«جنون القمح» يدفع العالم للبحث عن بدائل

أكبر انخفاض للاستهلاك في عقود مع ارتفاع الأسعار

تشهد أسواق القمح العالمية أكبر انخفاض للاستهلاك في عقود مع ارتفاع الأسعار واتجاه المستهلكين للبحث عن بدائل أرخص (رويترز)
تشهد أسواق القمح العالمية أكبر انخفاض للاستهلاك في عقود مع ارتفاع الأسعار واتجاه المستهلكين للبحث عن بدائل أرخص (رويترز)
TT

«جنون القمح» يدفع العالم للبحث عن بدائل

تشهد أسواق القمح العالمية أكبر انخفاض للاستهلاك في عقود مع ارتفاع الأسعار واتجاه المستهلكين للبحث عن بدائل أرخص (رويترز)
تشهد أسواق القمح العالمية أكبر انخفاض للاستهلاك في عقود مع ارتفاع الأسعار واتجاه المستهلكين للبحث عن بدائل أرخص (رويترز)

يتجه الاستهلاك العالمي للقمح إلى أكبر انخفاض سنوي منذ عقود، إذ يجبر التضخم القياسي المستهلكين والشركات على تقليل استخدامه والاتجاه إلى بدائل أرخص مع تزايد انعدام الأمن الغذائي.
وربما يواجه المستهلكون زيادة في أسعار القمح في النصف الثاني من 2022 إذ يقوم المستوردون، الذين تلقوا حتى الآن الشحنات التي تم شراؤها قبل عدة أشهر بأسعار أرخص، بالتعامل بالأسعار الجديدة منذ ارتفاع أسعار القمح إلى أعلى مستوياتها في مايو (أيار). ويقول محللون وتجار وأصحاب مطاحن إن الاستهلاك العالمي للقمح في الفترة من يوليو (تموز) إلى ديسمبر (كانون الأول) قد ينخفض بنسبة تتراوح من خمسة إلى ثمانية في المائة مقارنة بالعام الماضي، وهو معدل أسرع بكثير من توقعات وزارة الزراعة الأميركية بانكماش بنسبة واحد في المائة.
وقالت إيرين كوليير الخبيرة الاقتصادية في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة: «سيكون هناك انخفاض في الطلب على القمح لأعلاف الحيوانات في أوروبا والصين. كما يتباطأ الطلب على القمح للاستهلاك الآدمي في الدول المستوردة الرئيسية حول العالم. الأسعار المرتفعة تثير مخاوف بخصوص الأمن الغذائي في أجزاء من آسيا وأفريقيا، حيث لا تستطيع البلدان تأمين إمدادات كافية من السوق الدولية».
ويواجه الملايين ارتفاعا في تكاليف الغذاء وانعدام الأمن بعد الغزو الروسي لأوكرانيا والظروف الجوية السيئة في الدول المصدرة الرئيسية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الحبوب إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.
وقفزت العقود الآجلة للقمح بنسبة 40 في المائة هذا العام إلى مستوى قياسي في مارس (آذار) قبل أن تتراجع في الآونة الأخيرة، رغم أن الأسعار ما زالت مرتفعة. ويبلغ سعر شحنات القمح من منطقة البحر الأسود نحو 400 - 410 دولارات للطن، شاملة تكلفة الشحن والتسليم إلى الشرق الأوسط وآسيا. وانخفضت الأسعار من ذروة بلغت نحو 500 دولار للطن قبل بضعة أشهر، لكنها ما زالت أعلى بكثير من متوسط أسعار العام الماضي الذي كان نحو 300 دولار للطن.
وقال أولي هو من مؤسسة (أيكون كوموديتيز) لخدمات السمسرة والاستشارات الزراعية في سيدني: «إمدادات القمح ما زالت شحيحة للغاية. لسنا على يقين من كمية القمح التي ستخرج من البحر الأسود، كما تعاني الدول الأخرى المصدرة للقمح من طقس سيئ». وأوضحت كوليير لـ«رويترز» أن الدول التي يحتمل أن تواجه صعوبات بخصوص واردات القمح تشمل اليمن وجنوب السودان والسودان وسوريا وإثيوبيا وأفغانستان وسريلانكا.
وبينما يمثل ارتفاع التكاليف عبئا ثقيلا على ميزانيات الأُسر، تندلع احتجاجات في أنحاء العالم ونزل الناس إلى الشوارع من الصين وماليزيا إلى إيطاليا وجنوب أفريقيا والأرجنتين. وفي إندونيسيا، ثاني أكبر مشتر للقمح في العالم، انخفض الاستهلاك بالفعل في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2022 ومن المتوقع حدوث انخفاض أكبر مع ارتفاع التكاليف.
وتدفع يان عيسى ألاماندا، وهي خبازة عمرها 37 عاما في جاكرتا، نحو عشرة آلاف روبية (0.6720 دولار) للكيلوغرام الواحد من طحين (دقيق) القمح، ارتفاعا من نحو 8200 روبية في وقت سابق من العام الحالي. وقالت: «اضطررت إلى زيادة سعر البيع... لكني أخشى أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تراجع إقبال المستهلكين».
استبدال
مع خفض المستهلكين لمشترياتهم، يستبدل الخبازون ومصنعو المعكرونة القمح من خلال الأرز. ويقول فرنسيسكوس وليرانغ رئيس اتحاد مطاحن الدقيق الإندونيسي: «أسعار طحين القمح تكاد تكون نفسها أسعار الأرز، سيحدث الاستبدال بشكل تلقائي».
وأشار إلى أنه في المرة الأخيرة التي ارتفعت فيها أسعار طحين القمح بشكل كبير، انخفض استهلاك إندونيسيا بنسبة 4.5 في المائة. وبينما قفزت أسعار القمح، فإن سعر الأرز الفيتنامي بنسبة كسر خمسة في المائة يبلغ نحو 404 دولارات للطن، دون تغيير إلى حد كبير عن أواخر عام 2021.
وتظهر بيانات أن البرازيل، أكبر سوق للقمح الأميركي، شهدت انخفاضا في المشتريات بأكثر من ثلاثة في المائة في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو (حزيران)، رغم أن البلاد دفعت 20 في المائة إضافية مقابل السلعة الأساسية.
وقال روبرتو ساندولي كبير مديري المخاطر في هيدجبوينت غلوبال ماركتس: «ربما يستبدل المستهلكون في شمال شرقي البرازيل منتجات القمح بواسطة منتجات إقليمية، مثل التابيوكا».
أعلاف حيوانية
تعمل أسعار القمح المرتفعة على تغيير المكونات التي يستخدمها رعاة الماشية في علف الحيوانات. وتتوقع وكالة الزراعة الحكومية الفرنسية أن ينخفض الطلب على علف القمح بنسبة 13 في المائة عن مستوى 2021 - 2022، إلى 3.9 مليون طن في 2022 - 2023. وقالت هيلين دوفلو المحللة في استراتيجي غرينز: «يرجع الانخفاض في استهلاك القمح في الاتحاد الأوروبي في الأساس إلى أن أسعار الذرة رخيصة للغاية. وهناك أيضا القضية الاقتصادية بالطبع». وفي فيتنام، التي تعد واحدة من أسواق الأعلاف الحيوانية الأسرع نموا في العالم، يحل الأرز محل القمح. وقال أحد مديري المشتريات في طاحونة بمدينة هوتشي مينه إن الحكومة طلبت منهم الحصول على بدائل في ظل اضطراب سلاسل الإمداد.
وأوضح تجار يتخذون من بانكوك مقرا لهم أن تايلاند زادت في وقت سابق هذا العام حصتها من واردات الذرة إلى 600 ألف طن من 54700 طن وخفضت رسوم الاستيراد لتخفيف شح الإمدادات في سوق العلف. واستجابة لتغيير استخدام العلف، خفضت وزارة الزراعة الأميركية في يوليو توقعاتها للاستهلاك العالمي للقمح للسنة التسويقية 2022 - 2023 إلى 784.22 مليون طن، في نزول بواقع 1.77 مليون طن عن تقديراتها ليونيو، وأقل بواقع 6.29 مليون طن من العام السابق.
ضربة للبحر الأسود
يتأثر المشترون في أفريقيا والشرق الأوسط أكثر من غيرهم من المستهلكين باضطرابات البحر الأسود منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، واضطروا إلى التحول إلى موردين أسعارهم مرتفعة مثل ألمانيا وفرنسا.
وهناك آمال في استئناف إمدادات البحر الأسود بعد أن وقعت روسيا وأوكرانيا وتركيا والأمم المتحدة اتفاقا الأسبوع الماضي لاستئناف تصدير الحبوب الأوكرانية. ورست أول سفينة حبوب تغادر أوكرانيا بأمان في إسطنبول بتركيا يوم الثلاثاء.
لكن السوق ما زالت متشككة بشأن قيمة عودة تجارة البحر الأسود. ويقول تاجر في سنغافورة: «لسنا متفائلين بشكل كبير بشأن إمدادات القمح الأوكرانية. ليس من مصلحة روسيا السماح بكميات كبيرة من صادرات الحبوب من أوكرانيا مع استمرار الحرب».


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».


كبير اقتصاديي بنك إنجلترا يحذر من التفاؤل المفرط بشأن تراجع التضخم

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

كبير اقتصاديي بنك إنجلترا يحذر من التفاؤل المفرط بشأن تراجع التضخم

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

قال كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، هيو بيل، يوم الجمعة، إن هناك خطراً من أن يبالغ البنك المركزي في التفاؤل بشأن الانخفاض المتوقع في التضخم في أبريل (نيسان)، وإنه من المهم التأكد من أن نمو الأسعار لن يقل عن المستوى المستهدف.

وأضاف بيل أنه كما سعى بنك إنجلترا إلى تجاوز الارتفاع المؤقت في التضخم عام 2025، والذي يعكس جزئياً إجراءات تنظيمية استثنائية، فإنه لا ينبغي له أن يولي أهمية مفرطة لانخفاض التضخم إلى 2 في المائة المتوقع في أبريل، عندما تدخل أسعار الطاقة المنظمة المنخفضة حيز التنفيذ، وفق «رويترز».

وأضاف: «هناك خطر يتمثل في الإفراط في الاطمئنان إلى التراجع الحاد في ديناميكيات التضخم على المدى القصير، الناتج عن الإجراءات المالية الانكماشية التي أُعلن عنها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ما قد يؤدي إلى إغفال المسار الأساسي للتضخم الذي يعكس الضغوط السعرية المستدامة، والتي قد تستمر حتى بعد زوال التأثيرات المؤقتة».

وخلال حديثه إلى ممثلي الشركات عقب قرار بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة في فبراير (شباط)، شدد بيل على ضرورة استمرار السياسة النقدية في التعامل مع أي ضغوط تضخمية مستمرة.

وكان بيل ضمن أغلبية ضئيلة بلغت خمسة أصوات مقابل أربعة داخل لجنة السياسة النقدية، التي صوتت لصالح الإبقاء على سعر الفائدة عند 3.75 في المائة هذا الأسبوع، وذلك عقب خفضه بمقدار ربع نقطة مئوية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأشار بيل، وفق محضر اجتماع لجنة السياسة النقدية الصادر يوم الخميس، إلى أن وتيرة خفض أسعار الفائدة قد تكون سريعة أكثر من اللازم، محذراً من أن الضغوط التضخمية المستقبلية قد تعيق استقرار التضخم عند المستوى المستهدف بصورة مستدامة بعد تراجعه المتوقع في وقت لاحق من العام الحالي.

توقعات بخفض الفائدة تدريجياً إلى 3 في المائة

في سياق متصل، كشف استطلاع نُشر يوم الجمعة أن المستثمرين المشاركين في مسح بنك إنجلترا يتوقعون أن يقوم البنك المركزي بخفض سعر الفائدة الرئيسي تدريجياً ليصل إلى أدنى مستوى عند 3 في المائة بحلول اجتماع مارس (آذار) 2027، مقارنةً بمستواه الحالي البالغ 3.75 في المائة.

ووفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن، تتوقع الأسواق المالية بدرجة كبيرة تنفيذ خفضين إضافيين لسعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال عام 2026، لكنها لا ترجح حالياً هبوط الفائدة إلى مستوى 3 في المائة.

وأجرى بنك إنجلترا استطلاعه الفصلي للمشاركين في السوق خلال الفترة بين 21 و23 يناير (كانون الثاني)، وتلقى 92 استجابة.

وأظهر الاستطلاع أن توقعات تشديد السياسة النقدية الكمية لدى البنك خلال الاثني عشر شهراً التي تبدأ في أكتوبر (تشرين الأول) لم تشهد أي تغيير، إذ استقرت عند متوسط 50 مليار جنيه إسترليني (نحو 68 مليار دولار)، وهو المستوى نفسه المسجل في الاستطلاع السابق الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني).

كما أشار الاستطلاع إلى أن متوسط توقعات عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات قد يرتفع إلى 4.25 في المائة بحلول نهاية عام 2026، مقارنةً بتوقعات سابقة بلغت 4 في المائة.