ماكرون ينتقد تخلّي الولايات المتحدة عن حلفائها... ويرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

أكّد ضرورة توسيع «دائرة تأثير» باريس... وحثّ الأوروبيين على تعزيز «الاستقلالية الاستراتيجية»

الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
TT

ماكرون ينتقد تخلّي الولايات المتحدة عن حلفائها... ويرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)

قاتمة الصورة التي رسمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ظهر الخميس، في الكلمة التي ألقاها أمام سفراء بلاده عبر العالم، بمناسبة مؤتمرهم الثلاثين الذي حلّ في قصر الإليزيه. قاعة الأعياد التي تقع في الطابق الأرضي للقصر الرئاسي كانت ممتلئة تماماً بالوزراء وبعدد من النواب، وخصوصاً بسفراء فرنسا الذين يشكّلون، وفق وزارة الخارجية، ثاني أكبر شبكة دبلوماسية في العالم بعد الولايات المتحدة.

وبعكس ما درج عليه منذ وصوله إلى الرئاسة ربيع عام 2017، امتنع ماكرون عن تناول أزمات العالم، واحدة بعد الأخرى، مُفضّلاً التطرّق لما يعتبره التحديات الكبرى التي تواجهها بلاده ومعها الاتحاد الأوروبي في عالم «خطير ومتحول»، إلا أن ماكرون لم يبخل في توجيه الثّناء للعمل الذي يقوم به ممثلو فرنسا في الخارج، وفي التعبير عن ارتياحه للدور الذي تلعبه على المسرح الدولي، متوقفاً عند النجاحات التي حققتها، وبشكل خاص عند النتائج التي أفرزتها قمة «تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا التي استضافها الإليزيه، وعند المبادرات الكثيرة التي أطلقتها أو دعمتها، إن كان في إطار الاتحاد الأوروبي - كالدفع باتجاه استراتيجية دفاعية واستقلالية استراتيجية - أو الأمم المتحدة - كالاعتراف بدولة فلسطين - أو بشأن البيئة ومصير المحيطات وتمويل الدول الفقيرة، وخصوصاً الأفريقية.

صورة جماعية للقادة وممثلي الدول الأعضاء في «تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا الذي التأم في باريس الثلاثاء الماضي (رويترز)

ثمة هاجس يسيطر على الرئيس الفرنسي وعلى الكثيرين من قادة العالم غرباً وشرقاً، اسمه دونالد ترمب، والسياسات التي يمارسها، والأطماع التي لا يخفيها. من هنا، أهمية الانتقادات التي وجّهها الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة، من غير أن يسمي نظيره الأميركي بالاسم. والخوف الأكبر الذي يسكن ماكرون عنوانه تهميش أوروبا، وفرنسا في قلبها، وتفكّك الحلف الأطلسي، ونسف المنظمات الدولية، وتقاسم النفوذ في العالم بين قطبين هما الولايات المتحدة والصين، وعودة الأطماع الإمبريالية إلى الواجهة، أكانت روسية (في أوكرانيا)، أم أميركية (في فنزويلا وغرينلاند)، أم صينية (في تايوان).

هل ما زالت واشنطن حليفاً؟

بيد أن سهام ماكرون الأكثر شحذاً وجّهها الرئيس الفرنسي للحليف الأميركي. وما ذكره يشكّل مضبطة اتهام بحق واشنطن والرئيس ترمب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

فالولايات المتحدة، في نظره، قوة «تنصرف تدريجياً عن بعض حلفائها، وتتحرر من القواعد الدولية التي كانت تروّج لها حتى وقت قريب». كذلك، فإن إدارة ترمب تمارس سياسة يصح توصيفها بـ«العدوانية الاستعمارية الجديدة»، ملمّحاً إلى ما قامت به في فنزويلا، وما تنوي تنفيذه في الدنمارك. ولا ينسى ماكرون التنديد بتخلّي واشنطن عن المنظمات الدولية، وعن «التعددية الفعّالة» في إدارة شؤون العالم، وتفضيلها أنانية المصالح الخاصة. وفي رأي ماكرون، فإن «أداء المؤسسات متعددة الأطراف يتراجع بشكل مطّرد؛ إذ نحن نعيش في عالم قوى عظمى لها رغبة حقيقية في تقاسم العالم في ما بينها»، مستهدفاً بكلامه الولايات المتحدة بالطبع، ولكن أيضاً الصين وروسيا.

في خطاب له في بودابست في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024، بمناسبة قمة «المجموعة السياسية الأوروبية»، قال ماكرون ما حرفيته أن «العالم يتكون من فئتين: أكلة اللحوم من جهة، وأكلة الأعشاب من جهة أخرى. وإذا كان قرارنا البقاء كأكلة الأعشاب، فسوف يلتهمنا أكلة اللحوم؛ لذا فمن الأفضل لنا أن نكون (في الوقت عينه) من أكلة الأعشاب وأكلة اللحوم». ويبدو أن ماكرون ما زال عند هذا الرأي، بقوله الخميس: «نحن نرفض الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، لكننا في المقابل نرفض أيضاً التبعية والانهزامية».

عالم مهزوز

تُبيّن رؤية ماكرون «عالماً يختل نظامه» بسبب امتناع قوى رئيسية فاعلة عن احترام الأسس التي ينهض عليها البناء الدولي القويم. فمقابل الولايات المتحدة التي تحرر رئيسها من قيود القوانين الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول، هناك روسيا التي تشكّل «قوة لزعزعة الاستقرار»، وهناك الصين التي يشكو من سياستَيها الاقتصادية والتجارية. ولخّص الوضع بالتالي: «لدينا (إضافة لروسيا) مشكلة مزدوجة: العدوانية الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية»؛ لذا فإن «وجود الأمرين معاً يعد مشكلة كبيرة».

ماكرون متوسّطاً ستارمر وزيلينسكي في قصر الإليزيه يوم 6 يناير (إ.ب.أ)

للخروج من هذه الصورة المعتمة، ولأنه يرفض الانهزامية والوقوف موقف المتفرج أمام عالم يتداعى؛ فإن الرئيس الفرنسي يقترح مجموعة من الخطوات الضرورية على ثلاثة مستويات: الوطني الفرنسي، والأوروبي، والدولي. ففي ما خصّ المستوى الأول، يؤكد ماكرون أن «الموقف الوحيد المقبول في عالم يفقد القواعد، ويغلب عليه قانون الأقوى، هو أن نؤمن بأننا أقوياء، وأن نحافظ على وحدتنا، وأن نعمل على زيادة مناعتنا، وأن نوسّع دائرة تأثيرنا».

ويضيف الرئيس الفرنسي: «لسنا هنا للنحيب والبكاء على مصير العالم، بل لنعمل ونتحرك»، مُذكّراً بأن فرنسا تتمتع بـ«الاستقلالية الاستراتيجية»، ومُلمّحاً إلى قدراتها النووية، وأنها نجحت في التأثير على الأجندة الأوروبية. وفي نظره، يتعين العمل بشكل «براغماتي»، والدفاع عن المصالح الفرنسية، وتوسيع دائرة التأثير الفرنسي، ورفض التبعية مهما تكن ولأي جهة كانت. وخلاصته أن «ما نجحنا في تحقيقه لفرنسا وفي أوروبا يسير في الاتجاه الصحيح»، لجهة الدفع باتجاه تعزيز القدرات الدفاعية الفرنسية والأوروبية، بما فيها البرامج الصناعية الدفاعية، و«تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية» في مواجهة الولايات المتحدة والصين، سواء في المجال التجاري أو الأمني.

وأكثر من مرة، أراد ماكرون أن يبرز معالم القوة لفرنسا والاتحاد الأوروبي، مذكّراً بأنه يتشكّل من 450 مليون مواطن ومستهلك، وأنه قوة اقتصادية وتجارية قائمة وساعية لتكون قوة استراتيجية.

طموحات ماكرونية

أعرب الرئيس الفرنسي عن طموحاته للاستفادة من ترؤس بلاده «مجموعة السبع» بدءاً من أول يناير (كانون الثاني)، مؤكداً رغبته في جعله محطّة لمكافحة «الاختلالات العالمية» بطريقة «تعاونية»، ولا سيما مع الصين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

وحذّر من أن «مجموعة السبع» يجب ألا تتحول إطلاقاً إلى «نادٍ مناهض لدول (بريكس)»، وهو تكتل آخر يضم «الدول الصاعدة الكبرى» مثل البرازيل وروسيا والهند والصين. ولخّص ما سبق بالقول: «ما تمكنّا من تحقيقه لفرنسا وأوروبا يسير في الاتجاه الصحيح: مزيد من الاستقلال الاستراتيجي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين». لكن الحقيقة لا تبدو زهرية لهذا الحد، وقد اتّضحت حاجة أوروبا للدور الأميركي عسكرياً واستراتيجياً في أوكرانيا، فضلاً عن ضعفها في وجه الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، والعقوبات التي يهدد بها الأوروبيين في حال أعاقوا عمل الشركات الأميركية الكبرى في المجالات التكنولوجية المتقدمة.

ويسعى ماكرون إلى إصلاح نظام «التعددية الفعّالة» التي يرفضها ترمب تماماً، كما يرفض المنظمات الدولية التي خرج من العديد منها كـ«اليونيسكو» ومنظمة الصحة الدولية، ومن الاتفاقيات الخاصة بالمناخ كاتفاقية باريس لعام 2015. كذلك يريد ماكرون إصلاح عمل الأمم المتحدة والحوكمة العالمية.

إنها، من غير شك، طموحات مشروعة، لكن هل هي قابلة أن تتحول إلى واقع؟ السؤال مطروح، وعلامات الاستفهام عديدة إذا التفتنا إلى أوضاع فرنسا على المستويين السياسي والاقتصادي، وأن البلاد ما زالت متشظية سياسياً، ومنهكة اقتصادياً، ومتوترة اجتماعياً.


مقالات ذات صلة

ما الخطوة التالية من خطة ترمب لغزة بعد إعادة فتح معبر رفح؟

المشرق العربي مركبة تابعة للأمم المتحدة ترافق حافلة تقل مرضى فلسطينيين بخان يونس وهم في طريقهم إلى معبر رفح مغادرين قطاع غزة لتلقي العلاج الطبي بالخارج 2 فبراير 2026 (أ.ب) play-circle

ما الخطوة التالية من خطة ترمب لغزة بعد إعادة فتح معبر رفح؟

حظيت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في غزة بدفعة قوية، الاثنين، مع إعادة فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الاقتصاد عامل يتفقد مركزات النحاس في ميناء بونتا تشونغو المستخدمة لتصدير النحاس من منجم لوس بيلامبريس الرئيسي (رويترز)

ترمب يُطلق مشروعاً لتخزين المعادن بقيمة 12 مليار دولار لمواجهة الصين

ذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعتزم إطلاق مشروع لتخزين المعادن الاستراتيجية الحيوية برأسمال أولي 12 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)
شؤون إقليمية رجل يمر أمام لوحة جدارية تصوِّر تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

إيران: بزشكيان يوجه ببدء مسار المفاوضات النووية

أفادت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصدر مطّلع، بأن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أصدر توجيهاً ببدء مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ صورة مأخوذة يوم الأحد 1 فبراير 2026 لوثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر التقرير الذي صدر عند اعتقال إبستين في 6 يوليو 2019 (أ.ب) play-circle 02:15

مسؤول أميركي يستبعد توجيه اتهامات إضافية بسبب «ملفات إبستين»

قلل مسؤول كبير بوزارة العدل الأميركية من احتمال توجيه اتهامات جنائية إضافية ناجمة عن ملفات رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

فرنسا تمضي نحو اعتماد ميزانية 2026 المؤجَّلة

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خلال مؤتمر صحافي في بينيو بوسط فرنسا... 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خلال مؤتمر صحافي في بينيو بوسط فرنسا... 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تمضي نحو اعتماد ميزانية 2026 المؤجَّلة

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خلال مؤتمر صحافي في بينيو بوسط فرنسا... 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خلال مؤتمر صحافي في بينيو بوسط فرنسا... 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)

من المقرر أن تعتمد فرنسا أخيراً ميزانية 2026، اليوم الاثنين، عندما يسمح الفشل المتوقع لاقتراحي حجب الثقة بإقرار التشريع، الأمر الذي يتيح بارقة أمل في فترة استقرار نسبي لحكومة الأقلية الضعيفة بقيادة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وعكفت الطبقة السياسية الفرنسية على مفاوضات الميزانية لما يقرب من عامين، وذلك بعد أن أسفرت الانتخابات المبكرة التي أجراها الرئيس إيمانويل ماكرون في 2024 عن برلمان معلّق في وقت جعلت فيه الفجوة الهائلة في الماليات العامة فرض إجراءات تقشفية ضرورة ملحة.

وكلّفت مفاوضات الميزانية رئيسين للوزراء منصبيهما، وزعزعت استقرار أسواق الديون، وأثارت قلق شركاء فرنسا الأوروبيين.

ومع ذلك، تمكّن لوكورنو، الذي أثارت استقالته في أكتوبر (تشرين الأول) ثم ترشيحه مجدداً لانتقادات، من الحصول على دعم النواب الاشتراكيين من خلال تنازلات مكلفة، لكنها محددة الأهداف، ما عزز مكانته.

وقال المعلق السياسي المخضرم آلان دوياميل لإذاعة «آر تي إل»: «إنه نجاح سياسي وفشل اقتصادي».

وعلى الرغم من استمرار ارتفاع عجز الميزانية الذي يتوقع لوكورنو أن يسجل خمسة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فقد شجّع الاستقرار الجديد المستثمرين. وعادت علاوة الدين الحكومي الفرنسي فوق المستوى القياسي الألماني إلى مستويات سُجلت آخر مرة في يونيو (حزيران) 2024 قبل إعلان ماكرون عن إجراء انتخابات مبكرة.

وقال الاشتراكيون إنهم لن يدعموا مقترحي حجب الثقة، مما يعني أن ميزانية 2026، التي تأخرت أكثر من شهر، سيجري اعتمادها بمجرد انتهاء الاقتراعين.

وكان أهم إنجاز يحققه الاشتراكيون هو تعليق إصلاح نظام التقاعد الذي لم يلقَ قبولاً، ما أدى إلى تأجيل رفع سن التقاعد إلى 64 عاماً إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية العام المقبل.


روسيا تؤكد مشاركتها في المفاوضات المقبلة بشأن حرب أوكرانيا

صورة وزعها الجيش الأوكراني الاثنين لعناصر من قواته قرب كوستيانتينيفكا في إقليم دونيتسك (إ.ب.أ)
صورة وزعها الجيش الأوكراني الاثنين لعناصر من قواته قرب كوستيانتينيفكا في إقليم دونيتسك (إ.ب.أ)
TT

روسيا تؤكد مشاركتها في المفاوضات المقبلة بشأن حرب أوكرانيا

صورة وزعها الجيش الأوكراني الاثنين لعناصر من قواته قرب كوستيانتينيفكا في إقليم دونيتسك (إ.ب.أ)
صورة وزعها الجيش الأوكراني الاثنين لعناصر من قواته قرب كوستيانتينيفكا في إقليم دونيتسك (إ.ب.أ)

أكد الكرملين، الاثنين، مشاركة موسكو في جولة المفاوضات الثانية، مع كييف وواشنطن، في العاصمة الإماراتية أبوظبي يومي الأربعاء، والخميس، وقلّل من أهمية تأجيل الموعد السابق الذي كان مقرراً الأحد، مشيراً إلى أن التأجيل كان لأسباب «فنية» بسبب تعارض الجداول الزمنية لارتباطات الأطراف الثلاثة.

المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (إ.ب.أ)

وأوضح الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف أن بلاده ستشارك في الموعد الجديد الذي تم التوافق عليه، وقال إن الجولة المقبلة حول التسوية الأوكرانية بوساطة أميركية ستعقد يومي الـ4 والـ5 من فبراير (شباط) الجاري في أبوظبي. وزاد «نؤكد ذلك... ومستعدون لمواصلة العمل على حل الأزمة الأوكرانية».

ورداً على سؤال عن سبب تأجيل الجولة قال المتحدث الرئاسي إن «الأمر تطلب مراجعة إضافية، وتنسيقاً لجداول أعمال الأطراف الثلاثة، ما استدعى تأجيل اللقاء». وأكد بيسكوف أن موسكو ما زالت «منفتحة على المفاوضات. العمل الآن جارٍ ضمن المجموعات القائمة، نرحب بهذا العمل، ومستعدون لمواصلته لحل الأزمة في أوكرانيا»، وأضاف أن «موقف موسكو بشأن الاتصالات مع أوكرانيا ثابت». وفي هذا الإطار لفت الناطق إلى أن «(الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي يقترح إجراء اتصالات مباشرة على المستوى الرئاسي، ورئيسنا قال إن هذا ممكن على أن تنعقد أي لقاءات في موسكو». وتطرق بيسكوف إلى القرار الروسي بتعليق الضربات الجولة على أوكرانيا، مشيراً إلى أنه «ليس لدينا ما نضيفه إلى ما سبق ذكره، لقد نوقش موعد الأول من فبراير مدة لوقف الضربات بشكل مؤقت».

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريب في موقع غير مُعلن عنه في منطقة زابوريجيا (أ.ف.ب)

وكان الرئيس زيلينسكي أعلن الأحد عن توجه فريق التفاوض الأوكراني المشارك في الجولة الثانية من المفاوضات الثلاثية إلى الإمارات. وأضاف: «سيعقد هذا الاجتماع الأسبوع المقبل كما هو مخطط له يومي الأربعاء، والخميس». وتابع: «تحدثت للتو مع أمين مجلس الأمن القومي والدفاع رستم عميروف، وحددت موعداً لاجتماع غد للاتفاق على إطار المحادثات، والتحضير لكل شيء». وفي ليلة الجمعة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه طلب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدم شنّ ضربات على كييف وعدة مدن أخرى في أوكرانيا حتى الأول من فبراير. وأكد المتحدث باسم الكرملين تقديم هذا الطلب، وأن النقاش تركز على تهيئة الظروف المواتية لجولة المفاوضات المقبلة.

«مثمرة للغاية»

في سياق متصل أشاد بيسكوف بنتائج المحادثات التي جرت في ميامي بين كيريل ديميترييف، الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، وممثلي الولايات المتحدة، وقال إنها «كانت مثمرة لغاية». وقال بيسكوف للصحافيين، معلقاً على زيارة ديميترييف إلى ميامي: «كانت هذه مناقشات إيجابية ومحادثات بناءة». وفي المقابل، أكد الناطق الرئاسي الروسي انفتاح بلاده على الحوار مع أوروبا، وقال إن «الرئيس أكد مراراً وتكراراً أن روسيا منفتحة على الحوار مع أوروبا بأي شكل من الأشكال التي يرغب الأوروبيون أنفسهم في الانخراط فيها».

وأضاف بيسكوف أن الأوروبيين هم من بادروا بقطع جميع أشكال التواصل بين روسيا وأوروبا. وتابع قائلاً: «لم نبادر نحن بقطع جميع أشكال التواصل بأي شكل من الأشكال؛ بل الأوروبيون هم من فعلوا ذلك».

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أيا كالاس (إ.ب.أ)

«تنازلات صعبة»

إلى ذلك، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن أوكرانيا مستعدة لتقديم «تنازلات صعبة تطلب منها» في المفاوضات. وأضافت: «نشهد الآن ضغوطاً شديدة على الأوكرانيين لتقديم تنازلات صعبة للغاية، وهم على استعداد لذلك، لأنهم يريدون حقاً إنهاء هذه الحرب». وكانت كالاس قد تعرضت لانتقادات من قبل بعض الساسة الأوروبيين بسبب تصريحات سابقة لها حول المفاوضات مع روسيا حينما قالت إن «أوروبا لا تستطيع تقديم أي شيء لروسيا يتجاوز ما حققته في علاقاتها مع الأميركيين»، وبالتالي لا يوجد أساس لاستئناف الحوار بين بروكسل وموسكو. لكن هذا الموقف تعارض مع مواقف صدرت في عدد من البلدان الأوروبية بينها فرنسا. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كتبت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باريس تخطط لتحديد شكل لاستئناف الحوار مع موسكو، ورغبة ماكرون في إجراء اتصال مع الرئيس الروسي. لكن الكرملين علق على هذا الموضوع بإشارة إلى أن الرئيس الروسي على استعداد لاستعادة الاتصالات. لكنه اشترط لذلك «ليس فقط الإعلان عن رغبة في التواصل مع بوتين، بل أن تكون المحادثة المحتملة بين رئيسي الدولتين محاولة لفهم كل منهما مواقف الآخر، وليس لإلقاء المواعظ». في غضون ذلك، أفاد زيلينسكي الاثنين بأنه أصدر أوامره لقادة الجيش الأوكراني بالرد على تصاعد وتيرة الهجمات الروسية التي تستهدف خطوط الإمداد اللوجستية في البلاد، وتحديداً البنية التحتية للسكك الحديدية. وقال زيلينسكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «ما زال الجيش الروسي يركز على استهداف خطوط الإمداد اللوجستية لدينا، وخصوصا البنية التحتية للسكك الحديدية. وقد وقعت هجمات في منطقتي دنيبرو وزابوريجيا، استهدفت على وجه الخصوص مرافق السكك الحديدية». ميدانياً، أعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، الاثنين، أن قوات الدفاع الجوي الأوكرانية أسقطت ١٥٧ من أصل ١٧١ طائرة مسيرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على شمال وجنوب وشرق البلاد خلال الليل. وقال البيان إن القوات الروسية شنت هجمات على أوكرانيا خلال الليل باستخدام صاروخ باليستي من طراز «إسكندر-إم» تم إطلاقه من شبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى 171 طائرة مسيرة من طرز «شاهد» إيرانية الصنع، و«جيربيرا»، وطرازات أخرى بينها «إيتالما»، وطرز أخرى خداعية، تم إطلاقها من مناطق عدة. من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية في بيان أن الدفاعات الجوية الروسية اعترضت ودمرت 31 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق روسية خلال الليل.


رغم تراجع وتيرتها... الضربات الروسية على أوكرانيا تتسبب بأزمة طاقة

أحد المشاة يعبر طريقاً في يوم شتوي بالعاصمة الأوكرانية كييف وسط استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية للبلاد 30 يناير 2026 (رويترز)
أحد المشاة يعبر طريقاً في يوم شتوي بالعاصمة الأوكرانية كييف وسط استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية للبلاد 30 يناير 2026 (رويترز)
TT

رغم تراجع وتيرتها... الضربات الروسية على أوكرانيا تتسبب بأزمة طاقة

أحد المشاة يعبر طريقاً في يوم شتوي بالعاصمة الأوكرانية كييف وسط استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية للبلاد 30 يناير 2026 (رويترز)
أحد المشاة يعبر طريقاً في يوم شتوي بالعاصمة الأوكرانية كييف وسط استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية للبلاد 30 يناير 2026 (رويترز)

سُجّل تراجع في عدد الصواريخ والمُسيّرات التي أطلقتها روسيا على أوكرانيا، في يناير (كانون الثاني) الماضي، مقارنة بالشهر السابق له، وفق تحليل لبيانات سلاح الجو الأوكراني أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» ونشرته الاثنين، لكن الضربات تسببت في أزمة طاقة غير مسبوقة.

عانت أوكرانيا، خلال الشهر الماضي، أسوأ انقطاع للكهرباء والتدفئة والمياه، منذ بدء الغزو الروسي عام 2022. وأطلق الجيش الروسي، خلال الفترة نفسها، 4452 مسيّرة هجومية، بتراجع 13 في المائة عن ديسمبر (كانون الأول) 2025، و135 صاروخاً، بتراجع 23 في المائة.

وسرّعت القوات الروسية وتيرة تقدّمها في أوكرانيا خلال يناير، بعدما سيطرت على مساحة تقارب ضعف ما كانت قد استولت عليه في الشهر السابق، حسب البيانات التي حلّلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى معطيات معهد دراسة الحرب. ويأتي هذا التقدّم على الجبهة في وقت تشهد فيه أوكرانيا أدنى درجات حرارة منذ اندلاع الحرب، وهي ظروف عادة ما تعقّد العمليات البرّية. ووفق أرقام المعهد الذي يعمل بالتعاون مع مركز «كريتيكال ثريتس بروجكت»، استولت روسيا على 481 كيلومتراً مربعاً في يناير، في مقابل 244 كيلومتراً مربعاً في ديسمبر 2025، وهي من أكبر المكاسب المسجلة خلال شهر شتوي منذ بدء الغزو قبل أربع سنوات. وتشمل البيانات المناطق التي تقول كييف ومحللون عسكريون إن روسيا تسيطر عليها، بالإضافة إلى تلك التي يعلن الجيش الروسي السيطرة عليها.

جنود أوكرانيون في موقع لم يحدَّد في منطقة زابوريجيا أوكرانيا 30 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وبعد إخفاقها في تحقيق هجوم خاطف عام 2022 يُفضي إلى السيطرة على كييف وإسقاط القيادة الأوكرانية خلال أيام، غرقت موسكو في مواجهة الدفاعات الأوكرانية، وتخوض حالياً تقدماً بطيئاً في حرب استنزاف طويلة تكبّدها خسائر بشرية كبيرة. وتسعى روسيا إلى بسط السيطرة الكاملة على إقليم دونيتسك في شرق أوكرانيا، ولوّحت مراراً بمواصلة هجومها إذا لم توافق كييف على التنازل عنه. وترفض أوكرانيا التنازل عن أراضٍ، مؤكدة أن ذلك سيعزز موقف موسكو، كما ترفض توقيع أي اتفاق لا يردع روسيا عن شن هجوم جديد.

وعلى الرغم من محادثات ثلاثية جمعت موفدين أميركيين وأوكرانيين وروس في أبوظبي الشهر الماضي، تبقى مسألة الأراضي العقبة الرئيسية. ومن المقرر عقد جولة جديدة من المفاوضات يومي الأربعاء والخميس المقبلين في العاصمة الإماراتية.

وتسيطر روسيا على نحو 83 في المائة من إقليم دونيتسك الصناعي، وهو منطقة تعدين استراتيجية غنية بالموارد الطبيعية. وأظهر تحليل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن التقدم الروسي هناك تباطأ خلال يناير، وأنه وفق الوتيرة الحالية قد تحتاج موسكو إلى نحو 18 شهراً للسيطرة على الإقليم بأكمله.

وفي وقت تواصل فيه قواتها التقدم في الشرق والجنوب، كثّفت روسيا أيضاً ضرباتها على منشآت الطاقة الأوكرانية، ما دفع العاصمة كييف إلى حافة أزمة إنسانية، مع انقطاع الكهرباء والتدفئة عن ملايين السكان في ظل درجات حرارة وصلت إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر. وأظهر تحليل «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن روسيا تسيطر حالياً على نحو 19.5 في المائة من أراضي أوكرانيا. وكان نحو ثلث هذه المساحة -بما في ذلك شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو عام 2014- خاضعاً لسيطرة روسيا أو انفصاليين مدعومين منها قبل الغزو الشامل الذي بدأ في فبراير (شباط) 2022.