تساؤلات في الخرطوم بعد قرار حميدتي البقاء في دارفور

هل بسبب توتر مع الجيش أم اعتراضاً على الوساطة الأميركية ـ السعودية؟

محمد حمدان دقلو (حميدتي) (غيتي)
محمد حمدان دقلو (حميدتي) (غيتي)
TT

تساؤلات في الخرطوم بعد قرار حميدتي البقاء في دارفور

محمد حمدان دقلو (حميدتي) (غيتي)
محمد حمدان دقلو (حميدتي) (غيتي)

أثار قرار قائد قوات الدعم السريع، نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مغادرة الخرطوم، للبقاء في إقليم دارفور لمدة 3 أشهر، في الوقت الذي تشهد فيه العاصمة أحداثاً مهمة، كثيراً من الجدل والتساؤلات، حول ما إذا كان القرار نابعاً من رغبة الرجل في بسط الأمن في إقليم دارفور، أو أن له علاقة بالأوضاع في الخرطوم ومزاعم التوتر بينه وبين الجيش، أو عدم رغبته في البقاء قريباً من الحوار بين تحالف المعارضة «الحرية والتغيير» والجيش الذي ترعاه الوساطة الثنائية الأميركية السعودية. وقال حميدتي في تصريحات أدلى بها في إقليم دارفور المضطرب، بحسب نشرة وزعتها أجهزة إعلامه، إنه جاء من الخرطوم لمعالجة كل القضايا والمشكلات القبلية في ولاية غرب دارفور، وإنه لن يرجع حتى يجد حلاً لتلك المشكلات. وأضاف: «حضرنا هذه المرة، نحمل خيامنا للبقاء أطول فترة، ولن نغادر حتى نقف ميدانياً على كل صغيرة وكبيرة، نزور كل الأهل والمناطق التي شهدت أحداثاً، وسنجد حلاً لتلك المشكلات».
وبرغم أن حميدتي يترأس اللجنة العسكرية التي تتفاوض مع تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» (المجلس المركزي)، في إطار الوساطة الأميركية – السعودية، فإن الرجل آثر أن يبقى في إقليم دارفور لحل النزاعات في الإقليم كما يقول؛ لكن تحليلات ذهبت إلى أنه سيبقى هناك بسبب استيائه، لا سيما بعد انتشار معلومات عن توتر بين قواته والجيش السوداني، وتحذير من مساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية، مولي فيي، أثناء زيارتها للبلاد، من احتمال الصدام بين الطرفين.
وتطرقت تحليلات أخرى إلى احتمال أن يكون الرجل قد اختار النأي بنفسه عن الحوار بين المدنيين والعسكريين الجاري في الخرطوم، والذي قد يتوصل إلى توافق على حساب حلفائه من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، لا سيما أن الاجتماعات التي دارت في بيت السفير السعودي وشارك فيها حميدتي لم تشمل تلك الحركات، ولم تشمل حتى ممثلي الاتحاد الأفريقي في الآلية الثلاثية، واكتفت بإشراك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان (يونيتامس)، وهو الأمر الذي أثار غضب سفير الاتحاد الأفريقي في الخرطوم، محمد بلعيش، الذي أعلن الانسحاب من الآلية الثلاثية، قبل أن يعود ويتراجع عن انسحابه.
ومن دارفور، قال حميدتي واصفاً التوتر داخل الآلية الثلاثية وانزعاج حلفائه من حركات دارفور الموقعة على اتفاق سلام جوبا، والمشاركة في الحكومة الانقلابية، إنه يجدد التأكيد على دور الآلية الثلاثية في تسهيل الحوار بين الأطراف السودانية؛ خصوصاً دور الاتحاد الأفريقي في العمل وفق منهجية واضحة ومحددة.
ويترأس حميدتي الجانب العسكري في التفاوض مع «الحرية والتغيير»، إلى جانب كل من عضوي مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي، والفريق إبراهيم جابر. وبرغم أن الزمن ليس في صالح المتحاورين، فإن حميدتي آثر أن يكون بعيداً عن الخرطوم، زاعماً أنه هناك من أجل بسط الأمن في جنوب دارفور، وإنهاء حالة عدم استقرار الأمن، وقام بالفعل بعقد مصالحات بين عدد من المكونات الدارفورية.
وتتهم قطاعات واسعة من القوى المدنية قوات الدعم السريع بالضلوع في جريمة فض اعتصام القيادة العامة الشهير، وممارسة انتهاكات واسعة أدت إلى مقتل العشرات، وتضمنت انتهاكات جنسية وعمليات تعذيب وإخفاء قسري لا تزال عالقة. بيد أن الرجل قال في دارفور، الأسبوع الماضي، إنه ألقى القبض على كل الذين شاركوا في عملية فض الاعتصام من قواته، وتعهد بتقديمهم لمحاكمات عن تلك الجرائم.
وتواجه قوات الدعم السريع، منذ عهد الرئيس المعزول عمر البشير، اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أثناء الحرب الأهلية التي شهدتها دارفور في العشرية الأولى من القرن الجاري، بيد أن حميدتي، وحسب ما تردده مصادر مناوئة له، دخل في حلف سياسي وعسكري غير معلن مع خصومه السابقين في الحركات المسلحة الدارفورية، لا سيما «حركة العدل والمساواة» التي ألحق بقواتها خسائر فادحة في معركة شهيرة عُرفت بمعركة «قوز دنقو» في عهد نظام البشير.
ولم يشفع للرجل القادم من صحراء دارفور على ظهور إبل المجموعة العربية المسلحة في الإقليم، والمدعوم بسيارات «لاندكروزر» مسلحة، وعشرات الآلاف من المقاتلين، وبسيرة طويلة من القتال مع الحركات المسلحة في دارفور لصالح حكومة الإسلاميين، لم يشفع له دوره في القضاء على نظام الإسلاميين ودعم الثورة ضده، ورفضه قتل المحتجين السلميين وإعلانه الانحياز لهم، وفقاً لما ذكره في مقابلة أجرتها معه «الشرق الأوسط» قبل أكثر من عام، قال فيها إنه من أبلغ الرئيس المعزول عمر البشير بتنحيته، وإنه أخذ شقيقه ونائبه عبد الرحيم إلى سجن «كوبر» الذي لا يزال يقبع فيه. لكن حميدتي اتُّهم لاحقاً بالقيام بدور كبير في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

محادثات مصرية - صومالية تتناول مستجدات «القرن الأفريقي» والبحر الأحمر

محادثات وزير الخارجية المصري ونظيره الصومالي في موسكو الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
محادثات وزير الخارجية المصري ونظيره الصومالي في موسكو الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

محادثات مصرية - صومالية تتناول مستجدات «القرن الأفريقي» والبحر الأحمر

محادثات وزير الخارجية المصري ونظيره الصومالي في موسكو الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
محادثات وزير الخارجية المصري ونظيره الصومالي في موسكو الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

أكدت مصر «دعم جهود بناء مؤسسات الدولة الصومالية وتعزيز قدراتها»، كما شددت على رفضها الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها. جاء ذلك خلال محادثات بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، يوم الخميس، على هامش «القمة الروسية - الأفريقية» في موسكو، تناولت المستجدات في منطقة «القرن الأفريقي» والبحر الأحمر.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الخميس، بحث اللقاء سبل تعزيز العلاقات الثنائية ومواصلة تطوير التعاون في مختلف المجالات؛ إذ أشاد الوزير عبد العاطي بالزخم المتنامي الذي تشهده العلاقات المصرية - الصومالية، والحرص المتبادل على تطويرها في شتى المجالات الاقتصادية والتنموية والاستثمارية، مجدداً التأكيد على موقف مصر الثابت الداعم لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية.

وتبادل الوزيران الرؤى حول تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وأكدا «أهمية دعم مؤسسات الدولة الوطنية، والحفاظ على وحدة وسيادة وسلامة أراضي دول المنطقة». كما تناولت المحادثات سبل متابعة تنفيذ مخرجات «القمة الرباعية التشاورية» التي استضافتها مدينة العلمين المصرية، بما يسهم في «دعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية وخفض التصعيد في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

قمة رباعية في العلمين الشهر الحالي أكدت دعم وحدة وسيادة الصومال (الرئاسة المصرية)

وأكدت «القمة الرباعية التشاورية» التي انعقدت في العلمين (شمال غربي البلاد)، الشهر الحالي، والتي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيرَيه الإريتري أسياس أفورقي، والصومالي حسن شيخ محمود، ورئيس «مجلس السيادة الانتقالي» في السودان عبد الفتاح البرهان، أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة».

وشددت القمة حينها على «دعم وحدة وسيادة الصومال، ورفض أي تدخل أو إجراءات تستهدف وحدة أراضيه وسيادته الوطنية»، كما «رفضت أي اعتراف أو دعم لما يُسمى بـ(أرض الصومال)، باعتبار أن ذلك يعتبر مساساً بسيادة الجمهورية الفيدرالية ووحدة أراضيها».


تساؤلات حول مصير «المبادرة الأميركية» في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً بولس كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً بولس كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (مكتب الدبيبة)
TT

تساؤلات حول مصير «المبادرة الأميركية» في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً بولس كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً بولس كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (مكتب الدبيبة)

تزداد التساؤلات داخل الأوساط السياسية الليبية حول مستقبل «المبادرة الأميركية» لحل أزمة البلاد، وذلك بعد تصريحات مسيئة وجهها الرئيس دونالد ترمب لليبيا، قبل أن يسارع للتراجع عنها.

وفي الوقت الذي يعكف فيه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون العربية والأفريقية، على تفعيل مبادرة تهدف إلى إنهاء الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا، تُثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية حول آليات وسياقات استقباله في دولة كان ترمب قد وصفها بـ«القذرة».

وتساءلت عضوة «ملتقى الحوار السياسي» الليبي، الزهراء لنقي، عن أساس استقبال مبعوث لرئيس «يهين من يتوسط بينهم، وبأي مصداقية تُطرح مبادرة سلام لا تحترم كرامة الشعوب المعنية بها؟».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

«لا وساطة مع الاحتقار»

قالت لنقي عبر إدراج لها على موقع «فيسبوك» إن «احترام الشعوب شرط أخلاقي وسياسي لأي وساطة، ولا يمكن الفصل بين خطاب الوسيط ونهجه»، مضيفة: «لا سلام يُبنى على الإهانة، ولا وساطة تستقيم مع الاحتقار».

ورغم عدّ أصوات سياسية «تدوينة» ترمب اعتذاراً ضمنياً، فإنها لم تكن كافية لإنهاء الغضب تجاه الإدارة الأميركية وسياساتها في البلاد. ووصفها الدبلوماسي الليبي السابق، فرج زروق، بأنها «اعتذار سياسي وتراجع تكتيكي».

وفي هذا السياق، استبعد رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية»، الدكتور هاني شنيب، أن تتأثر المبادرة الأميركية بتصريح ترمب، الذي وصفه بـ«العشوائي»، والذي جاء في غمار حماس الحملة الانتخابية.

وقال شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن «غضب الشارع مجرد رد فعل مؤقت، والمسارات الاستراتيجية والمصالح أعمق بكثير من تصريح عنصري صدر عن الرئيس الأميركي».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومتين متنافستين: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وفي نهاية أغسطس (آب) الماضي، أعلنت البعثة الأممية اتفاق اللجنة المصغرة «4 + 4»، الذي ينص على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، تضم مجلساً رئاسياً وحكومة موحدة للبلاد، تمهد للانتخابات خلال عامين.

الرئيس الأميركي أدلى بتصريحات عدها الليبيون «مسيئة» (أ.ف.ب)

تنديد بتصريحات ترمب «المسيئة»

تشكك أصوات عدة، خصوصاً في الغرب الليبي، في أن اتفاق «4 + 4» يعد واجهة لتطبيق «المبادرة الأميركية»، التي يُتداول أنها تمنح صدام حفتر نائب رئيس المجلس الرئاسي، رئاسة المجلس الرئاسي، مع بقاء الدبيبة رئيساً للحكومة الموحدة، فيما لا تزال تلقى معارضة من أوساط مختلفة بغرب البلاد.

واتهم شنيب مناهضي المبادرتين الأممية والأميركية بـ«محاولة عرقلتهما بتأجيج الشارع، وتوظيف التصريحات للحفاظ على مكتسباتهم الراهنة في ظل وضعية الانقسام».

من جهته، سلّط المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، الضوء على «مسارعة الدبيبة وصدام حفتر، الطرفين المعنيين بالمبادرة الأممية والمسار الأممي، للتنديد بتصريحات ترمب المسيئة»، عادّاً أن تلك الخطوة «قطعت الطريق على أي محاولات للتشكيك في توجهاتهما، والحديث عن تعرضهما لضغوط، رغم ما يعرفه الجميع من تدخل أميركي واسع بالساحة الليبية».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وقال الدبيبة عبر «فيسبوك»: «ليبيا دولة ذات سيادة، ونرفض أي إساءة إليها أو إلى شعبها، الذي قدّم تضحيات كبيرة في محاربة الإرهاب»، فيما عدّ صدام حفتر أن ما صدر عن ترمب يعد «مستنكراً ومرفوضاً».

وأشار العبدلي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن النخب الليبية تدرك «تعدد دوائر صنع القرار في واشنطن، والأمر لا ينحصر في تصريحات رئيس يُعرف بتهوره». موضحاً أن «ليبيا دولة مهمة بالمنطقة، وأن مستشاري الرئيس يدركون ذلك، ولذا أقنعوه بالتراجع تفادياً لتأثيرات سلبية قد تطول الصفقات النفطية، ومبادرة بولس للتسوية، أو تخلق حالة توتر بين الشعب والوجود الدبلوماسي الأميركي».

ويرى العبدلي أن «انعقاد اجتماع لجنة (4 + 4) في بريطانيا الأربعاء الماضي، بحضور مسؤولين ودبلوماسيين دوليين وربما أميركيين، في إطار دعم المسار الأممي»، يعد أكبر دليل على عدم تأثر المسارات السياسية بتلك التصريحات.

ولم يبتعد المحلل السياسي، هشام سالم الحاراتي، عن الآراء السابقة، وعدّ أن تصريحات ترمب لن تؤثر على المبادرة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأصوات المعارضة ليست جزءاً من المفاوضات الجارية لحل الأزمة السياسية للبلاد، فلا يمكنها عرقلتها، ولا يمكنها أيضاً إيجاد رأي عام واسع يفرض ذلك».

وتوقع الحاراتي أن يقتصر الأمر «على محاولة إعادة الزخم للحراك الرافض للمبادرة إعلامياً». معرباً عن اعتقاده بأن «الأطراف الليبية المعنية بالمبادرة الأميركية والمسار الأممي لم توقف تواصلها ولقاءاتها مؤخراً، وإن جرت في الكواليس تخوفاً من إثارة الانتقادات، واستغلال الخصوم للأمر».


القضاء التونسي ينظر مجدداً في ملف «الجهاز السري» لحركة النهضة

رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
TT

القضاء التونسي ينظر مجدداً في ملف «الجهاز السري» لحركة النهضة

رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)

قررت هيئة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس، اليوم الخميس، تحديد جلسة 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل للنظر فيما يعرف بملف الجهاز السري لحركة النهضة.

وكانت الدائرة الجنائية قد أصدرت أحكامها في هذه القضية، التي تراوحت بين السجن مدى الحياة والسجن مدة 10 سنوات، إذ قضت المحكمة بإدانة المتهمين بارتكاب «جرائم تكوين وفاق إرهابي»، و«الانضمام إلى وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية، ووضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي، وعلى ذمة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية»، وجرائم إرهابية أخرى منصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب.

وتراوحت الأحكام في هذه القضية بين السجن مدى الحياة مع 96 سنة سجناً بالنسبة إلى مصطفى خذر، والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجناً لرضا الباروني، والطاهر بوبحري، وكمال العيفي، وسبعة متهمين آخرين. كما قضت المحكمة أيضاً بالسجن مدى الحياة مع 50 سنة سجناً لفتحي البلدي، والسجن مدى الحياة مع 37 سنة سجناً لعبد العزيز الدغسني، والسجن مدى الحياة مع 32 سنة سجناً لكمال البدوي، والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجناً لسمير الحناشي، والسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجناً لراشد الغنوشي.

وشملت هذه القضية، المصنّفة «إرهابية» 35 متهماً، من بينهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي (موقوف)، ونائبه علي العريض (موقوف). إضافة إلى عدد من المسؤولين الأمنيين السابقين، فضلاً عن مصطفى خذر، المتهم فيما يُعرف بقضية «الغرفة السوداء».

شكري بلعيد (أ.ف.ب)

وأثير ملف هذه القضية مطلع سنة 2022، إثر شكوى قدمتها النيابة العمومية وفريق الدفاع عن السياسيَين الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا عام 2013.

في غضون ذلك، انتقدت الحركة، أمس الأربعاء، الأحكام الصادرة بحق نائب رئيسها منذر الونيسي وقياديين آخرين بها، وذلك غداة إصدار المحكمة الابتدائية بتونس، مساء الثلاثاء، حكماً ابتدائياً بالسجن 9 أعوام بحق نائب رئيس حركة النهضة منذر الونيسي، بتهم تتعلق بـ«الإرهاب»، وفق وكالة الأنباء التونسية الرسمية.

كما قضت المحكمة بالسجن لمدة 25 عاماً مع النفاذ العاجل بحق المتهمين بحالة فرار، الطاهر بوبحري (قيادي بالنهضة)، ورفيق بوشلاكة (وزير الخارجية الأسبق)، وشهرزاد عكاشة (صحافية)، وفتحي العيادي (قيادي بالنهضة)، ومعاذ الخريجي (نجل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي)، وماهر زيد (صحافي)، ومحمد الصامتي (مدون)، وأحمد قعلول ورضا إدريس (قياديان بالنهضة)».

وجاءت الأحكام بعد أن اتهمتهم المحكمة، وفق الوكالة، بـ«تكوين وفاق (تنظيم) له ارتباط بالجرائم الإرهابية، وربط اتصالات مع أعوان دولة أجنبية، الغرض منها الإضرار بحالة البلاد».

وقالت الحركة إن المحكمة «أصدرت أحكاماً جائرة وصادمة فيما عرف بقضية التسريب المفبرك» ضد الونيسي وقعلول والعيادي، وبوبحري وإدريس والخريجي والهاني وآخرين، من بينهم الصحافي زياد الهاني. وأضافت أنها تدين «بشدة هذه الأحكام القاسية بحق كل من شملهم ملف هذه القضية الملفقة».

الصحافي التونسي زياد الهاني (متداولة)

وشدّدت الحركة على أن «هذه الأحكام ذات الطابع السياسي لن تسهم سوى في مزيد من تأزيم الأوضاع السياسية والاقتصادية، وارتفاع نسب الاحتقان الاجتماعي». وطالبت المنظمات الحقوقية «بالتحرك العاجل من أجل الإفراج عن كل القيادات السياسية المسجونة... خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع الصحية للعديد منهم بسبب التقدم في السن، والأمراض المزمنة التي يعانون منها، ومنهم منذر الونيسي الذي فقد القدرة على السمع بسبب الأحكام القاسية التي طالته».