أزمة الطاقة في أوروبا... الشتاء يقترب والأسعار ترتفع وأعداد الفقراء تتضاعف

منحى تصاعدي للتداعيات يزيد الضغوط على القارة العجوز

ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
TT

أزمة الطاقة في أوروبا... الشتاء يقترب والأسعار ترتفع وأعداد الفقراء تتضاعف

ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)

تعيش أوروبا منذ أشهر أزمات متتالية، فما إن شارفت أزمة الجفاف والحر الشديد على النهاية، حتى بدأت أزمة جديدة أشد خطورة تَلوح في الأفق، تسارع الحكومات الأوروبية لاحتوائها من دون نجاح كبير.
فنقص إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا نتيجة الحرب في أوكرانيا، وهو ما جاء في أعقاب عودة استيقاظ القارة من إغلاقات وباء «كورونا» وزيادة الطلب على موارد الطاقة، فجّر أسعار الغاز والكهرباء في الكثير من الدول الأوروبية التي بدأت تخشى وصول شتاء بارد لن تكون قادرة على تخطيه من دون أضرار بالغة. ومن المقرر أن تتوقف إمدادات الغاز الروسية للسوق الألمانية اليوم (الأربعاء)، ولمدة 3 أيام، وكانت موسكو قد أخطرت برلين من أيام بهذا الإجراء، بحجة الصيانة.
تعد هذه الصيانة، غير المجدولة على خط الأنابيب «نورد ستريم 1» هي الثانية خلال عدة أسابيع، بينما كانت عمليات الصيانة في النصف الأول من شهر يوليو (تموز) الماضي مجدولة. وأظهرت بيانات من منصة معلومات سوق الطاقة «سيبيرجر» أن عملاق الغاز الروسي «غازبروم» سيوقف تدفقات الغاز في خط الأنابيب «نورد ستريم 1» إلى ألمانيا للصيانة لمدة ثلاثة أيام. وأشارت البيانات إلى أن توقف التدفقات سيبدأ الساعة 01:00 بتوقيت غرينتش في 31 أغسطس (آب) ويستمر حتى الساعة 01:00 بتوقيت غرينتش في الثالث من سبتمبر (أيلول) أيلول.

ألمانيا
وعلى الفور، قال المستشار الألماني أولاف شولتس، أمي (الثلاثاء)، إن الإجراءات الحكومية لضمان إمدادات الغاز خلال الشتاء جعلت ألمانيا مستعدة للتعامل مع خفض جديد للشحنات الروسية، قبل يوم واحد من قطع موسكو إمدادات الغاز مدة ثلاثة أيام عبر «نورد ستريم».
وقال شولتس في بيان، إن الاستعدادات تعني أن ألمانيا «في وضع أفضل بكثير من حيث أمن الإمدادات مما كان متوقعاً قبل شهرين، وأنه يمكننا التعامل بشكل جيد مع التهديدات التي نواجهها من روسيا التي تستخدم الغاز كجزء من استراتيجيتها في الحرب ضد أوكرانيا».
تعتمد ألمانيا بشكل كبير على الغاز الروسي خصوصاً في تدفئة المنازل وتشغيل المصانع، فحكومتها تبدو في حيرة حول الطريقة الأفضل لتخفيف العبء على مواطنيها من دون التسبب بإفلاس شركات وإغلاق مصانع.
وقد أقرّت الحكومة حزمة مساعدات أولى تنتهي مع نهاية أغسطس، وتحل مكانها ضريبة جديدة إضافية على الغاز سمحت الحكومة للشركات المزودة بالطاقة بتمريرها إلى المستهلكين. ولكن هذه الضريبة لاقت اعتراضات واسعة خصوصاً أنها ستلغي مفعول الإعفاءات التي كانت قد أقرتها الحكومة سابقاً لمساعدة السكان. وتحت وطأة الضغوط والمخاوف من خروج مظاهرات بدأ الألمان بالاستعداد لها، وعدت الحكومة بمراجعة هذه الضريبة، إلى جانب التعهد بإقرار حزمة مساعدات ثانية قريباً.
ورغم اعتماد ألمانيا على الغاز الروسي لتلبية قرابة 40% من احتياجاتها من الغاز، فهي تبدو واثقة بأنها قادرة على اجتياز الشتاء من دون أضرار كبيرة، علماً بأن روسيا خفضت واردات الغاز إليها بدرجة كبيرة. وحسب الحكومة الألمانية، فإن الغاز الروسي الذي يصل إلى ألمانيا مباشرة عبر خط أنابيب «نورد ستريم 1» يعمل بنسبة 20% من الطاقة القصوى. وفي نهاية هذا الشهر ستغلق روسيا الخط لمدة ثلاثة أيام لإجراء إصلاحات، ولكن ألمانيا تتخوف من أن يبقى الخط مغلقاً بحجج تقنية تختلقها روسيا لزيادة الضغط على ألمانيا وأوروبا مع اقتراب فصل الشتاء.
ولكن رغم ذلك، فإن خزانات الغاز في ألمانيا باتت ممتلئة تقريباً، وهي وصلت إلى 81% من قدرتها الاستيعابية وهي نسبة أعلى من النسبة التي كانت الحكومة تطمح لملئها في نهاية أغسطس. وتقول الحكومة إن هذه الخزانات كافية لتجتاز ألمانيا فصل الشتاء من دون أن تضطر لاتخاذ قرارات جذرية، حتى في حال أوقفت روسيا ضخ الغار كلياً إليها. وحتى الآن اتخذت الحكومة قراراً تدعو فيه لإطفاء الأنوار في المجسمات العامة ليلاً وأنوار المطاعم كذلك بهدف توفير الطاقة، إلى جانب تخفيف التدفئة داخل المباني العامة باستثناء المدارس والمستشفيات، ووقف تدفئة المياه في حمامات الأبنية العامة. وفي أسوأ الحالات، تحضر الحكومة الألمانية لخطط تقنين الغاز تبدأ من المصانع وتصل إلى المنازل.
وقد تحولت ألمانيا منذ بداية الأزمة مع روسيا، إلى النرويج وهولندا بدرجة ثانية للتعويض عن الغاز الروسي. كما تراجعت عن خططها بإغلاق مناجم الفحم الحجري رغم أضرارها البيئية الجسيمة، في محاولة للتعويض عن النقص في الغاز الروسي على المدى القريب. ولم تعد ألمانيا ترفض فكرة تمديد العمل بمفاعلاتها النووية التي تريد إغلاقها نهاية في قرار اتخذته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل بعد كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011.

فرنسا
أما فرنسا التي تعتمد بشكل أساسي على الطاقة النووية أكثر من الغاز فهي كذلك تواجه ارتفاعاً قياسياً في أسعار الطاقة. ولكن ليس فقط بسبب الحرب في أوكرانيا بل بسبب إغلاق نصف معاملها للطاقة النووية تقريباً بهدف الصيانة. وسيبقى بعض هذه المعامل مغلقاً طوال شهرين كاملين، أي حتى بعد بداية فصل الشتاء، ما سيحدّ من قدرة البلاد على إنتاج الطاقة. وتتسببت هذه المشكلات «النووية» في فرنسا بتحويلها من دولة مصدرة للكهرباء إلى مستوردة لها.
وحتى الآن تضع الحكومة سقفاً لرفع الأسعار بـ4% على الشركات المزودة بالطاقة، ما يعني أن الشركات تتحمل الخسائر الناتجة عن ارتفاع الأسعار في السوق العالمية من دون تمريرها بأكملها إلى الزبائن. ولكن هذا السقف تنتهي مدته في نهاية العام، وسيتعين على الحكومة أن تقرر خلال أسبوعين تمديده أم لا، رغم أنها ألمحت إلى عدم قدرتها على تمديده، ما يعني أن الأسعار قد ترتفع بشكل كبير على المستهلكين في مطلع العام القادم.
وتجد معظم الدول الأوروبية نفسها وسط أزمة ارتفاع أسعار خانق للطاقة، من إيطاليا إلى إسبانيا واليونان وحتى دول البلطيق.

بريطانيا
ورغم أن بريطانيا، التي باتت خارج الاتحاد الأوروبي، لا تستورد الغاز من روسيا، فهي تبدو من أكثر الدول الأوروبية تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة التي ارتفع سعرها في السوق العالمية. وقبل أيام، أصدرت الهيئة المنظمة للطاقة في بريطانيا قراراً يسمح للشركات المزودة برفع سقف الأسعار التي تمرر للمستهلكين بنسبة 80% ابتداءً من مطلع أكتوبر (تشرين الأول) القادم. وحسب هذا القرار، فإن معدل الفواتير السنوية للتدفئة والكهرباء سترتفع من 1917 جنيهاً إسترلينياً إلى 3549 جنيهاً إسترلينياً. وقد حذرت منظمات كثيرة من أن عدد «فقراء الطاقة» سيتضاعف في بريطانيا، في دلالة على عدد الأشخاص الذين لن يعودوا قادرين على تدفئة منازلهم بسبب ارتفاع الأسعار.
ورغم أن الحكومة البريطانية أقرت حزمة مساعدات سابقة للمساعدة بتخفيف العبء عن السكان، فإن الحزمة لم تكن كافية. وتنتظر البلاد الآن حكومة جديدة لاتخاذ قرار حول مساعدات إضافية، تتسلم مهامها بعد انتخاب زعيم جديد لحزب المحافظين في الخامس من سبتمبر، ليحل مكان رئيس الحكومة المستقيل بوريس جونسون.
وتراجع الهيئة المنظمة للطاقة سقف الأسعار كل 3 أشهر، ما يعني أن الأسعار قد تعود لترتفع مرة جديدة في مطلع العام المقبل وتصل إلى مستويات قياسية. وبرفع سقف الأسعار، تحاول الهيئة تجنيب إفلاس شركات إضافية مزودة بالطاقة، خصوصاً أن أعداد كبيرة منها أغلقت في الأشهر الماضية بعد أن كانت أسعار الطاقة قد بدأت بالارتفاع حتى قبل الحرب في أوكرانيا نتيجة زيادة تكاليف النقل بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأيضاً بعد تزايد الطلب على موارد الطاقة في أعقاب إعادة الفتح بعد إغلاقات «كورونا».

إسبانيا
وفي إسبانيا اتخذت الحكومة إجراءات شبيهة بتلك التي اتخذتها الحكومة الألمانية للتخفيف من استخدام الطاقة. وحتى قبل وصول فصل الشتاء، أقرت الحكومة استخدام مكيفات الهواء بدرجة لا تقل عن 27 درجة مئوية، وفرضت على الدوائر العامة والمتاجر والمكاتب والمسارح اعتماد ذلك، مستثنية المنازل الخاصة. ويمكن أن تصل درجات الحرارة في بعض المناطق في إسبانيا إلى 40 درجة مئوية في فصل الصيف. كما أقرت الحكومة اعتماد درجة حرارة لا تزيد على الـ19 درجة مئوية في فصل الشتاء لتدفئة المكاتب والمتاجر والمرافق العامة. كما دعت لإطفاء أنوار المحال ليلاً وعدم إضاءة المباني العامة. ورغم أن إسبانيا تستورد القليل جداً من الغاز الروسي، فإنها تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة في السوق العالمية بشكل عام.


مقالات ذات صلة

خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

الاقتصاد خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

يتجه المصرف المركزي الأوروبي الخميس إلى إقرار رفع جديد لمعدلات الفائدة، وسط انقسام بين مسؤوليه والمحللين على النسبة التي يجب اعتمادها في ظل تواصل التضخم والتقلب في أداء الأسواق. ويرجح على نطاق واسع أن يقرّر المصرف زيادة معدلات الفائدة للمرة السابعة توالياً وخصوصاً أن زيادة مؤشر أسعار الاستهلاك لا تزال أعلى من مستوى اثنين في المائة الذي حدده المصرف هدفاً له.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد انقسام أوروبي حول خطط إصلاح قواعد الديون

انقسام أوروبي حول خطط إصلاح قواعد الديون

واجه وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي، يوم الجمعة، اقتراحا من قبل المفوضية الأوروبية لمنح دول التكتل المثقلة بالديون المزيد من الوقت لتقليص ديونها، بردود فعل متباينة. وأكد وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر أن مقترحات المفوضية الأوروبية لمراجعة قواعد ديون الاتحاد الأوروبي «ما زالت مجرد خطوة أولى» في عملية الإصلاح.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد نمو «غير مريح» في منطقة اليورو... وألمانيا تنجو بصعوبة من الركود

نمو «غير مريح» في منطقة اليورو... وألمانيا تنجو بصعوبة من الركود

ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنسبة بلغت 0,1 % في الربع الأول من العام 2023 مقارنة بالربع السابق، بعدما بقي ثابتا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2022، وفق أرقام مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات). بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي برمّته، انتعش نمو الناتج المحلي الإجمالي بزيادة بلغت نسبتها 0,3 % بعد انخفاض بنسبة 0,1 % في الربع الأخير من العام 2022، وفق «يوروستات». وفي حين تضررت أوروبا بشدة من ارتفاع أسعار الطاقة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو ما يغذي تضخما ما زال مرتفعا للغاية، فإن هذا الانتعاش الطفيف للنمو يخفي تباينات حادة بين الدول العشرين التي تشترك في العملة الموحدة. وخلال الأش

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد «النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

«النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

قال مدير صندوق النقد الدولي لمنطقة أوروبا اليوم (الجمعة)، إنه يتعين على البنوك المركزية الأوروبية أن تقضي على التضخم، وعدم «التوقف» عن رفع أسعار الفائدة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». وأوضح ألفريد كامر، خلال إفادة صحافية حول الاقتصاد الأوروبي في استوكهولم، «يجب قتل هذا الوحش (التضخم).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد أوروبا تشتري الوقت لتقليص الديون

أوروبا تشتري الوقت لتقليص الديون

من المقرر أن تحصل دول الاتحاد الأوروبي المثقلة بالديون على مزيد من الوقت لتقليص الديون العامة، لتمكين الاستثمارات المطلوبة، بموجب خطط إصلاح اقترحتها المفوضية الأوروبية يوم الأربعاء. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين: «نحتاج إلى قواعد مالية ملائمة لتحديات هذا العقد»، وأضافت «تمكننا الموارد المالية القوية من الاستثمار أكثر في مكافحة تغير المناخ، ولرقمنة اقتصادنا، ولتمويل نموذجنا الاجتماعي الأوروبي الشامل، ولجعل اقتصادنا أكثر قدرة على المنافسة». يشار إلى أنه تم تعليق قواعد الديون والعجز الصارمة للتكتل منذ أن دفعت جائحة فيروس «كورونا» - حتى البلدان المقتصدة مثل ألمانيا - إلى الا

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

«صندوق النقد» يتحرك لإعداد برنامج تمويل جديد للعراق

شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)
شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)
TT

«صندوق النقد» يتحرك لإعداد برنامج تمويل جديد للعراق

شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)
شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)

يتحرك صندوق النقد الدولي على ثلاثة مسارات اقتصادية متزامنة في المنطقة والاقتصاد العالمي، في وقت تزداد فيه الضغوط الناجمة عن الحرب مع إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة والمالية العامة؛ إذ بدأ التواصل مع السلطات العراقية للإعداد لبرنامج تمويل جديد، فيما يستهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الأخيرة لبرنامج مصر قبل منتصف ديسمبر (كانون الأول)، بالتوازي مع تأكيده أهمية اعتماد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على البيانات الاقتصادية في تحديد مسار السياسة النقدية.

وتعكس هذه الملفات تفاوت التحديات التي تواجه الاقتصادات المعنية؛ فالعراق يواجه ضغوطاً تمويلية حادة بفعل اعتماده الكبير على صادرات الطاقة واضطراب طرق نقلها، بينما يسعى الصندوق إلى استكمال برنامجه القائم مع مصر مع التركيز على التشديد النقدي والانضباط المالي والإصلاحات الهيكلية. وفي الولايات المتحدة وأوروبا، يبرز استمرار حالة عدم اليقين بوصفها عاملاً رئيسياً في قرارات البنوك المركزية.

العراق يطلب دعماً جديداً

أعلن صندوق النقد الدولي، الخميس، أنه يتواصل مع السلطات العراقية تمهيداً لإعداد برنامج تمويل جديد، في وقت تعرض فيه اقتصاد البلاد لضغوط كبيرة جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت أواخر فبراير (شباط)، وأدت إلى اضطرابات إقليمية واسعة، شملت تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية.

ويعتمد العراق بدرجة كبيرة على صادرات النفط، التي يمر معظمها عبر المضيق، ما يجعله عُرضة بصورة مباشرة لأي اضطراب في حركة الشحن أو تراجع في الإيرادات النفطية. وتأتي هذه التداعيات في وقت كانت فيه البلاد تواجه بالفعل قيوداً مالية حادة قبل اندلاع الحرب.

وقالت جولي كوزاك، مديرة الاتصالات في صندوق النقد الدولي، خلال إحاطة صحافية دورية في واشنطن، إن الصندوق يعتزم العمل مع السلطات العراقية لفهم أولوياتها بصورة أفضل، وتحديد كيفية معالجة مواطن الضعف في الاقتصاد، ثم الاتفاق على أفضل السبل التي يمكن للصندوق من خلالها تقديم الدعم عبر برنامج جديد.

وأضافت كوزاك أن العراق يعاني قيوداً شديدة في التمويل، مشيرة إلى أن ضيق قاعدة الإيرادات غير النفطية يزيد الضغوط على التوازنات المالية للدولة.

وكان الصندوق قد توقع، في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 16 في المائة خلال العام الحالي، في تقدير يعكس حجم التداعيات الاقتصادية للحرب واضطراب صادرات الطاقة.

وكانت المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا قد كشفت، خلال الاجتماعات السنوية للصندوق في بانكوك في وقت سابق من الشهر، أن العراق طلب من المؤسسة الدولية إعداد برنامج جديد. ويأتي ذلك بعد انتهاء آخر البرامج الثلاثة الأخيرة التي أبرمها العراق مع الصندوق في عام 2019.

وتُظهر بيانات الصندوق أن العراق يُستحق عليه نحو 428 مليون دولار من مدفوعات الفوائد للصندوق بحلول عام 2030، في وقت تزداد فيه حاجته إلى إدارة ضغوط التمويل والمالية العامة.

وخلال الاجتماعات السنوية نفسها، أشادت غورغييفا بقدرة النمو الاقتصادي العالمي على الصمود في مواجهة الحروب في إيران وأوكرانيا، لكنها حذرت من تفاوت آثار هذه الصدمات، موضحة أن الاقتصادات الأكثر هشاشة تتعرض لضغوط أشد.

مصر تسابق الوقت لاستكمال المراجعة الأخيرة

وفي مصر، قال صندوق النقد الدولي إن بعثته الحالية تستهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، وإحالته إلى المجلس التنفيذي للصندوق للموافقة عليه قبل منتصف ديسمبر، وذلك في إطار المراجعة الأخيرة للبرنامج القائم الذي تنتهي مدته في 15 ديسمبر.

وأوضحت كوزاك أن المناقشات ستركز على الحفاظ على سياسة نقدية متشددة، ومواصلة خطة ضبط أوضاع المالية العامة، بهدف حماية الاستقرار الاقتصادي الكلي الذي عملت مصر على تحقيقه.

وأضافت أن الإصلاحات الهيكلية ستظل محوراً أساسياً في المباحثات، مشيرة إلى أن الغاية منها هي دعم نمو اقتصادي أقوى تقوده استثمارات القطاع الخاص.

ويأتي هذا المسار في وقت تواجه فيه مصر تحديات تتعلق باستدامة الاستقرار الاقتصادي، وسط ضغوط إقليمية وتقلبات في أسواق الطاقة، ما يجعل استكمال المراجعة في الموعد المستهدف مهماً لمسار البرنامج القائم والتفاهمات مع الصندوق.

«النقد الدولي» يؤيد ترقب «الفيدرالي» للبيانات

وعلى صعيد السياسة النقدية الأميركية، قال صندوق النقد الدولي إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يتصرف على نحو مناسب من خلال متابعة البيانات الاقتصادية عن كثب عند تحديد توجهاته النقدية، وذلك بعد يوم من قرار البنك المركزي الأميركي الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير.

وقالت كوزاك إن الصندوق يؤيد بالكامل تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بشأن تركيز البنك على استقرار الأسعار.

وأضافت أن كلاً من مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي يعمل في بيئة تتسم بدرجة مرتفعة من عدم اليقين، بعد أن أبقى البنكان أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعات السياسة النقدية هذا الأسبوع، مشددة على ضرورة متابعة البيانات الاقتصادية بعناية عند اتخاذ القرارات المقبلة.

ويعكس موقف الصندوق أهمية الموازنة بين احتواء التضخم ومراعاة تطورات النمو والظروف المالية، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب واضطرابات أسواق الطاقة تزيد صعوبة التنبؤ بمسار الاقتصاد العالمي.


«المركزي المصري» يرفع الفائدة 100 نقطة أساس لأول مرة منذ مارس 2024

البنك المركزي المصري وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
البنك المركزي المصري وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«المركزي المصري» يرفع الفائدة 100 نقطة أساس لأول مرة منذ مارس 2024

البنك المركزي المصري وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
البنك المركزي المصري وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، الخميس، في أول زيادة منذ مارس (آذار) 2024، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20 في المائة، وسعر عائد الإقراض إلى 21 في المائة.

وقال البنك، في بيان، إن لجنة السياسة النقدية قررت رفع سعر العملية الرئيسية إلى 20.5 في المائة، مقارنة بالمستويات السابقة البالغة 19 في المائة للإيداع و20 في المائة للإقراض.

ويأتي القرار في إطار تحركات البنك المركزي لإدارة السياسة النقدية في ظل التطورات الاقتصادية.


وزير المالية البريطاني يتعهد بخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية

وزير المالية البريطاني جون هيلي يتحدث مع متدربين خلال زيارة لمصنع «رولز رويس» في ديربي وسط إنجلترا يوم 29 أكتوبر 2026 (رويترز)
وزير المالية البريطاني جون هيلي يتحدث مع متدربين خلال زيارة لمصنع «رولز رويس» في ديربي وسط إنجلترا يوم 29 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

وزير المالية البريطاني يتعهد بخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية

وزير المالية البريطاني جون هيلي يتحدث مع متدربين خلال زيارة لمصنع «رولز رويس» في ديربي وسط إنجلترا يوم 29 أكتوبر 2026 (رويترز)
وزير المالية البريطاني جون هيلي يتحدث مع متدربين خلال زيارة لمصنع «رولز رويس» في ديربي وسط إنجلترا يوم 29 أكتوبر 2026 (رويترز)

قال وزير المالية البريطاني جون هيلي إن الحكومة ستعمل على خفض الإنفاق على إعانات الرعاية الاجتماعية، في مسعى لمعالجة أحد أبرز التحديات التي لا تزال تواجه المالية العامة، عقب إعلانه أول موازنة حكومية.

وقال هيلي، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «علينا خفض فاتورة الإعانات، لكن لا يمكن تحقيق ذلك من خلال تخفيضات عشوائية».

ولم يحدد هيلي موعداً لبدء تراجع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، رداً على سؤال عما إذا كان ذلك سيحدث قبل الانتخابات المقبلة، المقررة في موعد أقصاه منتصف عام 2029.

وفي تصريحات للصحافيين لاحقاً، قال رئيس الوزراء آندي بيرنهام إن الحكومة «تعمل بأقصى طاقتها» لخفض فاتورة الإعانات بأسرع ما يمكن.

وتضمنت خطط هيلي الضريبية والإنفاقية دعماً قصير الأجل للأسر المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإيرانية، على أن يُموّل جزء من هذا الدعم من خلال زيادة الضرائب على البنوك والمدخرين ومُلّاك العقارات.

لكن الموازنة لم تتناول تحديات طويلة الأجل، من بينها كيفية رفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل 3 في المائة من الناتج الاقتصادي، وتعويض أثر التضخم على الإنفاق العام، واحتواء فاتورة الرعاية الاجتماعية المتنامية، التي تشمل معاشات التقاعد، إلى جانب الإعانات المقدمة للأشخاص الذين يُعتبرون غير قادرين على العمل بسبب أوضاعهم الصحية.

ومن المتوقع أن تتجاوز تكلفة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية 11 في المائة من الناتج الاقتصادي البريطاني خلال العام الحالي.

ويرى حزب المحافظين المعارض وبعض المستثمرين في السندات أن هذا المستوى من الإنفاق يعكس، حسب تقديراتهم، افتقار حزب العمال بقيادة بيرنهام إلى الإرادة اللازمة لخفض الاقتراض الحكومي.

ومع ذلك، تفاعلت الأسواق عموماً بإيجابية مع الموازنة التي أعلنها هيلي، فيما تراجعت تكاليف الاقتراض الحكومي البريطاني لأجل عشر سنوات، الخميس، إلى أدنى مستوياتها في شهر.

مواجهة بطالة الشباب

وركز هيلي على مشكلة البطالة بين الشباب، قائلاً: «هذا النظام غير مستدام. وأشعر بواجب أخلاقي يفرض عليّ التعامل مع هؤلاء الشباب الذين جرى التخلي عنهم».

وأضاف أن الحكومة ستساعد الشباب العاطلين عن العمل، مع إلزامهم بالاستفادة من الفرص المتاحة أمامهم.

وقال إدوين لاتيمر، كبير الاقتصاديين الباحثين في معهد الدراسات المالية، إن هذا النهج قد يحقق وفورات في الإنفاق، لكنه «أكثر عرضة لعدم اليقين من الخفض المباشر للاستحقاقات أو شروط الأهلية»، مرجحاً أن يستغرق تحقيق الوفورات وقتاً أطول، إذا أمكن تحقيقها فعلياً.

ومن المقرر نشر نتائج مراجعة حكومية لأوضاع الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب المهني، إلى جانب مراجعة أخرى لنظام إعانات الإعاقة، خلال الشهر المقبل.

في المقابل، وجّهت مؤسسة «ريزوليوشن فاونديشن» البحثية، ذات التوجه اليساري، انتقادات إلى هيلي، عادّةً أن الحكومة وزّعت الدعم الرئيسي في الموازنة على نطاق واسع أكثر مما ينبغي، إذ قررت خفض فواتير الطاقة بمقدار 100 جنيه إسترليني (133 دولاراً) لنحو 20 مليون أسرة، للتخفيف جزئياً من الزيادة الحادة في الفواتير الناجمة عن الصراع الأميركي الإيراني.

وقالت روث كيرتس، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة، إن «حتى الأسر التي ستحصل على المساعدة ستواجه فواتير طاقة أعلى مما كانت عليه خلال صدمة أسعار الطاقة السابقة».

وأضافت المؤسسة أن متوسط فواتير الطاقة للأسر من المتوقع أن يرتفع خلال السنة المالية الحالية إلى 1750 جنيهاً إسترلينياً سنوياً، بعد احتساب الدعم الحكومي، بزيادة قدرها 4 في المائة مقارنة بالمستويات المسجلة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.