نحو 800 مليون دولار (2 مليار ومائة مليون دينار تونسي)، وتراجعت نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى نحو 64 في المائة فقط، حسب وزير التجارة السابق محسن حسن.
ولفت الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي إلى أن هذه المؤشرات السلبية، رغم تراجع أسعار الحبوب المستوردة من السوق الدولية بنسبة ناهزت 15 في المائة خلال أغسطس مقارنة بأسعار يوليو، فإنها لا تزال مرتفعة بنسب تتراوح بين 20 و40 في المائة، مقارنة بأسعارها عند التوريد من السوق العالمية العام الماضي.
ختاماً، رغم كل هذه المؤشرات، أكد صلاح الدين السالمي، الأمين العام المساعد لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» أن النقابات لا يمكن أن تتنازل عن مطالبها، وأهمها إعلان زيادات في الرواتب تساهم في امتصاص آثار الزيادات الكبيرة في الأسعار.

تحركات داخلية وضغط خارجي في وجه المعضلة الراهنة
> تتداخل في تونس راهناً الأجندات السياسية الأمنية والمسارات الاقتصادية والاجتماعية الرسمية؛ إذ أن ثمة أطرافاً تسعى إلى «احتواء» الغضب الشعبي والاحتجاجات الاجتماعية دعماً للحكومة، مقابل أطراف تعمل على «توظيف» هذه الاحتجاجات والصعوبات المالية والسياسية للدولة؛ بهدف «فرض أجندات سياسية» جديدة تبدأ بتشكيل حكومة انتقال ديمقراطي.
هذه الأطراف ترى أن مثل هذه الحكومة يمكن أن تحصل على قروض من واشنطن والعواصم الدولية التي خفضت بشكل واضح، منذ يوليو 2021، مستوى دعمها المالي والعسكري والأمني للسلطات التونسية؛ بقصد الضغط عليها «من أجل العودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني بطريقة تشاركية». وحقاً صدرت أخيراً تصريحات في هذا الاتجاه عن سياسيين وزعماء غربيين بينهم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ومفوّض السياسية الخارجية للاتحاد الأوربي جوزيب بوريل.
من جهة أخرى، بدأت أطراف نقابية وسياسية مختلفة تشكيل تكتلات وجبهات تدعو إلى مظاهرات واحتجاجات في الشوارع. أيضاً، تدعو عدة قيادات سياسية ونقابية إلى «سيناريو توافق جديد» يشمل سياسيين من مختلف التيارات والأجيال ورموزاً من الدولة في مرحلة ما قبل «انتفاضة 2010»، ومن بين الشخصيات المعتدلة من العشرية الماضية.
وتؤكد تقارير محلية وإقليمية ودولية عديدة أن «الورقة الدولية» ستكون حاسمة في «المسار الانتقالي» الحالي، إلى جانب أوراق محلية كثيرة بينها موقف «القوى الصلبة» العسكرية والأمنية والنقابات والأحزاب الكبرى ومؤسسات الإعلام.

                                                                        تحركات في الشارع
مسؤولية البنك المركزي... والإصلاحات المطلوبة
> اعتبر جمال الدين عويديد، الخبير التونسي في الشؤون المالية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الأزمة الاقتصادية المستفحلة في تونس مرشحة لأنْ تزداد خطورة؛ لأسباب عديدة، من بينها قانون 2016 الذي منح البنك المركزي «استقلالية عن الحكومة»، وجعله في موقع «الخصم» لوزارة المالية ورئاسة الحكومة. واتهم عويديد البنك المركزي والبنوك التجارية بأنها «أصبحت تعطل الاستثمار والتشغيل، وتتحكم في قرار تحديد نسب الفائدة في البنوك والفائدة المديرية».
عويديد حمّل رئاسة البنك المركزي، بالذات، مسؤولية «الاصطفاف» وراء قرارات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي؛ «خدمة لمصالح البنوك التجارية التونسية التي تتحكم في كثير منها بنوك فرنسية وأجنبية». ودعا، من ثم، الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى إلغاء «قانون البنك المركزي لعام 2016»، وتكليفه بدعم جهود الحكومة المالية، والتوقف عن خدمة مصالح البنوك التجارية التي كانت «المستثمر الوحيد الذي حقق مكاسب وأثرى خلال العشرية الماضية».

                                                                     مقر البنك المركزي التونسي (غيتي)
لكن إلى أي حد يمكن أن تقبل النخب السياسية التي وضعت دستور 2014، وفرضت استقلالية البنك المركزي عن الحكومة، بالتراجع عما تعتبره «مكسباً ديمقراطياً وتحديثاً للاقتصاد الوطني؟».
الوزير السابق للمالية سليم بسباس يستبعد ذلك حالياً، ويعتبر أن تونس «في حاجة إلى إصلاحات اقتصادية ومالية وسياسية أكثر وضوحاً، بما يضمن لرئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان أداء أدوارهم في سياق من التوافق والشراكة، بعيداً عن مناخ التوتر والصدام وصراع الصلاحيات».
أما الوزير السابق للخارجية والتربية حاتم بن سالم، فاعتبر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «أولوية الأولويات حسم معضلة الحوكمة الرشيدة... وليس مجرد إصدار قرارات ومراسيم تعالج قضايا جزئية وملفات ثانوية». وأضاف بن سالم أن تونس ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط مطالَبة بالدخول في مفاوضات شاملة تؤدي إلى تحسين موارد «دول الجنوب» مالياً، وإلى رفع معدلات النمو الشامل فيها، مقابل توافقٍ مع بلدان شمال البحر الأبيض المتوسط على خطة شاملة لوقف الهجرة غير القانونية التي تفاقمت وتسببت في غرق مئات المهاجرين العرب والأفارقة، فيما نجح آلاف من بينهم في الوصول إلى سواحل إيطاليا وإسبانيا.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
TT

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)

تحوّل الجنوب الليبي خلال الأشهر الأخيرة، إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين الأفرقاء السياسيين في شرق البلاد وغربها، في ظل استمرار الانقسام الحكومي، والصراع على النفوذ منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011.

وترسخت رؤية نخب سياسية ليبية لهذا التنافس اللافت بعد تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة «الوحدة» الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الأسبوع الماضي، وذلك بعد أشهر من إقالته من منصبه بوصفه نائباً لرئيس حكومة «الاستقرار»، المكلّفة من مجلس النواب في يوليو (تموز) الماضي.

ويرى سياسيون أن هذه الخطوة «تعكس سيولة التحالفات السياسية بين المعسكرين المتنافسين»، وتتماشى مع إعادة تموضع سياسي وأمني للقوى الليبية في الجنوب، الممتد على الحدود الجنوبية مع دول الجوار والغني بالموارد الاستراتيجية.

نائب رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا سالم الزادمة (متداولة)

وبهذا الخصوص، قالت العضوة السابقة في «المؤتمر الوطني العام»، نادية الراشد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري في الجنوب «يمثل جزءاً من إعادة رسم موازين القوى بين الشرق والغرب، تحسباً لأي مسار تفاوضي مقبل لتقاسم محتمل للسلطة».

وتذهب تقديرات بحثية صادرة عن «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، إلى أن الأحداث تأتي في سياق «استثمار الانقسامات المحلية، والتناقضات بين بعض القيادات المرتبطة بمعسكر الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، ضمن صراع أوسع للسيطرة على الإقليم الجنوبي، وتحويله إلى ورقة تفاوض في أي تسوية سياسية مستقبلية».

وتعد «عائلة الزادمة» من الأسر المؤثرة في الجنوب، حيث ينتمي أفرادها إلى قبيلة «أولاد سليمان»، التي حظيت بتحالف سابق مع حفتر. وإلى جانب سالم الزادمة، هناك شقيقاه حسن، وهو قيادي عسكري سبقت له قيادة إحدى كتائب «الجيش الوطني» في الجنوب، ورضوان، القيادي القبلي في المنطقة.

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الفريق أول خالد حفتر خلال إفطار رمضاني مع عسكريين في جنوب غربي ليبيا (إعلام الجيش الوطني)

تاريخياً، اعتمد نظام القذافي على ترتيبات اجتماعية وأمنية محلية لإدارة الجنوب الليبي، وفي هذا السياق، يعيد «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» التذكير بأن القذافي استعان بشخصيات قبلية ومحلية لضمان الاستقرار، على غرار تكليف مسعود عبد الحفيظ بإدارة مدينة سبها، التي تحولت في فترة معينة إلى منطقة خاضعة لإشراف أمني خاص لسنوات.

ولا ينفصل التحول السياسي الحاصل في الجنوب عن التطورات العسكرية، إذ تصاعد نشاط ما يعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في مواجهة «الجيش الوطني الليبي» خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، خصوصاً بعد هجمات متزامنة، استهدفت 3 نقاط حدودية على الحدود مع النيجر نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

ومع استمرار الصراع الميداني، يتحدث الطرفان عن تحقيق تقدم في بعض المناطق، فيما تشير تقارير إلى دعم أطراف سياسية وإعلامية في غرب ليبيا لقائد «غرفة عمليات الجنوب»، محمد ودرقو، وهو دعم لم تُنفِه حكومة الدبيبة.

الباحث العسكري، محمد الترهوني، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن ظهور «غرفة عمليات الجنوب» يعكس محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي، أكثر من كونه جهداً لترسيخ الاستقرار، متحدثاً عن «معلومات متطابقة عن دعم أطراف في غرب ليبيا لهذا التمرد في جنوب البلاد».

وفي السياق ذاته، يقول رئيس «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، أشرف عبد الله، إن «تشكيلات مسلحة في الجنوب تحركها حسابات مصلحية، أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي واضح»، مشيراً إلى أن ولاءاتها تتغير وفق ميزان القوة والتمويل.

لكن مآلات هذا الصراع العسكري في الجنوب الليبي تبدو تحت رحمة «الطبيعة الجغرافية المعقدة للجنوب، التي تجعل السيطرة العسكرية الكاملة صعبة»، وفق عبد الله، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المساحة واسعة، والبنية الأمنية والاجتماعية ضعيفة، ما يحد من قدرة أي طرف على فرض سيطرة شاملة».

عبد الحميد الدبيبة يصافح أحد عناصر تشكيل مسلح في غرب البلاد (مكتب الدبيبة)

وبحسب توقعات «المركز البحثي الليبي»، فقد يسعى «الجيش الوطني» لتعزيز حضوره في الجنوب الشرقي، خصوصاً في مناطق الكفرة وجبل العوينات والقواعد العسكرية القريبة من تشاد، بينما تحاول القوات الموالية لحكومة الدبيبة توسيع نفوذها في الجنوب الغربي، نحو الجزائر والنيجر ومحيط غات والمعابر الصحراوية.

كما يحظى البعد الاقتصادي بحضور بارز في تفاعلات هذا الملف، إذ يلفت الباحث السياسي خالد الحجازي، إلى احتضان الجنوب حقولاً نفطية كبرى؛ مثل حقلي الشرارة والفيل، إلى جانب ثروات معدنية ضخمة مثل الذهب، ما يمنح السيطرة عليها وزناً اقتصادياً وسياسياً في أي مسار تفاوضي.

يشار إلى أن حقل الشرارة يعدّ الأكبر في ليبيا، إذ يصل إنتاجه إلى نحو 240 ألف برميل يومياً، بما يعادل نحو 25 في المائة من إجمالي إنتاج الخام في البلاد.

ولا يقتصر الصراع على المنافسة الداخلية؛ بل يتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية. وبهذا الخصوص، تقول نادية الراشد إن «التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتنافس الدولي على النفوذ، يجعلان الجنوب الليبي ورقة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في ليبيا ودول الساحل والصحراء».

وبحسب الحجازي، فإن الجنوب أصبح ساحة تجاذبات إقليمية ودولية نظراً لأهميته الجيوسياسية، ونشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، بالإضافة إلى اضطرابات دول الجوار مثل النيجر وتشاد والسودان، ما زاد من اهتمام القوى الدولية بالمنطقة.


انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
TT

انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)

أثار حضور وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة الليبية «المؤقتة»، عماد الطرابلسي، مأدبة إفطار في مدينة الزاوية، مساء الجمعة، جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة، بعد استقباله قادة تشكيلات مسلحة، من بينهم محمد كشلاف، الملقب بـ«القصب»، والمطلوب دولياً في قضايا تهريب البشر، فيما وصف حقوقيون ووسائل إعلام محلية اللقاء بأنه «تطبيع مع قادة الميليشيات».

جاءت المأدبة الرمضانية التي جمعَت وزير الداخلية الليبي بعدد من عمداء البلديات والقيادات الميليشياوية في مدينة الزاوية (30 كلم غرب طرابلس)، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية واشتباكات متكررة. وأبدى الطرابلسي تفاؤله، مؤكداً أن «مدينة الزاوية قادرة على الإسهام الفاعل في دعم الاستقرار، وتعزيز الأمن في المنطقة الغربية».

عماد الطرابلسي (أ.ف.ب)

وذهب وزير الداخلية في غرب ليبيا إلى الحديث عن التصالح، قائلاً إن «الخلافات مهما طالت فلن تدوم، وأبناء الوطن الواحد قادرون على تجاوزها بروح الأخوة والمسؤولية». وشدد على «نبذ الفرقة والخلاف، وأن تكون جميع مدن ومناطق ليبيا يداً واحدة لترسيخ الأمن والاستقرار».

لكن نشطاء ووسائل إعلام محلية انتقدوا استقبال الطرابلسي للقصب، المتهم بتهريب البشر والوقود، فيما أشاد القصب عبر حسابه الرسمي بموقع «فيسبوك» بـ«حسن الضيافة»، عاداً هذا الإفطار «يعزز جسور التواصل بين أبناء الوطن الواحد».

والقصب قائد ميليشيا «سرية الإسناد»، المعروفة أيضاً باسم «سرية النصر» في الزاوية، مدرج على قوائم العقوبات الدولية منذ يونيو (حزيران) 2018، مع ستة أشخاص آخرين متهمين بـ«الانخراط في شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في ليبيا». وأصدر النائب العام الليبي، الصديق الصور، أمراً بحبسه قبل عامين بتهم تتعلق بـ«تهريب النفط».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

يشار إلى أن الزاوية، ذات الأهمية الاستراتيجية، تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، إضافة إلى موقعها الحيوي على الطريق الساحلي الدولي الرابط بين العاصمة ومعبر رأس جدير الحدودي مع تونس.

وتعد مآدب الإفطار التي ينظمها رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية الطرابلسي، تجمعاً غير معتاد لقادة ميليشيات وقيادات قبلية واجتماعية من غرب البلاد، لكنها تواجه انتقادات حقوقية واسعة.

في هذا السياق، قال رئيس منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان، ناصر الهواري، إن هذه الموائد «تمثل ترسيخاً لمبدأ الإفلات من العقاب، ومظلة رسمية لتجاهل حقوق الضحايا، وإضفاء الطابع الرسمي على ممارسات غير قانونية لقادة الميليشيات في غرب ليبيا».

وأضاف الهواري لـ«الشرق الأوسط» أن «اللقاءات قد تمثل بداية لتنسيق جديد لتصعيد في العاصمة طرابلس، وربما يؤدي إلى مزيد من المآسي على المدنيين».

من جانبه، علّق مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، على صورة مصافحة الدبيبة مع أحد قادة الميليشيات قائلاً: «احتفظوا بهذه الصورة جيداً، فقد تصبح دليلاً لاحقاً على مسؤوليات لم يُعترف بها، كما حدث سابقاً حين تبرأ بعض الأشخاص من أمراء حرب، كانوا يجلسون معهم على موائد مماثلة».

بدورها، استهجنت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» إقامة هذه المآدب، وأكدت استنكارها الشديد لاستقبال الدبيبة لشخصيات جدلية، مثل معمر الضاوي، قائد «الكتيبة 55 مشاة»، المتهم بانتهاكات جسيمة تشمل الاعتقالات التعسفية والتهجير القسري، والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون.

المنفي مع وفد نسائي بمناسبة اليوم العالمي للمرأة (المجلس الرئاسي)

في شأن آخر، أشاد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بالدور الوطني للمرأة الليبية، مثمناً إسهاماتها في دعم مسار الاستقرار، وتعزيز جهود الوحدة الوطنية وبناء مؤسسات الدولة. وقال خلال اجتماعه بالعاصمة طرابلس مع عدد من السيدات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، مساء الجمعة، إن «المرأة كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في مسيرة البناء والتنمية».

إلى ذلك، أعلن جهاز «مكافحة الهجرة غير المشروعة»، التابع لوزارة الداخلية في حكومة «الاستقرار» عن ترحيل 255 مهاجراً سرياً من بنغازي إلى مركز إيواء «أبراك الشاطئ»، استعداداً لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية في منطقة القرن الأفريقي.

مهاجرون غير شرعيين بليبيا (جهاز الهجرة)

وأوضح «الجهاز» أن المهاجرين ينتمون لثلاث جنسيات أفريقية، بينهم 144 إريترياً، و82 صومالياً، و29 إثيوبياً، مؤكداً أن «الإجراء يأتي ضمن جهود الحكومة لتنظيم ملف الهجرة غير المشروعة وحماية الأمن القومي في المناطق الخاضعة لسيطرتها».


لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
TT

لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)

طالب أكثر من 1700 أكاديمي ومهني من المجتمع الأكاديمي السوداني والبريطاني والدولي، الحكومة البريطانية بمراجعة سياستها الأخيرة المتعلقة بوقف منح تأشيرات الدراسة للسودانيين، محذِّرين من أنَّ القرار قد يحرم آلاف الطلاب من إحدى آخر الفرص المتاحة لهم للوصول إلى التعليم العالي في ظلِّ الحرب التي تشهدها بلادهم.

وجاءت الدعوة في مذكرة مشتركة وُجِّهت إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وأعضاء حكومته، أعرب فيها الموقِّعون عن قلقهم من «الأثر غير المتناسب» الذي قد تُحدثه القيود الجديدة على المتقدمين السودانيين، مؤكدين أنَّ مثل هذه الإجراءات قد تمسُّ السمعة التاريخية للمملكة المتحدة بوصفها مركزاً عالمياً للفرص الأكاديمية والتبادل العلمي. ويخشى أكثر من 200 طالب سوداني، من طلاب الدراسات العليا والبكالوريوس، فقدان مقاعدهم الدراسية في 46 جامعة، من بينها أكسفورد وكمبردج وإمبريال كوليدج لندن. ويقول بعضهم إنَّ القرار «المفاجئ» مزَّق خططهم المستقبلية.

ملصقٌ صُمِّمَ لحملة الطلاب السودانيين لإلغاء قرار الحكومة بمنعهم من الدراسة في المملكة المتحدة

وتضم قائمة الموقِّعين أساتذة جامعات، وأطباء، ومتخصصين قانونيين، وقادة مجتمع مدني، وطلاباً من مؤسسات تعليمية في قارات عدة. وأشاروا في رسالتهم إلى أن حرمان الشباب السودانيين من فرص التعليم في الخارج، في وقت دمَّرت فيه الحرب الجامعات وشرَّدت الملايين، من شأنه تعميق التداعيات طويلة الأمد للنزاع، وإغلاق أحد المسارات القليلة المتبقية أمام الجيل المقبل.

وكانت وزارة الداخلية البريطانية قد أعلنت، في قرار صدر مطلع الشهر الحالي، وقف إصدار بعض أنواع تأشيرات الدخول الدراسية لمواطني السودان وأفغانستان والكاميرون وميانمار، في إطار ما وصفتها بـ«إجراءات طارئة» تهدف إلى تخفيف الضغط على نظام اللجوء، والحدّ من «إساءة استخدام القنوات القانونية». ومن المقرر أن يبدأ تطبيق القرار في السادس والعشرين من مارس (آذار) الحالي.

وذكرت وزارة الداخلية، في بيان، أن طلبات اللجوء المُقدَّمة من طلاب من الكاميرون والسودان ارتفعت بأكثر من 330 في المائة، وهو ما يُشكِّل - بحسبها - ضغطاً غير قابل للاستدامة على نظام اللجوء في المملكة المتحدة. وأفادت مصادر في الوزارة بأنَّ طلبات التأشيرات المُقدَّمة من طلاب الدول الـ4 ستستمر معالجتها حتى 26 مارس، غير أنه «من غير المرجح للغاية» أن يتمكَّن المتقدمون من الحصول على تأكيد قبول للدراسة قبل الموعد النهائي.

في المقابل، يرى معارضون أنَّ الحديث عن «إساءة استخدام» نظام التأشيرات مبالغ فيه، مشيرين إلى أن عدد الطلاب السودانيين الذين تقدَّموا بطلبات لجوء خلال العام الماضي بلغ 120 طالباً فقط، من إجمالي أكثر من 110 آلاف طلب لجوء.

شخصان يسيران على الضفة الجنوبية لنهر التيمس خلفها قصر وستمنستر في لندن (أ.ف)

ويرى المُوقِّعون أنَّ القرار لا يقتصر تأثيره على الأطر العامة للسياسات التعليمية والهجرة، بل امتد بالفعل إلى مسارات أكاديمية ومهنية فردية. ويستشهدون بحالة طبيبة سودانية لاجئة في أوغندا اجتازت بنجاح المراحل النظرية من زمالة الكلية الملكية لطب الطوارئ، غير أن استكمال الجزء العملي من الامتحان يتطلب السفر إلى بريطانيا، وهو ما أصبح مهدداً بسبب القيود الجديدة. وتقول الطبيبة إن حلمها بالتخصص في طب الطوارئ؛ للمساهمة في مواجهة الأوضاع الصحية الحرجة في بلادها، بات مؤجلاً وربما مهدداً، في وقت تفكر فيه بالبحث عن بدائل في دول أخرى تمنح المؤهل ذاته.

كما يلفت أكاديميون إلى أن القرار قد يقضي على خطط طلاب دراسات عليا وأولية كانوا قد حصلوا بالفعل على قبول في جامعات بريطانية أو في برنامج المنح الدولية «تشيفنينغ (Chevening)»، الذي استفاد منه آلاف السودانيين خلال السنوات الماضية. ويشير أحد الطلاب إلى أن الحرب أخَّرت تخرجه الجامعي، وأن قرار الحظر أجهض آماله في استئناف دراسته العليا وبناء مستقبل مهني مستقر.

وتؤكد الرسالة المشتركة أن القيود الجديدة، في ظلِّ استمرار النزاع في السودان، لا تعرقل فرص التعليم فحسب، بل قد تُعمّق خسائر بلد تضررت مؤسساته التعليمية بشدة، في وقت أصبحت فيه الدراسة في الخارج إحدى الفرص النادرة المتاحة أمام الشباب.

ودعا المُوقِّعون في ختام مذكرتهم الحكومة البريطانية إلى مراجعة عاجلة للنهج الحالي، بما يضمن اتساق قرارات التأشيرات مع التزامات المملكة المتحدة بمبادئ العدالة والانفتاح الأكاديمي، وعدم معاقبة الطلاب الساعين إلى التعليم بسبب ظروف الحرب التي أغلقت أمامهم آفاق الاستقرار داخل وطنهم.

من جانب آخر، ينتقد بعض الباحثين في السياسات العامة مبررات القرار، عادّين أنه يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه إجراءً تنظيمياً. ويشيرون إلى أن أعداد الطلاب السودانيين الحاصلين على تأشيرات دراسة في بريطانيا تبقى محدودة مقارنة بإجمالي أعداد الطلاب الدوليين، ما يثير تساؤلات حول جدوى استهدافهم بهذه القيود.