شعراء كرد وتركمان شباب يمنحون العربية نكهة إضافية

التركماني أحمد كلكتين يفوز بجائزة «شاعر شباب العرب»

الشاعر االعراقي التركماني أحمد كلكتين
الشاعر االعراقي التركماني أحمد كلكتين
TT

شعراء كرد وتركمان شباب يمنحون العربية نكهة إضافية

الشاعر االعراقي التركماني أحمد كلكتين
الشاعر االعراقي التركماني أحمد كلكتين

ما الذي يغري شاعراً كردياً أو تركمانياً شاباً صغيراً لأن يهجر لغته الأم ويرحل نحو اللغة العربية، يدور في أزقتها، ويفتح شبابيكها، ويغيّر هواءها؟ كيف استطاع هؤلاء الشباب أن يتركوا اللغة التي يتحدثون بها مع أمهاتهم وحبيباتهم، ليرحلوا نحو لغة أخرى، فيها من الوعورة والصعوبة على الوافدين إليها الكثير؟ رحيل إبداعي لا أكثر، كأنهم مبرمجون نحو اللغة العربية، فحين يكتبون الشعر يذهبون لها، ولكنهم قطعاً في بيوتهم يتكلمون لغاتهم الأم.
هذا ما لمسته في السنوات الأخيرة من تفشي هذه الظاهرة اللافتة، وهي وجود شعراء عراقيين شباب من التركمان والكرد والسريان يكتبون نصوصهم الشعرية بلغة عربية فصيحة، بل إن عدداً منهم يكتب قصائد عمودية في غاية الإتقان والجودة.
وبما أن العربية بحر كبير فقد ورده الكثيرون من المبدعين عرباً وغير عرب، بل إن عدداً لا يستهان به من الكتاب والشعراء والأدباء من غير العرب أضافوا الكثير لهذه اللغة، والتاريخ يحدثنا عن الكثير من هؤلاء الذين انصهروا في اللغة العربية، فكانوا جزءاً من تطورها وديمومتها.
لا أريد الخوض تاريخياً في هذا الموضوع، لأنه مطروق كثيراً والأسماء معروفة، فقد مر الباحثون على معظمها، وأشّروا بوضوح مدى إسهامات هؤلاء الوافدين على اللغة العربية، حتى أصبحوا من أبنائها البررة.
ولكن حين نتحدث عن الأدب والشعر في العراق الحديث، فإننا سنكون أمام أسماء إبداعية مهمة، من جنسيات وقوميات غير عربية، ولكنها انصهرت باللغة العربية، وأضافت لها بعد أن هضمتها جيداً، ويقف الزهاوي مثالاً صارخاً في هذه المسألة، فهو شاعر من أصول كردية، ولكن كل كتاباته جاءت باللغة العربية، بل إننا ومنذ أن كنا صغاراً لا نعرف أن الزهاوي من أصول كردية، لأن كل كتاباته ومرجعياته الثقافية التي تتغذى منها نصوصه الإبداعية هي مرجعيات عربية، سواء كانت قرآنية أو تراثية أو من أدبنا العربي القديم، وبهذا فإن الشعر الذي يكتبه هو في صميم العربية، وجزء من حياتها الجديدة مطلع القرن العشرين، ولدينا أمثلة كثيرة من الشعراء من قوميات كردية وتركمانية وآشورية وسريانية وكلدانية تعيش في العراق، ولكنها تكتب الشعر باللغة العربية الفصحى دون ترجمة، بل اللغة العربية طريقة عيش وتفكير ونتاج لدى هؤلاء مثل بلند الحيدري وصفاء الحيدري وسركون بولص وجان دمو وزهير بهنام بردى وهيثم بهنام بردى وعشرات آخرين من تلك القوميات كتبوا شعرهم باللغة العربية دون أن يدخل في حقائب المترجمين.
أسوق هذه الكلام لأتوقف عند مجموعة من الشعراء العراقيين الشباب من التركمانيين والكرد والسريان يكتبون القصائد العمودية والتفعيلة والنثر بطريقة عالية الجودة، دون أن تشعر قارئها أو متلقيها أن هناك استيراداً لهذه اللغة من قبل شاعرها بوصفه ليس من أبنائها، ولكن الحقيقة أن الأبناء الحقيقيين للغة العربية هم أولئك الذين يعكفون على تطويرها ويسهرون على اشتقاقاتها، ويحلمون بها، ويتغزلون مع حبيباتهم بحروفها، شعراء شباب لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاماً ينطلقون بأريحية عالية في حديقة اللغة، يقطفون زهورها، ويقلمون ورقها الميت ويسقون جفافها، وبهذا يكونون جزءاً رئيساً من اللغة وتلاوينها، ويبرهنون على أن اللغة العربية لغة حية، تهب أسرارها لعشاقها، وليس لأولادها فقط.
ما دعاني لكتابة هذه الكلمات هو فوز الشاعر العراقي التركماني أحمد كلكتين بالمركز الأول في مسابقة جائزة شعرية أقامتها وزارة الشباب والرياضة في بغداد، وعنوان المسابقة «شاعر شباب العرب». وبهذا يبرهن كلكتين بفوزه على أن اللغة نهر يشربه من يشاء، فضلاً عن أن قصيدته واحدة من أفضل النصوص التي قرأتها والتي كُتبت بروح صاخبة ومتمردة وبانزياحات عالية التقنية:
كشاطئ يجهل القبطان والسفنا
أو قرية عاقر ما أنجبت مدنا
أقول للغة الأولى التي انطلقت
منها المواويل لا يكفي الصراخ هنا
وليس يملك مثلي جرأة أبداً
وليس يبدأ حتى جملة بـ«أنا»
وقلت يا موت، يا هذا العراق
تعبت مثلك الآن من فوضى علاقتنا
وخفت تكبر تنساني وتجهلني
فقمت أبطئ في ساعاتك الزمنا
يتضح جلياً كيف يتلاعب هذا الشاعر الشاب التركماني العراقي بهذه اللغة برشاقة عالية كأحد مهرتها الساحرين، فضلاً عن رشاقته في التدوير الإيقاعي الذي يصنعه في «البسيط» وهو نادر الحدوث، وهذا يدل على دربة وقراءة جيدة للأدب العربي، فضلاً عن الالتحام بقضايا هذا البلد ومشاكله التي عالجها بهذا النص الشعري الذي يتناوبه العتب والأسئلة، والشك والطمأنينة، والحب والحرب.
وكان يدخل حرباً لا وجود لها
وكان يمنح للجوعى بها مؤنا
وكان يملأ هذا النقص في دمه
بأي شيءٍ يسمي نفسه وطنا
كأنما هبطت حرب على يده
ووسط أي ميول ظل متزنا
ومثل أحمد كلكتين هناك الشاعر كردي سيروان محمود، لكن كتاباته الشعرية هي في صميم اللغة العربية، وجوهرها، وبهذا فإن الشعر الذي يكتبه هؤلاء الشباب يشكل إضافة وحياة للغة العربية، لأنهم يلجون عوالمها لا من باب الوراثة، إنما من باب الحب لها، فسيروان يقول مثلاً:

مجدداً عاد هذا الليل والدمع
فقل متى تطفأ العينان والشمع
هم يبصرون أناساً من مسامعهم
ويهملون عيوناً ملؤها سمع
نهرٌ أنا وانكساراتي بنت مدناً
فهل تخون عطاشى الأرض يا نبع
سُميت سيروان إيماناً بأن غداً
أكون نهراً ومن حولي هم الربع

وهناك تجربة مهمة أيضاً لأحد الشعراء الشباب وهو مصطفى الخياط ذو الأصول الكردية، ولكن شعره، جل شعره، كان مكتوباً باللغة العربية، وبكل تجليات الشعر، وتنوعاته، فهو ما بين العمودي، والتفعيلة، والنثر، كتب معظم نصوصه بسحر هذه اللغة:
صحيح إني أميل إلى لغة
تبدو كأنثى ريفية
ترتدي ثوباً بسيطاً
تفوح منه رائحة الخبز والعنبر
لكن ماذا يكتب الشاعر
حين يجد شعرك في آخر النفق
أي ضلال هذا يا امرأة؟
وماذا يفعل للشعر
حين يصبح تلميذاً كسولاً
يجلس على الرحلة الأخيرة
ولا يضع عينيه في عيني المعلم خشية السؤال؟
هؤلاء الشعراء وغيرهم كثيرون منهم على سبيل المثال الدكتور محمد حسين وجميل الجميل وعلي عبد السلام ما بين الكرد والتركمان والسريان والكلدانيين نبتوا في هذه الأرض وتشربوا من ثقافتها وسحرتهم اللغة العربية، فصاروا من أبنائها البررة الذين عملوا على ديمومتها وشبابها، كل يضيف لها شيئاً من ثقافة قوميته ولغته الأم، وهمومه الخاصة، فيضيف لها نكهة أخرى وطعماً آخر، هؤلاء كتبوا الشعر العربي لا بأوامر سلطانية، ولا بسياسة دولة تفرض على الجميع لغة واحدة، إنما حبهم للغة العربية هو الذي دفعهم للكتابة بهذه الطريقة، لأنني شخصياً لم أسمع ولا قرأت لهم شعراً بلغتهم الأم، وربما هذا سؤال يوجه لهم، علنا نحظى أو نجد شعراً لهم باللغة الأصل، قد نرى من خلاله طريقة تفكير أخرى تختلف عما يكتبونه من شعر باللغة العربية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

زوجان في الستينات ينطلقان في رحلة 3057 كيلومتراً بالدراجة المزدوجة

معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
TT

زوجان في الستينات ينطلقان في رحلة 3057 كيلومتراً بالدراجة المزدوجة

معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)
معاً... تصبح المسافة أخف (إنستغرام)

انطلق زوجان بريطانيان في عقدهما السادس في رحلة بالدراجة المزدوجة لمسافة نحو 3057 كيلومتراً، سعياً إلى استعادة استقلالهما بعد مغادرة أبنائهما المنزل.

ويهدف كريس ونيكي كلارك للوصول إلى لشبونة في البرتغال، انطلاقاً من منزلهما في سومرست خلال 65 يوماً، حاملين معهما كل ما يحتاجان إليه، بما في ذلك خيمة.

وذكرت «بي بي سي» أنّ هذه الرحلة تُعدّ أحدث مغامرات الزوجين منذ أن أصبح أطفالهما الأربعة بالغين، بعد تجارب سابقة شملت جولات بالدراجات في أنحاء أوروبا.

وألهمت رحلات الزوجين تأليف مذكرات بعنوان «حان وقت تغيير السرعة»، التي توثّق رحلة حياتهما المشتركة، مستعرضةً تجاربهما في الزواج، وما يمرّ به الإنسان في مرحلة منتصف العمر، إلى جانب مغامراتهما على الطرق المفتوحة خلال رحلاتهما بالدراجة.

وتُمثّل هذه الرحلة المغامرة الطويلة السادسة لهما على دراجتهما المزدوجة المحبوبة، التي أطلقا عليها اسم «إديث».

وقال كريس إنّ الكتاب يروي قصة رحلة سابقة انطلقت من منزلهما في أوك هيل، مروراً بالساحل الغربي لفرنسا وصولاً إلى سانتاندير في إسبانيا، في إطار بحثهما عن روح المغامرة.

وأضاف: «يطرح الكتاب سؤالاً يهمّ كثيراً من الآباء الأكبر سناً: بعد أن يصبح أبناؤك مستقلّين، كيف تستعيد استقلالك أنت؟». وتابع: «علينا ببساطة أن نمضي قُدماً ونعيش حياتنا من جديد من دون الأبناء».

وتابع: «الكتاب يتناول الأشخاص الذين نلتقيهم على طول الطريق، وما يخبروننا به عن التقدُّم في العُمر وكيفية تعاملهم مع الحياة. وأعتقد أنّ هذه التجربة كانت مفيدة جداً لعلاقتنا». وأوضح: «اكتشفنا عندما بدأنا تلك الرحلات بالدراجة بمفردنا أننا لا نزال نكنّ إعجاباً كبيراً بعضنا ببعض».

على عجلتين تتّسع الحياة (إنستغرام)

وقد صُمِّمت الدراجة المزدوجة بحيث يتولى كريس القيادة في المقدمة، فيما تجلس نيكي في الخلف.

وقالت نيكي: «كريس يقود دائماً في المقدّمة، لكنني راضية بذلك». وأضافت: «في الواقع يعجبني هذا الوضع؛ يمكنني النظر حولي، وأتولّى النظر في الخرائط، في حين يتولّى هو تحديد الاتجاهات، وهذا شيء رائع».

وأفادت مؤسّسة «تروما ريسيرتش يو كيه» الخيرية الوطنية بأن الآباء الذين يمرّون بمرحلة «العشّ الفارغ» غالباً ما يشعرون بـ«الفقد أو الوحدة أو الارتباك».

وقالت مديرة العمليات في المؤسّسة، سارة فلويد: «من المهم بشكل خاص في هذه المرحلة إدراك أنّ هذا التحول يمكن أن يُشكّل أيضاً فرصة جديدة».

وأضافت: «مع تغيُّر دور الرعاية، تُتاح للآباء مساحة لإعادة اكتشاف اهتماماتهم واستكشاف تحدّيات أو شغف جديد ربما جرى تأجيلها».

وأوضحت أنّ «الانخراط في أنشطة جديدة، سواء كانت السفر، أو ممارسة الهوايات، أو العمل التطوعي، أو تعلُّم مهارات جديدة بالكامل، يمكن أن يلعب دوراً محورياً في استعادة الإحساس بالهدف والهوية».

ويؤكد الزوجان أنّ هذه الرحلة تمثّل قصة عن «العلاقات طويلة الأمد، وإعادة اكتشاف الذات، وروح الدعابة التي تنشأ حتماً من كونهما مقترنين معاً على دراجة مزدوجة».


لغة جسدك في مقابلة العمل: 4 مفاتيح لترك انطباع قوي

وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي خلال مقابلة العمل (بيكسلز)
وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي خلال مقابلة العمل (بيكسلز)
TT

لغة جسدك في مقابلة العمل: 4 مفاتيح لترك انطباع قوي

وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي خلال مقابلة العمل (بيكسلز)
وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي خلال مقابلة العمل (بيكسلز)

لا تقتصر عوامل النجاح في مقابلات العمل على المؤهلات والخبرات المكتوبة في السيرة الذاتية، بل تمتد لتشمل طريقة تواصلك غير اللفظي، وعلى رأسها لغة الجسد. فالإيماءات، ووضعية الجلوس، وتعبيرات الوجه، كلها تلعب دوراً حاسماً في تشكيل الانطباع الأول، الذي قد يكون عاملاً مؤثراً في قرار التوظيف. وفي هذا السياق، يؤكد خبراء علم النفس أن لغة الجسد قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الكلمات نفسها.

يقول الاختصاصي النفسي بنجامين غرانجر إن وضعية الجسم وتعبيراته وسلوكياته تُعدّ مفاتيح أساسية لترك انطباع أول إيجابي، مشيراً إلى أنه عندما نلتقي بشخص لأول مرة، فإن عقولنا — دون وعي — تركز على ملامحه الجسدية، مثل تعابير الوجه، ووضعية الجسم، ومدى انفتاحه أو انطوائه. ويضيف أن هذه الإشارات غير اللفظية تؤثر بشكل كبير، حتى وإن لم ندرك ذلك، في كيفية تقييمنا للطرف الآخر.

وفيما يلي 4 نصائح أساسية من غرانجر لمساعدتك على تقديم أفضل ما لديك خلال مقابلة العمل، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

1- ابدأ بابتسامة

قد تبدو هذه النصيحة بسيطة، لكنها فعّالة للغاية. فابتسامة صادقة يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في بناء علاقة إيجابية مع المُحاور. ويشير غرانجر إلى أن معظم الناس قادرون على التمييز بين الابتسامة الحقيقية والمصطنعة، حتى دون وعي. فالابتسامة الصادقة غالباً ما تترافق مع ظهور تجاعيد خفيفة حول العينين، وهو ما يعكس صدق المشاعر ويعزز الثقة.

2- حافظ على وضعية جسم منفتحة

تُعدّ وضعية الجسم من أهم أدوات التواصل غير اللفظي. ولإعطاء انطباع إيجابي، يُنصح بالجلوس بشكل مستقيم مع إرجاع الكتفين إلى الخلف، وإبقاء اليدين في وضع غير متشابك. تعكس هذه الوضعية الانفتاح والاهتمام، وتُظهر أنك منخرط في الحديث. في المقابل، قد يُفهم تشابك الذراعين أو الساقين على أنه علامة على الانغلاق أو عدم الاهتمام، وربما حتى محاولة إخفاء شيء ما. كما يُفضّل توجيه الجذع والساقين نحو المُحاور بشكل مباشر، لإظهار التركيز والتفاعل.

3- صافح بثقة

تُعدّ المصافحة من أولى لحظات التواصل، وتحمل دلالات مهمة. ويؤكد غرانجر أن طريقة المصافحة يمكن أن تعكس الكثير عن شخصية الفرد.

يوضح أن المصافحة المتوازنة — التي تتم بقبضة معتدلة مع توازي راحتي اليدين — هي الأفضل في بيئة العمل، لأنها تعكس الثقة بالنفس والتعامل على قدم المساواة. أما المصافحة التي تكون فيها يدك أسفل يد الطرف الآخر، فقد توحي بمنحه الأفضلية، في حين أن وضع يدك فوق يده قد يُفهم على أنه محاولة للسيطرة. ورغم أنك لا تستطيع دائماً التحكم في طريقة مصافحة الطرف الآخر، فإن الحفاظ على لغة جسد واثقة — مثل رفع الرأس وإرجاع الكتفين — يظل عنصراً مهماً.

4- كن على طبيعتك

يُشدّد غرانجر على أن أهم نصيحة في مقابلات العمل هي أن تكون على طبيعتك. فكثير من الأشخاص يحاولون التظاهر أو تقديم نسخة غير حقيقية من أنفسهم، معتقدين أن ذلك سيمنحهم فرصة أفضل. لكن لغة الجسد غالباً ما تكشف هذا التصنّع بسرعة، وقد يلتقط المُحاور إشارات تدل على عدم الصدق، حتى دون وعي. لذلك، فإن الدخول إلى المقابلة بثقة وهدوء، مع الحفاظ على سلوك طبيعي وصادق، يُعدّ من أفضل الطرق لترك انطباع إيجابي ودائم.


بعد 60 عاماً... بريطاني يُعيد بلاطاً تاريخياً إلى دير من العصور الوسطى

بعض الأشياء تعرف طريقها إلى أصحابها (هيئة التراث الإنجليزي)
بعض الأشياء تعرف طريقها إلى أصحابها (هيئة التراث الإنجليزي)
TT

بعد 60 عاماً... بريطاني يُعيد بلاطاً تاريخياً إلى دير من العصور الوسطى

بعض الأشياء تعرف طريقها إلى أصحابها (هيئة التراث الإنجليزي)
بعض الأشياء تعرف طريقها إلى أصحابها (هيئة التراث الإنجليزي)

بعد نحو 60 عاماً من الاحتفاظ بها داخل علبة حلوى، أعاد بريطاني قطعاً من بلاط أثري تعود إلى العصور الوسطى، كان قد أخذها عندما كان طفلاً في التاسعة خلال زيارة عائلية إلى دير وينلوك في مقاطعة شروبشاير.

ووفق «الغارديان»، كانت القطع الثلاث من البلاط الطيني المزخرف، التي يعود تاريخها إلى أواخر القرن الـ13 وبدايات القرن الـ14، قد أخذها سيمون وايت تذكاراً خلال زيارة عائلية إلى دير وينلوك أواخر ستينات القرن الماضي.

وعثر وايت، البالغ حالياً 68 عاماً، وهو خبير مساحة مُعتَمد متقاعد، على قطع البلاط الأثري داخل علبة حلوى قديمة خلال انتقاله من منزل إلى آخر، فبادر إلى إبلاغ هيئة «التراث الإنجليزي». وقال للمسؤولين إنه يتذكر أن والده شجَّعه على أخذ تلك القطع، لكنه ظلَّ يشعر بشيء من عدم الارتياح حيال ذلك، وأعرب عن سعادته بالعثور عليها مجدداً.

وقال: «أتذكر ذلك اليوم جيداً، حين كان والدي يقف للحراسة. لا أعلم ماذا كان سيقول لو ضُبطنا. لست متأكداً تماماً مما حدث للبلاط بعد ذلك، لكنه تنقّل معنا عبر منازل عدة وتقلبات عائلية مختلفة، قبل أن أعثر عليه مجدداً في علّيتي في وقت سابق من هذا العام داخل علبة مهترئة».

وبمساعدة مذكرات العائلة، توصَّل وايت إلى أنّ القطع تعود على الأرجح إلى دير وينلوك، فتواصل مع الجهة المسؤولة عن الموقع، وهي هيئة «التراث الإنجليزي».

وقالت مساعدة أمينة المتحف في الهيئة، ماتي كامبريدج، إن خبراء العصور الوسطى خلصوا إلى أن وايت كان محقّاً في ترجيح دير وينلوك مصدراً لتلك القطع. وأوضحت أنّ هذا النوع من البلاط لم يُعرف وجوده في شروبشاير إلا في ثلاثة مواقع: دير هوغموند، ودير بريدجنورث، ودير وينلوك.

وأضافت: «نظراً إلى أنّ دير بريدجنورث لا يحتوي على بلاط في موقعه الأصلي، ولم تُجرَ فيه أي عمليات حفر إلا بعد زيارة وايت، ولأنّ دير هوغموند لا يحتوي إلا على رقعة صغيرة من البلاط، يمكننا ترجيح أنّ هذه القطع تعود إلى دير وينلوك».

المكان لا ينسى حتى لو غاب الناس (شاترستوك)

وكان دير وينلوك موطناً لرهبان كلوني، الذين عُرفوا بولعهم بالزخارف المعمارية المتقنة. وأشارت كامبريدج إلى أنّ هيئة «التراث الإنجليزي» أعربت عن سعادة خاصة لأنّ إحدى القطع تحمل نقش تنين، وهو عنصر لم يكن معروفاً سابقاً في الموقع، قائلةً: «هذا أمر مثير جداً». أما القطعة الأخرى فتُظهر وجهاً يُعتقد أنه لأسد، أو ربما لوجه عابس.

والتقى وايت بكامبريدج في دير وينلوك لإعادة القطع. وقالت: «أراد أن يقوم بما يشبه رحلة حج. لا توجد أيّ ضغائن؛ فقد كان في التاسعة فقط، وقيل له: (هذا جميل، خذه إلى المنزل). نحن ممتنون جداً لوايت لحرصه على إعادة القطع».

وأضافت: «ليس من غير المألوف أن تُؤخذ تذكارات من مبانٍ تاريخية، لكن ما يُميّز هذه الحالة أنّ هذه القطع حُفظت بعناية طوال هذه المدة. واليوم لدينا إجراءات أكثر صرامة لمنع ذلك، لكن إذا كان مثال وايت يوقظ ضمير أي شخص آخر من الماضي، فسنكون سعداء بسماع قصصهم».

ولن تُعاد البلاطات إلى أرضية الدير، بل ستُنقل إلى مخزن الآثار التابع لهيئة «التراث الإنجليزي» لإجراء مزيد من التحليل.

وقال وايت إنه منذ تقاعده أصبح مهتماً بعلم الآثار، مضيفاً: «الجمعية المحلّية التي انضممتُ إليها قد لا تنظر إلى هذا الأمر بعين الرضا، ومن الصواب تماماً أن تعود هذه البلاطات إلى موطنها».