أزمة الطاقة في أوروبا... الشتاء يقترب والأسعار ترتفع وأعداد الفقراء تتضاعف

منحى تصاعدي للتداعيات يزيد الضغوط على القارة العجوز

ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
TT

أزمة الطاقة في أوروبا... الشتاء يقترب والأسعار ترتفع وأعداد الفقراء تتضاعف

ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)
ستوقف «غازبروم» إمدادات الغاز عبر خط الأنابيب «نورد ستريم» بدءاً من اليوم ولمدة 3 أيام (أ.ف.ب)

تعيش أوروبا منذ أشهر أزمات متتالية، فما إن شارفت أزمة الجفاف والحر الشديد على النهاية، حتى بدأت أزمة جديدة أشد خطورة تَلوح في الأفق، تسارع الحكومات الأوروبية لاحتوائها من دون نجاح كبير.
فنقص إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا نتيجة الحرب في أوكرانيا، وهو ما جاء في أعقاب عودة استيقاظ القارة من إغلاقات وباء «كورونا» وزيادة الطلب على موارد الطاقة، فجّر أسعار الغاز والكهرباء في الكثير من الدول الأوروبية التي بدأت تخشى وصول شتاء بارد لن تكون قادرة على تخطيه من دون أضرار بالغة. ومن المقرر أن تتوقف إمدادات الغاز الروسية للسوق الألمانية اليوم (الأربعاء)، ولمدة 3 أيام، وكانت موسكو قد أخطرت برلين من أيام بهذا الإجراء، بحجة الصيانة.
تعد هذه الصيانة، غير المجدولة على خط الأنابيب «نورد ستريم 1» هي الثانية خلال عدة أسابيع، بينما كانت عمليات الصيانة في النصف الأول من شهر يوليو (تموز) الماضي مجدولة. وأظهرت بيانات من منصة معلومات سوق الطاقة «سيبيرجر» أن عملاق الغاز الروسي «غازبروم» سيوقف تدفقات الغاز في خط الأنابيب «نورد ستريم 1» إلى ألمانيا للصيانة لمدة ثلاثة أيام. وأشارت البيانات إلى أن توقف التدفقات سيبدأ الساعة 01:00 بتوقيت غرينتش في 31 أغسطس (آب) ويستمر حتى الساعة 01:00 بتوقيت غرينتش في الثالث من سبتمبر (أيلول) أيلول.

ألمانيا
وعلى الفور، قال المستشار الألماني أولاف شولتس، أمي (الثلاثاء)، إن الإجراءات الحكومية لضمان إمدادات الغاز خلال الشتاء جعلت ألمانيا مستعدة للتعامل مع خفض جديد للشحنات الروسية، قبل يوم واحد من قطع موسكو إمدادات الغاز مدة ثلاثة أيام عبر «نورد ستريم».
وقال شولتس في بيان، إن الاستعدادات تعني أن ألمانيا «في وضع أفضل بكثير من حيث أمن الإمدادات مما كان متوقعاً قبل شهرين، وأنه يمكننا التعامل بشكل جيد مع التهديدات التي نواجهها من روسيا التي تستخدم الغاز كجزء من استراتيجيتها في الحرب ضد أوكرانيا».
تعتمد ألمانيا بشكل كبير على الغاز الروسي خصوصاً في تدفئة المنازل وتشغيل المصانع، فحكومتها تبدو في حيرة حول الطريقة الأفضل لتخفيف العبء على مواطنيها من دون التسبب بإفلاس شركات وإغلاق مصانع.
وقد أقرّت الحكومة حزمة مساعدات أولى تنتهي مع نهاية أغسطس، وتحل مكانها ضريبة جديدة إضافية على الغاز سمحت الحكومة للشركات المزودة بالطاقة بتمريرها إلى المستهلكين. ولكن هذه الضريبة لاقت اعتراضات واسعة خصوصاً أنها ستلغي مفعول الإعفاءات التي كانت قد أقرتها الحكومة سابقاً لمساعدة السكان. وتحت وطأة الضغوط والمخاوف من خروج مظاهرات بدأ الألمان بالاستعداد لها، وعدت الحكومة بمراجعة هذه الضريبة، إلى جانب التعهد بإقرار حزمة مساعدات ثانية قريباً.
ورغم اعتماد ألمانيا على الغاز الروسي لتلبية قرابة 40% من احتياجاتها من الغاز، فهي تبدو واثقة بأنها قادرة على اجتياز الشتاء من دون أضرار كبيرة، علماً بأن روسيا خفضت واردات الغاز إليها بدرجة كبيرة. وحسب الحكومة الألمانية، فإن الغاز الروسي الذي يصل إلى ألمانيا مباشرة عبر خط أنابيب «نورد ستريم 1» يعمل بنسبة 20% من الطاقة القصوى. وفي نهاية هذا الشهر ستغلق روسيا الخط لمدة ثلاثة أيام لإجراء إصلاحات، ولكن ألمانيا تتخوف من أن يبقى الخط مغلقاً بحجج تقنية تختلقها روسيا لزيادة الضغط على ألمانيا وأوروبا مع اقتراب فصل الشتاء.
ولكن رغم ذلك، فإن خزانات الغاز في ألمانيا باتت ممتلئة تقريباً، وهي وصلت إلى 81% من قدرتها الاستيعابية وهي نسبة أعلى من النسبة التي كانت الحكومة تطمح لملئها في نهاية أغسطس. وتقول الحكومة إن هذه الخزانات كافية لتجتاز ألمانيا فصل الشتاء من دون أن تضطر لاتخاذ قرارات جذرية، حتى في حال أوقفت روسيا ضخ الغار كلياً إليها. وحتى الآن اتخذت الحكومة قراراً تدعو فيه لإطفاء الأنوار في المجسمات العامة ليلاً وأنوار المطاعم كذلك بهدف توفير الطاقة، إلى جانب تخفيف التدفئة داخل المباني العامة باستثناء المدارس والمستشفيات، ووقف تدفئة المياه في حمامات الأبنية العامة. وفي أسوأ الحالات، تحضر الحكومة الألمانية لخطط تقنين الغاز تبدأ من المصانع وتصل إلى المنازل.
وقد تحولت ألمانيا منذ بداية الأزمة مع روسيا، إلى النرويج وهولندا بدرجة ثانية للتعويض عن الغاز الروسي. كما تراجعت عن خططها بإغلاق مناجم الفحم الحجري رغم أضرارها البيئية الجسيمة، في محاولة للتعويض عن النقص في الغاز الروسي على المدى القريب. ولم تعد ألمانيا ترفض فكرة تمديد العمل بمفاعلاتها النووية التي تريد إغلاقها نهاية في قرار اتخذته المستشارة السابقة أنجيلا ميركل بعد كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011.

فرنسا
أما فرنسا التي تعتمد بشكل أساسي على الطاقة النووية أكثر من الغاز فهي كذلك تواجه ارتفاعاً قياسياً في أسعار الطاقة. ولكن ليس فقط بسبب الحرب في أوكرانيا بل بسبب إغلاق نصف معاملها للطاقة النووية تقريباً بهدف الصيانة. وسيبقى بعض هذه المعامل مغلقاً طوال شهرين كاملين، أي حتى بعد بداية فصل الشتاء، ما سيحدّ من قدرة البلاد على إنتاج الطاقة. وتتسببت هذه المشكلات «النووية» في فرنسا بتحويلها من دولة مصدرة للكهرباء إلى مستوردة لها.
وحتى الآن تضع الحكومة سقفاً لرفع الأسعار بـ4% على الشركات المزودة بالطاقة، ما يعني أن الشركات تتحمل الخسائر الناتجة عن ارتفاع الأسعار في السوق العالمية من دون تمريرها بأكملها إلى الزبائن. ولكن هذا السقف تنتهي مدته في نهاية العام، وسيتعين على الحكومة أن تقرر خلال أسبوعين تمديده أم لا، رغم أنها ألمحت إلى عدم قدرتها على تمديده، ما يعني أن الأسعار قد ترتفع بشكل كبير على المستهلكين في مطلع العام القادم.
وتجد معظم الدول الأوروبية نفسها وسط أزمة ارتفاع أسعار خانق للطاقة، من إيطاليا إلى إسبانيا واليونان وحتى دول البلطيق.

بريطانيا
ورغم أن بريطانيا، التي باتت خارج الاتحاد الأوروبي، لا تستورد الغاز من روسيا، فهي تبدو من أكثر الدول الأوروبية تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة التي ارتفع سعرها في السوق العالمية. وقبل أيام، أصدرت الهيئة المنظمة للطاقة في بريطانيا قراراً يسمح للشركات المزودة برفع سقف الأسعار التي تمرر للمستهلكين بنسبة 80% ابتداءً من مطلع أكتوبر (تشرين الأول) القادم. وحسب هذا القرار، فإن معدل الفواتير السنوية للتدفئة والكهرباء سترتفع من 1917 جنيهاً إسترلينياً إلى 3549 جنيهاً إسترلينياً. وقد حذرت منظمات كثيرة من أن عدد «فقراء الطاقة» سيتضاعف في بريطانيا، في دلالة على عدد الأشخاص الذين لن يعودوا قادرين على تدفئة منازلهم بسبب ارتفاع الأسعار.
ورغم أن الحكومة البريطانية أقرت حزمة مساعدات سابقة للمساعدة بتخفيف العبء عن السكان، فإن الحزمة لم تكن كافية. وتنتظر البلاد الآن حكومة جديدة لاتخاذ قرار حول مساعدات إضافية، تتسلم مهامها بعد انتخاب زعيم جديد لحزب المحافظين في الخامس من سبتمبر، ليحل مكان رئيس الحكومة المستقيل بوريس جونسون.
وتراجع الهيئة المنظمة للطاقة سقف الأسعار كل 3 أشهر، ما يعني أن الأسعار قد تعود لترتفع مرة جديدة في مطلع العام المقبل وتصل إلى مستويات قياسية. وبرفع سقف الأسعار، تحاول الهيئة تجنيب إفلاس شركات إضافية مزودة بالطاقة، خصوصاً أن أعداد كبيرة منها أغلقت في الأشهر الماضية بعد أن كانت أسعار الطاقة قد بدأت بالارتفاع حتى قبل الحرب في أوكرانيا نتيجة زيادة تكاليف النقل بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأيضاً بعد تزايد الطلب على موارد الطاقة في أعقاب إعادة الفتح بعد إغلاقات «كورونا».

إسبانيا
وفي إسبانيا اتخذت الحكومة إجراءات شبيهة بتلك التي اتخذتها الحكومة الألمانية للتخفيف من استخدام الطاقة. وحتى قبل وصول فصل الشتاء، أقرت الحكومة استخدام مكيفات الهواء بدرجة لا تقل عن 27 درجة مئوية، وفرضت على الدوائر العامة والمتاجر والمكاتب والمسارح اعتماد ذلك، مستثنية المنازل الخاصة. ويمكن أن تصل درجات الحرارة في بعض المناطق في إسبانيا إلى 40 درجة مئوية في فصل الصيف. كما أقرت الحكومة اعتماد درجة حرارة لا تزيد على الـ19 درجة مئوية في فصل الشتاء لتدفئة المكاتب والمتاجر والمرافق العامة. كما دعت لإطفاء أنوار المحال ليلاً وعدم إضاءة المباني العامة. ورغم أن إسبانيا تستورد القليل جداً من الغاز الروسي، فإنها تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة في السوق العالمية بشكل عام.


مقالات ذات صلة

خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

الاقتصاد خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

خلاف «النسبة» يهيمن على {المركزي} الأوروبي

يتجه المصرف المركزي الأوروبي الخميس إلى إقرار رفع جديد لمعدلات الفائدة، وسط انقسام بين مسؤوليه والمحللين على النسبة التي يجب اعتمادها في ظل تواصل التضخم والتقلب في أداء الأسواق. ويرجح على نطاق واسع أن يقرّر المصرف زيادة معدلات الفائدة للمرة السابعة توالياً وخصوصاً أن زيادة مؤشر أسعار الاستهلاك لا تزال أعلى من مستوى اثنين في المائة الذي حدده المصرف هدفاً له.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد انقسام أوروبي حول خطط إصلاح قواعد الديون

انقسام أوروبي حول خطط إصلاح قواعد الديون

واجه وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي، يوم الجمعة، اقتراحا من قبل المفوضية الأوروبية لمنح دول التكتل المثقلة بالديون المزيد من الوقت لتقليص ديونها، بردود فعل متباينة. وأكد وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر أن مقترحات المفوضية الأوروبية لمراجعة قواعد ديون الاتحاد الأوروبي «ما زالت مجرد خطوة أولى» في عملية الإصلاح.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد نمو «غير مريح» في منطقة اليورو... وألمانيا تنجو بصعوبة من الركود

نمو «غير مريح» في منطقة اليورو... وألمانيا تنجو بصعوبة من الركود

ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنسبة بلغت 0,1 % في الربع الأول من العام 2023 مقارنة بالربع السابق، بعدما بقي ثابتا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2022، وفق أرقام مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات). بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي برمّته، انتعش نمو الناتج المحلي الإجمالي بزيادة بلغت نسبتها 0,3 % بعد انخفاض بنسبة 0,1 % في الربع الأخير من العام 2022، وفق «يوروستات». وفي حين تضررت أوروبا بشدة من ارتفاع أسعار الطاقة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو ما يغذي تضخما ما زال مرتفعا للغاية، فإن هذا الانتعاش الطفيف للنمو يخفي تباينات حادة بين الدول العشرين التي تشترك في العملة الموحدة. وخلال الأش

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد «النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

«النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

قال مدير صندوق النقد الدولي لمنطقة أوروبا اليوم (الجمعة)، إنه يتعين على البنوك المركزية الأوروبية أن تقضي على التضخم، وعدم «التوقف» عن رفع أسعار الفائدة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». وأوضح ألفريد كامر، خلال إفادة صحافية حول الاقتصاد الأوروبي في استوكهولم، «يجب قتل هذا الوحش (التضخم).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد أوروبا تشتري الوقت لتقليص الديون

أوروبا تشتري الوقت لتقليص الديون

من المقرر أن تحصل دول الاتحاد الأوروبي المثقلة بالديون على مزيد من الوقت لتقليص الديون العامة، لتمكين الاستثمارات المطلوبة، بموجب خطط إصلاح اقترحتها المفوضية الأوروبية يوم الأربعاء. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين: «نحتاج إلى قواعد مالية ملائمة لتحديات هذا العقد»، وأضافت «تمكننا الموارد المالية القوية من الاستثمار أكثر في مكافحة تغير المناخ، ولرقمنة اقتصادنا، ولتمويل نموذجنا الاجتماعي الأوروبي الشامل، ولجعل اقتصادنا أكثر قدرة على المنافسة». يشار إلى أنه تم تعليق قواعد الديون والعجز الصارمة للتكتل منذ أن دفعت جائحة فيروس «كورونا» - حتى البلدان المقتصدة مثل ألمانيا - إلى الا

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
TT

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع، في محاولة رابعة منذ اندلاع الحرب في إيران لاحتواء التداعيات الكارثية على الأسواق العالمية. ورغم كثافة هذه اللقاءات، فإن «فقدان الثقة» بدأ يتسلل إلى الأسواق؛ حيث وُصفت الاجتماعات السابقة بأنها مجرد «بيانات للمراقبة» تفتقر للأفعال المباشرة، مما أدى لقفزات جنونية في مؤشرات الخوف العالمي (VIX) التي سجَّلت ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة بنهاية الأسبوع الماضي.

كشف وزير التجارة الفرنسي، سيرغ بابين، عن أن المحور الرئيسي لاجتماع الاثنين سيكون مناقشة «الإطلاق المنسق» لاحتياطات النفط الاستراتيجية.

وتأتي هذه الخطوة محاولةً لتهدئة الأسعار التي سجَّلت تقلبات هي الأعنف منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022. ورغم اتفاق وكالة الطاقة الدولية المبدئي في 11 مارس (آذار) على استخدام المخزونات، فإنَّ الأسواق لا تزال تُشكِّك في القدرة على الصمود طويل الأمد إذا لم يتم التوصُّل إلى حل دبلوماسي ينهي حصار الممرات المائية.

وكان الحراك الدبلوماسي لمجموعة السبع بدأ في 9 مارس باجتماع افتراضي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، وهو اللقاء الذي واجه انتقادات حادة بسبب بيانه الختامي الذي اكتفى بوعود «المراقبة اللصيقة» دون إجراءات ملموسة. وفي اليوم التالي، انتقل الثقل إلى وزراء الطاقة الذين قرَّروا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية التدخل في «مخزونات الطاقة» لتهدئة الأسواق، وهي خطوة حقَّقت استقراراً مؤقتاً سرعان ما تبخَّر أمام تقلبات أسعار النفط العنيفة التي أعادت للأذهان صدمة عام 2022.

كما اجتمع وزراء خارجية مجموعة السبع في الأجواء الهادئة لدير «فو دي سيرناي» التاريخي بفرنسا.

وزراء خارجية مجموعة السبع خلال اجتماع للمجموعة في باريس يوم 27 مارس (إكس)

دبلوماسية «الغرف المغلقة»

خلف الأرقام الاقتصادية، تدور معركة دبلوماسية صامتة؛ حيث اشتكى وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديبول، من «نقص التواصل» بين الحلفاء، كاشفاً عن ترتيبات لاجتماع مباشر «وشيك» بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان؛ بحثاً عن مَخرَج للأزمة، وفق شبكة «سي إن بي سي».

كذلك، أثار استبعاد جنوب أفريقيا من قمة القادة المُقرَّرة في يونيو (حزيران) بمدينة إيفيان الفرنسية توتراً دبلوماسياً كبيراً. وتُشير التقارير إلى ضغوط من إدارة ترمب حالت دون دعوة الرئيس سيريل رامافوزا؛ مما يعزِّز الانطباع بأن نهج «أميركا أولاً» بات يهدِّد فاعلية مجموعة السبع بوصفها أداة للحل الدبلوماسي الدولي.


الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
TT

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية. فقد أعلنت إيران، يوم الأحد، مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مصنعين رئيسيَّين للألمنيوم في الخليج؛ مما زاد من حدة التوترات الاقتصادية في حرب الشرق الأوسط بعد انضمام الحوثيين، المدعومين من إيران، إلى الصراع في اليمن.

إذ أعلنت شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)» - أكبر شركة صناعية غير نفطية في الإمارات - تعرُّض موقعها الحيوي في «الطويلة» بأبوظبي لأضرار جسيمة نتيجة حطام صواريخ باليستية. ويُعد موقع «الطويلة»، الواقع في منطقة خليفة الاقتصادية، ركيزةً عالميةً أنتجت وحدها 1.6 مليون طن من المعدن في عام 2025، بينما يقع المصهر الثاني للشركة في منطقة جبل علي بدبي. وبالتزامن مع ذلك، بدأت شركة «ألمنيوم البحرين» (ألبا) تقييم حجم الأضرار في مرافقها، مما يضع كبار المنتجين في المنطقة أمام تحدٍ وجودي لضمان استمرارية العمليات تحت وطأة التهديد العسكري المباشر.

رغم خطورة الهجمات، فإن شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» كشفت عن تحرك استباقي يتمثَّل في امتلاكها مخزونات ضخمة من المعدن في مواقع «أوفشور» ومستودعات خارجية خارج منطقة النزاع منذ اندلاع الحرب في الشهر الماضي. وتستخدم الشركة هذا المنتج الخارجي حالياً للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء الدوليِّين، وتخفيف حدة الانقطاع الناتج عن استهداف مرافقها المحلية.

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة إيرانية على خزانات وقود في المحرق بالبحرين (أ.ف.ب)

معضلة «الألومينا»

تكمن الخطورة الحقيقية للهجمات الأخيرة في الأرقام التي أوردها «المعهد الدولي للألمنيوم»؛ فمن أصل 29.6 مليون طن مثّلت إجمالي الإنتاج العالمي خارج الصين في عام 2025، أسهمت منطقة الخليج وحدها بنحو 23 في المائة من هذه الكمية (أي ما يعادل 9 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي الكلي البالغ 73.8 مليون طن). هذا التركز الإنتاجي الضخم يعتمد بشكل كلي على مضيق هرمز في حركة استيراد وتصدير مزدوجة. وهنا تبرز مادة «الألومينا» (أكسيد الألمنيوم)، وهي المسحوق الخام الأساسي الذي تستورده المصاهر الخليجية لتحويله إلى معدن صلب.

ويحذر محللو «آي إن جي» من أن المصاهر في المنطقة تمتلك مخزونات من هذه المادة الخام تكفي عادة لـ3 إلى 4 أسابيع فقط. وبما أن المضيق هو الممر الوحيد لدخول سفن «الألومينا»، فإنَّ استمرار إغلاقه سيعني نفاد المادة الخام وتوقف أفران الصهر كلياً، وهو ما يفسِّر حالة «الانكشاف الخطير» للأسواق الغربية التي تعتمد على الألمنيوم الخليجي إمداداً حيوياً لا يمكن تعويضه بسهولة.

«علاوات الحرب» وأزمة الطاقة الأوروبية

وفقاً للتحليلات الفنية، يرفع التصعيد الحالي من «العلاوات السعرية المادية»؛ نتيجة تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن. وتعد أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضة لهذا الانكشاف، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن بدائل، تبرز عقبات كبرى في أوروبا؛ حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 60 في المائة لتصل إلى 50.545 يورو/ميغاواط/ ساعة، مما يجعل إعادة تشغيل المصاهر في آيسلندا وسلوفاكيا غير مجدٍ اقتصادياً للمنتجين الذين لا يملكون مصادر طاقة مستقلة.

عامل يثني قطعة من الألمنيوم باستخدام آلة في قسم الإنتاج بمبنى شركة «جنرال ستامبينغ آند ميتالوركس» في ساوث بيند بإنديانا (رويترز)

السوق الأميركية تحت مقصلة الـ«7 آلاف دولار»

أما في الولايات المتحدة، فقد أدى تقاطع الهجمات الإقليمية مع سياسات دونالد ترمب الجمركية، التي رفعت الرسوم إلى 50 في المائة في يونيو (حزيران) 2025، إلى وضع السوق في حالة اختناق. ومع توجُّه الصادرات الكندية نحو أوروبا، يواجه المستهلك الأميركي سيناريو مرعباً؛ حيث تشير تقديرات «سيكو بنك» إلى أنَّ وصول سعر المعدن في لندن إلى 4 آلاف دولار قد يدفع السعر النهائي في أميركا - شاملاً الرسوم والعلاوات - إلى مستويات قياسية تقترب من 7 آلاف دولار للطن، وهو ما قد يؤدي إلى صدمة في الطلب، ويهدِّد الصناعات المعتمدة على الألمنيوم بالشلل.

ترقب افتتاح الاثنين

تجمع التقارير الصادرة عن «سيتي بنك» و«ستاندرد آند بورز» على أن تعافي السوق لن يكون سريعاً؛ فديناميكيات الشحن والتأمين ستستغرق وقتاً طويلاً للعودة إلى طبيعتها. ومع اقتراب جرس الافتتاح في بورصات المعادن العالمية يوم الاثنين، يسود القلق أوساط المتداولين؛ حيث يتوقع الخبراء قفزةً فوريةً في هذه العلاوات مع بدء التعاملات، مدفوعةً ببيانات الهجمات المباشرة. ويرى المحللون أنَّه حتى دون إغلاق كامل للمضيق، فإنَّ ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن سيجعل أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضةً للضرر، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط لسد العجز في الأسواق المحلية.


خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

ذكرت وكالة «بلومبرغ»، أمس، نقلاً عن مصدر مطلع، أن خط أنابيب النفط السعودي شرق - غرب الذي يوفر للمملكة مخرَجاً في ظل إغلاق مضيق هرمز يضخ النفط بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وأضافت أن صادرات النفط الخام من ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر بلغت 5 ملايين برميل يومياً، مشيرة إلى أن المملكة تصدّر أيضاً ما بين 700 ألف و900 ألف برميل يومياً من منتجات النفط.

وقال أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» لصحافيين في وقت سابق من الشهر الحالي خلال اتصال هاتفي بشأن نتائج الأعمال، إنه من المتوقع أن يصل خط أنابيب النفط شرق - غرب إلى طاقته الاستيعابية الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال أيام بالتزامن مع تحويل العملاء مساراتهم.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، مما حال دون عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم وتسبب في ارتفاع سعر النفط الخام إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.