«خميرة متوهجة» تضيء الطريق إلى وقود حيوي أفضل

الباحثون ابتكروا طريقة جديدة لفرز سلالات الخميرة  لصنع الوقود الحيوي (الفريق البحثي)
الباحثون ابتكروا طريقة جديدة لفرز سلالات الخميرة لصنع الوقود الحيوي (الفريق البحثي)
TT

«خميرة متوهجة» تضيء الطريق إلى وقود حيوي أفضل

الباحثون ابتكروا طريقة جديدة لفرز سلالات الخميرة  لصنع الوقود الحيوي (الفريق البحثي)
الباحثون ابتكروا طريقة جديدة لفرز سلالات الخميرة لصنع الوقود الحيوي (الفريق البحثي)

يعدّ وقود «أيزوبوتانول» و«أيزوبنتانول» الحيوي المنتج من الخميرة ذا محتوى طاقة أعلى من الإيثانول، وهو الوقود الحيوي السائد المستخدم الآن في الولايات المتحدة. لكنّ مشكلة إنتاج الوقود الحيوي من الخميرة، هو أنه يجب التمييز بين سلالات الخميرة التي تنتج طاقة قيّمة وفصلها عن سلالات الخميرة الأقل إنتاجية، وهي المشكلة التي عالجها فريق بحثي من جامعة «برينستون» الأميركية، عبر تطوير مستشعر حيوي يكشف عن السلالات الأكثر إنتاجية، بإعطاء إضاءة متوهجة.
وقبل تطوير هذه التقنية الجديدة، كان تقييم أداء الخميرة عملية بطيئة وشاقة، وكان على الباحثين زراعة سلالات خميرة منفصلة وتقييم قدرة كل سلالة على إنتاج الوقود والمواد الكيميائية الأخرى بشكل مستقل، تستغرق هذه العملية أياماً لكل سلالة.
يقول كبير الباحثين جوزيه أفالوس، الأستاذ المساعد في الهندسة الكيميائية والبيولوجية: «نحن نقيس مئات الآلاف من السلالات في الدقيقة، وهذه طريقة أسرع لتحديد السلالات الأفضل».
وفي ورقة بحثية نُشرت في 12 يناير كانون الثاني) في دورية «نيتشر كومينيكيشن»، وصف فريق أفالوس كيف طوّروا جهاز الاستشعار الحيوي لإنتاج الوقود الحيوي أيزوبوتانول وأيزوبنتانول في الخميرة، وكلاهما عبارة عن كحوليات ذات محتوى طاقة أعلى من الإيثانول، وهو الوقود الحيوي السائد المستخدم الآن في الولايات المتحدة.
ويتم إنتاج الأيزوبوتانول والأيزوبنتانول بواسطة خميرة بروير (accharomyces cerevisiae) وهي فطر وحيد الخلية يُستخدم عادةً في صنع الخبز والبيرة والمشروبات الكحولية الأخرى، ومع ذلك فإن هذه الأنواع من الوقود الحيوي المتقدم لها توافق أعلى بكثير مع البنية التحتية الحالية للبنزين، مما يسمح لها باستبدال المزيد من الوقود الأحفوري، ويمكن ترقيتها بسهولة إلى وقود الطائرات.
يقول أفالوس: «لا يزال العلماء والمهندسون والمنظمون يفحصونها، لكن هذه الكحوليات يمكن أن تكون متوافقة تماماً مع البنية التحتية الحالية للبنزين، ومعظم السيارات لا يمكنها استخدام البنزين بتركيزات إيثانول أعلى من 10 أو 15%، ومع ذلك يمكنهم استخدام البنزين بتركيزات أعلى بكثير من الأيزوبوتانول، وهذا يعني أنه يمكنك استبدال المزيد من البنزين بهذه الأنواع المتقدمة من الوقود».
وبدأ البحث الحالي بالتحدي المتمثل في تسريع تطوير سلالات الخميرة لإنتاج الأيزوبوتانول والأيزوبنتانول.

والمعدل الذي يمكن للعلماء من خلاله إدخال التنوع الجيني في الخميرة يفوق إلى حد كبير المعدل الذي يمكنهم به فحص كل سلالة للعثور على تلك التي لديها زيادة في إنتاج الوقود الحيوي، وبالتالي كان على الباحثين معرفة الجينات التي يجب تشغيلها أو إيقاف تشغيلها وما الإنزيمات أو البروتينات التي كانت مفيدة للعملية باستخدام طرق بطيئة للغاية وشاقة ومكلفة.
يقول جيريمي كورتيز، طالب دراسات عليا في البيولوجيا الجزيئية وأحد مؤلفي الورقة البحثية: «هناك الملايين من الطرق لتجربة هذا حتى تجد أخيراً أفضل طريقة تعمل، وسيكون أمراً رائعاً لو تمكنّا فقط من الدخول إلى الخلية، والاستماع إلى (المحادثات) الأيضية التي تُحدثها المكونات المختلفة داخل الخلية فيما بينها، وجعل جهاز الاستشعار البيولوجي يخبرنا أنه يصنع الكثير من المنتج».
حقق الباحثون ذلك عن طريق الهندسة الوراثية للخلايا لإنتاج بروتين فلوري عندما كانوا يصنعون مواد كيميائية للوقود الحيوي، ويمكن للعلماء بعد ذلك استخدام الفلورة كمستشعر للبحث عن الإنتاج.
يقول أفالوس: «قمنا بتسخير عامل النسخ هذا بشكل أساسي بحيث عندما تنتج الخلية المزيد من الوقود الحيوي، فإنها تعمل أيضاً على إنتاج البروتين الفلوري، وهي تفعل ما تفعله عادةً، لكن الآن يمكننا أن نرى الخلية تستجيب للنشاط الأيضي المعزز، فلم تعد تك العمليات بعيدة عن أعيننا».
وفي النهاية، قدم استخدام المستشعر الحيوي للباحثين الاختراق الذي كانوا يبحثون عنه، والذي يمكن أن يسرع إنتاج الوقود الحيوي المتقدم وربما يساعد في التخلص التدريجي من استخدام الوقود الأحفوري الباعث للكربون. يقول أفالوس إن الوقود الحيوي يمكن أن يكون بمثابة خطوة حاسمة حيث يتحرك العالم لخفض طاقة الكربون.
وأشار إلى أنه سيكون من الصعب للغاية كهربة السيارات بالسرعة الكافية لتحقيق هدف اتفاقية باريس المتمثل في الحد من الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، أيضاً يصعب كهربة الطائرات وبعض وسائط النقل الأخرى، ويمكن أيضاً استخدام الأيزوبوتانول في صناعة وقود للطائرات ببصمة كربونية أقل.
يضيف أفالوس: «الفجوة بين السرعة التي نحتاج إليها للتخلص من الوقود الأحفوري ومدى سرعة تزويد أساطيلنا بالكهرباء، يمكن ملؤها بالوقود الحيوي، وفي الواقع يجب أن يتم ذلك باستخدام الوقود الحيوي إذا كنا نأمل في تحقيق هذا الهدف، وإذا كان بإمكان أجهزة الاستشعار الحيوية أن توفر لنا الوقت، وهو ما تفعله، فهذه أفضل نتيجة».


مقالات ذات صلة

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟

علوم 
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟

تعتمد المدن حول العالم بشكل متزايد على الطبيعة لمواجهة تداعيات التغير المناخي، من موجات الحر والفيضانات وارتفاع مستويات البحار.

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

تشارك سفينة «رينيير» البحثية، التابعة للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) في الوقت الراهن،

«الشرق الأوسط» ( لندن)
تكنولوجيا إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)

تقرير: 95 % ممن يلغون اشتراكاتهم السنوية في التطبيقات لا يعودون

تقرير جديد يظهر أن مستخدمي الاشتراكات السنوية في التطبيقات نادراً ما يعودون بعد الإلغاء، ما يضغط على نماذج الإيرادات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)

دراسة حديثة: قدرات الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاكه وعياً

تدعو الدراسة إلى معايير علمية أكثر صرامة قبل الحكم على وعي الذكاء الاصطناعي أو الخلط بين الوعي ومعالجة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)

خاص «ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

تتقدَّم المرونة السيبرانية في السعودية من رصد التهديدات، إلى سرعة الاستجابة واتخاذ القرار داخل المؤسسات المالية.

نسيم رمضان (لندن)

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟


الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
TT

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟


الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)

تعتمد المدن حول العالم بشكل متزايد على الطبيعة لمواجهة تداعيات التغير المناخي، من موجات الحر والفيضانات وارتفاع مستويات البحار. وقد برزت «الحلول القائمة على الطبيعة» كاتجاه رئيسي في التخطيط الحضري الحديث، يقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية بوصفها بنية تحتية حيّة تعزز صمود المدن أمام الاضطرابات المناخية.

لكن دراسة دولية شارك فيها 24 باحثاً من جامعات في الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وهونغ كونغ تكشف فجوة علمية مهمة في تصميم هذه الحلول؛ إذ يفترض كثير من المخططين أن الطبيعة ثابتة، بينما الكائنات الحية التي تقوم عليها هذه الأنظمة تتطور باستمرار تحت ضغط البيئة الحضرية، ما قد يغيّر كفاءتها ووظائفها البيئية.

وتشير الدراسة إلى أن المشكلة لا تتعلق بسوء الإدارة فقط، بل بإغفال عامل بيولوجي أساسي هو التطور؛ فالكائنات التي تعتمد عليها المدن في التكيف مع تغير المناخ، من نباتات وكائنات مائية وميكروبات، ليست عناصر جامدة، بل تتغير وراثياً ووظيفياً استجابة للحرارة والتلوث وشح المياه والتحولات البيئية المتسارعة، وفق النتائج المنشورة بعدد 14 مايو (أيار) 2026 من مجلة «Science».

مشاريع تواجه الصعوبات

تتحول المدن الحديثة، وفق الدراسة، إلى ما يشبه «مختبرات للتطور السريع»، إذ تتعرض الكائنات لضغوط شديدة مثل التلوث والجزر الحرارية وتفتت الموائل وارتفاع الملوحة.

وهذا يدفعها لاكتساب صفات جديدة خلال أجيال قصيرة، إلاأهذا التطور قد يسير في اتجاهين متناقضين: فقد يعزز بقاء الأنواع، لكنه في الوقت نفسه قد يُضعف الوظيفة البيئية التي صُممت الحلول لتحقيقها.

وعلى الرغم من أن العالم أنفق نحو 200 مليار دولار على الحلول القائمة على الطبيعة في عام 2022، مثل الغابات الحضرية لتبريد المدن، والأراضي الرطبة لامتصاص الفيضانات، والشعاب المرجانية لحماية السواحل، فإن الدراسة تحذر من أن العديد من هذه المشاريع قد يواجه إخفاقاً على المدى البعيد بسبب افتراض ثبات الخصائص البيولوجية للكائنات، وهو ما لا تدعمه الحقائق العلمية.

وتقدم الدراسة أمثلة توضح هذا التعقيد؛ ففي البيئات الساحلية طورت نباتات المستنقعات كتلة جذرية أكبر ساهمت في تعزيز مقاومة ارتفاع مستوى البحر، بينما اتجهت نباتات أخرى إلى زيادة النمو فوق سطح الماء على حساب الجذور، ما أضعف قدرتها على تثبيت الشواطئ. وبالمثل، طورت قشريات «دافنيا» مقاومة أعلى للملوثات، لكنها فقدت جزءاً من قدرتها على ضبط نمو الطحالب، ما قد يؤدي إلى تدهور جودة المياه. أما الأشجار الحضرية في مدن مثل فينيكس ولوس أنجليس فأصبحت أكثر تحمّلاً للجفاف، لكنها أقل قدرة على تكوين مظلات كثيفة وامتصاص الكربون.

وعلى مستوى أكثر خطورة، قد تسهم بعض المجتمعات الميكروبية المستخدمة في معالجة مياه الصرف في انتشار مقاومة المضادات الحيوية عبر نقل الجينات، ما يحول بعض الأنظمة البيئية إلى مصادر محتملة لمخاطر صحية متصاعدة.

تغيّر خصائص الكائنات

توضح الدكتورة مارينا ألبرتي، أستاذة التخطيط الحضري والبيئي في جامعة واشنطن والباحثة الرئيسية، أن الحلول القائمة على الطبيعة تعتمد على كائنات حية تتغير خصائصها مع الزمن، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءتها البيئية. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن النباتات تساهم في تبريد المدن عبر الظل والنتح وامتصاص المياه وتخزين الكربون، بينما تبني الشعاب المرجانية والمحار هياكل تقلل من قوة الأمواج وتحمي السواحل، في حين تلعب الكائنات الدقيقة دوراً محورياً في تحليل الملوثات ودورة المغذيات.

لكن التحدي الأساسي، حسب ألبرتي، أن السمات التي تمكّن هذه الكائنات من أداء وظائفها ليست ثابتة، بل تتغير تحت ضغط الحرارة والجفاف والفيضانات والتلوث وتفتت الموائل والأمراض. وقد يؤدي ذلك إلى تغيّر في أداء الأنظمة البيئية نفسها، حتى لو استمرت الكائنات في البقاء.

فقد تتجه النباتات الحضرية مثلاً إلى بطء النمو وصِغر الأوراق وعمق الجذور وتغير توقيت الإزهار، ما يؤثر على قدرتها على التبريد وامتصاص المياه. وفي المقابل، قد تتغير معدلات نمو الشعاب المرجانية والمحار، بما يضعف دورها في حماية السواحل. كما أن تغير تركيب المجتمعات الميكروبية قد يؤثر على جودة المياه وكفاءة إزالة الملوثات.

وتدعو الدراسة إلى إعادة النظر في تصميم هذه الحلول عبر أربع فرضيات أساسية: عدم إمكانية نقل الحلول بيئياً بشكل مباشر بين المدن، أهمية التنوع الجيني لتعزيز القدرة على التكيف، إمكانية أن تمتلك الكائنات المتأقلمة حضرياً مزايا وقيوداً في آن واحد، وأخيراً ما يسمى «فخ الوظيفة»، حيث يضمن التطور بقاء الكائن لكنه قد يقلل من الوظيفة البيئية المطلوبة.

وفي رأي ألبرتي، فإن الحلول القائمة على الطبيعة ليست أنظمة ثابتة، بل بنى تحتية حيّة وديناميكية، وأن تعزيز فعاليتها لا يتحقق بمجرد إنشائها، بل بتصميمها بحيث تراعي التطور المستمر للكائنات وقدرتها على التكيف مع المستقبل.


توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات
TT

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

كشفت دراستان حديثتان أن الأنسجة الدهنية في الجسم ليست مجرد مخزن للطاقة بل عضو حيوي يتفاعل بدقة مع توقيت تناول الطعام ونوعه. وأن الاختلال في هذا التوازن قد يمهد الطريق لالتهابات مزمنة واضطرابات استقلابية مثل السمنة والسكري.

توقيت تناول الوجبات

الدراسة الأولى التي قادتها البروفسورة أولغا راميش من المعهد الألماني للتغذية البشرية «بوتسدام - ريبروك» (DIfE) بحثت في تأثير توقيت تناول الكربوهيدرات والدهون على نشاط الجينات في النسيج الدهني تحت الجلد لدى البشر ضمن إطار علم «التغذية الزمنية» (Chrononutrition) الذي يدرس العلاقة بين الإيقاع اليومي للجسم والتمثيل الغذائي.

هل يختلف تأثير الدهون صباحاً عنه مساء؟ شملت الدراسة 29 رجلاً يعانون من زيادة الوزن دون إصابتهم بالسكري. واتبع المشاركون نظامين غذائيين متساويين في السعرات الحرارية لمدة أربعة أسابيع لكل منهما. في النظام الأول تناولوا كربوهيدرات صباحاً ودهوناً مساءً بينما كان النظام الثاني عكس هذا الترتيب.

وخلال التجربة، التي نُشرت نتائجها في مجلة «Food Research International» في 26 فبراير (شباط) عام 2026، جمع الباحثون عينات من النسيج الدهني تحت الجلد في أوقات مختلفة من اليوم وحللوا «الترانسكريبتوم» (transcriptome)؛ أي صورة نشاط الجينات في لحظة معينة بالتعاون مع فريق من جامعة برلين للطب ومستشفى برلين ألمانيا. وأظهرت التحليلات أن 1386 جيناً في النسيج الدهني تخضع لإيقاع يومي يتكرر كل 24 ساعة؛ كثير منها مرتبط باستقلاب السكر والدهون أو بعمليات الالتهاب. والأهم أن توقيت تناول المغذيات أثّر في نحو ثلث هذه الجينات المتذبذبة، فبعضها تغير إيقاعه وبعضها فقد نمطه اليومي، بينما اكتسبت جينات أخرى إيقاعاً جديداً.من اللافت أن تناول وجبة غنية بالدهون صباحاً، والكربوهيدرات مساءً، حسّن مؤشرات حساسية الإنسولين في النسيج الدهني. أما نقل الدهون إلى المساء فزاد من نشاط جينات مرتبطة بالالتهاب ما قد يشير إلى بداية حالة التهابية مبكرة ترتبط بمخاطر السمنة والسكري من النوع الثانيوترى راميش أن النتائج تؤكد أن توقيت توزيع المغذيات خلال اليوم يؤثر بشكل ملموس في العمليات الجزيئية داخل الأنسجة الدهنية، مشيرة إلى أن الوجبات الغنية بالدهون في وقت متأخر قد تحفز مسارات غير مواتية على المدى الطويل.

الدهون ليست نوعاً واحداً

كانت دراسة سابقة كشفت أن نوع النسيج الدهني نفسه يلعب دوراً محورياً في تحديد المخاطر الصحية المرتبطة بالسمنة. ففي البحث الذي أجراه علماء من جامعة ديلاوير في نيوارك الولايات المتحدة الأميركية، ونُشر في مجلة «Physiological Genomics» في 25 نوفمبر(تشرين الثاني) 2024، قارن الباحثون بين نشاط الجينات في نوعين من الدهون لدى فئران نحيفة وأخرى بدينة بعد عام من اتباع أنظمة غذائية مختلفة.

ويُميّز العلماء بين نوعين رئيسيين من الدهون هما الدهون الحشوية (VAT) (Visceral adipose tissue) التي تحيط بالأعضاء في البطن وترتبط بالتهاب مزمن ومقاومة الإنسولين، والدهون تحت الجلد (SAT) (Subcutaneous adipose tissue) الموجودة أسفل الجلد التي تُعد أقل ارتباطاً بالالتهاب.

أظهرت النتائج وجود اختلافات واسعة في التعبير الجيني بين الفئران النحيفة والبدينة. فقد تم رصد 308 جينات مختلفة النشاط في الدهون تحت الجلد وأكثر من 600 جين في الدهون الحشوية. وغالبية الجينات التي ارتفع نشاطها في الدهون تحت الجلد كانت تدعم عمليات استقلاب الدهون ما قد يساعد في الحفاظ على وظيفتها.

في المقابل ارتبطت الجينات النشطة في الدهون الحشوية لدى الفئران البدينة بمسارات التهابية ما يعزز الفكرة القائلة إن هذا النوع من الدهون هو الأكثر خطورة على صحة القلب والتمثيل الغذائي.كما لاحظ الباحثون أن بعض الجينات التي ارتفع نشاطها في الدهون تحت الجلد وانخفض في الدهون الحشوية ترتبط بالحماية من أمراض القلب وبعض أنواع السرطان ما يبرز اختلافاً وظيفياً جوهرياً بين النوعين.

توصيات غذائية أكثر دقة

تجمع الدراستان على أن الأنسجة الدهنية كيان ديناميكي يتأثر بتوقيت الوجبات ونوعها، وكذلك بموقعها في الجسم. وتفتح هذه النتائج الباب أمام مقاربات أكثر دقة في الوقاية من السمنة والسكري لا تقتصر على عدد السعرات الحرارية فحسب، بل تمتد إلى توقيت تناولها ونوع الدهون المستهلكة.ويرى الباحثون أن الخطوة المقبلة تتمثل في إجراء دراسات طويلة الأمد وعلى فئات أوسع، بما في ذلك النساء ومرضى السكري لفهم التأثيرات الصحية الفعلية. كما أن الدراسات الخلوية والحيوانية قد تسهم في توضيح الآليات الدقيقة التي تربط بين الإيقاع البيولوجي وتوزيع الدهون وخطر الأمراض المزمنة.وفي ضوء هذه المعطيات يبدو أن السؤال لم يعد «كم نأكل؟» فقط، بل أيضاً «متى نأكل؟»، وأين تتراكم الدهون في أجسامنا، وهي أسئلة قد تعيد صياغة استراتيجيات الوقاية والعلاج في عصر الطب الشخصي


غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات
TT

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

تشارك سفينة «رينيير» البحثية، التابعة للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) في الوقت الراهن، في بعثة طموحة لرسم خرائط لأكثر من 8000 ميل بحري مربع، من قاع المحيط الهادي بين أستراليا وأميركا الجنوبية، بحثاً عن رواسب معدنية حيوية. ويتمثل عنصر محوري في المهمة في غواصتين صغيرتين زاهيتي اللون من إنتاج «أورفيوس أوشن»، شركة ناشئة انبثقت عن «معهد وودز هول لعلوم المحيطات»، عام 2024.

مركبات الأعماق البحرية

جرى تصميم هذه المركبات للعمل في أعماق بعيدة للغاية وبكفاءة عالية؛ إذ يمكنها الغوص إلى عمق يقارب 6000 متر، و«التنقل قفزاً» على طول قاع البحر، مع جمع عينات من الرواسب والكائنات الحية، بما في ذلك الميكروبات والديدان والقواقع والعُقيدات المعدنية بحجم البيض، التي تحتوي على معادن، مثل النحاس والكوبالت والنيكل والمنغنيز، العناصر الضرورية للتكنولوجيا الحديثة.

وتهدف شركة «أورفيوس أوشن» إلى جعل استكشاف أعماق البحار أقل تكلفة؛ فعلى عكس الغواصات التقليدية، التي تتراوح تكلفتها بين خمسة وعشرة ملايين دولار، يجري تصنيع غواصات الشركة مقابل بضع مئات الآلاف من الدولارات فقط لكل واحدة.

في هذا الصدد، أوجز الرئيس التنفيذي للشركة، جيك راسل، في حديث نشرته مجلة «تكنولوجي ريفيو» فلسفة الشركة في عبارة: «أعماق كبيرة بتكلفة زهيدة». وقد يساهم هذا النهج، إلى جانب قدرة الغواصات على جمع عينات الرواسب والكائنات الحية معاً، في إتاحة أبحاث أعماق المحيطات لشريحة أوسع من الباحثين، من خلال تقليل الاعتماد على الأساطيل المحدودة والمكلفة، التابعة للحكومات والمؤسسات العلمية.

ويعكس تصميم غواصات «أورفيوس أوشن» سنوات من التجارب المكثفة، داخل مؤسسة «معهد وودز هول لعلوم المحيطات»، بالتعاون مع الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، ووكالة «ناسا». وكان باستطاعة النماذج الأولية المبكرة، نظرياً، الوصول إلى العمق الكامل لـ«خندق ماريانا» Mariana Trench (أعمق نقطة على سطح الأرض)، البالغ نحو أحد عشر ألف متر.

ورغم مشاركة الغواصات في عمليتي تشغيل تجاريتين من قبل، تشكل الرحلة الحالية الاختبار الأصعب لها حتى الآن؛ إذ تعمل عبر مسافات واسعة، ولمدة أسابيع متعددة، باستخدام عدة أدوات علمية في الوقت ذاته.

ومن على سطح السفينة الحاملة لها، تستطيع كل غواصة التحرك لمسافة تقارب 10 كيلومترات في كل مهمة، مع التقاط صور عالية الدقة كل ثانية، وجمع ما يصل إلى 8 عينات مادية في كل غوصة. وإذا نجحت المهمة، فسيجري اعتماد هذه الغواصات باعتبارها أدوات عملية للعلماء والوكالات الحكومية والشركات، التي تستكشف أعماق المحيطات، والتي لا يزال الجزء الأكبر منها مجهولاً حتى اليوم.

وفي الوقت الراهن، تعتمد أبحاث أعماق البحار بشكل كبير على عدد محدود من الغواصات باهظة الثمن تملكها الحكومات. ويحد هذا الوضع من الدراسات، لتصبح مجرد «لقطات سريعة» لقاع المحيط، بدلاً من إجراء دراسات طويلة الأمد للأنظمة البيئية والكيميائية الحيوية هناك.

من جهته، أكد جيك راسل أن جزءاً كبيراً من المنطقة، التي تستكشفها سفينة «رينيير (Rainier)» لا يزال مجهولاً بالكامل تقريباً، وأن أي شيء يجري اكتشافه هناك سيكون على الأرجح جديداً على «الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي»، وعلى المجتمع العلمي بأسره.

عمل ذاتي وبرامج متكيّفة

تُصنَّف مركبات «أورفيوس أوشن» ضمن فئة المركبات ذاتية العمل تحت الماء، ولديها القدرة على الحركة وفق برامج مسبقة أو بصورة تكيفية، من دون الحاجة إلى كابل يربطها بالسفينة. وعلى عكس المركبات التقليدية المصممة للانزلاق لمسافات طويلة، تتميز هذه الغواصات بصغر حجمها وبنيتها المتينة وامتلاكها أرجلاً صغيرة؛ ما يسمح لها بالهبوط بسلاسة على قاع البحر، واستخراج عينات من الرواسب. كما تتيح لها حركة «القفز» الارتفاع لفترات قصيرة عن القاع قبل الهبوط مجدداً، ما يحسن قدرتها على التنقل فوق التضاريس الرخوة أو غير المستوية.

ويجري تصنيع الغواصات بشكل أساسي من مادة رغوية صناعية تحتوي على كرات زجاجية مجوفة دقيقة تساعدها على تحمل الضغوط الهائلة في الأعماق السحيقة، بينما تُحمى أجهزتها الإلكترونية داخل كرات زجاجية سميكة.

وقد استخدمت هذه المادة الرغوية في بعثات شهيرة لاستكشاف أعماق البحار، من بينها رحلة المخرج جيمس كاميرون إلى خندق ماريانا عام 2012؛ حيث جرى التبرع ببقايا من تلك المادة لاستخدامها في النماذج الأولية المبكرة لغواصات «أورفيوس».

ويبلغ طول هذه الغواصات أقل من مترين، ويقل وزنها عن مئتين وسبعين كيلوغراماً؛ ما يجعلها أصغر مركبات غوص عميق قادرة على الوصول إلى عمق 6000 متر، كما يجعلها منخفضة التكلفة ومن السهل زيادة حجمها من أجل استخدامها ضمن أساطيل.

في هذا الصدد، أوضحت فيكتوريا أورفان، عالمة مختصة بعلمي الأحياء والجيولوجيا، من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتيك)، أن أحد أكبر التحديات في استكشاف أعماق البحار، يكمن في خطر فقدان المركبات. وتجعل الغواصات الكبيرة باهظة الثمن، التي تديرها الهيئات الحكومية والمؤسسات العلمية خسارة أي معدات أمراً بالغ الخطورة، خاصة مع محدودية عدد هذه المركبات.

وقد اختبرت أورفان إحدى غواصات «أورفيوس» في ربيع 2024. قرب جزر ألوشيان التابعة لألاسكا، بهدف رسم خرائط لتسربات غاز الميثان، قبل إرسال غواصة مأهولة لإجراء دراسة تفصيلية.

ومع أن التجربة الأولى جابهت صعوبات ناجمة عن البرودة الشديدة وطبيعة التضاريس الوعرة، نجحت الغواصة خلال ثلاثة أسابيع في التقاط صور عالية الدقة؛ ما عزز الثقة بإمكاناتها العلمية.

من جهته، يتطلع جيك راسل إلى تزويد غواصات «أورفيوس» بحمولات متخصصة قادرة على اكتشاف التسربات الكيميائية، وسحب الرواسب، وآثار الحمض النووي للكائنات البحرية، أو الإشارات المغناطيسية للكابلات المدفونة تحت قاع البحر.

أما أندرو سويتمان، عالم مختص بالبيئة البحرية في اسكوتلندا، فأكد أن هذه المركبات تجمع بين قدرة المركبات الذاتية على الاستكشاف لمسافات طويلة، ودقة المركبات الموجهة عن بُعد في جمع العينات، ما يجعلها مناسبة للمسوحات الواسعة والدراسات التفصيلية في الوقت نفسه. أضف إلى ذلك أن صغر حجمها يقلل الحاجة إلى سفن أبحاث ضخمة؛ ما قد يتيح للدول الصغيرة فرصة المشاركة في أبحاث أعماق البحار.

الاستخراج البحري

في الوقت الذي يشعر فيه العلماء بالحماس تجاه الإمكانات البحثية لهذه التكنولوجيا، جذبت تقنيات «أورفيوس» اهتماماً واسعاً من القطاع الصناعي؛ إذ تبدي شركات تعمل في مجالات التعدين والدفاع وطاقة الرياح البحرية والاتصالات والنفط والغاز، اهتماماً متكرراً بهذه الغواصات.

وأفادت شركة «أورفيوس» بأنها تعمل بمثابة مزود لخدمات جمع البيانات، وليس باعتبارها جهة تتخذ قرارات تتعلق باستخراج الموارد، مشيرة إلى أن توفير بيانات أدق، يساعد الحكومات على وضع لوائح تنظيمية ومعايير تشغيل أعلى كفاءة.

ومع ذلك، يثير التوسع في التعدين بأعماق البحار، في الوقت نفسه، مخاوف بيئية متزايدة. جدير بالذكر أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، أقرت حديثاً تسريع وتيرة عمليات استكشاف المعادن ومعالجتها داخل الولايات المتحدة، مع إنشاء هيئة خاصة لإدارة المعادن البحرية، للإشراف على هذه الأنشطة.

وحذر أندرو سويتمان من أن التعدين في أعماق البحار قد يتقدم بسرعة تفوق مستوى المعرفة العلمية الحالية، بينما تشير فيكتوريا أورفان إلى أن الأنظمة البيئية في قاع البحر تُعد من أكثر البيئات استقراراً على كوكب الأرض، وأن الكائنات التي تعيش فيها ضعيفة التكيف مع الاضطرابات، وبطيئة في التعافي.

وتعتمد بعض أساليب التعدين المقترحة على آلات ضخمة تشبه الجرافات تقوم بكشط الرواسب من قاع البحر، ما يترك آثاراً طويلة الأمد وسحباً من الرواسب المنتشرة في المياه، ما يثير القلق بشأن التأثيرات البيئية المحتملة.

ويرى بعض الخبراء، مثل بريت هوبسون، من «معهد أبحاث خليج مونتيري للأحياء البحرية»، أن التقنيات المشابهة لغواصات «أورفيوس» قد تتيح جمع عينات أكثر دقة، مقارنة بعمليات التعدين الواسعة والمدمرة. وفي الوقت نفسه، تتواصل جهود تطوير غواصات مشابهة في دول عديدة، من بينها النرويج وفرنسا واليابان والصين والمملكة المتحدة.

ويرى هوبسون أن توسيع نطاق توفر هذه الأنظمة، سيكون مفيداً لكل من الأبحاث العلمية والقطاع الصناعي.

وستحدد نتائج أداء غواصات «أورفيوس» في العمل داخل المحيط الهادي، مدى جاهزيتها لإجراء مسوحات علمية وأخرى للموارد واسعة النطاق، خاصة أن كل عملية غوص تضيف بيانات جديدة بصورة تدريجية، مقدمة لمحات صغيرة، لكن مهمة، عن جزء لا يزال مجهولاً إلى حد كبير من كوكب الأرض.

ويمنح الجمع بين انخفاض التكلفة وصغر الحجم وتعدد القدرات التشغيلية، شركة «أورفيوس أوشن» فرصة للمساهمة في جعل علوم أعماق البحار متاحة لشريحة أوسع من الباحثين والدول.

وفي المقابل، يسلط ذلك الضوء على التوتر القائم بين الاستكشاف العلمي والمصالح التجارية وجهود الحفاظ على البيئة، موضحاً الطبيعة المزدوجة لهذه التقنيات، التي يمكن أن تسهم إما في كشف أسرار بعض أكثر النظم البيئية استقراراً وغموضاً على الأرض، أو في تعريضها للاضطراب والتدمير.