فرنسا... الجمهورية الخامسة هرمت والأمل معقود على ربيع 2027

أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنتان صعبتان (أ.ف.ب)
أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنتان صعبتان (أ.ف.ب)
TT

فرنسا... الجمهورية الخامسة هرمت والأمل معقود على ربيع 2027

أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنتان صعبتان (أ.ف.ب)
أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنتان صعبتان (أ.ف.ب)

لم يكن مفاجئاً البتة ألا ينجح فرنسوا بايرو في الحصول على ثقة الجمعية الوطنية في 8 سبتمبر (أيلول). ومع سقوط الحكومة، صار على إيمانويل ماكرون أن يجد شاغلاً جديداً لقصر «ماتينيون»، تزامناً مع دعوة بعض قوى المعارضة إلى حلّ الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، بل إن ثمة من يدعو إلى استقالة ماكرون أو حتى عزله دون انتظار الانتخابات الرئاسية في 2027.

من الطبيعي التفكير في المرحلة المقبلة بصورة آنيّة، ومحاولة استقراء السيناريوهات السياسية المحتملة بعد خروج رئيس «الحركة الديمقراطية» من مقر رئاسة الحكومة.

يستطيع ماكرون الذي عرفت خماسيته الرئاسية الأولى ثلاث حكومات؛ ترأس اثنتين منها إدوار فيليب، فيما تعثرت في خماسيته الثانية أربع حكومات حتى الآن، اختيار رئيس وزراء من الحزب الاشتراكي الذي يدعو إلى حكومة يسارية تضم الاشتراكيين والخضر والشيوعيين (من دون حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه جان لوك ميلانشون). ويستطيع أيضاً اختيار شخصية تكنوقراطية أو محايدة.

والمهم هو نجاح الحكومة المقبلة في تمرير موازنة 2026. وفي حال الفشل، قد يلجأ ماكرون إلى حلّ الجمعية الوطنية والدعوة لانتخابات مبكرة، بما يوافق رغبة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني اليميني المتطرف.

لكن الأسئلة الحقيقية العميقة تتخطى الواقع الراهن وما بقي من ولاية ماكرون الثانية، ويمكن تلخيصها بالآتي: من يستطيع إنقاذ فرنسا من الإفلاس؟ بمعنى آخر؛ مَن ينجح في وضع موازنة تُرضي القوى السياسية المتناقضة وقواعدها الشعبية؟ وبمعنى أبعد مَن يستطيع إنقاذ فرنسا من نفسها، وهي تبدو كجسم سقيم يهاجمه جهاز مناعته، وهو هنا النظام السياسي للجمهورية الخامسة القائم منذ عام 1958؟

رئيس الوزراء المستقيل فرنسوا بايرو يتحدث في الجمعية الوطنية قُبيل حجب الثقة عن حكومته (أ.ف.ب)

أزمات

أطلق السياسي اليميني رجل الأعمال، فيليب دو فيلييه، عريضة وطنية لفرض استفتاء حول الهجرة. وندّد بأوضاع الجمهورية الخامسة التي قال إنها «على حافة الهاوية»، بفعل العجز السياسي وإفلاس الدولة.

وقال قبل أيام في حديث إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش»: «من بين الأزمات السياسية الكبرى في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، أرى أننا اليوم في الذروة لأننا نعيش تراكم جميع الأزمات في وقت واحد. فنحن أمام أزمة مالية، وأزمة اقتصادية، وكذلك أزمة سياسية، إذ أصبح البرلمان خاضعاً لحكم الأحزاب العاجزة والثرثارة. السياسيون لا يفعلون إلا الدعاية وممارسة الشعبوية. لدينا أيضاً أزمة ديمغرافية؛ فقد شهدت فرنسا للمرة الأولى في تاريخها تجاوز عدد الوفيات عدد المواليد».

وأكد صاحب كتاب «إبادة شعب» الذي يصدر الشهر المقبل، أن فرنسا «تشهد تغيّراً في تركيبة سكانها». ولذلك أطلق عريضة وطنية لإجراء استفتاء حول الهجرة بهدف إجبار إيمانويل ماكرون على إدراج هذا الموضوع في صلب النقاش السياسي.

وأضاف أن الاقتصاد الفرنسي يتغير، وكذلك الثقافة التي دخلت عليها عناصر عديدة. وكشف أنه في بعض المناطق والأحياء، «يقدم تجار المخدرات للسكان خدمات التوصيل إلى المنزل، والمساعدات المالية، واللوازم المدرسية، أو حتى التسوق لكبار السن»... كأنهم يؤدون مهمات عامة موازية لخدمات الدولة.

ورأى دو فيلييه أن على فرنسا «أولاً استعادة الحدود والضوابط» وإعادة النظر في القوانين، مضيفاً أن «هناك ثلاث خطوات لكسر الجمود: حل البرلمان، واستقالة رئيس الجمهورية، ثم إجراء استفتاء عام» حول الهجرة.

يبدو واضحاً أن دو فيلييه يتبنى رأي اليمين المتطرف الذي يجنح دائماً إلى إلقاء اللوم على «الأجانب»، والمقصود بهم هنا المهاجرون الذي يبلغ عددهم في فرنسا بضعة ملايين.

هي نظرة قاصرة بالطبع، بمعنى أن الخروج «السوريالي» لكل الفرنسيين «غير الأصيلين» من البلاد لن يحل قطعاً أزماتها.

متظاهرون خرجوا إلى الشارع في باريس بعد سقوط الحكومة (إ.ب.أ)

المعضلة الاقتصادية

ليست الأزمة في شخص فرنسوا بايرو ولا سلفه ميشال بارنييه أو سواهما ممن تولوا قيادة سفينة الحكومة. بل هي في واقع اقتصادي مرير.

نعم فرنسا في أزمة اقتصادية تعاني أعراضها الخمسة الكلاسيكية: أولاً، ارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب (+1.5 نقطة مئوية في عام واحد وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية)، مع ضعف قطاعات مثل البناء والمطاعم وصناعة السيارات.

ثانياً، ازدياد حالات إفلاس الشركات؛ فبعد فترة ركود أعقبت جائحة «كوفيد»، سجل بنك فرنسا المركزي أكثر من 60 ألف حالة إفلاس في عام واحد (+30 في المائة)، طالت خصوصاً شركات صغيرة ومتوسطة.

ثالثاً، تسود حالة من عدم الاستقرار المالي، إذ تتجاوز معدلات الاقتراض 4 في المائة للشركات، في موازاة تقلبات كبيرة تشهدها السوق. والأمر الأكثر إثارة للقلق في الشأن المالي هو أن تكاليف الاقتراض في فرنسا أصبحت الآن أعلى منها في اليونان المعروفة بأنها «مركز» الهزّات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي.

رابعاً، يسجَّل فقدان للثقة على نطاق واسع، فالأسر تقلل الإنفاق، والمستثمرون يترددون في المغامرة، والشركات الكبرى ترجئ تنفيذ مشاريعها.

خامساً وأخيراً، هناك عجز عام وديون قياسية، إذ يتجاوز الدين العام 110 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.162 تريليون دولار)، مع عجز في مالية الدولة يقارب 6 في المائة، مما يعني أن أي مجال للمناورة في الموازنة يكاد يكون منعدماً.

يحصل كل هذا على خلفية اختلال التوازن الجيوسياسي بسبب السياسة التجارية الأميركية التي اعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرضه رسوماً جمركية عالية على كل الواردات تقريباً.

مؤدَّى ذلك أن الأزمة الاقتصادية هي السبب الأول للأزمة السياسية، والشرارة هذه المرة كانت مشروع موازنة 2026 الذي تضمَّن تخفيضات في الإنفاق مقدارها 44 مليار يورو، وإلغاء عطلات رسمية، وتجميد الإنفاق الاجتماعي.

إلا أن الشرارة تُخفي وراءها أزمة تتجاوز بكثير الموازنة، فهناك انهيار للثقة بين الفرنسيين وقادتهم، مما يُؤجج الغضب الذي قد يُعيد رسم المشهد السياسي في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية للعام 2027.

 

المشكلة الهيكلية

سيكلف ماكرون شخصية لتأليف حكومة قد تنال الثقة وتحاول العمل... لكن المشكلة هيكلية. ففرنسا من أكثر الدول الأوروبية فرضاً للضرائب وتكثيفاً للقيود، بما يعوق تنافسية الأعمال ويُثبّط الاستثمار الإنتاجي بشكل كبير. وبينما يحاول الشركاء الأوروبيون تخفيف الضغوط الضريبية ويُشجّعون المبادرات الخاصة، يواصل الواقع الفرنسي خنق الاقتصاد تحت وطأة بيروقراطية قاسية وضرائب «عقابية».

يعتمد الاقتصاد الفرنسي بشكل كبير على قطاع الخدمات (78.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، مما يعكس تراجعاً مقلقاً في التصنيع. فالصناعة، التي كانت قوة رئيسية في الماضي، لا تُمثل الآن سوى 19.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تقلصت حصة الزراعة، الضرورية للأمن الغذائي، إلى نسبة ضئيلة.

متظاهران في مدينة نانت يحملان لافتة «تودّع» بايرو بعد سقوط حكومته (أ.ف.ب)

هذا الاعتماد المفرط على الخدمات يجعل فرنسا «مدمنة» للاستيراد، ويُضعف موقفها في مواجهة الأزمات الدولية.

والواقع أن هذا الخلل ناتج إلى حد كبير عن عقود من السياسات العامة التي ضحّت بالإنتاج لمصلحة إعادة التوزيع. فبإعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي على الاستثمار المُربح، ضعفت الصناعة الفرنسية وصارت إدارة الاقتصاد مكلفة جداً.

لا شيء في الأفق ينبئ بأن السنتين الأخيرتين من حكم إيمانويل ماكرون ستشهدان حلولاً تُنهي الأزمة المتمادية، فالدولة الفرنسية ستبقى في دوّامة الإنفاق الذي يفوق المدخول، وقوى اليمين واليسار والوسط ستتصارع لتُسقط إحداها الأخرى، فيما تعجز كلها عن تقديم الوصفات العلاجية الفعّالة.

قد يكون الموعد الحاسم ربيع 2027، موعد إجراء الانتخابات الرئاسية. وقد يكون على الرئيس المقبل أن يقود فرنسا إلى انقلاب سياسي واقتصادي واجتماعي ينتشلها من رواسب الجمهورية الخامسة وينقلها إلى رحاب الجمهورية السادسة.


مقالات ذات صلة

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

كشف قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر للتواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية سفينة تنقل غاز البترول المسال في ميناء مومباي بالهند بعد عبورها مضيق هرمز... 1 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

مصدر: محادثات تقودها فرنسا وبريطانيا ستشمل فرض عقوبات على إيران

قال مصدر، الثلاثاء، إن المناقشات التي تقودها بريطانيا وفرنسا بشأن الخطوات اللازمة لفتح مضيق هرمز ستشمل فرض عقوبات مالية محتملة على إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا البابا لاوون الرابع عشر مستقبلاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الفاتيكان (د.ب.أ)

دعوة للسلام في أول لقاء بين ماكرون والبابا لاوون الرابع عشر

قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، بزيارة للفاتيكان التقى خلالها البابا لاوون الرابع عشر للمرة الأولى.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون لترمب وبزشكيان: قرار وقف النار كان الخيار الأفضل

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، إنه تحدث إلى كل من الرئيسين الإيراني والأميركي، وأبلغهما بأن قرارهما قبول وقف إطلاق النار هو الخيار الأمثل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا صورة للفرنسيَّين سيسيل كولر (يسار) وشريكها جاك باريس إلى جانب لافتة كُتب عليها «الحرية لسيسيل كولر وجاك باريس المحتجزَين تعسفياً في إيران لأكثر من عامين في ظروف مروعة» وذلك خارج قصر بوربون مقر الجمعية الوطنية الفرنسية (أ.ف.ب)

ماكرون يعلن إفراج طهران عن زوجين فرنسيين

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الثلاثاء)، أنَّ مواطنَين فرنسيَّين اثنَين كانا محتجزَين في إيران، في طريقهما إلى الوطن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

كشف قصر الإليزيه، الثلاثاء، ​أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌ورئيسة المفوضية ‌الأوروبية أورسولا ​فون ‌دير ⁠لاين ​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر لوسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف الإليزيه أن ⁠رئيس الوزراء الإسباني ‌بيدرو ‌سانشيز وممثلين ​عن ‌إيطاليا وهولندا وآيرلندا ‌سيشاركون في الاتصال الجماعي، من بين آخرين، يوم الخميس، ‌مضيفاً أن القائمة النهائية للمشاركين ستعلن لاحقاً.

وقال ⁠أحد ⁠مساعدي الرئيس للصحافيين: «الهدف الرئيسي هو تنسيق العمل ودفع المفوضية الأوروبية، بالمعنى الإيجابي للكلمة، للمضي قدماً بنفس وتيرة الدول الأعضاء».


الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو
TT

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

سارت موسكو وبكين خطوة جديدة لتعزيز تنسيق مواقفهما حيال الوضع في الشرق الأوسط، ومع توقعات بإعداد مشروع قرار جديد لعرضه على مجلس الأمن، أعلن الطرفان عزمهما على القيام بتحرك مشترك لتخفيف التوتر القائم حول إيران.

وأجرى وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي يزور بكين حالياً، جولة محادثات مع نظيره الصيني وانغ يي ركزت على الوضع في المنطقة، وآليات التحرك المشترك لدفع جهود تسوية مرضية بين طهران وواشنطن. وأكد لافروف على تقارب موقفي البلدين حيال الوضع في المنطقة والعالم. ووقع الوزيران في ختام المحادثات «خريطة طريق» لتعزيز تنسيق التحركات الدبلوماسية المشتركة خلال عام 2026.

وزيرا خارجية الصين وانغ يي وروسيا سيرغي لافروف بعد توقيعهما على اتفاقية بين البلدين في بكين الثلاثاء (رويترز)

وعارضت موسكو وبكين الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، وأعلن الطرفان مواقف متقاربة حيال قرار واشنطن فرض حصار على مضيق هرمز رداً على التحركات الإيرانية فيه.

وكان مسؤول في الخارجية الروسية استبق الزيارة بإعلان اقتراب البلدين من طرح مشروع قرار جديد في مجلس الأمن قال إن موعد طرحه سوف يتحدد «بناء على تطورات الوضع على الأرض». وبدا أن زيارة لافروف هدفت إلى تنسيق المواقف وإطلاق تحرك مشترك في حال فشلت جهود التسوية الحالية ووصلت المفاوضات الإيرانية الأميركية إلى طريق مسدود.

واستبق لافروف زيارته بإجراء سلسلة مكالمات هاتفية مع نظرائه في إيران وتركيا ودولة الإمارات. وبدا أن تنشيط الدبلوماسية الروسية مرتبط بتوقعات المفاوضات وترتيب آليات للتحركات المقبلة.

في هذا الإطار قالت الخارجية الروسية إن الجانب الروسي «رحب بالالتزام بمواصلة الجهود الدبلوماسية، وإيجاد حلول لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع بين الولايات المتحدة وإيران»، وزادت في بيان أنه جرى خلال اتصال هاتفي بين لافروف ونظيره الإيراني عباس عراقجي بحث تطورات الموقف في ضوء نتائج الجولة السابقة مع الولايات المتحدة التي فشلت في تقريب وجهات النظر.

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

وأكد الجانب الروسي ترحيبه بـ«الالتزام المستمر بمواصلة الجهود الدبلوماسية وإيجاد حلول تعالج الأسباب الجذرية للصراع، وتحقق استقراراً طويل الأمد في المنطقة، مع مراعاة المصالح المشروعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وجيرانها».



كما أفادت «الخارجية» الروسية في بيان منفصل بأن وزير الخارجية تبادل وجهات النظر مع نظيره الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، وأجرى الوزيران تقييماً للوضع في الخليج العربي عبر الجوال، واتفقا على البقاء على اتصال لتسهيل عودة العمليات إلى طبيعتها في مضيق هرمز.

وفي اليوم نفسه تحدث لافروف مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وناقش الجانبان وفقاً لبيان «سبل حل الأزمة الناجمة عن الهجوم الأميركي الإسرائيلي غير المبرر على إيران».

وأضاف البيان المنشور على موقع الوزارة أن موسكو وأنقرة أعربتا خلال المكالمة عن استعدادهما لدعم الجهود الرامية إلى حل النزاع سلمياً.

وفي بكين وبالتزامن مع وجود لافروف، عدّت «الخارجية» الصينية الحصار الأميركي على مضيق هرمز «عملاً خطيراً وغير مسؤول»، محذرة من أنه سيزيد التوتر في المنطقة ويقوض الهدنة الهشة. وقال المتحدث باسم «الخارجية» الصينية، غو جياكون: «لقد توصل الجانبان إلى وقف إطلاق النار، فيما الحشد العسكري الأميركي والحصار لن يؤديا إلا إلى تفاقم التوتر، وتقويض وقف إطلاق النار الهش، وتهديد سلامة الملاحة في مضيق هرمز بمثابة تهديد خطير. هذا عمل خطير وغير مسؤول».

وكانت موسكو أعربت عن موقف مماثل قبل ذلك، ورأى الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف أن قرار واشنطن بإغلاق المضيق يزيد الأمور صعوبة، ويهدد بتداعيات واسعة على الإمدادات والوضع الاقتصادي العالمي.

واستبقت موسكو زيارة لافروف إلى بكين بتجديد عرض الوساطة الروسية لتخفيف التوتر. وقال بيسكوف في وقت سابق إن فكرة «نقل المخزون الإيراني من الوقود المخصب إلى الأراضي الروسية ما زالت قائمة».

خريطة تُظهر مضيق هرمز وبراميل نفط مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وتقترح موسكو ضمانات لتسهيل التوصل إلى اتفاق إيراني أميركي تشتمل على وقف النشاط النووي الإيراني مع الاحتفاظ بحق إيران في تطوير برامج سلمية في المستقبل. ويقوم اقتراح الوساطة الروسي على أن نقل المخزون المخصب من الأراضي الإيرانية من شأنه أن يزيل واحدة من العقبات الرئيسية التي عرقلت حتى الآن التوصل إلى تفاهم على وقف نهائي لإطلاق النار والتوصل إلى صياغة جديدة لاتفاق شامل ينهي الأزمة.

وكانت موسكو لعبت دوراً مماثلاً خلال المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني التي أسفرت عن اتفاق شامل في عام 2015، واشتمل الدور الروسي في ذلك الحين على تقديم ضمانات بنقل المخزون المخصب من الوقود إلى الأراضي الروسية لضمان عدم استخدامه في تطوير قدرات عسكرية.

وتشهد الصين الثلاثاء سلسلة زيارات لقادة أجانب معنيين بدرجات مختلفة بتداعيات أحداث الشرق الأوسط، هم ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والرئيس الفيتنامي تو لام.

رأى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الثلاثاء، في ختام محادثات أجراها مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين أن «الصين تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً» في حلّ النزاع في الشرق الأوسط. وقال سانشيز في مؤتمر صحافي: «كل جهود يمكن بذلها، وخصوصاً من جانب الدول التي تتمتع بقدرة على الحوار ولم تشارك بشكل نشط في هذه الحرب غير القانونية... ليست موضع ترحيب فحسب، بل هي حقاً ضرورية».

وزير الخارجية الفرنسي: يجب رفع الحصار عن مضيق هرمز بشكل عاجل

وعدّ رئيس الوزراء الإسباني الذي يُعدّ من أبرز الأصوات الغربية المعارضة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أنه يقف «في الجانب الصحيح من التاريخ». وأضاف: «ما نريده هو أن تُحترَم الشرعية الدولية، واليوم هذه الشرعية الدولية تنتهكها في المقام الأول دولة واحدة هي حكومة إسرائيل».

وتابع: «غالبية المواطنات والمواطنين في بلدنا لا يريدون الحرب (...) ويريدون أيضاً ألا يسود الإفلات من العقاب، وألا تبقى الجرائم من دون عقاب، مثل جرائم الإبادة الجماعية، كما نرى في غزة، التي نأمل ألا تتكرر في لبنان».

من جهة أخرى، أشار سانشيز، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى أنه بحث مع الرئيس الصيني في «إصلاح» النظام الدولي لجعله «أكثر شمولاً بكثير، وأكثر تمثيلاً، وأكثر ديمقراطية»، ولكي «يعكس على نحو أفضل الواقع المتعدد الأقطاب لعالم اليوم».

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

وأعرب سانشيز الذي يزور بكين للمرة الرابعة في أربع سنوات، عن رغبته في أن تكون العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين «أكثر توازناً بكثير». وتهدف زيارة سانشيز التي تستمر ثلاثة أيام إلى تنشيط التبادلات التجارية مع الدولة الآسيوية العملاقة التي يحتل اقتصادها المرتبة الثانية عالمياً، في وقت تشهد العلاقات بين مدريد وواشنطن توتراً.

وعدّت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس، الاثنين، أنّ «لا معنى» للحصار البحري الذي أعلنته الولايات المتحدة لمضيق هرمز.

وهدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشهر الماضي بقطع التبادل التجاري مع إسبانيا عندما رفضت مدريد استخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات أميركية ضد إيران.

وأوضحت الحكومة الإسبانية أن الهدف الأساسي للزيارة هو تعزيز حضور المنتجات الزراعية والصناعية في السوق الصينية، إضافة إلى البحث في مشاريع مشتركة في قطاع التكنولوجيا.

بدورها، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الثلاثاء، على أهمية مواصلة مفاوضات السلام لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والسعي أيضاً إلى إعادة فتح مضيق هرمز. وقالت ميلوني للصحافيين في مدينة فيرونا بشمال إيطاليا: «من الضروري مواصلة العمل لدفع مفاوضات السلام قدماً، وبذل كل جهد ممكن لتحقيق الاستقرار وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يعد أساسياً بالنسبة لنا ليس فقط من أجل إمدادات الوقود بل والأسمدة».

كذلك حمل نائب المستشار الألماني، لارس كلينجبايل، الولايات المتحدة وإيران مسؤولية التوصل إلى حل يضمن سلاماً قابلاً للاستمرار في ظل التوترات الحالية في منطقة الشرق الأوسط. وقال كلينجبايل في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «تقع على عاتق الولايات المتحدة وإيران مسؤولية التوصل إلى حل قابل للاستمرار لتحقيق السلام»، منتقداً إغلاق مضيق هرمز المعلن من جانب الولايات المتحدة، وأضاف: «كل ذلك يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وإلى استمرار استشعارنا تداعيات اقتصادية على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد... الأفضل هو استئناف المفاوضات والتوصل إلى وقف فعلي لإطلاق النار. كما ينبغي ضمان فتح مضيق هرمز وتأمينه».

جانب من لقاء الرئيس الصيني شي ​جينبينغ مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في بكين (أ.ب)

ونقلت صحيفة «ميرور» ​عن وزيرة المالية البريطانية ريتشل ريفز القول، الثلاثاء، إنها تشعر «بخيبة ‌أمل وغضب ‌شديدين» ​إزاء ‌ما ⁠وصفته ​بفشل الولايات ⁠المتحدة في وضع خطة انسحاب واضحة أو تحديد أهداف معينة ⁠للحرب في ‌إيران. وقالت ‌ريفز ​للصحيفة: «هذه ‌حرب لم ‌نبدأها، حرب لم نكن نريدها. أشعر بخيبة أمل وغضب ‌شديدين لأن الولايات المتحدة دخلت ⁠هذه ⁠الحرب دون خطة انسحاب واضحة، ودون فكر واضح لما كانت تسعى إلى تحقيقه». وأضافت: «نتيجة لذلك، صار مضيق ​هرمز ​مغلقاً الآن».


إسبانيا تقرّ قانون عفو يشمل مئات الآلاف من المهاجرين

وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)
وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)
TT

إسبانيا تقرّ قانون عفو يشمل مئات الآلاف من المهاجرين

وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)
وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز (إ.ب.أ)

أعلنت وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سايز، الثلاثاء، أن كل من يستوفي الشروط المطلوبة، وفقاً لقرار العفو بنظام الهجرة الذي تم إقراره اليوم، يمكنه الآن التقدم بطلب للحصول على تصريح إقامة وعمل لمدة عام واحد، مضيفة أنه يمكن للمهاجرين البدء في تقديم الطلبات بشكل شخصي بداية من 20 أبريل (نيسان) الحالي، على أن يتاح التقديم عبر الإنترنت بدءاً من يوم الخميس المقبل، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وكانت الحكومة الإسبانية، قد أقرت، الثلاثاء، الإجراءات النهائية المتعلقة بالعفو عن المهاجرين غير النظاميين، والذي سبق أن أعلنت عنه في وقت سابق العام الحالي.

وقالت الحكومة إن القرار سيفتح الباب أمام مئات الآلاف من المهاجرين الذين يقيمون، ويعملون في إسبانيا دون أوراق ثبوتية رسمية، للتقدم بطلباتهم لتقنين أوضاعهم.

وتم إقرار هذا العفو بطريقة سريعة عبر مرسوم يعدل قوانين الهجرة؛ ما سمح لحكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بتجاوز البرلمان الذي سبق أن تعثرت فيه محاولة عفو سابقة، حيث لا تمتلك الحكومة فيه أغلبية.

وأشادت سايز بهذا الإجراء معتبرة أنه وسيلة تمكن إسبانيا - التي كانت من بين أسرع اقتصادات الاتحاد الأوروبي نمواً على مدى عامين - من مواصلة توسعها.

وقالت الوزيرة: «من الواضح أن ازدهارنا مرتبط بكيفية إدارتنا لملف الهجرة وبمساهمات العمال الأجانب، فهذه المساهمات تسمح لنا بالنمو اقتصادياً، وخلق فرص العمل والثروة، والحفاظ على نظام الرفاهية الاجتماعية الخاص بنا».

وأضافت سايز أنه يتعين أن يكون المهاجر قد وصل إلى إسبانيا قبل الأول من يناير (كانون الثاني) هذا العام، وأن يثبت إقامته الفعلية في البلاد لمدة لا تقل عن 5 أشهر، وذلك من خلال تقديم وثائق «عامة كانت أم خاصة».

كما شددت الحكومة على ضرورة ألا يكون للمتقدمين أي سوابق جنائية.

ويأتي هذا التوجه الإسباني مخالفاً تماماً لسياسات الهجرة السائدة في معظم الدول الأوروبية، حيث تسعى حكومات تلك الدول إلى تقليص أعداد الوافدين، وتشديد إجراءات الترحيل، كما يتناقض هذا القرار أيضاً مع السياسات القاسية التي تنتهجها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مجال الهجرة.

ومن جانبه، أشاد سانشيز بهذا الإجراء، ووصفه بأنه «عمل من أعمال العدالة، بل ضرورة ملحة».

وجدد سانشيز تأكيد موقف حكومته، وهو أن كل من يقيم ويعمل في إسبانيا «ينبغي أن يفعل ذلك في ظل ظروف متكافئة»، وأن يؤدي الضرائب المستحقة عليه.

وكتب سانشيز عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي: «نحن نمنح الحقوق، لكننا في المقابل نطالب بالالتزامات».

وكانت الحكومة الإسبانية قد قدرت أن ما يقرب من نصف مليون شخص يقيمون حالياً بشكل غير نظامي قد يكونون مؤهلين للتقدم بطلباتهم، بينما تشير تقديرات بعض المحللين إلى أن عدد من يعيشون في ظل المجتمع الإسباني قد يصل إلى 800 ألف مهاجر.