دمشق طلبت «جدولاً زمنياً» للانسحاب... وأنقرة تتمسك بـ«مناطق آمنة»

«الشرق الأوسط» تنشر تفاصيل الشروط السورية والتركية و«الخطة» الروسية

سوريون يرفعون صور الرئيس بشار الأسد والعلم الروسي وسط دمشق في 22 أغسطس (أ.ب)
سوريون يرفعون صور الرئيس بشار الأسد والعلم الروسي وسط دمشق في 22 أغسطس (أ.ب)
TT

دمشق طلبت «جدولاً زمنياً» للانسحاب... وأنقرة تتمسك بـ«مناطق آمنة»

سوريون يرفعون صور الرئيس بشار الأسد والعلم الروسي وسط دمشق في 22 أغسطس (أ.ب)
سوريون يرفعون صور الرئيس بشار الأسد والعلم الروسي وسط دمشق في 22 أغسطس (أ.ب)

أظهرت المحادثات الأمنية بين مدير مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك ومدير الاستخبارات التركية حقان فيدان، في موسكو، استمرار الفجوة بين الجانبين, في إطار الجهود الروسية لتشجيع الطرفين على تطبيع العلاقات.
وحسب قول مصادر روسية وغربية وعربية لـ«الشرق الأوسط»، فإن مملوك وفيدان قدما لائحة طويلة من المطالب. وتضمنت مطالب دمشق احترام السيادة السورية، ووضع جدول زمني للانسحاب التركي، ووقف دعم الجماعات المسلحة، وإعادة إدلب واستعادة السيطرة على معبر باب الهوى، وفتح طريق «إم 4» الذي يمتد من البحر المتوسط غرباً إلى العراق شرقاً، ومساعدة دمشق على تخطي العقوبات الغربية والعودة إلى الجامعة العربية والمنظمات الدولية وإعمار سوريا واستعادة السيطرة على الثروات الطبيعية من نفط وغاز شرق الفرات.
أما مطالب أنقرة، فتشمل: عملاً جدياً ضد «حزب العمال الكردستاني» والتعاون الأمني في البلدين لضبط الحدود، ومفاوضات مع المعارضة السورية المدعومة من تركيا للوصول إلى تسوية، وعودة اللاجئين، وإنشاء مناطق آمنة في حلب وجيوب أخرى شمال سوريا بعمق 30 كلم، وتسهيل عمل اللجنة الدستورية السورية. ويواصل الجانب الروسي وساطته لردم الفجوة والبناء على اهتمام الجانبين بالبحث عن «تنسيق ضد الأكراد والحركات الانفصالية»، ويقترح وضع «خطة عمل» وتطوير اتفاق أضنة لعام 1998.
إلى ذلك، وقع الرئيس بشار الأسد مرسوم تعيين نائب وزير الخارجية بشار الجعفري سفيراً في موسكو، التي قررت استعجال الموافقة الدبلوماسية، ما يفتح الباب أمام تعزيز الوساطة.
... المزيد


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

Iran Negotiator Ghalibaf Says Hormuz Will Not Open until US Meets Demands

Iran's parliamentary Speaker Mohammad Bagher Qalibaf speaks during a news conference in Beirut on Oct. 12, 2024. (AP)
Iran's parliamentary Speaker Mohammad Bagher Qalibaf speaks during a news conference in Beirut on Oct. 12, 2024. (AP)
TT

Iran Negotiator Ghalibaf Says Hormuz Will Not Open until US Meets Demands

Iran's parliamentary Speaker Mohammad Bagher Qalibaf speaks during a news conference in Beirut on Oct. 12, 2024. (AP)
Iran's parliamentary Speaker Mohammad Bagher Qalibaf speaks during a news conference in Beirut on Oct. 12, 2024. (AP)

Iran's top negotiator Mohammad Bagher Ghalibaf said on Tuesday that the strategic Strait of Hormuz will not be opened until the United States meets Tehran's demands, including lifting a naval blockade.

"I want to state clearly that the Strait of Hormuz will not be opened until the American commitments stipulated in the memorandum of understanding... are implemented," Ghalibaf said in a speech broadcast on state television.

He listed the removal of the blockade, the lifting of oil sanctions and unfreezing of Iran's assets abroad among the demands, which were included in an Iran-US truce in June that later collapsed, reported AFP.

War between Iran and the United States broke out on February 28 after US-Israeli attacks on the Iranian republic, triggering a conflict across the region.

Diplomatic efforts have since April 8 put an end to intense bombardments, but sporadic clashes have persisted, especially in and around the Strait of Hormuz.

Iran has kept control of the strait, a vital global energy conduit, since the war broke out, requiring vessels to seek permission and pay transit service fees -- a move opposed by Washington and several regional countries.

Iran and Oman, both coastal states on Hormuz, have for weeks been discussing the future of navigation through the strait, with Tehran saying the geographical coordinates of the route envisaged by both countries "have been agreed upon".

On Monday, Iran said that talks were "continuing in a serious manner" and views were being exchanged on the text of a "joint statement".

US President Donald Trump called for Tehran to surrender in a war that has become a growing political burden at home.

Ghalibaf during his speech said Iran was "ready to inflict an even more crushing defeat on the enemy, proportionate to its actions and advances".


«نومورا»: جودة أرباح الشركات مفتاح جذب مزيد من الاستثمار الأجنبي للسوق السعودية

امرأة سعودية تسير في مقر سوق الأسهم السعودية في الرياض (رويترز)
امرأة سعودية تسير في مقر سوق الأسهم السعودية في الرياض (رويترز)
TT

«نومورا»: جودة أرباح الشركات مفتاح جذب مزيد من الاستثمار الأجنبي للسوق السعودية

امرأة سعودية تسير في مقر سوق الأسهم السعودية في الرياض (رويترز)
امرأة سعودية تسير في مقر سوق الأسهم السعودية في الرياض (رويترز)

تدخل سوق الأسهم السعودية مرحلة جديدة من الانفتاح على المستثمرين الدوليين، ولكن جذب مزيد من رأس المال الأجنبي لن يتوقف على تخفيف قيود الملكية وحده، وفق «نومورا لإدارة الأصول».

ويرى العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط في «نومورا لإدارة الأصول»، طارق فضل الله، في مقابلة مع «الشرق بلومبرغ»، أن تطور نماذج أعمال الشركات السعودية وتحسُّن جودة أرباحها وتوزيعاتها، يمثل العامل الأهم في زيادة المخصصات الأجنبية. ويقول إن السوق قطعت شوطاً مهماً في تحسين مقوماتها الاستثمارية، ما يعزز قدرتها على استقطاب رأس المال طويل الأجل.

وقال فضل الله، إن المستثمرين يبحثون عن شركات قادرة على تحقيق أرباح مستدامة وعالية الجودة، إلى جانب توزيعات أرباح جاذبة، معتبراً أن السوق السعودية بدأت بالفعل تتحسن في هذه الجوانب.

وأضاف أن نماذج أعمال الشركات وجودة أرباحها التشغيلية ومصداقية إداراتها أصبحت أفضل بكثير مما كانت عليه في السابق، وهو ما يرفع جاذبيتها أمام المستثمرين الدوليين.

وتأتي رؤية «نومورا» في وقت عاد فيه ملف رفع حدود الملكية الأجنبية إلى واجهة اهتمام المستثمرين، بالتزامن مع التغيير القيادي في هيئة السوق المالية. ووفق مذكرة حديثة لـ«مورغان ستانلي»، فإن رفع سقف الملكية الأجنبية إلى 75 في المائة يمكن أن يولِّد تدفقات سلبية إلى الأسهم السعودية بنحو 4.3 مليار دولار، بينما قد تصل إلى 7.4 مليار دولار في حال إلغاء القيود كاملة.

ويبرز «مصرف الراجحي» بوصفه أحد أكبر المستفيدين المحتملين؛ إذ قد يستقطب تدفقات تتراوح بين 2.1 و4.6 مليار دولار وفق السيناريوهات التي طرحها البنك.

إزالة القيود لا تخلق الطلب

لكن فضل الله يضع هذه التقديرات في إطار أوسع، مؤكداً أن فتح الباب أمام رأس المال الأجنبي لا يعني بالضرورة دخوله. وقال إن «تحرير القيود بحد ذاته لا يخلق الطلب»، موضحاً أن المستثمر الدولي سيزيد انكشافه على السوق عندما يجد فرصاً تحقق عوائد مناسبة، وتجمع بين النمو والاستدامة والتقييمات الجاذبة.

وبذلك، يمكن للإصلاحات التنظيمية أن تسهِّل الوصول إلى السوق، ولكنها لا تحسم قرار الاستثمار الذي يرتبط في النهاية بجاذبية الأصول نفسها.

ويقلل فضل الله كذلك من أهمية سقف الملكية الحالي، بوصفه العائق الرئيسي أمام التدفقات الأجنبية؛ مشيراً إلى أن المستثمرين الدوليين لا يقتربون في الأساس من الحدود القصوى للملكية في الشركات السعودية المدرجة.

وقال إن المستثمرين الأجانب «بعيدون جداً» عن الوصول إلى هذه الحدود، ما يجعل النقاش حول رفع السقف من 49 إلى 75 أو حتى 99 في المائة أقل أهمية من تحسين جاذبية الشركات نفسها.

ويشير فضل الله إلى أن التحسن في نماذج أعمال الشركات السعودية يأتي بالتوازي مع التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة، والتي تفتح فرصاً جديدة في قطاعات مثل السياحة والترفيه والرعاية الصحية، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بـ«رؤية السعودية 2030».

ومن شأن توسع هذه القطاعات وظهور شركات قادرة على تحقيق نمو مستدام أن يمنح المستثمرين الدوليين خيارات أوسع لبناء مخصصات طويلة الأجل في السوق السعودية، بدلاً من الاقتصار على رهانات قصيرة الأجل مرتبطة بالتدفقات أو تغييرات المؤشرات.

ورغم تحسن أساسيات الشركات، يرى فضل الله أن المخاطر الجيوسياسية تظل من العوامل التي قد تؤثر في قرارات المستثمرين الدوليين؛ خصوصاً في ظل حالة عدم اليقين الإقليمي.

لكن على المدى الأبعد، تبدو المعادلة أكثر ارتباطاً بقدرة السوق على الجمع بين سهولة الوصول، وجودة الأصول، والتقييمات الجذابة والعوائد المستدامة.


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينسى المريض؟

حين تتعلّم الخوارزمية كيف تنسى
حين تتعلّم الخوارزمية كيف تنسى
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينسى المريض؟

حين تتعلّم الخوارزمية كيف تنسى
حين تتعلّم الخوارزمية كيف تنسى

تخيّل مريضاً وافق قبل سنوات على استخدام بياناته الطبية في تدريب نظام ذكي يساعد الأطباء في اكتشاف الأمراض. وهكذا دخلت صوره وفحوصه وتاريخه المرضي ضمن آلاف، وربما ملايين، السجلات التي استخدمت لبناء النموذج. ثم غيّر رأيه، وطلب سحب موافقته وحذف بياناته.

في قاعدة البيانات التقليدية يبدو الحل بسيطاً: يُحذف السجل وتنتهي القصة. لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون النظام قد تعلّم بالفعل من تلك البيانات؛ فأثناء التدريب لا يحتفظ النموذج بالضرورة بسجل المريض كما تفعل قاعدة البيانات، بل تتغير معاملاته الداخلية استناداً إلى الأنماط التي استخلصها. وهكذا يمكن حذف الملف الأصلي، بينما يبقى جزء من أثره الإحصائي فيما تعلّمته الخوارزمية.

عندما لا يكفي زر «الحذف»

هل يمكن حذف ما تعلّمته الآلة أيضاً؟ هذا هو السؤال الذي طرحه باحثون في دراسة تحليلية حديثة نُشرت في 18 يوليو (تموز) 2026، في دورية «إن بي جيه ديجيتال ميديسن» (npj Digital Medicine)، التابعة لمحفظة «نيتشر» (Nature Portfolio)، بعنوان «محو التعلّم الآلي بوصفه ضرورة لحوكمة الذكاء الاصطناعي السريري».

وتناقش الدراسة مفهوم «محو التعلّم الآلي» (Machine Unlearning)، أي محاولة إزالة تأثير بيانات محددة من نموذج سبق تدريبه، من دون الحاجة بالضرورة إلى إعادة تدريبه بالكامل من نقطة الصفر.

وإذا نجحت هذه الفكرة عملياً، فقد تضيف إلى الطب الرقمي قدرة لم تكن جزءاً تقليدياً من تصميم الخوارزميات: ألّا تتعلم فقط، بل أن تعرف أيضاً كيف تنسى.

ما «محو التعلّم»؟

يقوم تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على استخلاص أنماط وعلاقات إحصائية من كميات كبيرة من البيانات، ثم ترميز ما تعلّمته بصورة موزعة داخل معاملات النموذج، بحيث يستطيع لاحقاً استخدامها في التصنيف أو التنبؤ أو دعم التشخيص.

أما «محو التعلّم» فيحاول السير في الاتجاه المعاكس: إزالة أثر بيانات بعينها بعد أن يكون النموذج قد تعلّم منها بالفعل. والهدف، بدلاً من إعادة التدريب من نقطة الصفر كلما طُلب حذف سجل، هو تعديل النموذج بحيث يصبح سلوكه قريباً قدر الإمكان من نموذج افتراضي لم يتدرب على تلك البيانات أصلاً. ويُعرف هذا النموذج المعاد تدريبه من دون البيانات المطلوب حذفها أحياناً بأنه «المعيار الذهبي» الذي تُقارن به فاعلية عملية المحو.

والفرق هنا جوهري؛ فحذف صورة أشعة أو نتيجة فحص من قاعدة البيانات لا يضمن اختفاء تأثيرها من النموذج الذي سبق أن تدرب عليها؛ لأن أثرها قد يكون توزع بالفعل عبر عدد كبير من معاملاته الداخلية.

ويمكن تشبيه ذلك بتمزيق صفحة من كتاب بعد أن يكون القارئ قد حفظ محتواها: اختفت الصفحة، لكن المعلومة لم تختفِ بالضرورة من الذاكرة.

حين يصبح النسيان ضرورة طبية

لماذا يحتاج الطب إلى «النسيان»؟

الحاجة إلى النسيان لا تبدأ أو تنتهي عندما يغيّر مريض رأيه ويسحب موافقته على استخدام بياناته؛ فقد يتبين بعد التدريب أن بعض السجلات احتوت على أخطاء، أو أن صوراً طبية صُنفت بتشخيص غير صحيح، أو أن مجموعة سكانية لم تُمثَّل بصورة متوازنة. وفي حالات أخرى، قد لا تكون المشكلة في البيانات نفسها، بل في أن المعرفة الطبية التي استندت إليها تغيّرت.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في الطب؛ فالمعرفة السريرية ليست ثابتة. كما أن توصيات العلاج تتبدل مع ظهور تجارب وأدلة جديدة، وقد تُراجع ممارسات كانت مقبولة عندما جُمعت البيانات التي تعلم منها النظام.

ويستشهد الباحثون بجائحة «كوفيد-19» بوصفها مثالاً واضحاً، حين تغيرت الأدلة والتوصيات العلاجية بسرعة استثنائية؛ فإذا تعلم نموذج طبي من ممارسات ثبت لاحقاً أنها غير مناسبة، فإن مجرد إضافة بيانات أحدث قد لا يجيب دائماً عن سؤال أكثر صعوبة: هل يمكن إزالة أثر المعرفة التي لم نعد نريد للنظام أن يعتمد عليها؟

وهنا يكتسب «محو التعلّم» وظيفة تتجاوز حذف البيانات؛ فقد يصبح أداة لتصحيح الذاكرة السريرية للنموذج عندما يتغير العلم نفسه.

حين يصبح الحق في النسيان تحدياً للخوارزمية

هل يملك المريض حقاً في أن تنساه الخوارزمية؟

تزداد المسألة تعقيداً عندما تنتقل من علوم الحاسوب إلى القانون وحقوق المريض؛ فاللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR) تمنح الأفراد، بموجب المادة 17 وفي ظروف محددة، حق طلب محو بياناتهم الشخصية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الحق في المحو» أو «الحق في أن يُنسى».

لكن النماذج الذكية تطرح مشكلة لم تكن قواعد البيانات التقليدية مصممة للتعامل معها؛ فإذا دخلت بيانات المريض بالفعل في عملية التدريب، فإن حذف السجل الأصلي لا يجيب بالضرورة عن سؤال آخر: ماذا عن الأثر الذي تركته تلك البيانات داخل النموذج؟

وتشير الدراسة إلى أن مدى انطباق التزامات المحو على معاملات النماذج المدربة، لا يزال مسألة قانونية غير محسومة بالكامل؛ فالمعلومة الأصلية قد لا تبقى محفوظة في موضع محدد يمكن ببساطة العثور عليه وحذفه، وإنما قد يكون تأثيرها موزعاً عبر بنية النموذج.

وهنا تظهر فجوة جديدة بين الحق القانوني في حذف البيانات والقدرة التقنية على جعل الخوارزمية تتصرف كما لو أنها لم تتعلم منها أصلاً. إنها منطقة يلتقي فيها الطب وعلوم الحاسوب والقانون، بينما لا تزال حدود «حق المريض في النسيان الرقمي» قيد التشكل.

النسيان ليس بلا مخاطر

لكن جعل النموذج ينسى ليس عملية بلا ثمن؛ فإزالة أثر مجموعة من البيانات قد تغير سلوكه بطرق تتجاوز المعلومات المستهدفة نفسها، وربما تؤثر في قدرته على التمييز بين الحالات أو في «معايرته»؛ أي مدى تطابق الاحتمالات التي يتنبأ بها مع النتائج التي تحدث فعلياً.

وقد لا يتوزع هذا التأثير بالتساوي؛ فعملية تبدو ناجحة عند قياس الأداء العام قد تترك أثراً أكبر لدى فئة معينة من المرضى، خصوصاً إذا كانت ممثلة أصلاً بعدد محدود من الحالات.

لذلك، يحذر الباحثون من التعامل مع محو التعلّم بوصفه «زر حذف»؛ فبعد أي تعديل جوهري ينبغي إعادة اختبار النموذج، ومقارنة أدائه بالنسخة السابقة، والتحقق من عدم ظهور آثار جانبية غير مقصودة، مع الاحتفاظ بإمكانية الرجوع إلى إصدار سابق إذا فشلت العملية.

ومن هنا تطرح الدراسة مفهوماً مهماً هو «الاستعداد لمحو التعلّم» (Unlearning Readiness): أي أن تُصمم الأنظمة الطبية منذ البداية بحيث يمكن لاحقاً تحديد البيانات المطلوب نسيانها، وإزالة أثرها، ثم التحقق من نجاح العملية وتوثيق ما تغير.

وبذلك يصبح «النسيان» خاصية ينبغي التفكير فيها عند بناء النموذج، لا بعد أن تظهر الحاجة إليها.

من «النموذج الثابت» إلى دورة حياة مستمرة

يغير «محو التعلّم» أيضاً الطريقة التي ننظر بها إلى الأنظمة الطبية بعد اعتمادها؛ فالنموذج لا ينبغي أن يُعامل منتجاً ثابتاً يحصل على الموافقة ثم يبقى على حاله؛ فالبيانات تتغير، والأدلة الطبية تتطور، وقد تُكتشف أخطاء جديدة، أو يسحب مرضى موافقتهم على استخدام معلوماتهم.

لذلك تقترح الدراسة التعامل معه ضمن دورة حياة مستمرة تبدأ بمعرفة مصدر البيانات وإمكانية تتبعها، وتمر بإدارة إصدارات النموذج وتحديد الظروف التي تستدعي إزالة أثر معلومات معينة، ثم اختبار النسخة المعدلة قبل استمرار استخدامها سريرياً.

وهذا يعني أن السؤال عند اعتماد نظام طبي جديد لا ينبغي أن يكون فقط: كيف تعلّم؟ بل أيضاً: هل نعرف كيف نصحح ما تعلّمه إذا اكتشفنا لاحقاً أنه لم يعد صالحاً؟

وتصبح الحوكمة، بهذا المعنى، إدارةً لدورة حياة الذكاء الاصطناعي الطبي، وليست موافقة تنظيمية تُمنح مرة واحدة عند دخوله المستشفى.

حين يصبح النسيان شكلاً من أشكال الحكمة

السؤال المقبل للذكاء الاصطناعي الطبي

قضينا السنوات الماضية نحاول بناء أنظمة تستطيع التعلم من أكبر قدر ممكن من البيانات. لكن الطب قد يحتاج الآن إلى قدرة مختلفة: أن تعرف الآلة ماذا يجب أن تنسى، ومتى، وكيف تثبت أنها نسيته من دون الإضرار بما تعلمته بصورة صحيحة. وقد كتب الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه قبل أكثر من قرن أن «النسيان ليس مجرد قوة خمول... بل قدرة فاعلة وإيجابية». كان يتحدث عن العقل الإنساني، لا عن الخوارزميات، لكن عبارته تكتسب اليوم معنى تقنياً لم يكن من الممكن تصوره في عصره؛ فبعد سنوات انصب فيها الاهتمام على كيفية تعليم الآلة، قد تبدأ المرحلة المقبلة بالسؤال عن كيفية جعلها تتراجع عما تعلمته عندما يصبح ذلك ضرورياً. وربما لا تُقاس ذاكرة الآلة بما تستطيع الاحتفاظ به فقط، بل بما تستطيع أن تنساه عندما يصبح التذكّر خطأً.

ففي الطب، قد لا يكون النسيان نقيضاً للتعلّم؛ بل أحد شروط استمرار التعلّم بصورة صحيحة.