تونس أمام أزمة اجتماعية ـ اقتصادية... وجو سياسي متفاقم

الاضطرابات تعرقل «الإصلاح الهيكلي» وتوصيات «صندوق النقد الدولي»

الرئيس قيس سعيّد (د.ب.أ)
الرئيس قيس سعيّد (د.ب.أ)
TT

تونس أمام أزمة اجتماعية ـ اقتصادية... وجو سياسي متفاقم

الرئيس قيس سعيّد (د.ب.أ)
الرئيس قيس سعيّد (د.ب.أ)

دخل الرئيس التونسي قيس سعيّد وحكومة نجلاء بودن سباقاً «ضد الزمن»؛ لمحاولة احتواء الاحتجاجات الاجتماعية التي تزامنت مع عودة ملايين الطلاب والموظفين والعمال من إجازاتهم الصيفية. إنها مرحلة تشكو فيها الدولة وشركات القطاع الخاص في تونس أزمة مالية غير مسبوقة، وعجزاً عن توفير «المواد الأساسية» بسهولة والتحكم في أسعارها، بما في ذلك المواد الغذائية والمحروقات التي تضخّمت أسعارها خلال الأشهر القليلة الماضية. هذا حصل رغم تحفظ الحكومة والنقابات على تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي، ومنها «إلغاء الدعم» للمواد الأساسية والشركات العمومية «المفلسة» الذي يكلف الدولة كل عام مليارات من الدولارات.
يلاحظ متابعو الأوضاع في تونس أنه على الرغم من الضغوط الداخلية والخارجية التي تمارَس على السلطة، منذ أكثر من سنة؛ «للعودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني»، فإن رئاسة الجمهورية أعلنت مجدداً عزمها على المضي في تنفيذ «الخريطة السياسية» للرئيس قيس سعيّد، وتنظيم الانتخابات البرلمانية المقررة لشهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل في موعدها.
لقد قلل الرئيس التونسي ومسؤولون مقربون منه أخيراً من قيمة تلويح أحزاب المعارضة بمقاطعة هذه الانتخابات، كما اتهموا بعض «المعارضين» و«المناوئين»، من دون تسميتهم، بمحاولة ركوب «بعض الاحتجاجات على الفقر والأسعار» في الجهات الشعبية والأحياء الفقيرة.
وفي المقابل، حذّر كثرة من الساسة والإعلاميين من مخاطر «انفجار اجتماعي سياسي أمني شامل»؛ بسبب استفحال معضلات البطالة والفقر وغلاء الأسعار، ما قد يدفع البلاد نحو «منعرج حاسم ومجهول العواقب»، حسب وصف بعضهم.

دعوات «الحوار الوطني»
الرئيس قيس سعيّد استبق تصعيد معارضيه لضغوطهم عبر «اتفاقات جديدة» مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون أسفرت عن فتح الحدود البرّية بين البلدين وتصدير الجزائر إلى تونس كميات كبيرة من المواد الأساسية التي كانت قد اختفت من الأسواق، بما في ذلك المحروقات والزيوت النباتية والسكّر والمياه المعدنية. وفي السياق ذاته استقبل الرئيس الجزائري وعدد من مساعديه أمين عام نقابات العمال التونسي نور الدين الطبوبي علناً. وأوردت مصادر نقابية وسياسية تونسية وجزائرية أن الرئاسة الجزائرية طلبت من زعيم النقابات ورفاقه «التوقف عن التصعيد ضد الرئيس التونسي»، ودعتهم إلى «دعم خريطة الطريق السياسية» التي اعتمدها.
وفي قصر قرطاج، استبق الرئيس سعيّد تحركات المعارضة الرافضة للقانون الانتخابي الجديد «المثير للجدل»، وأصدر مرسومَ بدء العملية الانتخابية، ودعا 9 ملايين ناخب تونسي إلى المشاركة في انتخاب البرلمان الجديد يوم 17 ديسمبر المقبل. ولتفنيد تهمة رفض الحوار مع الأطراف السياسية والاجتماعية، عقد الرئيس لأول مرة منذ أكثر من سنة اجتماعاً علنياً مع رئيس نقابة «رجال الأعمال» سمير ماجول وأمين عام «اتحاد نقابات العمال» الطبوبي. كذلك، لأول مرة منذ أشهر صدرت -بالمناسبة- عن قصر قرطاج (الرئاسي) دعوات إلى «الحوار والوحدة الوطنية».

توافق مع النقابات
من جهة ثانية، بعد فشل سلسلة الاجتماعات بين ممثلي الحكومة وقيادات نقابات العمال ورجال الأعمال حول الزيادات في الرواتب وتحسين مناخ الاستثمار في البلاد، نجح الرئيس سعيّد في «إقناع» قيادات كل النقابات بأن توقع على اتفاقية تنص على زيادات «محدودة» في الأجور مقابل التعهد بالمطالبة بالزيادات طوال السنوات الثلاث المقبلة.
وتوقع محافظ البنك المركزي مروان العباسي، والوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة نصر الدين النصيبي، أن يؤدي هذا «التوافق» بين السلطة والنقابات إلى إقناع إدارة صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية العالمية بالإفراج عن نحو 4 مليارات دولار أميركي تحتاجها الحكومة فوراً لتغطية حاجياتها الاجتماعية العاجلة؛ منها تسديد رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين، وتمويل صناديق التأمين على المرض، وموازنات شركات المحروقات والحبوب والزيوت.

تصعيد واضطرابات
إلا أن التحدي بالنسبة لزعماء النقابات وبعض أحزاب المعارضة، مثل وزير المالية السابق زعيم حزب «آفاق تونس» الفاضل عبد الكافي، يكمن في أن التقارب الحذر جاء في وقت دخلت نقابات ومنظمات غير حكومية عديدة في سلسلة من تحركات التصعيد والتلويح بمزيد من الإضرابات والاحتجاجات على غلاء الأسعار وارتفاع نسب الفقر والبطالة.
أيضاً، فسّرت قيادات منظمات الشباب العاطل عن العمل بعض هذه الاحتجاجات بما وصفته بـ«عدم احترام الحكومة قانوناً أصدره البرلمان المنحلّ وصادق عليه الرئيس قيس سعيّد» قبل سنة ونصف السنة على توظيف مئات الآلاف من الشباب العاطل منذ 10 سنوات. لذا لم يؤد فتح الحوار مجدداً بين رئاسة الجمهورية والنقابات إلى إلغاء الإضراب العام الذي لوّحت به النقابات، ولا إلى تراجع المركزية النقابية عن معارضتها لوثيقة «البرنامج الوطني للإصلاح» الذي عرضته الحكومة برئاسة نجلاء بودن في سياق مساعيها لتنفيذ سياسة «الإصلاح الهيكلي» وتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومؤسسات الاتحاد الأوربي ضمن شروطها؛ لتوفير حاجيات الدولة المالية التي تتراوح بين 7 و10 مليارات دولار.

نقص الأغذية والمحروقات
في هذه الأثناء تعاقبت التحركات الاحتجاجية وجلسات العمل الحكومية في علاقةٍ رأى الخبير الاقتصادي وليد صفر، رئيس المكتب السياسي لحزب «آفاق تونس»، خلال تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنها تتصل بـ«فشل الدولة لأول مرة في توفير كثير من المواد الأساسية التي تحتكر توريدها والإشراف على توزيعها مثل المحروقات والمواد الغذائية والسجاير... بينما سجلت أسعار الكهرباء والغاز والماء واللحوم والأسماك زيادات غير مسبوقة».
ولقد توقف السياسي والكاتب الصحافي عمر صحابو - وهو مدير عام سابق في وزارة الداخلية وفي الحزب الحاكم - عند الظاهرة نفسها. واتهم الحكومات المتعاقبة منذ 2011، وخاصة الحكومة الحالية، بالفشل لأول مرة في توفير المواد المدعومة لملايين العائلات التونسية، وبالعجز عن التحكم في ارتفاع الأسعار ونسب البطالة والتضخم والعجز المالي والتجاري والمديونية. وحذر من أنْ يؤدي ذلك إلى «انفجار اجتماعي سياسي خطير».
ومن جانبه، ربط الخبير المالي عز الدين سعيدان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بين العجز المالي للدولة و«الحلقة المفرغة» التي وصلت إليها مؤسساتها الرسمية رغم احتكارها عمليتي الإنتاج والتسويق بالنسبة للمحروقات وكثير من المواد الغذائية والأساسية الأخرى. وأوضح سعيدان أن «شركات تصنيع الكهرباء وتوزيع والغاز والماء ومؤسسات توريد النفط في عجز مالي يقدر بعشرات المليارات، لكن وضعيتها يمكن أن تكون سليمة لو تسترجع ديونها ومستحقاتها لدى الحكومة».
وأردف: «لكن المشكلة أن الحكومة عاجزة عن تسديد مبالغ هائلة متراكمة منذ أكثر من 20 سنة، مثلما أصبحت عاجزة عن تسديد ديون صناديق التأمين الاجتماعي والتقاعد وشركات صنع الأدوية والمستشفيات العمومية والخاصة. وبذا تكون الحصيلةُ الدخولَ في نفق مظلم وتعميق الأزمات الهيكلية بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية الاجتماعية التابعة للدولة كلياً أو جزئياً».

حكومة إنقاذ وطني
جوهر بن مبارك، الأكاديمي والناشط السياسي اليساري والقيادي في «جبهة الخلاص الوطني» رأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحل يبدأ بتشكيل حكومة إنقاذ وطني سياسية... والخروج من الأزمات الظرفية والهيكلية يبدأ بمصارحة الشعب بالحقيقة، وباعتراف كبار المسؤولين في الدولة بحجم المخاطر التي تهدد البلاد».
يدعم هذا الطرح غازي الشوّاشي، الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي المعارض والوزير السابق لأملاك الدولة والتجهيز والإسكان. ويسير في المنحى ذاته الأمناء العامون للأحزاب الاجتماعية الديمقراطية اليسارية الخمسة. وبالتوازي، مع ذلك صعّدت قيادات الحزب الدستوري الحر بزعامة المحامية عبير موسي تحركاتها الاحتجاجية ضد الحكومة وضد «خريطة الطريق السياسية» للرئيس سعيّد، وطالبت مع بقية الأحزاب المعارضة بمقاطعة انتخابات 17 ديسمبر المقبل.
إلا أن الرئيس التونسي وأنصاره في «حراك 25 يوليو» ماضون في مسارهم السياسي، ولا يعتبرون أن تونس تواجه أزمات مالية اقتصادية أو شحاً في الإنتاج وفي الموارد؛ بل «مؤامرات داخلية وخارجية»، ومخططات تهريب واحتكار، وتلاعب بالأسعار وبالمخزون الوطني من المواد الأساسية، بتشجيعٍ ممن يصفونهم بـ«مناوئين سياسيين للدولة ولحراك الإصلاح والتصحيح» الذي بدأ منذ مسار 25 يوليو، وأسفر عن حل البرلمان وحكومة هشام المشيشي.
وفي هذا الإطار، عقد الرئيس سعيّد جلسات عمل بالجملة مع عدد من كبار المسؤولين، وطالبهم بتتبع المتهمين بالاحتكار ورفع الأسعار وبالتهريب، وفق البلاغات الرسمية في صفحة رئاسة الجمهورية. كذلك زار سعيّد بعض الأسواق الشعبية ومقرات حكومية ومكتب البنك الوطني الفلاحي الحكومي الذي يسند قروضاً سنوية لعشرات آلاف الفلاحين ورجال الأعمال.
وطالب مَن التقاهم بتتبع المتهمين بالفساد والاحتكار ومحاولة إرباك عمل الدولة والتزويد العادي للأسواق بهدف «تأزيم الوضع الاجتماعي من قبل من يدفعون الأموال لتحقيق مآربهم السياسية وخدمة أجنداتهم الشخصية والحزبية».

تداعيات «كوفيد-19» وأوكرانيا
بطبيعة الحال، قيادات المعارضة والنقابات وخبرات أكاديمية اقتصادية في الجامعات ومراكز الدراسات لها رأي آخر. وبالفعل، انتقد سامي الطاهري، الناطق الرسمي باسم «الاتحاد العام التونسي للشغل» تصريحات كبار المسؤولين في الحكومة واتهمها بـ«تجاهل تدهور القدرة الشرائية للعمال والطبقات الشعبية» حيث أورد أنه يتراوح بين 8 و20 في المائة. إلا أن الناطق الرسمي باسم الحكومة الوزير نصر الدين النصيبي ربط الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية المتفاقمة في البلاد بمضاعفات أزمة جائحة «كوفيد-19» وبالتهاب أسعار المواد الغذائية والمحروقات والمواد المدرسية عالمياً بعد «حرب أوكرانيا»، إلى جانب اضطراب الأوضاع الاقتصادية والمالية في دول الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لتونس.
في أي حال، حذر نقابيون ومسؤولون في مؤسسة شركات الكهرباء والغاز والمياه والنفط الحكومية من الصعوبات المالية الخطيرة التي تمر بها مؤسساتهم. واعتبروا أنها يمكن أن تبلغ مرحلة «العجز عن توفير ما تحتاجه البلاد من التنوير العمومي»، وتدفق المياه في كل المدن بعد سنوات من الجفاف ونقص المياه في السدود.

بالأرقام...
وأورد مسؤولون في «المعهد الوطني للإحصاء» الحكومي في تقرير رسمي جديد أن عجز الميزان التجاري الغذائي في تونس ارتفع بنحو 17 في المائة بين يوليو (تموز) وأغسطس (آب). كذلك، أورد تقرير حكومي جديد أن حصة عجز الميزان التجاري للمواد الغذائية من إجمالي العجز الإجمالي ارتفعت وأصبحت تناهز 13 في المائة. وكشفت مصادر وزارة التجارة ارتفاعاً في قيمة الواردات الغذائية بنحو 41 في المائة، بينما لم ترتفع الصادرات إلا بنسبة 30 في المائة. فكانت النتيجة ارتفاع قيمة العجز التجاري الغذائي إلى نحو 800 مليون دولار (2 مليار ومائة مليون دينار تونسي)، وتراجعت نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى نحو 64 في المائة فقط، حسب وزير التجارة السابق محسن حسن.
ولفت الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي إلى أن هذه المؤشرات السلبية، رغم تراجع أسعار الحبوب المستوردة من السوق الدولية بنسبة ناهزت 15 في المائة خلال أغسطس مقارنة بأسعار يوليو، فإنها لا تزال مرتفعة بنسب تتراوح بين 20 و40 في المائة، مقارنة بأسعارها عند التوريد من السوق العالمية العام الماضي.
ختاماً، رغم كل هذه المؤشرات، أكد صلاح الدين السالمي، الأمين العام المساعد لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» أن النقابات لا يمكن أن تتنازل عن مطالبها، وأهمها إعلان زيادات في الرواتب تساهم في امتصاص آثار الزيادات الكبيرة في الأسعار.

تحركات داخلية وضغط خارجي في وجه المعضلة الراهنة
> تتداخل في تونس راهناً الأجندات السياسية الأمنية والمسارات الاقتصادية والاجتماعية الرسمية؛ إذ أن ثمة أطرافاً تسعى إلى «احتواء» الغضب الشعبي والاحتجاجات الاجتماعية دعماً للحكومة، مقابل أطراف تعمل على «توظيف» هذه الاحتجاجات والصعوبات المالية والسياسية للدولة؛ بهدف «فرض أجندات سياسية» جديدة تبدأ بتشكيل حكومة انتقال ديمقراطي.
هذه الأطراف ترى أن مثل هذه الحكومة يمكن أن تحصل على قروض من واشنطن والعواصم الدولية التي خفضت بشكل واضح، منذ يوليو 2021، مستوى دعمها المالي والعسكري والأمني للسلطات التونسية؛ بقصد الضغط عليها «من أجل العودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني بطريقة تشاركية». وحقاً صدرت أخيراً تصريحات في هذا الاتجاه عن سياسيين وزعماء غربيين بينهم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ومفوّض السياسية الخارجية للاتحاد الأوربي جوزيب بوريل.
من جهة أخرى، بدأت أطراف نقابية وسياسية مختلفة تشكيل تكتلات وجبهات تدعو إلى مظاهرات واحتجاجات في الشوارع. أيضاً، تدعو عدة قيادات سياسية ونقابية إلى «سيناريو توافق جديد» يشمل سياسيين من مختلف التيارات والأجيال ورموزاً من الدولة في مرحلة ما قبل «انتفاضة 2010»، ومن بين الشخصيات المعتدلة من العشرية الماضية.
وتؤكد تقارير محلية وإقليمية ودولية عديدة أن «الورقة الدولية» ستكون حاسمة في «المسار الانتقالي» الحالي، إلى جانب أوراق محلية كثيرة بينها موقف «القوى الصلبة» العسكرية والأمنية والنقابات والأحزاب الكبرى ومؤسسات الإعلام.

                                                                        تحركات في الشارع
مسؤولية البنك المركزي... والإصلاحات المطلوبة
> اعتبر جمال الدين عويديد، الخبير التونسي في الشؤون المالية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الأزمة الاقتصادية المستفحلة في تونس مرشحة لأنْ تزداد خطورة؛ لأسباب عديدة، من بينها قانون 2016 الذي منح البنك المركزي «استقلالية عن الحكومة»، وجعله في موقع «الخصم» لوزارة المالية ورئاسة الحكومة. واتهم عويديد البنك المركزي والبنوك التجارية بأنها «أصبحت تعطل الاستثمار والتشغيل، وتتحكم في قرار تحديد نسب الفائدة في البنوك والفائدة المديرية».
عويديد حمّل رئاسة البنك المركزي، بالذات، مسؤولية «الاصطفاف» وراء قرارات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي؛ «خدمة لمصالح البنوك التجارية التونسية التي تتحكم في كثير منها بنوك فرنسية وأجنبية». ودعا، من ثم، الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى إلغاء «قانون البنك المركزي لعام 2016»، وتكليفه بدعم جهود الحكومة المالية، والتوقف عن خدمة مصالح البنوك التجارية التي كانت «المستثمر الوحيد الذي حقق مكاسب وأثرى خلال العشرية الماضية».

                                                                     مقر البنك المركزي التونسي (غيتي)
لكن إلى أي حد يمكن أن تقبل النخب السياسية التي وضعت دستور 2014، وفرضت استقلالية البنك المركزي عن الحكومة، بالتراجع عما تعتبره «مكسباً ديمقراطياً وتحديثاً للاقتصاد الوطني؟».
الوزير السابق للمالية سليم بسباس يستبعد ذلك حالياً، ويعتبر أن تونس «في حاجة إلى إصلاحات اقتصادية ومالية وسياسية أكثر وضوحاً، بما يضمن لرئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان أداء أدوارهم في سياق من التوافق والشراكة، بعيداً عن مناخ التوتر والصدام وصراع الصلاحيات».
أما الوزير السابق للخارجية والتربية حاتم بن سالم، فاعتبر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «أولوية الأولويات حسم معضلة الحوكمة الرشيدة... وليس مجرد إصدار قرارات ومراسيم تعالج قضايا جزئية وملفات ثانوية». وأضاف بن سالم أن تونس ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط مطالَبة بالدخول في مفاوضات شاملة تؤدي إلى تحسين موارد «دول الجنوب» مالياً، وإلى رفع معدلات النمو الشامل فيها، مقابل توافقٍ مع بلدان شمال البحر الأبيض المتوسط على خطة شاملة لوقف الهجرة غير القانونية التي تفاقمت وتسببت في غرق مئات المهاجرين العرب والأفارقة، فيما نجح آلاف من بينهم في الوصول إلى سواحل إيطاليا وإسبانيا.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».