بعد تألقه أمام آرسنال... لوكاكو سيكون كابوساً لمدافعي الفرق المنافسة

المهاجم البلجيكي عاد إلى تشيلسي أفضل وأكثر خبرة وفي قمة عطائه الكروي

لوكاكو سبّب متاعب لمدافعي آرسنال طوال المواجهة (رويترز)
لوكاكو سبّب متاعب لمدافعي آرسنال طوال المواجهة (رويترز)
TT

بعد تألقه أمام آرسنال... لوكاكو سيكون كابوساً لمدافعي الفرق المنافسة

لوكاكو سبّب متاعب لمدافعي آرسنال طوال المواجهة (رويترز)
لوكاكو سبّب متاعب لمدافعي آرسنال طوال المواجهة (رويترز)

عندما تعاقد المدير الفني السابق لمانشستر يونايتد، السير أليكس فيرغسون، مع روبن فان بيرسي، كان يعلم جيداً أن المهاجم الهولندي يمكنه تسجيل الأهداف التي ستساعد مانشستر يونايتد على الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، وقد أثبت فان بيرسي بالفعل أن فيرغسون كان محقاً تماماً، خاصة في أول موسم له على ملعب «أولد ترافورد». وكان المدير الفني توماس توخيل يأمل أيضاً في أن يفعل روميلو لوكاكو نفس الشيء مع تشيلسي، بعدما انضم للبلوز.
ولم يخيّب لوكاكو أمل مدربه وهزّ لوكاكو الشباك في أول مباراة يلعبها مع تشيلسي بعد عودته للنادي ليقوده للفوز 2 - صفر على مضيفه آرسنال بعد أن شكّل خطورة على دفاع المنافس طوال المباراة. وقال لوكاكو إن الهدف الذي أحرزه في فوز فريقه على جاره آرسنال هو هدفه المفضل بين 114 هدفاً أحرزها في البطولة حتى الآن. وأضاف لوكاكو بعد المباراة: «هذا هو هدفي الأفضل. الأفضل... تعرفون أهمية ذلك بالنسبة لي معنوياً».
لقد أثبت المهاجم البلجيكي العملاق أنه يمتلك قدرات وفنيات هائلة في جميع الأندية التي لعب لها حتى الآن، ونادراً ما عانى من تراجع في المستوى رغم أنه في بعض الأحيان لم يكن الخيار الأول. وقدّم لوكاكو مستويات استثنائية مع إنتر ميلان وقاده للفوز بلقب الدوري الإيطالي لأول مرة منذ 11 عاماً، منهياً هيمنة يوفنتوس على «الاسكوديتو» على مدار تسعة مواسم متواصلة. ويأمل لوكاكو في أن يكرر نفس الإنجاز مع تشيلسي.
لقد سجل لوكاكو 47 هدفاً في 72 مباراة بقميص إنتر ميلان، وهو ما يعد إنجازاً رائعاً لأي مهاجم، خاصة في دوري صعب مثل الدوري الإيطالي. وعلاوة على ذلك، فإن سجله في الدوري الإنجليزي ليس بعيداً عن ذلك، حيث سجل 113 هدفاً في 252 مباراة. لقد ساعد لوكاكو ناديي وست بروميتش ألبيون وإيفرتون على التطور والتحسن وتحقيق نتائج أفضل، وأظهر أنه كان دائماً قادراً على مواجهة الأفضل في إنجلترا، حتى عندما لم يكن يلعب في أحد أندية النخبة.
وكانت نقطة الضعف الوحيدة في تشيلسي منذ تولي توخيل المسؤولية الموسم الماضي تتمثل في مركز قلب الهجوم، حيث لم يتمكن أي لاعب في الفريق من القيام بهذا الدور كما ينبغي. وكان تيمو فيرنر هو الذي حظي بالثقة الأكبر من جانب توخيل، لكن المهاجم الألماني الشاب كان يهدر العديد من الفرص السهلة ولم يكافئ مديره الفني على هذه الثقة، في حين لم يكن توخيل يظهر أي ثقة في أوليفييه جيرو وتامي أبراهام. وهناك تصور بأن لوكاكو لا يجيد اللعب إلا داخل منطقة الجزاء، وأنه يتعين على الفريق أن يعمل جاهداً لإمداده بالكرات داخل الصندوق لتحويلها إلى أهداف، لكن الحقيقة أن المهاجم البلجيكي كان أحد أفضل اللاعبين الذين يجيدون في الهجمات المرتدة بإيطاليا، كما أنه يتحرك على الأطراف لكي يسمح لزملائه بالانطلاق في المساحات الخالية في عمق الملعب. وعلاوة على ذلك، يمكنه الربط بين خطي الوسط والهجوم، واستغلال أنصاف الفرص، كما أنه وصل الآن إلى قمة عطائه الكروي.
لقد لعب لوكاكو تحت قيادة مديرين فنيين رائعين من الناحية التكتيكية، مثل روبرتو مارتينيز وأنطونيو كونتي، وهو الأمر الذي جعله يتحرك بشكل أكثر وعياً داخل المستطيل الأخضر، كما أنه لاعب سريع وقوي ومهاري وقادر على التكيف مع الظروف الجديدة بسرعة، وبالتالي فإن انضمامه إلى الفريق الحالي لتشيلسي سيجعله بمثابة كابوس لمدافعي الفرق المنافسة، لأنه يمتلك كل المقومات التي يحتاج إليها أي مهاجم من الطراز العالمي.
وفي نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2020، كان لوكاكو يتحرك في بعض الأحيان على الأطراف، وهو ما كان يسمح للاعبين مثل كيفن دي بروين بالتحرك في المساحات الخالية في العمق. ويمتلك تشيلسي مجموعة رائعة من اللاعبين الموهوبين، الذين يمكنهم القيام بنفس الشيء عندما يلعبون خلف لوكاكو. وبدلاً من استبعاد فيرنر من التشكيلة الأساسية، يمكن الاستفادة به كثيراً بعد وصول لوكاكو، حيث دائماً ما يقدم اللاعب الألماني مستويات أفضل عندما يلعب بجوار مهاجم آخر، وهو الأمر الذي رأيناه جميعاً عندما كان يلعب في لايبزيغ، نظراً لأن فيرنر يجيد الانطلاق في المساحات الخالية وتكوين شراكة قوية مع قلب الهجوم. ومن الواضح أن لوكاكو وفيرنر سوف يكملان بعضهما إذا قرر تشيلسي اللعب بمهاجمين بدلاً من مهاجم واحد في الخط الأمامي.
وقد أعلن لوكاكو بالفعل أنه يحب الطريقة التي يلعب بها تشيلسي التي تعتمد على اثنين من اللاعبين خلفه، وهو الأمر الذي سيسمح بتخفيف الرقابة الدفاعية عليه، وبالتالي سيكون أكثر خطورة عند تسلمه للكرة أمام المرمى. كما أشار لوكاكو إلى أنه سيكون سعيداً أيضاً لو لعب بجوار مهاجم آخر، نظراً لأن ذلك سوف يمنح خط هجوم تشيلسي التنوع الذي يحتاج إليه بشدة في المواجهات القوية في الدوري الإنجليزي الممتاز وفي البطولات الأوروبية. ويحتاج أي فريق يسعى للمنافسة على البطولات أن يكون لديه العديد من الخيارات الهجومية وأن تكون هناك انسيابية وسلاسة في الخط الأمامي، ولم تعد الكثير من الأندية تعتمد على الشكل القديم والصارم لطريقتي 4 - 4 - 2 أو 4 - 3 – 3، حيث بات اللاعبون يتسمون بديناميكية أكبر ويمكنهم التكيف بسرعة مع المتطلبات الجديدة، وهو الأمر الذي يجبر الفرق المنافسة على تغيير طريقة اللعب أيضاً حتى يمكنها مجاراة ذلك.
في الحقيقة، لن يسعى لوكاكو لإثبات أن مسؤولي تشيلسي كانوا مخطئين عندما استغنوا عن خدماته في المرة الأولى، نظراً لأن المهاجم البلجيكي قد أثبت أكثر من مرة وفي جميع الأندية التي لعب لها أنه مهاجم من الطراز الرفيع. لقد عاد لوكاكو إلى «ستامفورد بريدج» وهو لاعب أفضل وأكثر خبرة، ولديه ثقة كبيرة بقدراته وإمكاناته وقد وصل الآن إلى قمة عطائه الكروي، وبالتالي فإنه لن يشعر بأي قلق بشأن رأي الناس فيما كان يقدمه مع تشيلسي قبل عقد من الزمن. إنه قادر على إضافة الكثير إلى الفريق، وبإمكانه أن يصبح مثل ديدييه دروغبا مع تشيلسي، نظراً لأنه يمتلك كل المقومات التي تجعله نقطة محورية في خط هجوم البلوز وتسجيل الأهداف التي يحتاج إليها النادي للمنافسة على البطولات والألقاب. لقد عاد المهاجم البلجيكي إلى إنجلترا وهو في أفضل مستوى فني وبدني له طوال مسيرته الكروية.
وأظهر لوكاكو، الذي لم يسجل أي هدف في الدوري الممتاز مع تشيلسي في فترته الأولى، لماذا اضطر تشيلسي إلى كسر الرقم القياسي لصفقات الانتقال في النادي لإعادته إلى صفوفه بعد سبع سنوات من مغادرته لندن. ومنح اللاعب البلجيكي تشيلسي القوة البدنية والشراسة المطلوبة في الهجوم التي افتقدها النادي منذ رحيل دييغو كوستا في 2017، وحرمه بيرند لينو حارس آرسنال من تسجيل الهدف الشخصي الثاني بعد أن تصدى لرأسية قوية لتصطدم الكرة في العارضة قبل 15 دقيقة من النهاية وسط ذهول لوكاكو.
ورداً على سؤال بشأن الأداء الذي قدمه أمام آرسنال قال لوكاكو: «سيطرنا على المباراة... أسعى للتحسن من مباراة إلى أخرى. أمامي طريق طويل لكني قدمت أداء جيداً اليوم لنحقق الانتصار في بداية مثالية». وعبّر توخيل مدرب تشيلسي عن سعادته الكبيرة لانسجام لوكاكو سريعاً مع التشكيلة. وقال: «يمنحنا شيئاً كان الفريق يفتقر إليه مثل الاحتفاظ بالكرة واللعب بطريقة مباشرة جداً واللمسة الأخيرة. «لا يوجد ما هو أفضل من هزّ الشباك في مشاركتك الأولى. كاد أن يسجل هدفاً ثانياً. تصدى بيرند لينو للمحاولة بشكل مذهل. إنها بداية جيدة يتعين علينا البناء عليها».
وبعد البداية الإيجابية في الجولة الافتتاحية والفوز على كريستال بالاس بثلاثة أهداف دون رد، ثم الفوز على آرسنال، فإن تحقيق نتيجة جيدة في الجولة القادمة عندما يحل تشيلسي ضيفاً على ليفربول سيكون مهماً للغاية لتشيلسي هذا الموسم. إن تحقيق الفوز في المباراة المقبلة يمكن أن يمنح تشيلسي الثقة التي يحتاج إليها، ومن المؤكد أن لوكاكو سيلعب دوراً كبيراً في ذلك.


مقالات ذات صلة

بوكايو ساكا: إنجلترا جاهزة للفوز بلقب المونديال

رياضة عالمية بوكايو ساكا جناح آرسنال ومنتخب إنجلترا (د.ب.أ)

بوكايو ساكا: إنجلترا جاهزة للفوز بلقب المونديال

رأى بوكايو ساكا، المُتوَّج هذا الموسم بلقب الدوري الممتاز مع آرسنال، أنَّ منتخب بلاده، إنجلترا، جاهز لمحاولة الفوز بكأس العالم.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية جود بيلينغهام لاعب المنتخب الإنجليزي (أ.ف.ب)

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

كشف جود بيلينغهام، لاعب المنتخب الإنجليزي لكرة القدم، إن الأمور لم تكن على ما يرام في معسكر الفريق ببطولة أمم أوروبا «يورو 2024».

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (د.ب.أ)

يورغن كلوب يحصل على وسام فخري من المملكة المتحدة

سيحصل الألماني يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، على وسام الإمبراطورية البريطانية برتبة قائد فخري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية إطلاق نار قرب مقر منتخب إنجلترا (أ.ف.ب)

إطلاق نار قرب مقر إقامة منتخب إنجلترا يثير القلق قبل انطلاق المونديال

شهدت المنطقة المحيطة بمقر إقامة وتدريبات «الأسود الثلاثة» حادث إطلاق نار جماعي أثار حالة من القلق والترقب بين الجماهير ووسائل الإعلام.

مهند علي (الرياض)
رياضة عالمية المخضرم هاري كين يسعى لقيادة إنجلترا للقب المونديال (رويترز)

تألق كين يعزز أحلامه بالتتويج بكأس العالم مع إنجلترا

يشعر النجم المخضرم هاري كين بأنه في أفضل حالاته، حيث يعدّ قائد منتخب إنجلترا، صاحب الأهداف الغزيرة، الأيام المتبقية حتى انطلاق بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (تامبا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.