«الاستثمار العراقية»: نصوغ قانوناً محدثاً للاستثمار بالتعاون مع دول الجوار

رئيسة الهيئة الوطنية سهى نجار أكدت لـ «الشرق الأوسط» تقلص الفساد في المشروعات بنسبة 60 %

رئيسة الهيئة الوطنية للاستثمار العراقية سهى نجار تؤكد على مكافحة الفساد في بيئة المشروعات المحلية (الشرق الأوسط)
رئيسة الهيئة الوطنية للاستثمار العراقية سهى نجار تؤكد على مكافحة الفساد في بيئة المشروعات المحلية (الشرق الأوسط)
TT

«الاستثمار العراقية»: نصوغ قانوناً محدثاً للاستثمار بالتعاون مع دول الجوار

رئيسة الهيئة الوطنية للاستثمار العراقية سهى نجار تؤكد على مكافحة الفساد في بيئة المشروعات المحلية (الشرق الأوسط)
رئيسة الهيئة الوطنية للاستثمار العراقية سهى نجار تؤكد على مكافحة الفساد في بيئة المشروعات المحلية (الشرق الأوسط)

قالت سهى نجار رئيسة الهيئة الوطنية للاستثمار بالعراق إن بلادها قادرة على تجاوز التحديات الراهنة نتيجة قوة الاستهلاك الداخلية ومعدلات متوسط الدخل، مشيرة إلى أن العراقيين والشركات العاملة الأجنبية على وجه الخصوص معتادة على العمل وفق أصعب الظروف والأزمات السياسية.
ولفتت سهى النجار إلى العراق ما زال يحتاج الكثير من الشركات لما تحتاجه من استثمارات وبناء تقدر بمئات المليارات، مقرة أن البنوك العراقية لا تستطيع تقديم هذه السيولة، مما يجعل الحاجة إلى ثلاثية السيولة والخبرة وتطوير البيئة التشريعية والقانونية ضرورة ملحة في المرحلة الحالية.
وأفصحت رئيسة الهيئة الوطنية في حوار مع «الشرق الأوسط» أن العمل جارٍ للتعاون مع هيئات ووزارات الاستثمار في دول مصر والإمارات والأردن والسعودية لعمل تطوير على النظم التشريعية والقانون بالعراق للخروج بقانون استثمار محدث بالتعاون مع دول الجوار. وكشفت سهى نجار عن نجاح الهيئة في تقليص مؤشر الفساد في المشاريع بنسبة 60 في المائة، مما مكن من جلب مستثمرين عالميين كان طلبهم الأساسي هو التعامل مع الهيئة الوطنية للاستثمار. إلى تفاصيل أكثر في متن الحوار:

> في وجه نظرك هل الاقتصاد والاستثمار العراقي قادر علي تجاوز التحديات الراهنة؟
- نعم اقتصادنا قادر وبشدة على تجاوز أي وكل تحدٍ والسبب بسيط جداً، العراق سوق كبيرة بها 40 مليون نسمة ومعدلات الدخل متوسطة وليست منخفضة، وهذا المعدل ينمو مع ارتفاع أسعار النفط وهناك وفرة مالية.
الشعب العراقي والمستثمر العراقي والأجنبي الذي يعمل اليوم بالعراق استطاع أن يعمل في هذه الظروف وتعود أن يقوم بعمله في هذه الظروف. لدينا في العراق شركات أرباحها تكون بأعلى مراحلها أثناء الأزمات السياسية لأن الشعب يلجأ لشراء العقارات في هذه الظروف.
العراق بسوقه الكبيرة والاقتصاد العراقي الذي أثبت أنه قادر خلال الـ18 عاماً الماضية، لا يتأثران بالأزمات وقادران على مواجه التحديات فالسوق تنمو بشكل كبير من حيث الكثافة السكانية، لذلك هناك طلب على الاستثمار والعمل لتلبية الطلب على السوق المحلية الضخمة وسط تحقيق معدل نمو 2.5 في المائة ومعدل دخل يتزايد بنسبة 5 في المائة، والآن مع أسعار النفط فإن أعداد الشركات التي تعمل في العراق غير كافية لتلبية الطلب المتزايد مما يضطرنا للاستيراد.
> ماذا يريد العراق من دول الجوار في الخليج ودول مثل الأردن مصر؟
- من الناحية الاقتصادية تطور الوضع الاقتصادي والاستثماري في دول الجوار سواء في الخليج أو الأردن ومصر بشكل سريع جداً خلال الفترة الماضية، وبالفعل نجحوا في بناء اقتصاديات ناجحة وطوروا البنية التحتية ووفروا للشعب الخدمات والإسكان، ونحن في العراق نريد أن نخوض التجربة نفسها الخاصة بهم، وذلك يكون عن طريق الاستثمارات. ولذلك فإن جلب الاستثمار والمستثمرين من هذه الدول إلى العراق سيجعلهم يكررون الطريقة ذاتها التي تم تطبيقها في بلادهم بالنموذج ذاته بالتعاون مع المستثمر العراقي.
العراق ذو اقتصاد ضخم جداً يحتاج إلى بناء وعمل وضخ استثمارات تقدر بمئات المليارات، والبنوك العراقية لا تستطيع تقديم هذه السيولة ونحن نحتاج أولاً لسيولة وثانياً لتبادل الخبرات، والشق الثالث تطوير البيئة التشريعية والقانونية لقانون الاستثمار والنظم المتعلقة به.
لدينا فجوات في الاستثمار، وقد تناقشنا مع هيئة الاستثمار بمصر ووزارة الاستثمار بالإمارات ووزارة الاستثمار بالأردن وكذلك السعودية وأشرنا إلى رغبتنا في تطوير النظام التشريعية والقانون في العراق، وقد فتحوا أبوابهم جميعاً للتعاون. العراق يستضيف ورش عمل في هذا الشأن للخروج بقانون استثمار محدث بالتعاون مع دول الجوار.
> إذن ما الجديد في ملف الاستثمار في العراق؟
- الاستثمار كلمة ارتبطت بالفساد في الفترة الماضية في العراق، ولكن نحن اليوم الحمد لله استطعنا أن نغير هذه الفكرة، وأصبحت أغلبية المشاريع التي طرحت والتي تنفذ اليوم في العراق، حيث أعطيت تراخيص وهي مشاريع حقيقية قائمة وجارية، وهذا أهم الجديد في ملف الاستثمار العراقي. إن إجراءاتنا أصبحت أكثر صرامة واستطعنا حصر العملية في المستثمر الحقيقي الجاد. هناك توجه كبير لتنفيذ المشاريع الخدمية والمشاريع السكنية لحل أزمة السكن. وفي هذا الإطار قمنا بطرح مشروع مدينة الرفيل العاصمة الإدارية الجديدة للعراق، ستوفر مساحة كبير وهي 106 آلاف دونم (الدونم يساوي 2500 متر مربع)، وهي على غرار العاصمة الإدارية الجديدة في مصر.
تمكننا من إنجاز المرحلة الأولى بإحياء المشروعات الموجودة ومنح استثمارات جديدة لمستثمرين من السعودية والإمارات وهم من أكبر المستثمرين العقاريين هناك. وتم طرح المرحلة الأولى من المشروع والعمل على قدم وساق بها وسوف تكون أول خبرة للعراق في إنشاء مدينة جديدة بهذا الحجم الضخم على غرار المدن الجديدة في دول الجوار، وسوف تشمل مشاريع سكنية ومشاريع ترفيهية وخدمية مثل الجامعات ومستشفيات وأسواق على نطاق الشعب العراقي ومنها أسواق فلكلورية ومسارح وجميع ما تتضمنه أي مدينة جديدة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الجديد في مجال الاستثمار هو التوجه نحو الطاقة الشمسية وتمكننا من توفير 7500 ميغا وات لشركات عالمية لإنتاج الطاقة الشمسية وهما شركة توتال وشركة مصدر الإماراتية وشركة سكاتك النرويجية وشركة باور تشاينا ونتفاوض مع شركة أكوا السعودية وقد قمنا بإنجاز كبير في مجال الطاقة البديلة خلال العامين الماضيين.
> هل ترين في المرحلة الماضية منجزات، وتحديداً منذ توليتي فيها ملف الاستثمار؟
- توليت مهام ملف الاستثمار منذ عامين بالضبط، والحمد لله تمكننا من القضاء على الفساد بشكل كبير، حيث إن الفساد في العملية الاستثمارية كان يحدث عن طريق أخذ أراضي الدولة باسم الاستثمار والحصول على إعفاءات جمركية وقروض ميسرة عن طريق العملية الاستثمارية لأن للأسف كانت أغلبها مشاريع وهمية، وكانت نسبتها مرتفعة جداً 80 في المائة ونحن تقريباً قضينا عليها تماماً في حدود مسؤوليات الهيئة الوطنية للاستثمار لأنها من يرعى الاستثمار في العراق كله وتتولى أمر المشاريع الاستراتيجية الضخمة.
تمكننا أيضاً من وقف النزيف في الحصول على أراضي وأصول الدولة وإجازة المشاريع دون وجه حق... وجميع المشروعات التي منحت إجازات (تراخيص) خلال العامين الماضيين هي مشاريع حقيقية بدأ العمل بها ومتوقع الانتهاء منها خلال عامين لشركات عالمية. ولكي نجعل المشاريع حقيقية في العراق كان لا بد من القضاء على الفساد بشكل كبير جداً، وكان لهذا أثر إيجابي كبير على الصناعة العراقية... حولنا الاستثمار إلى عملية حقيقية وكل الإجراءات المتبعة اليوم أصولية والمنح أصولية، مما مكننا للوصول للمستثمر الحقيقي، وهذا يبين العمل الجاد الذي يتم اليوم في العراق.
> في ظل الظروف التي تجري حاليا، هل تستطيعون مواصلة محاربة الفساد وإعادة الثقة في مناخ الاستثمار في العراق؟
- بالنسبة لمحاربة الفساد على النطاق الضيق الداخلي تمكننا من محاربة الفساد وتم تغيير الإدارات والاستعانة بموظفين معروفين بنزاهتهم وجعلنا الإجراءات آلية وأصبح هناك رقابة صارمة على الإجراءات ومنح الإجازات (التراخيص) وهناك مركزية في العمل.
وعلى نطاق الهيئة الوطنية للاستثمار أستطيع أن أقول إننا بنسبة 60 في المائة تمكننا من القضاء على الفساد، مما ممكننا من جلب مستثمرين عالميين كان طلبهم الأساسي هو التعامل مع الهيئة الوطنية للاستثمار فقط، وذلك لأننا بالفعل نجحنا في هذا الملف ونعمل بالتعاون مع المحافظات على توحيد الإجراءات وتم الربط بيننا وبين المحافظات بعدة مفاصل، وهذا سيساعد بشكل كبير ولكن في النهاية رغم صلاحيات الهيئة الوطنية للاستثمار الكبيرة فإنها هيئة تنسيقية وعملنا يعتمد على جميع الوزارات الأخرى، ولكي نقضي على الفساد لا بد من القضاء عليه أيضاً في الهيئات الحكومية الأخرى.
الحكومة العراقية الحالية تساعد في ذلك وهي إيجابية جداً، ولكن للأسف الدمار الذي تم في الـ20 عاماً الماضية يحتاج لوقت لكي نستطيع التخلص من الفساد بشكل كامل، ولكن رغم الفساد يبقى العراق سوقاً ضخمة وكبيرة وتنمو رغم كل التحديات.
> الجميع يعلم مدى التوجه السعودي لإنعاش الحركة الاستثمارية والاقتصاد العراقي، دعيني أستفسر عن وضع الاستثمار السعودي على وجه الخصوص في هذه المرحلة؟
- في الحقيقة السعودية ممثلة في الحكومة والمستثمرين السعوديين كانوا داعمين جداً لنا في العراق لبناء وتصحيح المسار الاقتصادي... ونشكرهم على هذا الدعم الذي يتم بطرق مختلفة، سواء بالمساعدة في تعديل التشريعات والقوانين المتعلقة بالاستثمار، حيث هناك دائماً نقاش مع نظرائنا السعوديين بإمكانية تغيير قانون الاستثمار العراقي، وأن يكون هناك تبادل في المقترحات.
ندعو المستثمرين السعوديين أن يأتوا للعمل في العراق بجانب المستثمرين العراقيين، فهم من أكبر المستثمرين بالعالم، ونحن نحتاج ضخ أموال أجنبية في العراق، والمستثمر السعودي مناسب جداً لأنه متفهم ظروف البيئة العراقية ويستطيع العمل بها مثل مدينة الرفيل وأنا أطلق عليها بيني وبين نفسي «مدينة الأحلام».
> تعولون كثيراً على نموذج مدينة الرفيل في الوقت الراهن، كيف وضع الاستثمار السعودي هنالك؟
- هناك مشروع لمجموعة العريفي السعودية وهو من أكبر المشاريع في المدينة وبه شقان، الشق الأول هو شق سكني وخدمي، والشق الثاني هو ما ينتظره أهل بغداد على أحر من الجمر، وهو المشروع الترفيهي التجاري على غرار مشروع جدة الرياض وشبيه لمشروع سوليدير في العاصمة بيروت. وسوف نقيم منطقة مثل هذه المنطقة وستكون منفذاً لأهل بغداد، لأن بغداد مختنقة سكنياً وعمرانياً، وسوف يكون هناك مساحات خضراء، وهو يقع على القصور الرئاسية والبحيرات، وهذه المنطقة سوف تنفذها مجموعة العريفي السعودية.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)

تدخل العلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من المفاوضات المعقدة، مع اجتماع قادة الدول الأوروبية السبع والعشرين في بروكسل، الخميس، لبحث سبل الحد من تدفق الواردات الصينية، وسط مخاوف متزايدة بشأن إغلاق المصانع وفقدان الوظائف، بينما أكدت بكين أن الاتفاق الأخير بشأن تجارة السيارات الهجينة من شأنه حماية مصالح الشركات الصينية ومنع تصاعد الخلافات.

وتأتي القمة الأوروبية بعد أقل من أسبوع على توصل المفوضية الأوروبية والصين إلى تفاهم بشأن الحد من واردات السيارات الهجينة الصينية، في خطوة تعتبرها بروكسل بداية لمعالجة اختلالات تجارية أوسع تشمل قطاعات صناعية متعددة.

وقالت وزارة التجارة الصينية، الخميس، إن التوافق الذي جرى التوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي بشأن تجارة السيارات الهجينة يساعد على حماية مصالح الشركات الصينية وتجنب التصعيد التجاري.

ويعكس الموقف الصيني رغبة بكين في الحفاظ على قنوات التفاوض مع أوروبا، في وقت تتزايد فيه الضغوط داخل الاتحاد لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية الصناعات المحلية.

وكان الطرفان قد توصلا الأسبوع الماضي إلى اتفاق قد يؤدي إلى خفض صادرات السيارات الهجينة الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بأكثر من النصف، بعد مشاورات مكثفة بشأن تنظيم تدفقات هذه المركبات إلى السوق الأوروبية.

وأكدت وزارة التجارة الصينية في وقت سابق أن الاتفاق يسمح باستمرار نمو الصادرات ضمن ترتيبات متفق عليها، ويضمن حصة تصديرية تتماشى مع الحصص الممنوحة لدول أخرى.

لكن الاتفاق، رغم أهميته، لا يعالج سوى جانب محدود من الخلاف التجاري المتصاعد بين الجانبين.

فقد بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الصين نحو 360 مليار يورو، أي ما يعادل 400.4 مليار دولار، خلال عام 2025، بينما تشير التوقعات إلى تجاوزه هذا المستوى في 2026.

ويمثل اتساع العجز أحد أبرز مصادر القلق لدى الحكومات الأوروبية، التي تواجه ضغوطاً من الشركات الصناعية والنقابات العمالية لاتخاذ إجراءات تحد من المنافسة الصينية المتزايدة.

وتتهم مجموعات صناعية أوروبية الواردات الصينية بالمساهمة في إغلاق مصانع وفقدان وظائف، خصوصاً في القطاعات التي تواجه منافسة سعرية شديدة.

وقال دبلوماسي أوروبي بارز إن الاختلالات التجارية لا تقتصر على قطاع واحد، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يؤدي إلى فقدان آلاف الوظائف شهرياً.

وتشمل القطاعات المثيرة للقلق الصناعات الكيميائية والصلب والآلات، إلى جانب السيارات، مما يعكس اتساع نطاق الخلاف من المنتجات الاستهلاكية إلى الصناعات الأساسية والاستراتيجية.

وتشير مسودة نتائج القمة إلى أن القادة الأوروبيين سيطالبون المفوضية بمواصلة الحوار مع بكين، مع الاستفادة الكاملة من أدوات الدفاع التجاري القائمة، وتطوير إجراءات إضافية لحماية السوق الأوروبية.

ويعكس هذا التوجه محاولة للجمع بين المسار التفاوضي والقدرة على فرض قيود تجارية إذا لم تحقق المحادثات نتائج ملموسة.

وفي المقابل، ترفض الصين تصوير الفائض التجاري باعتباره دليلاً على ممارسات غير عادلة، وتعتبر أن تضخيم قضية الاختلالات الاقتصادية يوفر مبرراً لتبني سياسات حمائية والضغط على الشركات الصينية.

ومن المتوقع أن تحتل المقترحات الفرنسية الألمانية، التي صدرت الأسبوع الماضي، موقعاً بارزاً في المناقشات الأوروبية.

ودعت باريس وبرلين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الواردات الصينية في قطاعي المواد الكيميائية والبولي إيثيلين تيريفثالات، المعروف اختصاراً باسم «بي إي تي»، وهو البلاستيك المستخدم على نطاق واسع في صناعة العبوات والتغليف.

كما طالبت الدولتان بتطوير آليات تسمح للاتحاد الأوروبي بالرد سريعاً على الدول التي تتخذ إجراءات تضر بمصالحه التجارية.

ومن المنتظر بدء تحقيق أوروبي بشأن واردات مادة «بي إي تي» قريباً، في خطوة قد تمهد لاتخاذ تدابير دفاعية إضافية.

وتكتسب المبادرة الفرنسية الألمانية أهمية خاصة لأنها تعكس تحولاً في موقف برلين، التي كانت قبل عامين من أبرز المعارضين لفرض رسوم أوروبية لمكافحة الدعم على السيارات الكهربائية الصينية.

ويشير تغير الموقف الألماني إلى تنامي القلق بشأن قدرة الصناعات الأوروبية على مواجهة المنافسة الخارجية، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف بعض القطاعات الصناعية.

وبالنسبة إلى الشركات الصينية، فإن توسيع نطاق الإجراءات الأوروبية قد يفرض تحديات إضافية على خطط التصدير، ويدفع بعضها إلى إعادة النظر في استراتيجيات التسعير والاستثمار والتوسع داخل الأسواق الأوروبية.

أما الشركات الأوروبية، فقد تستفيد بعض قطاعاتها من إجراءات الحماية التجارية، لكن فرض قيود واسعة قد يرفع تكاليف المدخلات الصناعية ويؤثر في سلاسل التوريد.

ولا تنفصل هذه المخاوف عن أزمة أسعار الطاقة التي تشكل محوراً رئيسياً آخر في القمة الأوروبية.

فقد وضعت عدة دول أعضاء ارتفاع تكاليف الطاقة على جدول الأعمال، بينما تصف مسودة نتائج القمة القضية بأنها ذات «أهمية حاسمة» للقدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي.

وتواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والصلب، ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز، ما يزيد صعوبة منافسة المنتجين في الأسواق التي تتمتع بتكاليف طاقة أقل.

وتشير المسودة إلى مقترحات سبق أن قدمتها المفوضية الأوروبية، من بينها تأجيل تطبيق قواعد انبعاثات الميثان على واردات النفط والغاز لمدة عام.

كما يُتوقع أن يطلب القادة من المفوضية تقديم إجراءات إضافية قصيرة الأجل للتخفيف من أعباء الطاقة على الشركات والمستهلكين.

ومن الناحية الاقتصادية، يمثل الجمع بين معالجة المنافسة الصينية وخفض تكاليف الطاقة تحدياً رئيسياً للاتحاد الأوروبي، إذ لا تكفي الإجراءات التجارية وحدها لتعزيز القدرة التنافسية إذا استمرت تكاليف الإنتاج عند مستويات مرتفعة.

وفي ملف آخر، يناقش القادة الموازنة الأوروبية للفترة من 2028 إلى 2034، وسط خلافات واسعة بشأن حجم الإنفاق وأولوياته وتوزيع الأعباء بين الدول الأعضاء.

وتتطلب الموافقة على الموازنة إجماع الدول السبع والعشرين، ما يجعل المفاوضات معقدة بين الدول المساهمة الصافية في التمويل والدول المستفيدة من البرامج الأوروبية.

ومن المتوقع عقد قمة استثنائية في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) لمحاولة تضييق الخلافات والتوصل إلى اتفاق.

وتكتسب الموازنة الجديدة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تمويل برامج التنافسية الصناعية والتحول في الطاقة والدفاع والبنية التحتية، إلى جانب الالتزامات الأوروبية تجاه أوكرانيا.

ومن المقرر أن يناقش القادة، الجمعة، التحديات التي تواجه أوكرانيا، بحضور الرئيس فولوديمير زيلينسكي، مع التركيز على احتياجات كييف التمويلية لعام 2027.

وتشير مسودة النتائج أيضاً إلى اعتزام القادة التعبير عن أسفهم لقرار الولايات المتحدة رفع العقوبات مؤقتاً عن الديزل الروسي.

وفي المحصلة، تكشف القمة الأوروبية عن تداخل التحديات التجارية والمالية والطاقة في وقت تسعى فيه بروكسل إلى حماية قاعدتها الصناعية وتعزيز قدرتها على المنافسة.

وبينما يوفر اتفاق السيارات الهجينة مع الصين فرصة لاحتواء بعض التوترات، فإن اتساع العجز التجاري واستمرار الخلافات بشأن الصناعات الكيميائية والصلب والآلات يشيران إلى أن المفاوضات المقبلة ستكون أكثر تعقيداً.

وسيكون الاجتماع الأوروبي الصيني المقرر في مارس (آذار) محطة مهمة لتقييم قدرة الطرفين على تحقيق تقدم يتجاوز قطاع السيارات، والوصول إلى ترتيبات تحد من التصعيد وتحافظ على استقرار العلاقات الاقتصادية بين اثنين من أكبر الأسواق العالمية.


التضخم السعودي يحافظ على تماسكه رغم اضطرابات الملاحة

مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)
مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)
TT

التضخم السعودي يحافظ على تماسكه رغم اضطرابات الملاحة

مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)
مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)

استقر معدل التضخم السنوي في السعودية عند 1.9 في المائة خلال سبتمبر (أيلول)، بينما لم تسجل أسعار المستهلك تغيراً على أساس شهري، وسط مخاطر تحيط بحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة جراء التوترات في الممرات البحرية، وما قد تترتب عليها من ضغوط على تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد.

وأظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء، الصادرة الخميس، ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.9 في المائة على أساس سنوي، مدفوعاً بزيادة أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 3.6 في المائة، والأغذية والمشروبات بنسبة 1.4 في المائة، والنقل بنسبة 2.3 في المائة. وفي المقابل، استقر المؤشر مقارنة بأغسطس (آب)، مع تباين حركة الأسعار بين مكونات سلة المستهلك.

الاستقرار النسبي

وقال عضو مجلس الشورى فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، إن تماسك الرقم القياسي لأسعار المستهلك في السعودية عند مستوى 1.9 في المائة خلال سبتمبر الفائت، يُعد مؤشراً إيجابياً يعكس حالة من الاستقرار النسبي في مستويات الأسعار، ويعزز الثقة بقدرة الاقتصاد السعودي على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية بكفاءة ومرونة.

وطبقاً لعضو مجلس الشورى، فاستقرار التضخم عند مستويات معتدلة يمنح المستهلكين قدراً أكبر من الوضوح في إدارة نفقاتهم، ويساعد الأسر على التخطيط لميزانياتها، كما يدعم استقرار بيئة الأعمال ويعزز ثقة المستثمرين في السوق المحلية.

وبيَّن فضل البوعينين أن الأهمية الحقيقية لهذا التماسك لا تكمن في ثبات الرقم وحده، بل في قدرته على الحفاظ على التوازن بين استمرارية النمو الاقتصادي والحد من الضغوط المعيشية على المواطنين والمقيمين.

كما أن استمرار التضخم عند مستويات معتدلة يعكس أهمية السياسات الاقتصادية التي تستهدف تعزيز كفاءة الأسواق واستدامة النمو، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030»، وفق البوعينين الذي أشار إلى أنه يبقى من الضروري متابعة تحركات أسعار السكن والغذاء والخدمات، لضمان انعكاس الاستقرار العام على القوة الشرائية وجودة الحياة بصورة ملموسة.

أسعار الإيجارات

بدوره، أوضح الدكتور سالم باعجاجة، أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز، أن الأداء يعكس تبايناً في حركة الأسعار بين مكونات سلة المستهلك، مع استمرار السكن في تصدر القطاعات المساهمة في التضخم، إلى جانب ارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات والنقل، مقابل تراجع أسعار بعض السلع والخدمات.

وواصل حديثه إلى «الشرق الأوسط»، قائلاً إن معدل التضخم عند 1.9 في المائة يعكس زيادة سنوية محدودة نسبياً في سلة المستهلك، لكنه لا يلغي تفاوت الضغوط بين القطاعات، وإن استمرار نمو الإيجارات بوتيرة أعلى من التضخم العام يجعل تطورات سوق الإيجار عاملاً حاسماً في قراءة تكاليف المعيشة.

وأضاف الدكتور باعجاجة أن الحكم على اتجاه التضخم يتطلب متابعة الأشهر المقبلة، لمعرفة ما إذا كان الاستقرار سيستمر أم أن ارتفاع الإيجارات ومكونات أخرى سيعيد تسريع المؤشر.

سعودي يتسوق في أحد المتاجر المتخصصة بالمواد الغذائية (واس)

أسباب التضخم

وبحسب الرقم القياسي الصادر عن الإحصاء، ارتفعت أسعار قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى 3.6 في المائة، نتيجةً لارتفاع أسعار مجموعة الإيجارات الفعلية للسكن 3.5 في المائة، يليه قسم العناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى 3.3 في المائة، مدفوعاً بارتفاع أسعار الأمتعة الشخصية الأخرى 11.9 في المائة، والتي تأثرت بزيادة أسعار قسم المجوهرات والساعات بنسبة 12.9 في المائة. ويليها قسم الترفيه والرياضة والثقافة بنسبة 2.5 في المائة، مدفوعةً بزيادة أسعار مجموعة عروض العطلات 4.5 في المائة.

من جهة أخرى، انخفضت أسعار قسم الأثاث والأجهزة المنزلية والصيانة الدورية للمنزل 0.5 في المائة، وقسم الملابس والأحذية 0.4 في المائة.

المقارنة الشهرية

وعلى أساس شهري، سجل مؤشر أسعار المستهلك في سبتمبر استقراراً مقارنةً بشهر أغسطس الماضي، ويعزى ذلك نتيجة تباين التغيرات في أسعار الأقسام التالية: ارتفاع السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى 0.1 في المائة، مدفوعةً بزيادة أسعار مجموعة الإيجارات الفعلية للسكن بنسبة 0.2 في المائة. كما ارتفعت أسعار قسم الأغذية والمشروبات 0.1 في المائة، والعناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى 0.1 في المائة، وقسم خدمات التعليم 1.2 في المائة.

وفي المقابل، انخفضت أسعار قسم النقل 0.1 في المائة، والمطاعم وخدمات الإقامة بنسبة 0.5 في المائة، والترفيه والرياضة والثقافة 0.6 في المائة، والأثاث والأجهزة المنزلية والصيانة الدورية للمنزل بنسبة 0.2 في المائة.

ويعد قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى المساهم الرئيسي في التضخم السنوي، حيث أسهم بمقدار 0.7 نقطة مئوية، يليها الأغذية والمشروبات بمساهمة قدرها 0.3 نقطة مئوية، بالإضافة إلى مساهمة قسم النقل 0.3 نقطة مئوية، والعناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى بمقدار 0.2 نقطة مئوية، والأقسام الأخرى التي أسهمت بمقدار 0.3 نقطة مئوية.


صندوق النقد الدولي يوفد بعثة إلى لبنان في نوفمبر لمواصلة محادثات الإصلاح

الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)
الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)
TT

صندوق النقد الدولي يوفد بعثة إلى لبنان في نوفمبر لمواصلة محادثات الإصلاح

الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)
الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)

يعتزم صندوق النقد الدولي إيفاد بعثة إلى لبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ لمواصلة المناقشات بشأن معالجة الأزمة المصرفية واستعادة استدامة الدين، في وقت لا تزال فيه ملفات توزيع الخسائر المالية ومساهمة الدولة في المعالجة تتطلب مزيداً من التوافق، في حين يواجه قانون إصلاح المصارف، الذي أقرّ مجلس النواب تعديلاته في أغسطس (آب)، مراجعةً أمام المجلس الدستوري بعد طعن الرئيس جوزيف عون في إحدى مواده.

وقال نائب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، تانوس أرفانيتيس، الخميس، إن مسؤولي الصندوق أجروا مناقشات جيدة مع السلطات اللبنانية خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، واتفقوا على مواصلة المحادثات خلال الأسابيع المقبلة، على أن تزور بعثة من موظفي الصندوق لبنان في نوفمبر.

وكانت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قد أعلنت، عقب اجتماعها مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر في واشنطن أواخر سبتمبر (أيلول)، عن زيارة وفد من صندوق النقد الدولي إلى لبنان لمواصلة المفاوضات ودفعها نحو اتفاق. ورحّبت بالتقدم الذي أحرزته الحكومة في مسار الإصلاحات، مشيدةً بجهودها في إدارة المالية العامة وإعداد الموازنة، والخطوات المتخذة لإصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الانضباط المالي، ومؤكدةً استعداد الصندوق لمواصلة العمل مع السلطات اللبنانية والبناء على ما تحقق.

وكان جابر قد قال، في تصريحات أواخر سبتمبر، إن بلاده تسعى إلى التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي، يمهّد للانتقال إلى برنامج تمويلي متكامل. وأشار إلى أن إقرار قانون إصلاح وإعادة هيكلة القطاع المصرفي شكّل خطوة مهمة في مسار الإصلاحات، لكنه شدد على أن التوصل إلى اتفاق شامل يبقى مرتبطاً بإقرار قانون الفجوة المالية، الذي يحدد آلية توزيع الخسائر الناجمة عن الأزمة المالية.

وأوضح أرفانيتيس أن لبنان يواجه أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، في حين تعرضت البلاد لصدمات استثنائية خلال السنوات الأخيرة. وقال إن الحكومة التي تولت مهامها في فبراير (شباط) 2025 سعت إلى تسريع جهودها لوضع استراتيجية لمعالجة الأزمة، وإن الصندوق أجرى جولات عدة من المناقشات لمساعدتها في صياغة برنامج يعيد البلاد إلى مسار التعافي.

نائب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي تانوس أرفانيتيس يتحدث في مؤتمر صحافي (أ.ف.ب)

وأضاف أن تركيز الصندوق انصبّ، في المقام الأول، على القطاع المصرفي، وتحديداً على معالجة الأزمة المصرفية وإعادة تأهيل القطاع، بما يعيد ثقة الناس في إيداع مدخراتهم في النظام المصرفي، ويمنح المصارف القدرة على توفير الائتمان للاقتصاد، وهو أمر بالغ الأهمية لتحقيق النمو وتعافي البلاد.

وفي الوقت نفسه، ركّز الصندوق على استعادة القدرة على تحمّل الديون، لا سيما أن لبنان متخلّف عن سداد ديونه الخارجية، مشيراً إلى وجود ترابط فعلي بين معالجة الأزمة المصرفية واستعادة القدرة على تحمّل الديون.

وأوضح أرفانيتيس أن المناقشات المتعلقة بالأزمة المصرفية ركزت على قانون معالجة أوضاع المصارف وقانون الفجوة المالية، اللذين يشكلان إطاراً للمضي قدماً في إعادة هيكلة النظام المصرفي. وأشار إلى أن أحد المحاور الرئيسية تمثّل في ضمان توافق قانون الفجوة المالية مع إطار معالجة أوضاع المصارف، وتطبيقه على جميع الحالات بصورة منظمة، بدلاً من ترك الحلول للتقديرات العشوائية.

وأضاف أن الصندوق يحتاج إلى مزيد من الوضوح بشأن مساهمة الدولة في معالجة الأزمة؛ نظراً إلى ارتباطها باستدامة الدين، وضرورة أن تبقى هذه المساهمة ضمن حدود يمكن تحمّلها بما يمكّن لبنان من خدمة ديونه.

وشدد أرفانيتيس على أهمية احترام المعايير الدولية المعترف بها، بما في ذلك التسلسل الهرمي للمطالبات المالية؛ لضمان عدم تحميل المودعين الخسائر قبل الدائنين الذين يتمتعون بأولوية أعلى.

وقال إن هذه هي مجمل المسائل التي يناقشها الصندوق مع السلطات اللبنانية، مؤكداً أن المناقشات مع الوفد اللبناني خلال الاجتماعات السنوية كانت جيدة جداً، وأن الطرفين اتفقا على مواصلتها خلال الأسابيع المقبلة.

وفي هذا السياق، شدد وزير المالية ياسين جابر من بانكوك على أن حماية حقوق المودعين، ولا سيما صغار المودعين، تُشكل حجر الزاوية في التشريعات المالية كافة الجاري بحثها، وفي مقدمتها مشروع قانون معالجة الفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. وأكد جابر أن الانضباط المالي ينبغي أن يمهّد الطريق لإقرار تشريعات عادلة تعيد الثقة بالجهاز المصرفي وتُعزّز قدرته على دعم الاقتصاد، مشيراً إلى أن الوفد اللبناني يُواصل التنسيق المكثف مع صندوق النقد والبنك الدوليين لتأمين التمويل الطارئ ودعم شبكات الحماية الاجتماعية والتعافي الاقتصادي، بما يخفف من الأعباء المعيشية والضغوط الناجمة عن أزمة النازحين والاعتداءات الراهنة في الجنوب.