«ممر الحبوب» في البحر الأسود يفتح الطريق أمام صادرات أوكرانيا وروسيا

مصادر دبلوماسية أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن الضمانات الأمنية أخذت حيزاً مهماً في التفاوض

إنشاء ممر آمن لنقل الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية (أ.ف.ب)
إنشاء ممر آمن لنقل الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية (أ.ف.ب)
TT

«ممر الحبوب» في البحر الأسود يفتح الطريق أمام صادرات أوكرانيا وروسيا

إنشاء ممر آمن لنقل الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية (أ.ف.ب)
إنشاء ممر آمن لنقل الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية (أ.ف.ب)

تشهد مدينة إسطنبول التركية في وقت لاحق، اليوم (الجمعة)، مراسم توقيع اتفاقية بين أوكرانيا وروسيا لبدء شحن الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية بسبب الحرب تحت رعاية الأمم المتحدة وبوساطة من تركيا.
تقام مراسم توقيع الاتفاقية، التي تحظى بأهمية كبيرة بسبب أزمة الغذاء العالمية التي نتجت عن الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي، في المكتب الرئاسي بقصر دولمة بهشه، بحضور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بحسب ما أكدت الرئاسة التركية والمنظمة الدولية.
يأتي توقيع الاتفاقية بعد اجتماع عسكري رباعي استضافته إسطنبول في 13 يوليو (تموز) الحالي، بمشاركة مسؤولين وخبراء عسكريين من تركيا وروسيا وأوكرانيا والأمم المتحدة، لمناقشة إنشاء ممر آمن لنقل الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية. ومن المقرر أن تعقد الأطراف الأربعة اجتماعاً ثانياً يسبق التوقيع على الاتفاقية من أجل الاتفاق على جميع بنودها وحسم أي نقاط خلافية وتأمين جميع الضمانات التي تطالب بها موسكو وكييف.
وعقب الاجتماع الرباعي السابق، أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أن المجتمعين اتفقوا على إنشاء مركز تنسيق في ولاية إسطنبول لمراقبة حركة سفن الشحن التي ستخرج من الموانئ الأوكرانية أو ستدخل إليها للتأكد من عدم حملها أسلحة أو مخالفتها الاتفاقية. وسيضم مركز التنسيق ممثلين للأطراف الأربعة المعنية.
وبحسب ما رشح عن بنود الاتفاقية، التي سيجري توقيعها بالأحرف الأولى من جانب موسكو وكييف، فإنها تقضي بإخراج القمح الأوكراني العالق بسبب الحرب، عبر البحر الأسود، وإزالة الألغام حول موانئ أوكرانيا، وتخفيف القيود المفروضة على نقل الحبوب والأسمدة الروسية.
وسبق أن أعلنت أوكرانيا أن هناك أكثر من 22 مليون طن من الحبوب محملة على 84 سفينة تنتظر في ميناء أوديسا، ومن أجل خروج هذه السفن يجب إزالة الألغام التي زرعت من أجل منع السفن الحربية الروسية من الوصول إلى موانئ أوكرانيا.
وقالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن الضمانات الأمنية التي طالبت بها أوكرانيا من روسيا حتى تتمكن السفن من مغادرة المناطق التي زرعت بالألغام دون مشكلات بعد إزالتها وعدم تعرضها لهجمات روسية، وكذلك عدم استغلال روسيا إزالة الألغام لدخول الموانئ الأوكرانية بسفنها الحربية، كانت أهم ركائز التفاوض على فتح الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود.
ولفتت إلى أن روسيا أعطت، منذ منتصف يونيو (حزيران)، رسالة مفادها أنها تستطيع تقديم الضمانات اللازمة للاتفاق من خلال سحب قواتها البحرية من الموانئ الأوكرانية وجزيرة الأفعى الأوكرانية في البحر الأسود (انسحب منها الروس فعلاً)، وفي المقابل طالبت موسكو بأن تشمل الاتفاقية ليس فقط الحبوب الأوكرانية ولكن أيضاً الحبوب والمنتجات والأسمدة الروسية.
ومن أجل تحقيق المطلب الروسي، كان لا بد من إقناع العالم الغربي، خصوصاً الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على روسيا. ولذلك فإن الأمم المتحدة شددت عند بدء اضطلاعها بمهمة فتح الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود، على أنه يجب إدراج روسيا في الخطة من أجل منع نشوء أزمة غذاء عالمية، وقد نجحت جهودها في النهاية.
وتتضمن الاتفاقية شروع أوكرانيا في تصدير الحبوب بمساعدة سفن إرشادية مع إنشاء ممر آمن من موانئ أوديسا وبيفديني وتشورنومورسك الخاضعة لسيطرتها.
وجاء في بنود الاتفاقية أن نقل الحبوب والمنتجات الغذائية إلى البحر الأسود سيتم عبر سفن تجريبية، تنطلق من الموانئ التي ستتم إزالة الألغام منها، ومن ثم سيتم نقلها إلى الأسواق العالمية عبر طرق محددة سلفاً.
وأفادت تقارير بأن روسيا ستنفذ وقف إطلاق النار ولن تعرض سلامة السفن للخطر. كما أن أوكرانيا طالبت بعدم دخول السفن الروسية إلى مياهها الإقليمية بأي شكل من الأشكال.
أما بالنسبة لمراقبة سلامة الشحنات من خلال مركز التنسيق الذي سيتم إنشاؤه في إسطنبول، فستكون روسيا مسؤولة عن مهمة المراقبة بشكل مشترك مع الأطراف الثلاثة الأخرى. وطالبت أوكرانيا بأن يتم ذلك تحت إشراف الأمم المتحدة. وينتظر أن يتم الكشف عن الوضع النهائي عندما يتم الإعلان عن الاتفاقية في شكلها النهائي.
وتتضمن الاتفاقية بنداً ينص على أنه سيتم فحص شحنات السفن التي تستخدم الممر الآمن في النقاط التي ستقيمها تركيا بمشاركة روسيا. وتريد روسيا من وراء هذا الإجراء التأكد من أن سفن الشحن القادمة إلى أوكرانيا لا تحمل أسلحة وإمدادات عسكرية. وستلعب البحرية التركية دوراً تيسيرياً، فقط، في ما يتعلق بالمعاملات بين الطرفين.
وبدا الناطق باسم وزارة الخارجية الأوكرانية أوليغ نيكولينكو حذراً، إذ قال لوكالة الصحافة الفرنسية، الخميس، إن «الوفد الأوكراني لن يدعم سوى الحلول التي تضمن أمن المناطق الجنوبية من أوكرانيا... والتصدير الآمن للمنتجات الزراعية الأوكرانية».
ومع أن الاتفاقية ستوفر لروسيا فرصاً لتصدير أسمدتها ومنتجاتها الغذائية، فإن الأطراف التي ترغب في شراء البضائع من روسيا أو التي ترغب في تسليم هذه البضائع للمشترين لا ترغب في عقد اتفاقيات تجارية لأنها تخشى العقوبات المفروضة على المعاملات مثل البنوك والتأمين.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في مقابلة تلفزيونية، الخميس، إنه عندما تُوقع الاتفاقية وتُحل المشكلة، لن يتم فقط خروج صادرات أوكرانيا من الحبوب وزيت عباد الشمس، بل ستخرج صادرات روسيا من هذه المنتجات وكذلك الأسمدة عبر الممر الآمن في البحر الأسود. ولفت الوزير التركي إلى أن هناك عقوبات ضد السفن وليس المنتجات نفسها، مضيفاً: «بالنسبة للقضايا اللوجستية، لا يمكنهم الحصول على الخدمة في أي مكان، ومسألة التأمين مهمة... يحتاج النظام المصرفي إلى العمل من أجل سداد هذه المدفوعات. نعتقد أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيزيلان هذه العقبة في النهاية... لقد قطعا التزامات».
وبحسب مسؤول غربي، تحدث إلى «فايننشال تايمز»، ستوقع الأمم المتحدة وروسيا أيضاً مذكرة تفاهم لتسهيل تصدير روسيا لمنتجات الحبوب، وإذا حدث ذلك ستكون روسيا قادرة على بيع ما يقرب من 50 مليون طن من منتجات الحبوب بحلول نهاية العام. وأعلنت واشنطن أنها ترحب بالإعلان عن الاتفاقية، من حيث المبدأ، قائلة إن ما يهمها الآن هو السماح للحبوب الأوكرانية بالوصول إلى الأسواق العالمية. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس، ليل الخميس - الجمعة، إن الولايات المتحدة ترحب بهذا الاتفاق مع أنه «ما كان ينبغي لنا أن نكون في هذا الوضع أساساً»، مديناً «استخدام موسكو المواد الغذائية سلاحاً».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».