آثار «التعويم البطيء» للدولار تترك بصمتها على المصريين

الحكومة تعتبر زيادات الأرز «غير مبررة»... وترقُّب لمسار «العملة الخضراء»

المصريون يترقبون تغير أسعار صرف الجنيه مقابل الدولار (أ.ف.ب)
المصريون يترقبون تغير أسعار صرف الجنيه مقابل الدولار (أ.ف.ب)
TT

آثار «التعويم البطيء» للدولار تترك بصمتها على المصريين

المصريون يترقبون تغير أسعار صرف الجنيه مقابل الدولار (أ.ف.ب)
المصريون يترقبون تغير أسعار صرف الجنيه مقابل الدولار (أ.ف.ب)

داخل متجر السلع الغذائية الكبير بمدينة 6 أكتوبر (جنوب غربي القاهرة)، فوجئت المصرية، سحر محمد (30 عاماً) بغياب ثلاثة أو أربعة أصناف من الأرز المعبأ الذي اعتادت شراءه ضمن قائمة الاحتياجات الشهرية، فضلاً عن رصدها زيادة بأسعار «الأنواع المجهولة» بالنسبة لها ليصل سعر الكيلو منها إلى أكثر من 20 جنيهاً (الدولار 19.18 جنيه مصري) مقابل 15 جنيهاً بالمتوسط قبل شهرين تقريباً.
تقول السيدة التي تعمل مُعلمة في مدرسة خاصة وأم لطفلين، إنها كانت تؤمّن احتياجاتها من الأرز خلال الشهرين الماضيين، لكن ومع بدء نفاد مخزونها من «السلعة الرئيسية» في غذاء أسرتها، وضعتها على بند الاحتياجات، لكنها «صُدمت» بالأسعار الجديدة.
«الزيادة في أسعار الأزر» اعتبرتها الحكومة المصرية، في بيان (الأربعاء) «غير مبررة» وقالت، إنها «أثرت على استقرار السوق، وبما يشكل عبئاً على المواطن المصري كمستهلك»؛ غير أن تلك السلعة ليست وحدها، فمنذ بدء تحرك أسعار سعر الصرف للدولار مقابل الجنيه، شهدت الأسواق المحلية زيادات كبيرة في كل السلع.
ومنذ بداية أسبوع العمل المصرفي في مصر (الأحد)، وحتى يوم (الخميس) سجل الدولار زيادة بنحو 4 قروش مقابل العملة المحلية ليتحرك من 19.14 جنيه إلى 19.18 جنيه، وسط ترقب لما يصفه الخبراء بـ«التعويم البطيء» للجنيه.
وفي تدخل لافت بأسعار السوق، وافق مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) على تحديد سعر الأرز الأبيض، مستنداً إلى قانون «حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية» والذي تنص مواده على أنه «يجوز بقرار من مجلس الوزراء تحديد سعر بيع منتج أساسي أو أكثر لفترة محددة، وذلك بعد أخذ رأي جهاز حماية المنافسة».
وذهب مجلس الوزراء، إلى أنه «بمتابعة السوق المحلية وأسعار السلع والمنتجات الغذائية، تلاحظ في الآونة الأخيرة ظهور عديد من الممارسات التي أدت إلى زيادات غير مبررة في أسعار الأرز على نحو أثر على استقرار السوق وبما يشكل عبئاً على المواطن المصري كمستهلك، أخذاً في الاعتبار أن الأرز سلعة استهلاكية لا يجوز الاستغناء عنها».
كما أفاد «الوزراء»، بأن نتائج دراسة «وزارة التموين» أظهرت، أن «السعر العادل لبيع الأرز الأبيض للجمهور كالتالي: الأرز الأبيض غير المعبأ لا يزيد على 12 جنيهاً، والأرز الأبيض المعبأ لا يزيد على 15 جنيهاً».
ولم يكن الأرز من بين السلع التي تستوردها مصر حتى سنوات قليلة مضت، وظلت توصف بأنها الأكثر إنتاجاً للأرز في أفريقيا، غير أنها أدخلت تعديلات في عام 2018 على قانون الزراعة يمنح سلطة «حظر زراعة الحاصلات كثيفة الاستهلاك للمياه في بعض المناطق»، ومن بينها الأرز.
ومنذ ذلك الحين بدأت مصر استيراد الأرز، في موازاة خفض المساحات المزروعة توفيراً للمياه.
وتأثرت أسعار سلع عدة بالزيادة في مصر، في حين أرجع تجار ومتعاملون بالأسواق الأمر إلى «سعر الدولار» وعدم اليقين في استقرار العملة المحلية، ومنذ تعويم مصر الأول للعملة في عام 2016 قفزت العملة الأميركية بشكل كبير حينها مقابل الجنيه من 8.8 جنيه إلى نحو 19.6 جنيه عقب التعويم مباشرة.
وفي مارس (آذار) الماضي تراجعت قيمة الجنيه مقابل الدولار، وسجل «الأخضر» 18.2 جنيه، بعد 15.6 جنيه، فيما عُرف بـ«التعويم الثاني» للعملة، ومنذ ذلك الحين اتخذ الدولار مساراً تصاعدياً متفاوت السرعة ليبلغ (الخميس) 19.18 جنيه.
ولم يكن الأرز وحده الذي تدخلت الحكومة لضبط توفيره، بالأسواق، إذ اعتمدت سعراً استرشادياً لشراء القمح من المزارعين المحليين بقيمة 1000 جنيه للأردب (توريدات عام 2023)، وذلك وسط أزمة عالمية في تصدير القمح بفعل الحرب الروسية - الأوكرانية.
ويقول مسؤولون مصريون، ومن بينهم وزير المالية، محمد معيط، إن «الأوضاع المالية للدولة مطمئنة، وتسير في الاتجاه الصحيح، وذلك رغم كل الصعوبات وارتفاع تكلفة القمح والبترول والمواد الغذائية»، ومضيفاً أن بلاده «استوعبت تضاعف أسعار السلع عالمياً، وسددت كل الالتزامات في مواعيدها».
كما تواصل البلاد مفاوضاتها مع «صندوق النقد الدولي» بهدف الحصول على قرض جديد لتلافي آثار «جائحة كورونا»، و«حرب أوكرانيا».
بدوره، أعلن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، «زيادة الدعم الاستثنائي للأسر الأكثر احتياجاً على بطاقات التموين إلى 300 جنيه بدلاً من 100»، كما قرر - بحسب وسائل إعلام محلية «التجهيز لحملة إجراءات حماية اجتماعية تصل إلى مليون أسرة خلال سبتمبر (أيلول) المقبل».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)
جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)
جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

أنهى مسؤول عسكري أميركي رفيع المستوى، اليوم الأربعاء، زيارة للجزائر دامت يومين، عقد خلالها لقاءات مع مسؤولين مدنيين وعسكريين محليين، تناولت برامج تمارين حربية مشتركة والأمن والإرهاب في منطقتي الساحل وغرب البحر الأبيض المتوسط.

الوفد العسكري الأميركي بقيادة الأميرال جورج ويكوف بمقر وزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

أجرى الأميرال جورج م. ويكوف، قائد القوات البحرية الأميركية في أوروبا وأفريقيا، زيارته الرسمية الأولى إلى الجزائر، حيث عقد مباحثات مع كبار المسؤولين العسكريين الجزائريين، بهدف تعزيز العلاقات على أعلى المستويات، والخروج بخريطة طريق واضحة وملموسة لمواصلة العمل المشترك، حسب ما رشح من مباحثاته مع كبار مسؤولي وزارة الدفاع الجزائرية، وعلى رأسهم الوزير المنتدب للدفاع، ورئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة.

وفي مقابلة مع صحيفة «الوطن» الجزائرية، نشرت اليوم الأربعاء، أوضح الأميرال الأميركي أن زيارته تهدف إلى الاستماع المباشر لوجهات النظر الجزائرية، ومناقشة آليات تثبيت شراكة مستقرة وموثوقة، إلى جانب المشاركة في احتفالات السفارة الأميركية بالذكرى الـ250 للاستقلال الأميركي.

وأوضح المسؤول الأميركي أن هذه المناسبة «تكتسب أهمية خاصة بتزامنها في بلد يمتلك تاريخاً قوياً في السيادة والكرامة الوطنية، مما يجعلها فرصة لترسيخ قيم الاستقلال وتقرير المصير، وتأكيد شراكة مبنية على الاحترام المتبادل».

إشادة بـ«الاحترافية»

وصف القائد الأميركي العلاقات البحرية بين البلدين بأنها «مهنية وبناءة وتسير في اتجاه إيجابي، وتتجاوز الأنشطة الرمزية إلى خطوات أساسية تخدم الأمن البحري». وتتجلى هذه العلاقات، حسب تصريحاته، في خطوات ملموسة شملت توقف السفن في الموانئ، والتفاعلات في عرض البحر، وتبادل الخبرات بما يسهم في تعزيز المعرفة المتبادلة، وبناء الثقة بين البحارة والقيادات.

رئيس أركان الجيش الجزائري مع قائد القوات البحرية الأميركية في أوروبا وأفريقيا (وزارة الدفاع الجزائرية)

وأكد ويكوف أن الولايات المتحدة تعتبر الجزائر «فاعلاً إقليمياً بارزاً في مجال الأمن، وتحظى بالاعتراف بفضل احترافيتها وخبرتها الواسعة، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب»، معرباً عن «تقدير بلاده لهذه الخبرة ورغبتها في توسيع التعاون العملي والمفيد للطرفين».

وفيما يخص فرص تعزيز التعاون مستقبلاً، يرى الأميرال ويكوف إمكانية توسيع التعاون في عدة مجالات بصورة عملية وملموسة، تتمثل في التمارين والتدريب، وتعزيز الجاهزية العملياتية عبر الأطر متعددة الأطراف، ويبرز هنا تمرين «فينيكس إكسبريس 2026» بوصفه نموذجاً مميزاً تثمن فيه واشنطن المشاركة الجزائرية القوية، حسب ويكوف. والتمرين هو مناورة بحرية دولية تنظم سنوياً بهدف تعزيز التعاون والأمن البحري، وتطوير قدرات المراقبة، واعتراض الأنشطة غير المشروعة في البحر المتوسط.

وزير خارجية الجزائر مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي (وزارة الخارجية الجزائرية)

كما أشار المسؤول العسكري نفسه إلى الابتكار والقدرات البحرية الناشئة، كأحد مجالات التعاون مع الجزائر، بالتركيز على تكنولوجيا الروبوتات البحرية والأنظمة المستقلة، التي تؤدي دوراً متزايداً في المهام المعاصرة، حيث يمثل التمرين فرصة لتبادل الآراء العملياتية في هذا المجال، وفق ما جاء في تصريحاته لـ«الوطن»، مبرزاً أهمية الاتصالات العسكرية المهنية، والتوسع في مشاورات قيادتي أركان الجيش في البلدين، وتبادل الخبراء، والتفاعلات البحرية المنتظمة، بالإضافة إلى بحث إمكانية زيادة زيارات السفن الحربية الأميركية للجزائر، وتكثيف التبادلات حول تطوير القدرات والتكنولوجيات الجديدة.

وبالحديث عن الجانب التنظيمي، أشار الأميرال إلى الأثر الملموس لمذكرة التفاهم العسكرية، الموقعة بين البلدين عام 2025، التي تؤطر التعاون الدفاعي.

شراكة مستدامة

أوضح الأميرال أن هذه الاتفاقية «أسست لإطار عمل واضح، ونقلت العلاقات من نوايا عامة إلى أنشطة مبرمجة ومستدامة». كما ساهمت، حسبه، في تحسين التنسيق بين القوات المسلحة، وضمان استمرارية العلاقات، وبناء قاعدة صلبة للتعاون العملي. مشدداً على أن هذه الاتفاقية «تعكس فهماً مشتركاً بأن الأمن والاستقرار هما الركيزتان الأساسيتان لتحقيق الازدهار والفرص على المدى الطويل، مما يساعد القوات البحرية على أداء دورها في تهيئة هذه الظروف عبر الاحترافية والجاهزية، والشراكة الموثوقة والمستدامة.

سفير الجزائر في واشنطن مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي (السفارة الأميركية بالجزائر)

من جانبه، أكد الفريق أول السعيد شنقريحة في كلمة أثناء استقباله أمس الثلاثاء، الأميرال ويكوف بمقر وزارة الدفاع، أن العلاقات العسكرية الثنائية «تشهد ديناميكية جديدة ومتصاعدة، لا سيما بعد التوقيع على مذكرة تفاهم 2025، وهو ما يتوافق مع إرادة البلدين في بناء شراكة استراتيجية، تقوم على الاحترام المتبادل والحفاظ على المصالح المشتركة».

وأبرز شنقريحة أن الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، وعلى رأسها الزيارة الأخيرة لقائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا في أبريل (نيسان) الماضي، «شكّلت محطة مهمة في مسار تطوير العلاقات الثنائية، من خلال تعزيز آليات الحوار الاستراتيجي، وتكثيف التنسيق حول التحديات الأمنية الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك».

بارجة عسكرية أميركية خلال توقفها في ميناء الجزائر في أكتوبر الماضي (وزارة الدفاع الجزائرية)

في السياق ذاته، أكد رئيس أركان الجيش أن الجزائر «تحرص على توطيد وتوسيع علاقات التعاون مع مختلف الدول، وهي متمسكة بثوابتها الراسخة، وفي مقدمتها مبدأ عدم الانحياز وصون استقلالية قرارها السيادي». وشدد على أن بلاده «ستبقى وفية لإرثها التاريخي، ومعتزة بسيادتها واستقلالها اللذين انتزعتهما بفضل التضحيات الجسام، التي قدمها الشعب الجزائري على امتداد مسيرة كفاحه الوطني من سنة 1830 إلى 1962».


الجنوب الليبي للخروج من «العزلة السياسية» بتكتل «نخب فزان»

اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

الجنوب الليبي للخروج من «العزلة السياسية» بتكتل «نخب فزان»

اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)

في خطوة تعكس حراكاً سياسياً متصاعداً في جنوب ليبيا، أعلن أكاديميون وباحثون وشخصيات اجتماعية ووطنية عن تأسيس «التجمع السياسي الوطني فزان»، في محاولة لإعادة تموضع الإقليم في المشهد الوطني، بعد سنوات من التهميش والصراعات التي جعلت الجنوب، وفق مؤسسي المبادرة، «ورقة تفاوض» أكثر منه شريكاً فاعلاً في» صناعة القرار.

ويأتي الإعلان في وقت تشهد فيه منطقة فزان حالة من الهدوء النسبي مقارنة بسنوات سابقة، وبالتوازي مع جهود قبلية ومجتمعية متواصلة لترسيخ المصالحة بين مكونات الإقليم، الذي يضم العرب والطوارق والتبو، ويُعدّ أحد الأقاليم التاريخية الثلاثة في ليبيا.

منظر للسيول الأخيرة التي ضربت مدينة غات بالجنوب الليبي الذي يشتكي التهميش (الهلال الأحمر الليبي)

وقالت رانيا الصيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهمية المبادرة تكمن في أنها تجمع للمرة الأولى مختلف التيارات السياسية والاجتماعية في فزان تحت إطار واحد.

وأضافت رانيا موضحة أن فزان شهدت خلال الأشهر الماضية «حواراً غير مسبوق جمع شخصيات تنتمي إلى اتجاهات سياسية وفكرية متباينة، من أنصار ثورة فبراير (شباط)، إلى شخصيات محسوبة على النظام السابق، وأنصار النظام الملكي ومستقلين، وتمكنا من الجلوس إلى طاولة واحدة، والاتفاق على تشخيص المشكلات، ووضع تصورات للحلول في إطار وطني».

ويشير البيان التأسيسي للتجمع، الذي صدر الثلاثاء ولم يحمل أسماء المشاركين فيه، إلى أن المشروع الجديد لا يحمل أي أبعاد انفصالية أو جهوية، بل ينطلق من التمسك بوحدة ليبيا وسيادتها، ويهدف إلى معالجة ما وصفه بـ«الاختلالات التنموية والسياسية التاريخية»، التي عانى منها الجنوب، عبر الحوار الوطني والعمل السلمي، وتقديم مبادرات تدعم الاستقرار وبناء الدولة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

وشدد البيان على أن أبواب التجمع مفتوحة أمام جميع أبناء فزان بمختلف توجهاتهم، وانتماءاتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، مع التأكيد على مبدأ الشراكة المتكافئة واحترام التنوع، بصفته أحد عناصر القوة في الإقليم.

ويُنظر إلى الحراك الجديد على أنه محاولة من نخب الجنوب للخروج من دائرة التهميش السياسي والاقتصادي، واستمرار الانقسام الذي اشتكى منه سكان فزان منذ سنوات، وتعثر المسارات السياسية المؤدية إلى انتخابات عامة.

وتشير الصيد إن الجنوب الليبي ظل لسنوات «ضحية للعزلة السياسية والصراع في البلاد»، مبرزة أن فزان استخدمت مراراً كورقة تفاوض بين الأطراف المتنافسة، من دون أن تحظى بتمثيل يعكس ثقلها الجغرافي والاستراتيجي.

كما أوضحت أن النخب المنضوية في التجمع «تسعى إلى تقديم مشروع وطني متوازن، يفتح باب المصالحة الوطنية، ويقوم على احترام الاختلاف السياسي وتوسيع دائرة المشاركة، بعيداً عن سياسات الإقصاء والعزل لبعض التيارات، التي أضعفت كثيراً من المبادرات السابقة».

ويعتقد متابعون أن هذه المبادرة هي بمثابة محاولة من قطاعات في فزان لتسجيل موطئ قدم في ترتيبات مرحلة انتقالية مرتقبة في ليبيا، خصوصاً بعد اقتراح الحوار المهيكل، الذي رعته الأمم المتحدة، ضرورة أن يتم اختيار الحكومة و«المجلس الرئاسي» المقبلين من بين أعضاء «لجنة الحوار»، لولاية محددة لا تزيد على عامين. بموازاة مبادرة منسوبة لواشنطن منذ أشهر لتقاسم السلطة بين الفاعلين الرئيسيين في شرق ليبيا وغربها.

يشتكي عدد كبير من سكان الجنوب الليبي من الافتقار للبنيات التحتية الضرورية (الشرق الأوسط)

كما تأتي هذه المبادرة بعد يوم واحد من الجدل، الذي أثاره إعلان عدد من بلديات المنطقة الغربية والوسطى إنشاء «إقليم الوسطى»؛ وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الأقاليم التاريخية، وشكل الإدارة المحلية ومستقبل اللامركزية في ليبيا.

ورغم تأكيد مؤسسي «التجمع السياسي الوطني فزان» أن مبادرتهم لا تستهدف إنشاء كيان سياسي موازٍ، أو المطالبة بترتيبات خاصة للإقليم، فإنها تعكس اتجاهاً متنامياً لدى مناطق ليبية عدة نحو البحث عن أطر تنظيمية وسياسية، تعزز حضورها في معادلة السلطة والثروة، في ظل استمرار أزمة الدولة المركزية، وتعثر جهود التسوية الوطنية الشاملة.

بهذا الخصوص، يقول الباحث السياسي الليبي محمد الأمين إن «أي تجمع سياسي جاد في الجنوب لا بد أن يتجاوز البيانات والشعارات العامة، ويطرح رؤية عملية لمعالجة أزمات البنية التحتية والصحة، والتعليم والأمن والحدود والخدمات»، مؤكداً أن هذه الملفات «تمثل جوهر مطالب السكان وأساس أي تغيير حقيقي ومستدام».

كما يأتي تأسيس التجمع بالتوازي مع تحركات يقودها «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» لتعزيز السلم الاجتماعي في المنطقة، حيث ناقش رئيس المجلس، الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، خلال اجتماع مع لجنة المصالحة، الثلاثاء، آليات توسيع جهود المصالحة، وتشكيل لجان فرعية في مختلف المناطق لمعالجة النزاعات المحلية، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش.

وأكد نصر أن حالة الاستقرار النسبي، التي تشهدها فزان حالياً، هي ثمرة لتكاتف أبناء المنطقة وجهود المؤسسات الوطنية، داعياً إلى البناء على هذا المناخ لتعزيز الأمن والتنمية.


الاعتداءات على دول الخليج... عائق في مسار تطور العلاقات المصرية - الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

الاعتداءات على دول الخليج... عائق في مسار تطور العلاقات المصرية - الإيرانية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الإيراني في القاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

بينما كانت العلاقات المصرية - الإيرانية تتخذ على مدى العامين الماضيين مساراً تصاعدياً نحو استعادة العلاقات الكاملة، يبدو الآن أن حرب إيران الحالية وما تبعها من اعتداءات نفذتها على دول خليجية تعرقل هذا المسار إلى حد بعيد؛ إذ ترى فيها مصر مخالفة أحد أهم اشتراطاتها لعودة العلاقات كاملة، وهو عدم تهديد أمن الخليج والمنطقة.

وعبْر أكثر من بيان وتصريح رسمي، أدانت مصر بشدة الهجمات والاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج العربي، عادَّةً إياها تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة الدول، وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها.

وفي أحدث هذه المواقف أدانت مصر، الأربعاء، بـ«أشد العبارات الهجمات الإيرانية الآثمة التي استهدفت المملكة الأردنية ومملكة البحرين ودولة الكويت، والتي تمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة هذه الدول الشقيقة وسلامة أراضيها، وتصعيداً بالغ الخطورة من شأنه تهديد أمن واستقرار المنطقة بأسرها»، وفق بيان لوزارة خارجيتها.

وشددت مصر على أن «أمن الدول العربية الشقيقة واستقرارها يمثلان جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي»، مجددة رفضها القاطع لأي أعمال أو ممارسات تستهدف المساس بسيادة الدول أو تهديد أمنها وسلامة أراضيها، ومؤكدة أهمية خفض التصعيد واحترام قواعد القانون الدولي بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.

أما إيران، فتبذل من جانبها جهوداً لاستعادة مسار تطور العلاقات مع مصر. وأعلنت بعثتها بالقاهرة، الاثنين، عن انعقاد لقاء في طهران بين وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة مجتبى فردوسي لبحث مسار العلاقات مع مصر.

وأوضحت في بيان أن فردوسي استعرض خلال اللقاء آخر تطورات العلاقات الثنائية، إلى جانب مسار الاتصالات السياسية والتعاون بين البلدين في عدد من المجالات.

الرئيسان المصري والإيراني ووفدا البلدين على هامش قمة «بريكس» في روسيا أكتوبر 2024 (الرئاسة المصرية)

ووفق البعثة، أكد عراقجي أهمية مواصلة المشاورات الثنائية، وقال إن العلاقات المصرية - الإيرانية شهدت تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وإن «الحوار والتشاور المستمرين بين القاهرة وطهران يمثلان ركيزة مهمة لدعم جهود السلام والاستقرار في الشرق الأوسط».

«الحد الأدنى»

كانت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قد انقطعت عام 1979 قبل أن تُستأنف بعد 11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال. وشهد العامان الماضيان لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة لبحث إمكانية تطوير العلاقات، وهو الأمر الذي حدث بالفعل في مايو (أيار) 2023 بتوجيه رئاسي إيراني لوزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر.

كما انعقدت لقاءات على مستوى وزراء الخارجية، إلى جانب لقاءات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس إيران الراحل إبراهيم رئيسي، ورئيسها الحالي مسعود بزشكيان.

وعن إمكانية تطوير العلاقات بين البلدين في الوقت الحالي، قال وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي: «لا مجال للحديث الآن عن تطور في العلاقات المصرية - الإيرانية؛ فالمنطقة في حالة اضطراب تدفع فقط إلى الحفاظ عن الحد الأدنى من العلاقات؛ حتى يمكن إدارة الموقف وتخفيض حدة التوتر ووقف التصعيد».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر حالياً ليس بالزخم الذي تدَّعيه طهران، فهناك اتصالات وتشاور بالتأكيد، لكن بغرض التعامل الصريح مع المخاوف التي قد تزيد من انفلات الأوضاع في الإقليم، وليس بهدف توطيد العلاقات؛ فمصر ترفض اعتداءات إيران على دول الخليج وأدانت هذا العدوان بشدة، وهي الرسالة التي وصلت إيران التي تسعى حالياً في المقابل لاستعادة التقارب السابق على الحرب».

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره الإيراني بالقاهرة سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

ويقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة طارق فهمي: «القاهرة من حيث المبدأ خلال الفترة التي سبقت الحرب كانت تقترب بحذر من الجانب الإيراني؛ لأن مصر كانت تفتقد الثقة في إيران بمراحل وفترات زمنية معينة. حتى حينما تجاوبت إيران وغيَّرت اسم شارع الإسلامبولي، قاتِل الرئيس أنور السادات، فإن جميع التأكيدات المصرية كانت تقول إن هذا ليس أساس المطالب المصرية لاستعادة العلاقات مع إيران، لكن هناك متطلبات سياسية وأمنية تتعلق بأمن المنطقة، في مقدمتها دول الخليج وعدم التدخل في شؤون الدول العربية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رغم التعهدات الإيرانية بتقديم حسن النية والعمل على تنفيذ المتطلبات المصرية؛ وهو ما دفع العلاقات في مسار التقدم بعض الشيء، جاءت الحرب الإيرانية وما تبعها من صواريخ وجَّهتها إيران نحو دول الخليج، فكانت مصر بطبيعة الحال تقف مع أمن دول الخليج».

«الرسالة وصلت»

وفي اتصالين هاتفيين مع الرئيس الإيراني، في مارس (أذار) ومايو (أيار) الماضيين، شدد السيسي على رفض بلاده القاطع لأي انتهاك لسيادة دول الخليج.

وقال فهمي: «الرسالة وصلت إيران وانتبهت لها، وهي تعمل حالياً على معالجة الأمر لمحاولة استعادة مسار العلاقات مع القاهرة مرة أخرى».

ويرى فهمي أن إيران تريد أن تكون مصر أحد الأطراف الرئيسية في أي تفاوض حالي ومستقبلي مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية «لما لها من مصداقية وانفتاح على الجميع؛ فطهران تعلم أن مسار مفاوضاتها لا يمكن أن يعتمد على باكستان فقط، فضلاً عن رؤيتها لمصر ضابطاً رئيسياً للاستقرار والأمن في المنطقة».

ورغم ذلك، لا يتوقع فهمي أن تعيد القاهرة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع طهران ما لم تلتزم بتحقيق متطلباتها واشتراطاتها. واختتم حديثه قائلاً: «ولن تفعل مصر ذلك إلا في ضوء تحقيق التوازن والاستقرار بمنطقة الخليج والمنطقة ككل».