بانكسي في بيروت... أكبر ثوّار الجدران ضيفاً على مدينة تكاد تتهاوى

معرض «عالم بانكسي» في بيروت (الشرق الأوسط)
معرض «عالم بانكسي» في بيروت (الشرق الأوسط)
TT

بانكسي في بيروت... أكبر ثوّار الجدران ضيفاً على مدينة تكاد تتهاوى

معرض «عالم بانكسي» في بيروت (الشرق الأوسط)
معرض «عالم بانكسي» في بيروت (الشرق الأوسط)

ليس حدثاً عادياً أن يحلّ أكبر ثوّار الجدران ضيفاً على مدينة تكاد تتهاوى جدرانها وأسوارها، إحباطاً وإهمالاً. زائر معرض «عالم بانكسي» في بيروت كمَن يحاول إيقاظ ثورة، لم يبقَ منها سوى بعض الشعارات النائمة على الجسور المتداعية والحيطان الباهتة.
يدخل فنان الغرافيتي الأشهر عالمياً إلى العاصمة اللبنانية من خلال أكثر من 70 لوحة وجداريّة، جالت على كبرى مدن العالم وحطّت رحالها في المدينة المُنهكة، التي هجرتها مؤخراً المعارض العالمية.
في مجمّع ABC التجاري في شارع فردان، ومن بين واجهات محلات الألبسة وطاولات المطاعم والمقاهي، تطلّ لافتة ضخمة نجمتُها «فتاة البالون» الشهيرة... بانكسي هنا إذن، وها هي بطلتُه الصغيرة تدعو العابرين إلى جولة في المعرض.

جدارية «فتاة البالون» (الشرق الأوسط)

معرض بمواصفات عالميّة
غالباً ما سوف يجد الزائر نفسه وحيداً وسط المساحة البيضاء الواسعة، التي تخترقها لوحات بانكسي الصارخة ألواناً ومواقف. بين القاعات الزجاجية المليئة برسوماته، والزوايا التي تُعرض فيها وثائقياتٌ عنه، سيقف وجهاً لوجه مع الفنان الغامض الذي لم يُعرَف له وجهه حتى الساعة. عدد الزوّار الخجول مفهوم، فالمزاج اللبناني الحالي لا يتلاقى في شيء مع بياض الجدران والإضاءة المبهرة.
لكن رغم الظروف الرماديّة والأمزجة الحالكة، لم تتردّد إدارة مجمّع ABC بالتعاون مع متحف بانكسي ومؤسسة «آرت بوث»، في استقدام المعرض لمدّة 6 أشهر وتنظيمه على مستوى عالميّ. فالداخل إلى الردهة المخصصة للعرض، يظنّ لوهلة أنه خطا خارج زمن المدينة الثقيل.
بين اللوحات المعلّقة والرسومات الضخمة التي اجتاحت معظم جدران القاعة وأبوابها، يتوقّع الزائر أن يكون بانكسي قد مرّ من هنا شخصياً. لكنّ الواقع ليس كذلك، إذ إنّ مجموعة من الرسّامين قامت بنسخ أشهر أعمال الفنان البريطاني بما يتناسب مع مقاسات جدران القاعة، وبإشراف فريق متحف بانكسي. الرسومات هي هي، لا يغيب عنها أي تفصيل، حتى وإن غاب الرسّام الحقيقي ريشة وحضوراً.
فجأة تجد نفسك واقفاً أمام الجدار العازل في الضفة الغربية، بالنسخة التي أرادها له بانكسي: حمامة بيضاء لا يقيها غصن الزيتون ولا الدرع من عين القنّاص، فتاة تتعلّق ببالونات لتحلّق فوق الجدار، وطفلٌ يرسم سماءً زرقاء محطّماً الإسمنت الرمادي السميك.


جداريّة «الجدار العازل» (الشرق الأوسط)

ومن الضفة إلى القدس وتجسيدٌ لجداريّة «غضب» أو «رامي الزهور»، وهي أحد أشهر أعمال بانكسي على الإطلاق. كان هذا العمل جزءاً من الجداريات المتعددة التي أنجزها الفنان عندما زار الأراضي المحتلة، وهي زيارة أسست لشعبيته في العالم العربي. استبدل الشاب الذي في اللوحة بالحجارة وقنابل المولوتوف باقة من الزهر، في رسالة سلامٍ أراد بانكسي أن يرميها في وجه العالم من فلسطين.

جداريّة «غضب، رامي الزهور» من معرض بانكسي في بيروت (الشرق الأوسط)

ليست كل مواقف بانكسي سياسية، فالرسّام ناقدٌ لاذع للمجتمع وظواهره. تَراه يصوّر الحب في هذا الزمن على هيئة عناقٍ بين امرأة ورجل يحدّقان بهاتفيهما. جداريّة واحدة تكفي لتنقل الزائر إلى مدينة بانكسي، بريستول البريطانية. فجدران بريستول كانت الشاهدة على أولى رسوماته. صحيحٌ أنه اختار أن يخرج من خلف أبواب منزله ومحترَفه ويرسم في الشوارع وتحت الضوء، إلا أنه اختبأ من عيون الناس ومن عدسات الصحافة، فلم يعرف العالم عنه سوى اسمه ولوحاته الحافلة بالمواقف.


جداريّة «عشّاق الموبايل» من معرض بانكسي في بيروت (الشرق الأوسط)

«لا أعلم لماذا الناس متحمّسون جداً لنشر تفاصيل حياتهم الخاصة، وينسون أن الاختفاء هو قوّة خارقة». بين كل مجموعة وأخرى من الجداريّات واللوحات، تستوقفك عبارات بانكسي باللغتين الإنجليزية والعربية. فالفنان صبّ أفكاره أقوالاً وليس ألواناً فحسب. يقول إن «النجاح التجاري هو علامة فشل بالنسبة لفنان الغرافيتي». كأنه بسطرٍ واحد، ينسف كل ما راكمَه من نجاحات. لا يعرف بانكسي شيئاً عن الاعتداد بالنفس، وهو لم يتخفَّ صدفة وراء تلك الشخصية المتأرجحة بين الواقع والخيال. لم يرغب من الضوء بأي شعاع، ورغم ذلك فهو تفوّق في امتحان الشهرة.

فنّ الغموض والتخفّي
على صفحته على «إنستغرام»، لم ينشر بانكسي أي صورة منذ سنة تقريباً، لكنّ هذا لم يَحُل دون تخطّي عدد متابعيه الـ11 مليوناً. ولعلّ ذلك الغموض الذي يلفّ الفنان من رأسه إلى أطراف أنامله الاستثنائية، هو الذي راكمَ المعجبين به.
حتماً كان اللغز الذي يحيط بشخصيته العامل الأساسي في صناعة هالته، وقد احترف لعبة التخفّي تلك. استثمر الغموض في الترويج لفنّه. هو المجهول المعروف في آنٍ معاً. لا يُعرف له عنوانٌ ولا اسم رسمي ولا ملامح، إنّما يُعرف عنه الكثير من خلال فنّه المعروض أمام كل عابري الشوارع، من الملوك إلى المتشرّدين.
وبالحديث عن الملوك، اشتهر بانكسي منذ انطلاقته في التسعينات، بانتقاداته اللاذعة للنظام والشرطة والرأسمالية. حتى رأس الملكة إليزابيث لم يسلم من يدَيه، إذ استبدل به في إحدى اللوحات عام 2004 رأس الأميرة ديانا. ومن المعروف عن بانكسي أنه يشتري نسخاً عن لوحاتٍ كلاسيكية لرسّامين معروفين، ويُدخل عليها تعديلاته الخاصة، كأن يقصّ جزءاً منها أو يضيفَ عناصر تغيّر معنى اللوحة جذرياً.


نسخة بانكسي المعدّلة للوحة «حصاد السنابل» لجان فرنسوا ميليه


بانكسي أضاف سترات النجاة إلى لوحات قديمة (الشرق الأوسط)
لا تأتي كل التعديلات التي يُدخلها بانكسي إلى اللوحات القديمة من باب التهكّم أو الخفّة، بل هي تحوّلت مؤخراً في اتّجاهٍ هادف. فإلى جانب غموضه وتمرّده وثورته الخاصة، كسب الرسّام شعبيته بسبب التزامه قضايا إنسانية عدّة: يناهض الحروب، يتبرّع للمشرّدين وللمستشفيات، ويحمل لواء قضية المهاجرين غير الشرعيين.
إلى ثلاثيّة لوحاتٍ عائدة إلى الحقبة الرومانسية تُظهر موجاً وشاطئاً، أضاف بانكسي سترات نجاة لفظها البحر على الرمال، في تجسيدٍ واضح لمعاناة اللاجئين الذين يبتلعهم المحيط في معظم الأحيان.
لا يتعاطف مع القضايا الإنسانية رسماً فحسب، بل فعلاً. سنة 2020 موّل الفنان سفينة أبحرت في المتوسّط بهدف إنقاذ مهاجرين غير شرعيين متوجّهين من شمال أفريقيا إلى سواحل أوروبا.
«سباق الإنسانية هو عبارة عن منافسة غير عادلة وحمقاء. كثيرٌ من العدّائين لا يحصلون حتى على أحذية ركض لائقة ولا على مياه شرب نظيفة». هذا هو بانكسي، يصرخ فوق الجدران وبالألوان، باسم البشر غير المحظيين. خاصمَ الأنظمة، لكنه جمع الملايين مستثمراً موهبته وغموضه. وبفضل بعض تلك الملايين، شقّ كوّة أمل في قلوبٍ كاد يحوّلها الحرمان إلى جدران.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

علاج نفسي وسط الدمار... مشاهد افتراضية تُخفف قسوة الحرب عن أطفال غزة

طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)
طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)
TT

علاج نفسي وسط الدمار... مشاهد افتراضية تُخفف قسوة الحرب عن أطفال غزة

طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)
طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)

في مكتب صغير بمدينة غزة، تقف طفلة مرتدية نظارة واقع افتراضي. تسألها المعالجة عمّا تراه، فتعدد ابنة السابعة، رزان، الأشياء التي تظهر أمامها: قطار، وألعاب، وحيوانات، والبحر. تأتي التوجيهات بهدوء: «مدّي يدك نحو المكعب، استخدمي اليد التي تستطيعين مدها، وأخبريني ماذا تشعرين». إنها جلسة علاج، لكنها تبدو كأنها لعبة.

أصيبت رزان العام الماضي عندما خرجت لجلب الماء لعائلتها، إذ سقطت قذيفة إسرائيلية في مكان قريب، واخترقت شظاياها ساقها. تلت ذلك سلسلة من العمليات الجراحية، من بينها محاولة لإعادة بناء الساق، لكنها لم تنجح، ولا تزال الإصابة واضحة للعيان؛ إذ تبدو ساق رزان مشوهة بعد فقدان جزء من اللحم والعضلات.

وأبلغ الأطباء عائلة رزان بأن الإمكانات العلاجية داخل غزة باتت محدودة للغاية، في ظل تضرر المرافق الطبية بشدة جراء عامين من الحرب. وقالوا إن الأمل في تعافٍ حقيقي يكمن في مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج. وبالنسبة لطفلة صغيرة، بدا الخبر كأنه صدمة ثانية.

ترتدي رزان البالغة من العمر 7 سنوات شاشة الواقع الافتراضي في مخيم للنازحين في مدينة غزة (شبكة «سكاي نيوز» البريطانية)

تقول والدتها، رنا أبو حربيد، لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية إن الصدمة كانت قاسية لدرجة أن رزان امتنعت عن الطعام لأيام، ولم تتناول سوى الماء قبل أن تنهار وتُنقل مجدداً إلى المستشفى. ولا تزال الكوابيس توقظها من نومها.

وبعد أشهر من الدعم الذي يقدمه هذا الفريق العلاجي، بدأت حالتها النفسية تتحسن، وإن ببطء ومن دون ضمانات كاملة. تُضيف الأم: «بدأت تتحسن تدريجياً، وراحت تنسى شيئاً فشيئاً، لكن الكوابيس ما زالت تعود، فتستيقظ مذعورة، ترتجف، وتشعر كأن الأرض تتحرك تحتها».

مشاهد خيالية... وأجساد تحمل شظايا

خلال جلسات الواقع الافتراضي، يجلس عدد من الأطفال في دائرة، يرتدون نظارات الواقع الافتراضي ويمسكون بأجهزة تحكم يدوية. ويمنحهم هذا النوع من العلاج إحساساً بالانتقال إلى أماكن جديدة من دون مغادرة مقاعدهم. فجأة، ومن عالم غزة الرمادي المثقل بالركام والغبار والدمار، يجد الطفل نفسه يشاهد حيوانات تتجول، وأسماكاً تسبح، أو شخصيات كرتونية تمرح بسعادة.

في المكتب نفسه، يتحدث الشقيقان أحمد وأمجد، البالغان 17 و13 عاماً، عما تمنحهما إياه هذه الجلسات.

أصيب الشقيقان في الحرب عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية منزلهما. يقول أحمد إنه اندفع في الهواء «مثل قطعة ورق». أصابته شظايا عدة، واستقر بعضها في وجهه، وهو اليوم فاقد إحدى عينيه.

ويضيف أنه ظن أنه سيموت، خصوصاً بعدما قُتل شقيقه التوأم في وقت سابق من العام نفسه، فبات الموت قريباً في إحساسه، أما أمجد فكانت إصاباته أشد خطورة. نُقل مباشرة إلى غرفة العمليات. وبعد الجراحة، لُفّ ببطانية ونُقل إلى مشرحة المستشفى بعدما اعتُقد أنه فارق الحياة، قبل أن يتمكن من تحريك يده، ليؤكد أنه لا يزال حياً.

وتقول والدة أحمد وأمجد، نسمة، إنها استيقظت على الغبار والأنقاض، وكان المكان الذي ينام فيه الصبيان مدفوناً تحت الحجارة. عثرت على أحمد مغطى بالدماء، ولاحظت أن عينه فُقدت، ثم بدأت تبحث عن أمجد معتقدة أنه لا يزال تحت الركام. وبعد أشهر، لا يزال الشقيقان يتلقيان العلاج، فيما لا تزال شظايا مستقرة في جسديهما.

ويؤكد أمجد أن بعض إصاباته تتطلب جراحة خارج غزة، إذ لا يملك الأطباء في القطاع خيارات إضافية لعلاجها. غير أن السفر للعلاج يبدو حلماً بعيد المنال لكثير من العائلات، إذ لا يُسمح يومياً إلا لعدد محدود جداً بمغادرة غزة لتلقي العلاج، في حين ينتظر آلاف آخرون الفرصة نفسها.

الجلسات تُساعد على المشي

تندرج جلسات الواقع الافتراضي ضمن مشروع تديره «تك ميد غزة». وتوضح إحدى العاملات في المشروع، لما أبو دلال، أن الفكرة بدأت بعد ملاحظة أعراض نفسية حادة على طفل جريح رفض الأكل والشرب، وتجنب الناس، وكان يبكي باستمرار.

جُرّبت تقنية الواقع الافتراضي لتخفيف تلك الأعراض، وأظهرت نتائج إيجابية. ومنذ ذلك الحين، تعامل المشروع مع نحو 180 حالة، عبر جلسات منظمة داخل بيئة افتراضية، تتضمن تمارين تنفس ومشي، ومشاهد طبيعية.

وتقول لما إن بعض الأطفال الذين عجزوا عن المشي بسبب الخوف، خطوا خطواتهم الأولى وهم يرتدون النظارة، ما دلّ على أن العائق كان نفسياً لا جسدياً. غير أن العمل يظل محدوداً بالإمكانات المتاحة؛ فعدد النظارات قليل، وإذا تعطلت إحداها لا تتوفر قطع غيار، ولا تصل معدات جديدة، ما يعني أن عدداً أقل من الأطفال يمكنهم الاستفادة من الجلسات.

كل ذلك يجري في ظل واقع أمني هش. فوقف إطلاق النار المعلن أواخر العام الماضي لا يزال قائماً رسمياً، لكنه هش، وتتواصل الضربات، ويسقط قتلى، فيما تبقى الحياة في المخيمات محفوفة بالمخاطر.

وتقول وزارة الصحة في غزة إن إجمالي عدد القتلى منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بلغ 612 شخصاً، إضافة إلى 1640 مصاباً، فضلاً عن 726 حالة انتشال.

في نهاية الجلسة، تخلع رزان النظارة، فيختفي البحر والغابة. في الخارج، لا يزال المخيم على حاله. لبضع دقائق، يكون هؤلاء الأطفال في مكان آخر، ثم يعودون إلى غزة كما هي.


إسرائيل تكثّف ضرباتها «الاستباقية» في لبنان

سكان يعاينون أمس الدمار الذي خلفته ضربة إسرائيلية في قرية بدنايل بوادي البقاع شرق لبنان أول من أمس (إ.ب.أ)
سكان يعاينون أمس الدمار الذي خلفته ضربة إسرائيلية في قرية بدنايل بوادي البقاع شرق لبنان أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تكثّف ضرباتها «الاستباقية» في لبنان

سكان يعاينون أمس الدمار الذي خلفته ضربة إسرائيلية في قرية بدنايل بوادي البقاع شرق لبنان أول من أمس (إ.ب.أ)
سكان يعاينون أمس الدمار الذي خلفته ضربة إسرائيلية في قرية بدنايل بوادي البقاع شرق لبنان أول من أمس (إ.ب.أ)

بالتوازي مع عودة الحديث عن ضربة أميركية وشيكة لطهران، كثفت إسرائيل ضرباتها في لبنان. ويعتقد خبراء ومراقبون أنها استباقية لكبح «حزب الله» عن القيام بأي خطوة «إسناد» عسكري، بعدما سبق أن أكد أمينه العام نعيم قاسم أن الحزب لن يكون على الحياد في حال نشوب حرب جديدة مع إيران.

وقالت مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إنّ اتصالات داخلية وخارجية أُجريت في اليومين الماضيين، لكن لم تسفر عن أجوبة واضحة، كما لم يحصل لبنان على ضمانات بعدم زجّه في أي مواجهة أوسع إذا توسّعت الحرب.

وفي ما يتعلق بموقف «حزب الله»، ذكرت المصادر أن الأجواء التي نُقلت عن رئيس البرلمان نبيه برّي تشير إلى أن {الحزب لن يُقدم على أي خطوة في حال حصول ضربة على إيران}.


رمضان غزة... خروقات إسرائيلية وقتلى وجرحى

إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

رمضان غزة... خروقات إسرائيلية وقتلى وجرحى

إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

واصلت إسرائيل خروقاتها في قطاع غزة، وقتلت فلسطينيين، وأصابت عدداً آخر خلال نهار اليوم الرابع من شهر رمضان المبارك، الذي يمر على السكان وسط ظروف حياتية صعبة بعد عامين من حرب مدمرة.

ومنذ بدء شهر رمضان الحالي، قُتل ما لا يقل عن 5 فلسطينيين، جميعهم سقطوا في مناطق تقع غرب «الخط الأصفر» المشار إليه كخطَ انتشار للقوات الإسرائيلية ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.

وتأتي هذه الخروقات في وقت يعيش فيه سكان قطاع غزة ظروفاً صعبة تتفاقم مع شهر رمضان.

على صعيد آخر، أعلن حسين الشيخ، نائب الرئيس الفلسطيني، أن السلطة الفلسطينية أنشأت رسمياً مكتب الارتباط، برئاسة رئيس الوزراء محمد مصطفى، في رسالة أرسلها، أمس، إلى نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لـ«مجلس السلام» لغزة، وقال فيها إن «المكتب بات جاهزاً للاضطلاع بمهامه كاملة».