كارلو أنشيلوتي: مدرب قادر على إصلاح أي شيء وتحدي الزمن والنقاد

المدير الفني الهادئ يكتب تاريخاً لنفسه ويجلب «ثقافة الفوز» لريال مدريد مجدداً

لاعبو ريال مدريد في حافلة تجوب شوارع العاصمة الإسبانية احتفالاً بلقب دوري الأبطال (رويترز)
لاعبو ريال مدريد في حافلة تجوب شوارع العاصمة الإسبانية احتفالاً بلقب دوري الأبطال (رويترز)
TT

كارلو أنشيلوتي: مدرب قادر على إصلاح أي شيء وتحدي الزمن والنقاد

لاعبو ريال مدريد في حافلة تجوب شوارع العاصمة الإسبانية احتفالاً بلقب دوري الأبطال (رويترز)
لاعبو ريال مدريد في حافلة تجوب شوارع العاصمة الإسبانية احتفالاً بلقب دوري الأبطال (رويترز)

ربما يكثر استخدام مصطلح «ثقافة الفوز» في كرة القدم الحديثة، لكن ريال مدريد وكارلو أنشيلوتي أثبتا على حساب ليفربول، وجود معنى حقيقي وقيمة لهذا المصطلح. وبفوزه 1 - صفر على فريق المدرب يورغن كلوب أصبح أنشيلوتي أول مدرب يتوج بلقب دوري أبطال أوروبا أربع مرات؛ إذ يأتي لقبه الثاني مع ريال مدريد بعد لقبين مع ميلان. وربما كانت أفضل لحظة لإلقاء نظرة على الطريقة التي يدير بها كارلو أنشيلوتي المباريات الكبيرة هي لحظة إطلاق صافرة النهاية على ملعب «سانتياغو برنابيو»، حيث كان ريال مدريد متقدماً على مانشستر سيتي بهدفين مقابل هدف وحيد لتمتد المباراة لوقت إضافي مدته 30 دقيقة أخرى. وبينما كان جوسيب غوارديولا يجمع لاعبيه في دائرة ضيقة ويوضح لهم بالضبط ما يتعين عليهم القيام به، سار أنشيلوتي بكل هدوء نحو مارسيلو وتوني كروس على مقاعد البدلاء وسألهما عن رأيهما في التغييرات التي يجب أن يجريها خلال الوقت الإضافي؛ لأنه لم يكن متأكداً حقاً مما يجب أن يفعله.
بالطبع، لو خسر ريال مدريد تلك المباراة وتأهل مانشستر سيتي إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، كان من الممكن بكل سهولة تحويل تلك الحكاية إلى قصة حول كيف خسر أنشيلوتي السلبي السيطرة على المباراة، وكيف نجح غوارديولا في تحقيق الفوز في ذلك اليوم بفضل خطته المحكمة وتعليماته الدقيقة. لقد فعل أنشيلوتي كل شيء وشاهد كل شيء على مستوى الأندية، ومع ذلك فهو غالباً أول من يعترف بأن أول سر في مجال التدريب هو أنك تكون في حاجة إلى القليل من الحظ. لكن النقطة المحورية حقاً في الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا هي أن يقرر أنشيلوتي الاستعانة برأي لاعبيه الكبار، في الوقت الذي تتمحور فيه العقيدة السائدة للتدريب الحديث في التحكم: التحكم في الكرة، والتحكم في المواقف، والثبات أمام الضغوط العالية. ومع ذلك، قرر أنشيلوتي في تلك اللحظة أن يتخلى عن السيطرة، وسلم مفاتيح القرار إلى اللاعبين الذين يجب أن يكون هو مسؤولاً عنهم في نهاية المطاف. وقال كروس بعد ذلك «ما حدث يعكس شخصيته تماماً كمدير فني».

                                                                        أنشيلوتي يواصل سطوعه في سماء الكرة الأوروبية (أ.ب)
من الطبيعي أن يعكس ذلك الانطباع السائد عن أنشيلوتي كمدير فني ينتمي إلى مدرسة المديرين الفنيين الهادئين الذين لا يحملون الهموم، والذي يدخن السيجار، ويمكنه إصلاح أي شيء. لكن الحقيقة هي أن هذا الهدوء هو مظهر زائف إلى حد كبير، وشخصية صُنعت بعناية مثل التعبيرات التي يرسمها مديرون فنيون آخرون وهم يقفون بجوار خط التماس في الوقت الحالي. وقال المدير الفني المخضرم مؤخراً عندما طُلب منه الحديث عن تجربته في المباريات النهائية لدوري أبطال أوروبا «بالنسبة لي، أصعب فترة هي الثلاث أو أربع ساعات قبل انطلاق المباراة. إنه توعك جسدي. لقد عانيت من ذلك كثيراً هذا الموسم: زيادة التعرق وتسارع في معدل ضربات القلب. الأفكار السلبية تتسلل إليك، لكن لحسن الحظ أن كل هذا يتوقف بمجرد بدء المباراة».
ومن الواضح أن هناك شيئاً آخر يحدث هنا أيضاً، وربما يمكنكم إلقاء نظرة خاطفة عليه في المباريات الكبرى التي تكون فيها الضغوط مرتفعة للغاية، وهي أن أنشيلوتي لا يعتز فقط بلاعبيه ويضع ذراعه حول كتفهم من أجل تقديم كل الدعم اللازم لهم، لكنه يثق بهم أيضاً، ليس فقط لتنفيذ خطة المباراة ولكن في وضعها وصياغتها من الأساس، وليس فقط لاستيعاب رسائله وقراراته ولكن لنقلها وتحويلها إلى رسائل خاصة بهؤلاء اللاعبين أنفسهم. في الحقيقة، ما يقوم به أنشيلوتي في هذا الصدد هو مجرد شكل مختلف من الشجاعة: شجاعة الإيمان والثقة في نفسه وفي لاعبيه.
هناك قصة يرويها أنشيلوتي من الفترة التي تولى خلالها القيادة الفنية لنادي ميلان، عندما كان يواجه معضلة ممتعة تتمثل في محاولة استيعاب أربعة لاعبين من لاعبي خط وسط من الطراز العالمي - أندريا بيرلو، وكلارنس سيدورف، وكاكا، وروي كوستا – في خط الوسط في الوقت نفسه. وبعد أن تحدث إلى هؤلاء اللاعبين الأربعة، قال لهم أنشيلوتي «يتعين عليكم أن تعملوا على حل هذه المشكلة، وإلا سيكون أحدكم على مقاعد البدلاء في كل مباراة». لذلك؛ وبالتعاون مع أنشيلوتي، تألق هؤلاء اللاعبون الأربعة بشكل مثير للإعجاب، وهو الأمر الذي ساهم بشكل كبير في حصول كاكا على الكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم وحصول ميلان على لقب دوري أبطال أوروبا في عام 2007. ربما لا ينجح هذا النهج إلا في نادٍ تتمتع فيه الموهبة بالاستقلالية مثل نادي ميلان في تلك الفترة، أو ريال مدريد حالياً.
من المؤكد أن أنشيلوتي كان محظوظاً للغاية لأنه تولى القيادة الفنية لمجموعة من كبار اللاعبين الدوليين الذين يعرفون بالفعل أدوارهم ومسؤولياتهم، ويبذلون قصارى جهدهم دون الشعور بالغرور أو الرضا عن الذات. ومن أكثر الأشياء التي فاجأت أنشيلوتي عندما عاد إلى «سانتياغو برنابيو» في ولايته الثانية الصيف الماضي هي أن اللاعبين الذين تولى قيادتهم من قبل في الفترة من عام 2013 وحتى عام 2015 هي عدم تغير شخصية لاعبين مثل كروس ومارسيلو وكاسيميرو ولوكا مودريتش، وعدم تراجع رغبتهم في تحقيق الفوز وبذل قصارى جهدهم من أجل الفريق، وكأنهم ما زالوا في بداية مسيرتهم الكروية.
وعلى المنوال نفسه، هناك شيء رائع حقاً حول الطريقة التي نجح بها أنشيلوتي في تهدئة وتوحيد النادي الذي دفعت سياسته الداخلية والجلبة المثارة حوله خارجياً العديد من كبار المديرين الفنيين في العالم إلى فقدان تركيزهم وانتباههم. ويتعين علينا أن نتذكر الحالة التي كان عليها ريال مدريد عندما تولى أنشيلوتي القيادة الفنية له: مشاكل مالية، وانتقادات عالمية في جميع أنحاء العالم بسبب دوره في مشروع دوري السوبر الأوروبي، وحاجة ماسة إلى إعادة بناء الفريق، بعدما رحل عدد من اللاعبين البارزين، مثل سيرخيو راموس ورافاييل فاران، اللذين رحلا وأخذا معهما 26 عاماً من الخبرة في ريال مدريد.
يعود جزء كبير من الفضل في الحصول على لقبي الدوري الإسباني الممتاز ودوري أبطال أوروبا إلى نجوم الفريق مودريتش وكريم بنزيمة وتيبو كورتوا، الذين قدموا جميعاً مستويات ممتازة. لكن لا يجب أن نغفل الدور الهائل الذي قام به أنشيلوتي من حيث تغيير التشكيلة الأساسية للفريق وإعادة بناء الخط الأمامي حول النجمين البرازيليين فينيسيوس جونيور ورودريغو، الذين ما زالا في الحادية والعشرين من عمرهما ويتطور مستواهما بشكل مثير للإعجاب، ومنح إدير ميليتاو، البالغ من العمر 24 عاماً، دوراً منتظماً في خط الدفاع، وكذلك الاعتماد على فيدي فالفيردي، البالغ من العمر 23 عاماً، في خط الوسط.
في الحقيقة، يعد هذا شيئاً استثنائياً؛ نظراً لأن ريال مدريد عوّدنا دائماً على أنه لا يصبر على اللاعبين الشباب وكان يستغني عنهم على سبيل الإعارة لأندية أخرى حتى يكتسبوا الخبرات المطلوبة، لكن أنشيلوتي فعل عكس ذلك وضخ العديد من الدماء الشابة في صفوف الفريق، بالشكل الذي أعاد له النشاط والحيوية. وفي الوقت نفسه، قام المدير الفني الإيطالي المخضرم وبكل هدوء بإبعاد اللاعبين الأكبر سناً مثل إيسكو وإيدن هازارد ومارسيلو، من دون أن يتسبب ذلك في حدوث أي مشكلة للفريق. هذه هي الأجواء التي ساعد أنشيلوتي في خلقها: أجواء تساعد في التغلب على الضغوط وعدم الاستسلام لها، أجواء لا يدعي فيها أنشيلوتي أنه يملك إجابات لكل شيء، أجواء يقبل فيها ببساطة بحقيقة أننا جميعاً زائلون وأن الحياة أقصر من العداوات التافهة. لقد قال أنشيلوتي في وقت سابق من هذا الموسم «أنا أعمل في مجال كرة القدم منذ عام 1977، وليس لدي الوقت أو الرغبة في القتال».
وبالمثل، لا يهتم أنشيلوتي كثيراً بالإرث الذي صنعه لنفسه، أو بالعديد من النقاد الذين سخروا منه على مر السنين ووصفوه بأنه شخصية باهتة يعمل بطريقة عفا عليها الزمن. والآن، فاز أنشيلوتي بالدوري في خمس دول مختلفة، ويحظى بشعبية كبيرة في جميع أنحاء العالم، كما أصبح أول مدير فني يفوز بلقب دوري أبطال أوروبا أربع مرات، بعدما قاد النادي الملكي للفوز على ليفربول في باريس. فإذا كان هذا هو المدير الفني الذي عفا عليه الزمن، فهناك الكثير من المديرين الفنيين الشباب الذين يتمنون تحقيق جزء صغير للغاية من النجاحات التي حققها!


مقالات ذات صلة

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية نجم برشلونة الإسباني اليافع لامين يامال (أ.ب)

لامين يامال: كنت أعتقد أني سأفوز بالكرة الذهبية 2025

كشف نجم برشلونة اليافع لامين يامال في فيديو نُشر على منصة «يوتيوب»، أنه كان يظن أنه سيفوز بجائزة الكرة الذهبية 2025.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية لويس دي لا فوينتي مدرب إسبانيا (أ.ب)

دي لا فوينتي يقود إسبانيا في المونديال بثقافة «العائلة»

يبدو لويس دي لا فوينتي مدرب إسبانيا كأنه شخص تصالح مع فوضى كرة القدم.

«الشرق الأوسط» (لاكورونيا)
رياضة عالمية لويس دي لا فوينتي (إ.ب.أ)

دي لا فوينتي: المفترض أن يكون يامال جاهزاً للمباراة الافتتاحية

أكد مدرب المنتخب الإسباني لويس دي لا فوينتي، الأربعاء، أن نجم برشلونة لامين يامال «يُفترض أن يكون جاهزاً» للمباراة الأولى لـ«لا روخا» في مونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

 

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.
وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023 بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

 

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.