المشهد العالمي... «لا أحد يضحك ولا أحد يبتسم لأن أحداً لا يعرف ما الذي سيحمله الغد»

رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في غرينلاند (أ.ف.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في غرينلاند (أ.ف.ب)
TT

المشهد العالمي... «لا أحد يضحك ولا أحد يبتسم لأن أحداً لا يعرف ما الذي سيحمله الغد»

رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في غرينلاند (أ.ف.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن في غرينلاند (أ.ف.ب)

تنفس ساسة أوروبيون الصعداء عندما تراجع دونالد ترمب عن أقسى تهديداته وضوحاً بشأن غرينلاند. فقد استبعد الرئيس الأميركي في منتدى دافوس اللجوء إلى العمل العسكري، وتخلّى عن خطط فرض رسوم جمركية على الحلفاء الأوروبيين. ولكن النظر إلى الصورة الكبرى ينبئ بأن هذا التراجع ينبغي ألا يُفهم على أنه إغلاق للملف. فالرجل لم يتخلَّ عن إصراره على الاستحواذ على غرينلاند، وما قام به هو خطوة تكتيكية، وليس انعطافة استراتيجية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

الولايات المتحدة هي المدماك الأساس في حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي قاد المعسكر الغربي منذ الحرب العالمية الثانية، وخاض الحرب الباردة، وبعض الحروب الساخنة مع المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي. إلا أن الواقع بدأ يتغير منذ ولاية ترمب الأولى التي دأب الرجل فيها على انتقاد «أشقائه» في الحلف، متهماً إياهم مراراً وتكراراً بالاتكالية، وعدم بذل المجهود الكافي لحماية أنفسهم. أما الآن، فقد تجاوز سيّد البيت الأبيض خطاً لا يمكن التراجع عنه بعدما تحدّى علناً السلامة الإقليمية، والسيادة لدولة عضو في الحلف منذ تأسيسه عام 1949.

يمكن تفسير تراجع ترمب عن موقفه المتصلب بأن الحجة الاقتصادية للاستحواذ على الجزيرة الجليدية ليست دامغة، فالدنمارك وإقليمها ذو الحكم الذاتي منفتحان على الاستثمارات الخارجية، بل متعطشان لذلك. وبالتالي تستطيع الشركات الأميركية أن تأتي إلى غرينلاند، وتقوم بما تريد القيام به من تنقيب، وتعدين، وإنشاء بنى تحتية...

أما الموجب الاستراتيجي فيبقى قائماً لأنه مرتبط بالجغرافيا، فروسيا لم تتوقف عن توسيع وجودها العسكري في القطب الشمالي، والصين تصف نفسها بأنها «دولة قريبة» من المنطقة. وبناء على ذلك على الولايات المتحدة أن تتحرّك استباقياً لمنع الصين من ترسيخ موطئ قدم دائم لها في غرينلاند، بما قد يهدّد المصالح الأميركية في نصف الكرة الأرضية الغربي.

أوروبا والواقع

أياً كان الشكل الذي ستنتهي إليه مسألة غرينلاند، فإن المؤكد أن هناك تحولاً عميقاً في العلاقة بين ضفّتي الأطلسي بحيث جعل قادة الطرف الأوروبي يعيدون التفكير في الروابط التي كانت حتى أمس قريب أمراً مسلّماً به. وما فعله دونالد ترمب لم يوفر الحليف الأقرب كندا التي ألقى رئيس وزرائها مارك كارني في دافوس خطاباً مدوياً شكل صفعة منبّهة إلى الواقع الجديد، فقد نعى الرجل النظام الدولي القائم، وتحدث عن «قطع» لا عن «انتقال».

وفي السياق، نقلت شبكة «سي إن إن» عن دبلوماسي أوروبي لم تكشف اسمه أن «الخطاب غير المألوف إلى حدّ بعيد الصادر عن الإدارة الأميركية» أوجد واقعاً جديداً «يتّسم في كثير من الأحيان بالتقلّب الحاد».

كذلك، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس: «تلقّت العلاقات عبر الأطلسي ضربة كبيرة بلا شك خلال الأسبوع الماضي». وذهب الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، شارل ميشال، أبعد بقوله إن العلاقة عبر الأطلسي «بصيغتها التي عرفناها على مدى عقود انتهت».

هو واقع أشعر القادة الأوروبيين بقلق عميق، من البولندي دونالد توسك إلى الفرنسي إيمانويل ماكرون، والألماني فريدريش ميرتس... وهم كانوا يعلمون أن ترمب –ومن ورائه دولته العميقة- يسير في هذا الاتجاه منذ ولايته الأولى. غير أنهم لم يكونوا يريدون تصديق ما يحدث أمام أعينهم رغم الانكفاء الأميركي فيما يخص الحرب الأوكرانية، و«إرغام» الدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو» على رفع إنفاقها الدفاعي، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى تعميق التزامه دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً رغم حالة الإعسار المالي التي تعانيها كل دوله الـ27.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

واشنطن وباريس

يتمظهر الخلاف الغربي–الغربي أكثر ما يتمظهر في التوتر الكبير بين واشنطن وباريس. ولئن كان إيمانويل ماكرون اعتمد موقفاً معتدلاً حيال ما حصل في فنزويلا، واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، فإنه كان أكثر حزماً، وتشدداً حيال غرينلاند، مندّداً بما وصفه بـ«الاستعمار الجديد، والإمبريالية الجديدة»، ورافضاً أي شكل من أشكال «الوصاية، أو الانهزامية»، معتمداً لغة شبيهة بخطاب المعسكر الشرقي (السوفياتي) حيال الغرب إبّان الحرب الباردة!

وجدد وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، تأكيد دعم فرنسا لسيادة الدنمارك على غرينلاند، ودعا إلى وضع حدّ لما وصفه بـ«الابتزاز» الأميركي. كما استبعد احتمال قيام الولايات المتحدة بعملية عسكرية للسيطرة على غرينلاند، معتبراً أن هذا السيناريو غير مبرّر، وغير واقعي في ظل الحماية التي توفرها لها عضوية الدنمارك في الناتو.

وشدّد بارو كذلك على امتلاك أوروبا قدرات كبيرة للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية. وأضاف أن أي تدخل عسكري في غرينلاند ستكون له تبعات اقتصادية جسيمة على الولايات المتحدة، إذ قد يعمد شركاء في الناتو إلى الامتناع عن شراء المعدات العسكرية الأميركية، مثل مقاتلات «إف-35».

وجاء في تعليق لصحيفة «لا ديبيش» أن العلاقات بين باريس وواشنطن «صارت شبه معدومة إلى حدّ كبير، وتقتصر على طابع المصلحة المتبادلة بالمعنى الضيّق. وعليه، يتعيّن على أوروبا، ولا سيما فرنسا، أن تبدي قلقاً إزاء استراتيجية الأمن القومي التي ينتهجها دونالد ترمب، والتي يبدو أنها ترمي إلى بسط النفوذ ليس فقط في أميركا الجنوبية، بل أيضاً في أوروبا، ولا سيما عبر غرينلاند».

مقاتلة «إف - 35» أميركية تابعة لسلاح الجو السويسري (رويترز)

سيناريو خيالي؟

إذا استمر سير الأمور على النحو الحالي، فإلى أين ستصل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا التي لم يكن ينقصها إلا أن يطلق ترمب «مجلس سلام» لم ينل موافقة من ماكرون، وميرتس، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ونظيرها اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس وسواهم؟... فالنظرة إلى هذا الكيان ترى فيه بديلاً فعلياً للأمم المتحدة، وتحديداً لمجلس الأمن الدولي الذي يحفظ بعض التوازنات وإن بشكل سلبي عبر حق النقض المحصور بالدول الخمس دائمة العضوية.

هل يُعقل أن يزداد التباعد في السنوات الباقية من ولاية ترمب إلى حد تحوّل الأخوّة إلى صداقة باردة، ثم إلى خصومة فعداوة؟!

أجبرت طموحات ترمب حيال غرينلاند دول أوروبا على مواجهة سؤال غير مريح: إلى أي مدى نحتاج إلى أموال واشنطن، وقوتها العسكرية، وفي نهاية المطاف إلى صداقتها؟

لكن، ما هو بديل الصداقة؟

يمكن القول إن فرنسا وحدها في أوروبا تستطيع إنتاج كل أسلحتها، فيما الدول الأخرى تحتاج إلى أميركا للتسلح. فهل تستطيع أي دولة أن تطلق مقاتلة «إف-35» في السماء –على سبيل المثال– من دون التقنيات الأميركية؟ وبالتالي تجعل التبعية العداوة متعذّرة.

الأمر المؤكد هو أن المشهد العالمي يتغير، ومعه الخصومات، والصداقات، والأحلاف... ويلخّص «المزاج العام» ما قاله الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش أخيراً: «لا أحد يضحك، ولا أحد يبتسم، لأن أحداً لا يعرف ما الذي سيحمله الغد».


مقالات ذات صلة

المجر: مَن هو بيتر ماغيار الذي أطاح أوربان بعد 16 عاماً؟

أوروبا بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا» المعارض يلوّح بالعَلم الوطني بعد إعلانه الفوز بالانتخابات البرلمانية في بودابست (أ.ب) p-circle

المجر: مَن هو بيتر ماغيار الذي أطاح أوربان بعد 16 عاماً؟

حقق حزب بيتر ماغيار فوزاً ساحقاً في الانتخابات التي جرت الأحد في المجر. فماذا نعرف عنه؟

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

توجّه الناخبون المجريون بكثافة إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (بودابست - لندن)
شمال افريقيا خلال عملية نقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

إزالة 4 آلاف لغم وذخيرة من مقر ميليشياوي في العاصمة الليبية

تحت شعار «استثمروا في السلام... استثمروا في الأعمال المتعلقة بإزالة الألغام»، انتهت جهود شركاء للأمم المتحدة إلى إزالة آلاف الألغام من مناطق ليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)

مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وكايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مسافرون مصطفّون في حالة انتظار داخل مطار بروكسل (أرشيفية-رويترز)

الاتحاد الأوروبي يناقش تأثير أزمة الطاقة على المطارات

صرحت آنا كايسا إيتكونن، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، بأن الاتحاد الأوروبي سيناقش، هذا الأسبوع، تأثير أزمة الطاقة في الشرق الأوسط على المطارات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

مقتل امرأة بهجوم طائرة مسيّرة في روسيا

جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)
جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)
TT

مقتل امرأة بهجوم طائرة مسيّرة في روسيا

جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)
جانب من الدمار جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على منطقة دونيتسك الخاضعة لسيطرة روسيا في أوكرانيا (رويترز)

أودى هجوم بطائرة مسيرة بحياة امرأة في غرب روسيا على بعد 350 كيلومتراً من جنوب موسكو، بحسب ما أعلنت السلطات المحلية صباح اليوم الثلاثاء.

وقال حاكم منطقة ليبتسك إيغور أرتامونوف على تطبيق «تلغرام» إن مدينة «ييليتس تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل امرأة» كانت في بيتها، فيما أصيب خمسة بجروح.

واستأنفت روسيا وأوكرانيا تبادل الهجمات بالطائرات المسيرة ليل الأحد-الاثنين، بعد انقضاء مهلة قصيرة لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي، وتبادلتا الاتهامات بانتهاكها. وأعلن سلاح الجو الأوكراني أن روسيا أطلقت 98 مسيّرة، مضيفاً أن وحداته للدفاع الجوي أسقطت 87 منها. كما أفادت وزارة الدفاع الروسية بأنه «يوم 13 أبريل (نيسان)، اعترضت قوات الدفاع الجوي ودمّرت 33 طائرة مسيّرة أوكرانية».

وخلال هذه الهدنة التي بدأت السبت الساعة 16:00 (13:00 بتوقيت غرينتش)، تبادلت موسكو وكييف الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار مئات المرات. وقبل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بوقف إطلاق النار الذي اقترحه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، مؤكداً أنّ بلاده سترد على أي انتهاكات روسية. وتبادل الجيشان الاتهامات بشنّ مئات الضربات المدفعية، وهجمات بطائرات من دون طيار، بما في ذلك على مدنيين، بالإضافة إلى العديد من هجمات المشاة. واعتبر زيلينسكي السبت أنه سيكون «من الصحيح» تمديد وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أنّه تقدّم بـ«اقتراح» بهذا الشأن لموسكو. غير أنّ الكرملين استبعد هذا الاحتمال، ما لم تمتثل كييف للشروط التي وضعها لإنهاء الحرب التي اندلعت بسبب الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. ويطالب الكرملين الحكومة الأوكرانية بتنازلات سياسية، وإقليمية، وخصوصاً الانسحاب الكامل من منطقة دونيتسك الشرقية، التي تسيطر روسيا جزئياً عليها. وترفض كييف هذه المطالب، معتبرة إياها بمثابة استسلام.


ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.


ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

TT

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)
بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن»، آملاً في أن يتولى منصب رئيس الوزراء خلفاً لـ فيكتور أوربان ابتداءً من الخامس من مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال ماغيار خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين عقب الفوز الساحق الذي حققه حزبه في انتخابات الأحد، إن حزبه «تيسّا» حصل على «تفويض غير مسبوق». وأضاف: «لم يصوّت الشعب المجري من أجل مجرد تغيير حكومة، بل من أجل تغيير كامل في النظام». ويتيح هذا التفويض الكبير لحزب «تيسّا» إطلاق برنامج إصلاحي واسع وطموح.

زلزال انتخابي يطيح أوربان

بعد الزلزال الانتخابي الذي رفض فيه الناخبون بأغلبية ساحقة رئيس الوزراء القريب من روسيا فيكتور أوربان، بدأ المجريون يتساءلون عما ينتظرهم في عهد زعيمهم الجديد بيتر ماغيار، الإصلاحي المؤيد لأوروبا الذي تعهّد بإحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للمجر.

وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنهاء انجراف المجر نحو روسيا وإعادة توثيق علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين. كما تعهّد للناخبين بأنه بعد 16 عاماً من الحكم السلطوي وتراجع سيادة القانون في عهد أوربان، سيكافح الفساد ويؤسس لـ«مجر مسالمة وفعالة وإنسانية».

إلا أن طبيعة هذه التغييرات ما زالت غير واضحة بالكامل. فخلال سنوات حكمه الطويلة، حكم أوربان بأغلبية برلمانية تبلغ الثلثين؛ ما مكّنه من تمرير دستور جديد، وإعادة صياغة النظام الانتخابي، وإعادة تشكيل السلطة القضائية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض 7 نوفمبر 2025 (أ.ب)

أغلبية دستورية تتيح تفكيك إرث أوربان

حصل حزب «تيسّا» على تفويض مماثل، الأحد، بعدما فاز بـ138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان؛ ما يمنحه سلطة واسعة لإلغاء كثير من التشريعات التي سمحت لأوربان بتكديس الموالين له في المحاكم، والتلاعب بالنظام الانتخابي، وتقييد حرية الصحافة، وفق «أسوشييتد برس».

ورغم ذلك، تبرز عقبات محتملة قد تحُول دون تحقيق التغييرات الجذرية التي يأمل بها كثير من المجريين.

احتفالات تاريخية في بودابست

استُقبل فوز ماغيار بموجة احتفالات عارمة في شوارع بودابست مساء الأحد، حيث احتشد عشرات الآلاف، كثير منهم من الشباب؛ احتفالاً بما عدّوه بارقة أمل ستجعل المجر أكثر حرية وسعادة وأكثر اندماجاً في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.

وفي أنحاء العاصمة، أطلق السائقون أبواق سياراتهم وشغّلوا أغاني مناهضة للحكومة، في حين ردد المتظاهرون هتافات في الشوارع.

وقال أدريان ريكسير خلال الاحتفالات إنه عاد من منزله في لندن إلى المجر «لأنني أردت حقاً أن يكون لصوتي أثر، وأنا في غاية السعادة».

وأضاف: «أخيراً يمكنني أن أقول إنني مجري فخور، أخيراً بعد 16 عاماً».

مخاوف من أغلبية الثلثين

كان كثير من المجريين ومراقبين أوروبيين قد خشوا أن تكون الأغلبية البسيطة غير كافية لتفكيك نظام أوربان بالكامل.

لكن آخرين ما زالوا مترددين بشأن ما قد تعنيه أغلبية الثلثين في يد حكومة جديدة، مع وجود مخاوف من نقل هذه السلطة الواسعة ببساطة من أوربان إلى خصمه.

وقال المحتفل دانييل كوفاتش: «من الصعب تصور أن حكومة تملك ثلثي البرلمان ستكون عادلة بالكامل، لكننا سنرى. نأمل أن تكون أربع سنوات واعدة».

أنصار حزب «تيسّا» الفائز بالانتخابات البرلمانية المجرية لعام 2026 خلال مسيرة النصر في بودابست 13 أبريل 2026 (د.ب.أ)

المؤسسات لا تزال بيد موالين لأوربان

شكّل فوز ماغيار وحزب «تيسّا» سابقة في تاريخ المجر ما بعد الشيوعية؛ إذ حصلا على عدد أصوات ومقاعد لم يسبق أن حققه أي حزب.

وقال بولتشو هونيادي، المحلل في مركز الأبحاث «بوليتيكال كابيتال» في بودابست، إن الأغلبية الدستورية لحزب «تيسّا» تمنحه صلاحيات واسعة للتراجع عن كثير من سياسات أوربان، لكن «المؤسسات الأساسية في البلاد يقودها أشخاص مثبتون في مواقعهم لسنوات طويلة».

وفي إطار جهوده لترسيخ سيطرته على النظام الديمقراطي المجري، عيّن أوربان حلفاء موالين له على رأس مؤسسات رئيسية، من هيئة الإعلام إلى مكتب الادعاء العام والمحكمة الدستورية.

وفي حالات عدة، مُدّدت ولايات مسؤولين أو جرى تعيين آخرين قبل انتهاء ولايات من سبقوهم، بما أبقى القيادات الموالية له في مواقعها لسنوات تتجاوز أي تغيير حكومي محتمل.

وكان ماغيار قد دعا في خطاب النصر، الأحد، هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيس المجري، إلى التنحي طوعاً. وقال هونيادي: «بخلاف ذلك، لا يملكون فعلياً أدوات أخرى لإزاحتهم».

وعود بمكافحة الفساد واستعادة الأموال

يتهم ماغيار أوربان وحكومته بسوء إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، والإشراف على فساد غير مضبوط أدى، حسب قوله، إلى تراكم ثروات هائلة لدى دائرة ضيقة من المقربين من السلطة.

وتعهّد بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وإنشاء «مكتب استعادة وحماية الأصول الوطنية» لاسترجاع ما وصفه بالمكاسب غير المشروعة لحلفاء أوربان.