فرانز بواس أزاح تأويل الاختلافات البشرية من علم الأحياء إلى حقل الثقافة

كان يؤمن بوجود «ثقافات بشرية متعددة والإنسان واحد»

فرانز بواس - غلاف الكتاب
فرانز بواس - غلاف الكتاب
TT

فرانز بواس أزاح تأويل الاختلافات البشرية من علم الأحياء إلى حقل الثقافة

فرانز بواس - غلاف الكتاب
فرانز بواس - غلاف الكتاب

ثمّة فكرة (أراني متفقة معها تماماً) سائدة في أوساط الإنتلجنسيا العالمية مفادها بأن مبحث الأنثروبولوجيا الثقافية (أو الاجتماعية؛ إذ لا فرق) هو الأصل الذي يمكن منه اشتقاق كل المباحث السائدة في الإنسانيات (أدب - شعر - تاريخ - جغرافيا - علم اجتماع - سياسة، اقتصاد... إلخ). الاشتقاق هنا بمعنى أن الأصول الأولى للمبحث المقصود في الإنسانيات يمكن معاينة بداية نشأتها بتوجيه البؤرة البحثية نحو موضوعة محددة في الأنثروبولوجيا الثقافية. وعليه؛ فإن الإحاطة ببدايات نشأة الأنثروبولوجيا الثقافية ستكون شرطاً لازماً لكل المشتغلين في حقل الإنسانيات، وفي الوقت ذاته لكل الشغوفين بمباحث الأنثروبولوجيا والثقافة.
يتناول تشارلز كينغ (Charles King) نشأة الأنثروبولوجيا الثقافية والشخوص المؤسسين لها في كتابه الذي اختصّه بعنوان: «آلهة المثابات العليا (Gods of the Upper Air)» الذي نشرته دار نشر «Doubleday» عام 2019. ويعمل كينغ أستاذاً للشؤون الدولية في جامعة جورج تاون الأميركية، وهو مؤلف العديد من الكتب التي تناولت أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق.
الكتاب في جوهره تجميعة لرؤى كتّاب متعدّدين بشأن سيرة «فرانز بواس Franz Boas (1858 – 1942))» الذي وضع الأسس الراسخة للأنثروبولوجيا الثقافية - بوصفها حقلاً أكاديمياً له أصوله القائمة - في الولايات المتحدة، فضلاً عن سيرة أربعة من تلاميذ بواس: روث بينيدِكت Ruth Benedict، وزورا نيل هرستون Zora Neale Hurston، وإيلّا كارا ديلوريا Ella Cara Deloria، ومارغريت ميد Margaret Mead. يجادل كينغ في كتابه هذا بأنّ هذه الشخصيات الثقافية كانت تعمل «في الجبهات المتقدّمة للحرب الأخلاقية العظمى في زماننا، والمقصود بهذه الحرب هو سيادة مفهوم أنّ الإنسانية كينونة واحدة لا تقبل التجزئة بصرف النظر عن الاختلافات السائدة في لون البشرة، والجندر، والقدرات الجسدية والعقلية، والعادات الثقافية والمعيشية».
يرى كينغ أنّ الأنثروبولوجيين الثقافيين استطاعوا تغيير توجّهات الناس مثلما استطاعوا تعديل سلوكياتهم، وهو يكتب في هذا الشأن:
«لو أنّ الأمر صار في عداد البداهة المقبولة من غير مساءلة في أن يقرأ طالب جامعي كتاب الـ(باغافاد غيتا Bhagavad Gita) في برنامج دراسي جامعي يتناول الكلاسيكيات الكبرى في العالم، وأن يتمّ رفض العنصرية واعتبارها إفلاساً أخلاقياً وغباوة يمكن كشفها ذاتياً، وأن يتمّ تعزيز القدرات الفردية في أماكن العمل بعيداً عن الاعتبارات الجندرية والعرقية، فهذه كلها - مع أمور أخرى سواها - لم تكن نتاجاً لتطلعات طموحة لتنظيم المجتمع، وصارت اليوم أموراً بديهية بقدر ما كانت نتائج طبيعية لأفكار بطولية قادها بواس وتلامذته؛ لذا علينا جميعاً إبداء آيات الشكر والتقدير له ولمُريديه الخُلّص».
إنّ العمل المتفرّد لبواس ومُريديه يكمن في أنهم أزاحوا تأويل الاختلافات البشرية من حقل البيولوجيا (علم الأحياء) إلى حقل الثقافة.
وُلد بواس وتعلّم في بروسيا Prussia، ثمّ هاجر إلى الولايات المتّحدة عام 1886 عندما كان في الثامنة والعشرين، وبعد عقد من الزمن وعقب محاولات كثيرة لم تُصِب نجاحاً يذكر تمكّن بواس من أن يشغل موقع أستاذ جامعي (بروفسور) للأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا، وقد كان هناك عُرضة لحروب عديدة شغلت سنوات ليست بالقليلة، وكان أحد أسباب تلك الحروب - في الأقلّ - معاضدته سياسات الأجنحة اليسارية.
تمكّن بواس، بشكل من الأشكال، من تدريب جيل كامل من الأساتذة المتميزين في حقل بحثي كان حتى أعقاب الحرب العالمية الثانية تخصصاً أكاديمياً في نطاقات ضيقة. كان بواس كاتباً ذا قدرة مهولة على الكتابة، وهو بهذا يشابه اثنين من البروفسورات المؤثرين المعاصرين له: جون ديوي John Dewey، وثورشتاين فبلن Thorstein Veblen؛ لكنه يتمايز عنهما في أنه لم يسمح للخوف بأن يتسلل إلى روحه، فضلاً عن امتلاكه طاقة عجيبة على العمل وشخصية كاريزمية ساحرة.
ثمة مأثورة تتردّد في الأوساط الأكاديمية جوهرها أنّ مهنة الأستاذ الجامعي ليست سوى حواشٍ تدور في مدار أطروحته الأكاديمية، وهذا أمرٌ يصدق على حالة بواس بشكل أو آخر. كان بواس باحثاً تجريبياً اعتاد جمع البيانات وتدقيقها بحثاً عن الخروج بنموذج شامل يجمعها، ولم يكن يرى في نفسه ميلاً نحو التخمينات النظرية؛ لكنه، رغم هذه الخصيصة المتأصلة في نفسه، آمن دوماً بأنّ الحقيقة الجوهرية بشأن الكائنات البشرية تكمن في أنّ كلّ الحقائق المعروفة عنهم تتغير لأنّ الظروف التي يعيشونها تتغير هي الأخرى. رأى بواس أنّ حيواتنا قد تكون محكومة بطائفة من المؤثرات: الجينات، والبيئة، والثقافة؛ لكنّ هذه المؤثرات ليست محدّدة بصورة مسبّقة.
لم تكن مكتشفات بواس مما يرغب في سماعه العلماء والسياسيون البيض عام 1911. شهد بواس في حياته تشريع قانون «جم كرو Jim Crow» الذي أشاع قبولاً واسع النطاق بالداروينية الاجتماعية وعلم تحسين السلالات البشرية (Eugenics)، والتوسّع الاستعماري (بما فيه الاحتلال الأميركي للفلبين)، والتقييدات القاسية للهجرة إلى الولايات المتحدة، وتنامي حركة الـ«كوكلاكس كلان (Ku Klux Klan)» العنصرية، وصعود سلطة أدولف هتلر. كان العلم حتى ذلك الوقت يُعامل على أنه المسوّغ المقبول للاستعمار الكولونيالي، والفصل العنصري، والتمييز العرقي، والنبذ السكّاني، والتعقيم القسري. كرّس بواس حياته لكي يثبت للناس أنّ العلم الذي كانوا يعتمدونه في تسويغ ممارساتهم السابقة إنما كان علماً سيئاً. «آمن بواس بأن العالم ينبغي أن يكون آمناً يتسع لكل الاختلافات البشرية»؛ هذا ما كتبته روث بينيدكت عقب وفاته.
إذا كانت الاختلافات البيولوجية لا تصلحُ مسوّغاً لتلك الطائفة الواسعة من الممارسات والأدوار المتباينة السائدة بين المجموعات البشرية، والتي نلاحظها في العالم، فينبغي حينئذ توقّع وجود أمر آخر يفعل فعله. فكّر بواس في وجود مجموعة من المؤثرات الأخرى، وأحدُ تلك المؤثرات هو «الثقافة Culture».
تحتاجُ مفردة الثقافة هنا شيئاً من إعادة تعريف: كانت مفردة الثقافة في القرن التاسع عشر تُعامَلُ بشكل عام كأنها أقربُ إلى حيازة شيء ما. كانت شيئاً تكتسبه المجتمعات في سياق عملية تطورها المستديم، وهي بهذا تُعدُّ طوراً في عملية نمو الحضارة المدنية. كان بواس من الشخصيات التي أشاعت بيننا التعريف الإجرائي للثقافة عندما نتحدث عن الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي؛ بمعنى أنّ الثقافة تعني طريقة محدّدة في الحياة. كانت إحدى المساهمات الكبرى لبواس في هذا الشأن هي أن يُرينا الكيفية التي حازت بها المجتمعات ما قبل الحديثة (البدائية Primitive كما تسمّى في الأدبيات الأنثروبولوجية) ثقافاتٍ بالطريقة ذاتها التي تحوز بها المجتمعات الحديثة ثقافاتٍ خاصة بها.
انتهى بواس إلى حصيلة استنتاجية مفادُها بوجود ثقافات بشرية عدّة بدلاً من واحدة، وابتدأ منذ ذلك الحين الإشارة إلى «ثقافات» بصيغة الجمع، بدلاً من ثقافة جامعة واحدة. كان بواس مهتماً بـ«علم الأجناس البشرية Ethnography»، وكان مسكوناً بقناعة راسخة أنّ عمل المختصّ بعلم الأجناس البشرية إنما هو في حقيقته دراسة للأنماط الثقافية السائدة في أي مجموعة بشرية قيد الدراسة: أن نفهم - على سبيل المثال فحسب - من داخل الجماعة البشرية ما الذي تعنيه الذكورة أو الأنوثة، وما الذي يعنيه منحك هدية لأحد ما أو قبولك لها، وما الذي يعنيه دفن جثة ميت. كان على المختص بعلم الأجناس البشرية، كما يرى بواس، أن يفهم الطبيعة الدلالية الدقيقة للمُزحات السائدة في جماعة بشرية ما، وهذا يعني أن يترك المرء مواضعاته الثقافية بعيداً عنه. «الثقافات متعددة، والإنسان واحد»؛ هذا ما كتبته إيلّا ديلوريا في ملاحظاتها على واحدة من محاضرات بواس.
«أفضلُ طلابي نسوة»؛ هذا ما أسرّه بواس لصديق أنثروبولوجي له عام 1920. لم تكن «كلية كولومبيا» حينئذ تقبل النساء فيها (كانت كولومبيا آخر جامعة بين جامعات النخبة (Ivy) الأميركية تقبل بالتعليم المختلط عام 1983!)؛ لكنّ «مدرسة الدراسات العليا» و«كلية المعلّمين» كانتا تقبلان النساء. كان بواس يدرّسُ في «كلية برنارد»، وكانت على الجهة الثانية من الشارع والمقابلة لـ«كلية كولومبيا» (أصبحت جامعة فيما بعد).
لن يخفى على القارئ الشغوف ملاحظة أنّ هذا الكتاب يكشف عن كثير من التفاصيل المثيرة رغم أنها تتناول موضوعة محدّدة في الأنثروبولوجيا الثقافية، ومن هذه التفاصيل الكثيرة مثلاً:
- شكل التعليم الجامعي الأميركي في بدايات القرن العشرين، والتمايز الجندري فيه.
- الخصائص التقدّمية التي سادت الأنثروبولوجيا الأميركية بالمقارنة مع الخصائص المحافظة (الأقرب إلى الروح الاستعمارية) التي طبعت الأنثروبولوجيا الأوروبية.
- الأب المؤسس لحقل الأنثروبولوجيا الثقافية هو فرانز بواس. تلك حقيقة مؤكدة؛ لكن رغم ذلك؛ فإن الشخصيات الأربع الأكثر تميزاً بين تلامذته كنّ من النساء اللاتي لعبن دوراً متفرّداً في هذا الحقل البحثي وأنجزن أعمالاً متميّزة فيه، خصوصاً مارغريت ميد التي صارت شخصية أيقونية في الثقافة الأميركية.


مقالات ذات صلة

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).