تركيا: هروب 300 مليار دولار في 3 سنوات

ارتفاع حدَّي الجوع والفقر

كشفت بيانات إحصائية عن ارتفاع حدي الجوع والفقر في تركيا نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية (رويترز)
كشفت بيانات إحصائية عن ارتفاع حدي الجوع والفقر في تركيا نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية (رويترز)
TT

تركيا: هروب 300 مليار دولار في 3 سنوات

كشفت بيانات إحصائية عن ارتفاع حدي الجوع والفقر في تركيا نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية (رويترز)
كشفت بيانات إحصائية عن ارتفاع حدي الجوع والفقر في تركيا نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية (رويترز)

كشف تقرير اقتصادي عن هروب استثمارات بقيمة 300 مليار دولار على الأقل من تركيا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2019، فيما أظهر تقرير آخر ارتفاع حدَّي الجوع والفقر خلال شهر يوليو (تموز) الحالي مع استمرار الزيادة في معدل التضخم.
وحسب تقرير «دراسة الثروة العالمية الجديدة» الصادر عن بنك «أورآسيا» والذي كشف عنه نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، بولنت كوش أوغلو، فإن تركيا جاءت في المرتبة الأولى بين الدول التي تهرب منها الأموال إلى الخارج بالمقارنة مع عدد سكانها.
ووفقاً للتقرير، الذي تضمن خلاصة الدراسة التي أجراها البنك، هرب نحو 300 مليار دولار على الأقل إلى خارج تركيا بين عامي 2016 و2019، وأن نحو 17 ألفاً و100 حساب تتجاوز أرصدة كل منها المليون دولار غادرت تركيا بالفعل. وأضاف أنه في حال اعتبار متوسط هذه الحسابات 10 ملايين فإن القيمة الفعلية لها ستبلغ 170 مليار دولار، وهناك حركة مغادرة لأموال إضافية، أي إن هناك 300 مليار دولار على الأقل أصبحت بالخارج.
وقال كوش أوغلو، حسبما نقلت عنه وسائل إعلام تركية أمس، إنه حسب أحد رجال الأعمال فإن هذا الرقم يقدّر بنحو 500 مليار دولار على الأقل، مضيفاً أن الأتراك باتوا ينقلون ثرواتهم إلى خارج البلاد ويستثمرونها في إسبانيا وبريطانيا ورومانيا ومصر.
وأشار إلى أن السلطات التركية تقوم بمصادرة أملاك الشخص التي تعتقد أنه ينتمي إلى «تنظيم إرهابي» وتقوم بتعيين وصاة من صندوق الثروة السيادي الذي يرأسه الرئيس رجب طيب إردوغان عليها، وهناك 783 شركة في تركيا حالياً يتولى الوصاة إدارتها. وتساءل: «هل يمكن أن يفكر رجل أعمال أو مستثمر في الاحتفاظ بأمواله في بلد كهذا إن كان يملك مليار دولار؟».
وانتقد كوش أوغلو موافقة البرلمان، مؤخراً، على مد العمل بمواد مؤقتة من قانون مكافحة الإرهاب تعد تمديداً لحالة الطوارئ التي فُرضت في البلاد بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016 ولمدة عامين، والتي تتضمن تعيين الصندوق وصياً على الشركات.
وأشار إلى أنه في ظل انهيار الاقتصاد التركي أصدرت الحكومة 6 مرات إعفاء للأموال التي تدخل البلاد بأي شكل كان، وبموجب هذه الإعفاءات التي لا يتم تحصيل ضريبة عليها فإن هذه الأموال أُدرجت ضمن النظام البنكي في البلاد ومن ثم غادرت مرة أخرى، وهو ما وضع تركيا في موقع الدولة التي تقوم بغسل الأموال. وتكاثر أيضاً صائدو الثروات بفعل تراجع الليرة، حيث باتوا قادرين على شراء بنك تبلغ قيمته 10 مليارات دولار مقابل 5 مليارات فقط. وأضاف أن هناك انحرافاً وتخبطاً في الاقتصاد، ويتوجب إكساب المستثمر الثقة في القضاء والديمقراطية والاقتصاد.
ورأى أن حزمة القوانين الأخيرة الصادرة عن البرلمان ستزيد من معدلات هروب الثروات إلى خارج البلاد، كونها تتضمن مد وصاية صندوق الثروة السيادية على الشركات لثلاث سنوات إضافية.
في غضون ذلك، كشفت بيانات إحصائية عن تجاوز حد الجوع 3500 ليرة وخط الفقر 12 ألف ليرة للأسرة المكونة من 4 أفراد خلال شهر يوليو الحالي. وحسب بيانات صادرة عن وحدة البحث والتطوير التابعة لاتحاد الأعمال العام في تركيا، فإن حد الجوع لأسرة مكونة من 4 أفراد وصل إلى 3 آلاف و513 ليرة في يوليو، فيما زاد الإنفاق المطلوب للاحتياجات غير الغذائية إلى 8 آلاف و682 ليرة، وخط الفقر إلى 12 ألفاً و195 ليرة.
وأوضحت البيانات أنه في الوقت الذي ارتفع فيه حد الجوع بمقدار 45 ليرة في يوليو مقارنةً بشهر يونيو (حزيران) السابق عليه، زاد الإنفاق المطلوب للاحتياجات غير الغذائية بمقدار 198 ليرة وارتفع خط الفقر بمقدار 270 ليرة.
وفي الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، زاد حد الجوع بمقدار 367 ليرة، وزاد الإنفاق على الاحتياجات غير الغذائية بمقدار 641 ليرة، في حين أن خط الفقر، الذي يوضح المبلغ الإجمالي للإنفاق الذي يجب على الأسرة أن تقوم به من أجل تلبية احتياجاتها الغذائية وغير الغذائية دون الشعور بالحرمان بما يليق بالكرامة الإنسانية، زاد في ذات الفترة بمقدار 1800 ليرة.
وبلغ الإنفاق المطلوب على منتجات الألبان 873 ليرة في يوليو بزيادة 46 ليرة مقارنةً بالشهر السابق عليه، و209 ليرات في الأشهر السبعة الأولى من العام، وبمقدار 236 ليرة مقارنةً بشهر يوليو من العام الماضي. وبلغ إنفاق الأسرة على الخبز والدقيق والمعكرونة في الشهر ذاته 459 ليرة، بمقدار 70 ليرة مقارنةً مع الشهر نفسه من العام الماضي.
ويبلغ الحد الأدنى الصافي للأجور 2826 ليرة تركية (341.8 دولار)، وهو أدنى رقم بالدولار لصافي الحد الأدنى للأجور الشهرية في آخر 11 عاماً.



صندوق النقد الدولي يتوقع تراجع اقتصاد اليابان للمركز السادس عالمياً في 2027

علم اليابان أمام حاويات شحن بميناء صناعي في طوكيو (رويترز)
علم اليابان أمام حاويات شحن بميناء صناعي في طوكيو (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يتوقع تراجع اقتصاد اليابان للمركز السادس عالمياً في 2027

علم اليابان أمام حاويات شحن بميناء صناعي في طوكيو (رويترز)
علم اليابان أمام حاويات شحن بميناء صناعي في طوكيو (رويترز)

أظهرت أحدث التقارير الواردة عن صندوق النقد الدولي بشأن توقعات الاقتصاد العالمي، أنه من المتوقع أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي الاسمي لليابان ليصل إلى المرتبة السادسة عالمياً عام 2027، لتتفوق على كل من الهند وبريطانيا.

وأفادت وكالة أنباء «جي جي برس» اليابانية، الأحد، بأن السبب الرئيسي وراء انخفاض إجمالي الناتج المحلي لليابان بالدولار، يرجع إلى تراجع قيمة الين، رغم أنه لا يمكن التغافل عن تأثير تباطؤ النمو الاقتصادي.

وكان إجمالي الناتج المحلي الاسمي لليابان قد جاء في المرتبة الرابعة عالمياً في عام 2025، وذلك بعد الولايات المتحدة والصين وألمانيا.

وفي تقريره بشأن آفاق الاقتصاد العالمي، توقع صندوق النقد الدولي أن يصل إجمالي الناتج المحلي الاسمي لليابان إلى 4341.9 مليار دولار في عام 2026، وإلى 4467.6 مليار دولار في عام 2027.

وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يصل إجمالي الناتج المحلي الاسمي للهند إلى 4521.1 مليار دولار في عام 2027، ما سيجعلها رابع أكبر اقتصاد في العالم.


لبنان يدرس خطة لضخ ملياري دولار في الاستهلاك والإنتاج

شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
TT

لبنان يدرس خطة لضخ ملياري دولار في الاستهلاك والإنتاج

شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)

​تدرس جهات رسمية واقتصادية ومصرفية في لبنان خطة تمويلية بقيمة ملياري دولار، تستهدف تحفيز الاستهلاك وزيادة الإنتاج الصناعي والصادرات، من خلال منح قروض للأفراد والشركات مناصفةً. وتتوقع ورقة العمل أن تسهم الخطة في توليد إيرادات إضافية للخزينة تصل إلى 574 مليون دولار في السنة الأولى، وفق الفرضيات التي تستند إليها، بما يدعم النشاط الاقتصادي والنمو.

وتقترح الخطة توفير التمويل عبر مصرف لبنان، إما بالسحب من توظيفات المصارف لديه، أو من خلال الإقراض المباشر من سيولته، على أن تتولى المصارف منح القروض للمستفيدين. ويُخصص مليار دولار للقروض الاستهلاكية، بما يشمل تمويل السيارات والإنفاق الشخصي، بينما يُوجَّه المليار الآخر إلى الشركات، ولا سيما لتغطية رأس المال العامل وتحديث الآلات الصناعية، بما يدعم الإنتاج ويحدّ من الاعتماد على الواردات ويعزز الصادرات.

ولا تزال الخطة في مرحلة التداول، وسط مساعٍ لاستكمال الملاحظات والتحسينات اللازمة تمهيداً لبحث إقرارها رسمياً. ويستند المقترح إلى توقعات بتحقيق عوائد اقتصادية ومالية، فضلاً عن المساهمة في تنشيط الاستهلاك والإنتاج بالتوازي، ودعم جهود الحكومة الرامية إلى استعادة الانتظام المالي.

وبحسب ورقة العمل التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مسؤول كبير مشارك في المداولات، يُتوقع أن يحقق ضخ الملياري دولار، بوصفه تمويلاً أولياً لمرة واحدة، أثراً اقتصادياً يُقدّر بنحو 2.95 مليار دولار. وتعادل هذه القيمة نحو 6.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إذا احتُسب على أساس 46 مليار دولار، أو 8 في المائة إذا اعتُمد تقدير يبلغ 36.9 مليار دولار، وفق ما تذكره الورقة استناداً إلى بيانات البنك الدولي.

مبنى «المركزي» اللبناني في منطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)

آلية التمويل

وقال المسؤول إن النقاشات بلغت مرحلة متقدمة، مع إعداد مندرجات الخطة وتبويبها وتحديد خيارات مصدر التمويل عبر إتاحة السحب من توظيفات المصارف لدى البنك المركزي، أو بالإقراض المباشر من سيولته، معززاً بالربط المحكم لتوجيه التسهيلات مناصفة لصالح الأسر والشركات. وتعوّل الورقة على إمكان إعادة تدوير التمويل من خلال تحصيل القروض وإعادة إقراضها، بما يسمح باستمرار أثره الاقتصادي، وتقدّر هذا الأثر بنحو 3 مليارات دولار سنوياً على الاقتصاد الوطني.

وبموجب الآلية المقترحة، يتولى البنك المركزي مباشرة، عبر ضخ الأموال إلى المصارف، من خلال قيود نظامية تحدّد ماهيتها ووجهتها، كسحوبات من التوظيفات، أو عمليات إقراض بقيمة ملياري دولار، لتتولى بدورها، أي البنوك، إعادة إقراض هذه الأموال، بهامش مردود ثابت قدره نقطتان مئويتان للعملاء الشركات، و3 نقاط مئوية للمستهلكين، بحيث يبلغ إجمالي إيرادات محفظة التسهيلات الموظّفة، نحو 50 مليون دولار في السنة الأولى.

ومن الواضح أن تخصيص التمويل، سواء مباشرة، أو عبر تغطية السحب من توظيفات البنوك، أو باعتماد عملية الإقراض والتيسير عبر القنوات المصرفية، يتوفر، بشكل شبه حصري، من خلال احتياطي البنك المركزي بالعملات، والبالغ حالياً نحو 11.6 مليار دولار. بينما تقضي الخطة بتوزيع التسهيلات، على شكل قروض للمستهلكين والشركات بالتساوي، وتستهدف مجالات تتيح السداد القصير والمتوسط الأجل، بما يكفل الدوران المتكرر لسنوات مقبلة، وتعزيز تدفقات السيولة في الأسواق.

وإلى جانب الأثر الاقتصادي المضاعف على المدى القريب، وإعادة الاعتبار لوظيفة مصرفية حيوية، يمثل التمويل المقترح فرصةً هيكلية كبرى وضرورية لقطاعات إنتاجية أساسية، بعد غياب قسري لأغلب المنتجات الائتمانية بفعل انفجار الأزمة النقدية واحتجاز توظيفات المصارف لدى البنك المركزي، والبالغة نحو 80 مليار دولار.

وقد عصفت الأزمة عينها، والتي تختم عامها السابع على التوالي، بالإمكانات المالية لدى معظم المستهلكين، جراء انهيار سعر العملة ومحدودية السيولة المتاحة لسحوبات المودعين، بواقع بين حصص تتراوح بين ألف دولار، و500 دولار شهرياً، حسب توزيعات المستفيدين من تعاميم مصرف لبنان. في حين يمكن استثمار أو تخصيص جزء أو نسبة من عوائد المبادرة في ضخ سيولة إضافية ضمن القنوات المعتمدة لإيفاء الودائع.

صياد يلقي صنارته من شاطئ صخري عند غروب الشمس في بيروت (أ.ب)

فرص استثمارية كامنة

ووفق استبيانات ميدانية استندت إليها الخطة، تعمل الصناعة اللبنانية حالياً بنحو 50 في المائة من طاقتها المركبّة، ما يكشف فرصة استثمارية كامنة وذات عوائد مضمونة، يمكن مواكبتها سريعاً، بالعمل على ردم هذه الفجوة، عبر توجيه تسهيلات بنحو 700 مليون دولار إلى رأس المال العامل، بما يشمل المواد الأولية ونوبات العمل الإضافية، وتخصيص نحو 300 مليون دولار لتحديث الآلات.

ويرتقب، بعد اكتمال هذه العملية التمويلية، تحقيق زيادة وازنة ومستدامة في حجم الصادرات بنحو 1.14 مليار دولار، بفعل ارتفاع الصادرات السنوية من السلع والخدمات، أي بنسبة تناهز 38 في المائة قياساً بحجم الصادرات الحالي والبالغة قيمته نحو 3 مليارات دولار. بالإضافة إلى تحفيز النشاط القطاعي وتنويع المنتجات والسلع، وتوفير فرص عمل إضافية مع تحسين المداخيل للعاملين.

وبالتوازي، تقترح الخطة تخصيص المستهلكين بمليار دولار، يجري توزيعه، وفق تصورات أولية قابلة للمراجعة والتعديل، بمبالغ تصل إلى 400 مليون دولار لقروض السيارات لمدة 5 سنوات، و600 مليون دولار لقروض الإنفاق الشخصي، مع برمجة سداد الأقساط خلال سنة واحدة، بهامش فائدة صافٍ قدره 3 نقاط، تؤمن مردوداً بقيمة إجمالية تبلغ 30 مليون دولار. مما يتيح استدامة ضخ التمويل لسنوات تالية، وزيادة مبالغه.

وتظهر المحاكاة الرقمية أن تحفيز النشاط الاقتصادي عبر الحزمة التمويلية المقترحة بملياري دولار، تحقيق إيرادات حكومية إضافية بقيمة تصل إلى 574 مليون دولار في السنة الأولى، يتصدرها المردود من بند «الضريبة على القيمة المضافة» بمبالغ تناهز 310 ملايين، ويليه بند «الرسوم الجمركية ورسوم الانتاج» بمبلغ لا يقل عن 135 مليون دولار، ثم بند «الضريبة على الدخل» بنحو 100 مليون دولار. بالإضافة إلى عائد «ضريبة الأرباح المصرفية» الذي يراوح بين 8 و31 مليون دولار، حسب الآلية التي سيجري اعتمادها في منح التسهيلات.

وفي البعد الاقتصادي والمالي، تتجاوز المساهمة الإيجابية الصافية في ميزان المدفوعات من شريحة إقراض الشركات نحو 1.34 مليار دولار سنوياً، موزّعة ما بين عائدات التصدير والوفورات المتحققة في الاستيراد. كما تُسهم الخطة في رفع معدلات التشغيل وتحديث المصانع، بما يفضي تلقائياً إلى تحسين موقع لبنان التجاري الخارجي عبر تجديد الإنتاج الصناعي والخدماتي، وتنمية الصادرات، واستبدال سلع مستوردة بإنتاج محلي بديل.


حصيلة اجتماعات بانكوك: الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمات متزامنة

مندوبون يلتقطون صوراً مع شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك (إ.ب.أ)
مندوبون يلتقطون صوراً مع شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك (إ.ب.أ)
TT

حصيلة اجتماعات بانكوك: الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمات متزامنة

مندوبون يلتقطون صوراً مع شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك (إ.ب.أ)
مندوبون يلتقطون صوراً مع شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك (إ.ب.أ)

لم تعد قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام الصدمات المتلاحقة كافية لطمأنة صانعي السياسات، مع تداخل تداعيات الحروب واضطرابات إمدادات الطاقة والتجارة مع أعباء الدين العام وارتفاع تكاليف الاقتراض. وهذه هي المعادلة التي فرضت نفسها على اجتماعات صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، حيث حذّرت اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية من مخاطر تهدد أمن الطاقة والغذاء وتزيد الضغوط على النمو والتضخم، في وقت تتراجع فيه قدرة الحكومات على امتصاص صدمات جديدة.

وترصد «الشرق الأوسط» في حصيلة الاجتماعات أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، من تصاعد أعباء الدين وضيق الحيّز المالي، إلى اضطرابات الطاقة والغذاء، ومخاطر الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى قدرة الاقتصادات الآسيوية على مواصلة دفع النمو وتوفير فرص العمل.

وهي تحديات اختزلتها المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا في معادلة تجمع بين «التفاؤل والقلق»، إذ تقابل مرونة الاقتصاد العالمي والفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي وديناميكية الاقتصادات الآسيوية مخاوف من التضخم وارتفاع مستويات الدين والحروب والمخاطر المناخية. وحذّرت من أن الاعتماد على محرك واحد للنمو، مثل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يجعل الاقتصادات أكثر عرضة للتقلبات.

غورغييفا والجدعان في مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية (أ.ف.ب)

طيلة أسبوع كامل، شهدت الاجتماعات، التي جمعت وزراء مالية ومحافظي بنوك مركزية ومسؤولين دوليين في بانكوك، نقاشات بشأن كيفية احتواء الضغوط التضخمية وإعادة بناء الهوامش المالية، إلى جانب تعزيز فرص العمل وتوسيع دور القطاع الخاص في الاقتصادات النامية، في وقت تؤدي فيه التوترات في الشرق الأوسط إلى زيادة تكاليف الطاقة والنقل وتفاقم الضغوط على الدول الأكثر هشاشة.

الديون تضيق هامش التحرك المالي

برز ارتفاع الدين العام وتكاليف خدمته باعتبارهما من أبرز مصادر القلق، خصوصاً في الاقتصادات منخفضة الدخل التي تواجه ارتفاعاً في أعباء الاقتراض، بالتزامن مع زيادة أسعار الغذاء والطاقة وتراجع قدرتها على تمويل الإنفاق التنموي.

وقالت غورغييفا إن نسبة مدفوعات خدمة الدين إلى الإيرادات الحكومية في الدول منخفضة الدخل ارتفعت من 8 في المائة إلى 14 في المائة خلال السنوات الأخيرة، ما يقلّص الموارد المتاحة للخدمات الأساسية والاستثمار. وأكدت مسؤولية الصندوق في مساعدة هذه الدول على إعادة هيكلة ديونها عند الحاجة، وتعبئة الموارد المحلية وجذب التمويل الدولي وتهيئة الظروف أمام الاستثمار الخاص.

وفي مواجهة الضغوط المالية، دعا الصندوق الحكومات إلى تقليص العجز والحد من نمو الدين، والابتعاد عن التحويلات النقدية والدعم الشاملين، لصالح مساعدات أكثر استهدافاً للفئات المتضررة. كما شدد على ضرورة أن تحافظ البنوك المركزية على استقلاليتها، وأن تظل أسعار الفائدة عند مستويات تتيح احتواء التضخم ومنع تحوله إلى ضغوط مستدامة.

ولا تقتصر المخاطر على الاقتصادات النامية؛ إذ يرفع ارتفاع عوائد السندات في الاقتصادات المتقدمة تكاليف الاقتراض ويزيد أعباء خدمة الدين، مع انعكاسات على الأوضاع المالية العالمية وتكلفة التمويل في الدول الأخرى.

غورغييفا تتحدث خلال الجلسة العامة للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك (إ.ب.أ)

مخاطر متشابكة

وجاء بيان اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، التي يرأسها وزير المالية السعودي محمد الجدعان، ليجمع أبرز المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، في ظل استمرار النزاعات واضطراب الممرات المائية وطرق التجارة، وما يترتب على ذلك من تهديد لأمن الطاقة والغذاء. وأكدت مواقف اللجنة أن قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف لا تلغي المخاطر المحيطة بآفاق النمو، خصوصاً مع ارتفاع مستويات الدين وتكاليف الاقتراض وتزايد الضغوط على الاقتصادات منخفضة الدخل والهشة.

وتتقاطع هذه المخاطر مع التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، بما يحمله من فرص لرفع الإنتاجية، ومخاوف من اتساع التفاوت بين الاقتصادات وتراكم مخاطر مالية جديدة. وتبرز في هذا السياق الحاجة إلى سياسات اقتصادية تعزز الاستقرار وتعيد بناء الهوامش المالية، إلى جانب تعاون دولي أوسع لمواجهة الصدمات العابرة للحدود ودعم الدول الأكثر تعرضاً لها.

الجدعان يتحدث في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية برئاسته (أ.ف.ب)

صدمات الطاقة والغذاء والشرق الأوسط

فرض الصراع في الشرق الأوسط أمن الطاقة والغذاء واضطرابات التجارة على رأس المخاطر التي ناقشتها اجتماعات بانكوك، مع انتقال تداعياته إلى تكاليف النقل والتأمين والإنتاج، وما يترتب على ذلك من ضغوط تضخمية وأعباء إضافية على الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما الاقتصادات محدودة الموارد المالية. وتتفاوت انعكاسات هذه التطورات على دول المنطقة بحسب أوضاعها المالية، واعتمادها على واردات الطاقة والغذاء، وقدرتها على امتصاص ارتفاع التكاليف واضطراب الإمدادات. وفي المقابل، لا تعني زيادة أسعار النفط بالضرورة تحسن أوضاع جميع الدول المصدّرة، إذ تتوقف المحصلة على حجم الإنتاج والصادرات وتكاليف الاستيراد والإنفاق العام ومدى استمرار الاضطرابات.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية في ظل تحذيرات صندوق النقد الدولي من انعكاسات الحرب على آفاق النمو، وتوقعاته انكماش اقتصادَي الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في عام 2026 قبل التعافي في العام التالي. كما تتداخل اضطرابات الإمدادات مع تقلبات أسعار الغذاء والتحديات المناخية، في وقت يضيّق فيه ارتفاع الدين العام وتكاليف الاقتراض هامش تحرك الحكومات، ويزيد صعوبة الموازنة بين احتواء التضخم وحماية الفئات الأكثر هشاشة والحفاظ على الإنفاق الداعم للنمو. ويعزز ذلك أهمية أمن الممرات المائية وطرق التجارة، إلى جانب تبني سياسات مالية أكثر انضباطاً وتوجيه الدعم إلى مستحقيه والاستثمار في حماية القدرة الإنتاجية على المدى الطويل.

وتعكس هذه التطورات جوهر التحذيرات التي برزت في الاجتماعات: فتزامن الصدمات يختبر قدرة الاقتصادات على الصمود، ويجعل تعزيز الهوامش المالية وتنويع مصادر النمو وتوسيع فرص العمل، إلى جانب التعاون الدولي، عوامل أساسية للحد من تداعيات الأزمات العابرة للحدود.

الذكاء الاصطناعي... محرك للنمو ومصدر للمخاطر

وقد احتل الذكاء الاصطناعي موقعاً متقدماً في نقاشات بانكوك، مع اتساع أثره في التجارة والاستثمار والإنتاجية، وتزايد التساؤلات حول مدى قدرة المكاسب المتوقعة على التحول إلى نمو اقتصادي أوسع وأكثر استدامة.

وأشارت المناقشات إلى أن الاستثمار في السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبح أحد محركات التجارة العالمية؛ فبحسب الأرقام التي أوردها صندوق النقد الدولي خلال اجتماعات بانكوك، ارتفعت التجارة العالمية التراكمية بنسبة 8.3 في المائة بين عامي 2023 و2025، مقابل نمو بلغ 29 في المائة في تجارة السلع المرتبطة بهذه التكنولوجيا. وقدّر الصندوق أن نمو التجارة العالمية كان سيقتصر على 4.6 في المائة لو استُبعدت تلك السلع.

لكن المكاسب الأوسع للإنتاجية لا تزال غير مؤكدة، في ظل تركز جانب كبير من الاستثمار والتقييمات السوقية في عدد محدود من الشركات. كما يثير تسارع تطوير التكنولوجيا مخاوف بشأن الاستقرار المالي والأمن السيبراني وتوزيع مكاسب النمو وفرص العمل.

وترى المؤسسات الدولية أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف والمهارات المطلوبة، وليس بالضرورة أن يؤدي إلى اختفاء الوظائف على نطاق شامل. ومن هنا تبرز أهمية تطوير التعليم والتدريب وإعادة تأهيل العاملين، وتوسيع قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على استخدام التكنولوجيا، بدلاً من اقتصار فوائدها على الاقتصادات والشركات الأكثر تقدماً.

آسيا محرك رئيسي للنمو العالمي

على المستوى الإقليمي، أكدت المناقشات الدور المتنامي لآسيا في الاقتصاد العالمي، مدعوماً بالتجارة والاستثمار في التكنولوجيا وتوسع الروابط التجارية بين الاقتصادات النامية.

ووفقاً للأرقام التي أوردها صندوق النقد، أسهمت الاقتصادات الآسيوية بنحو 68 في المائة من النمو الاقتصادي العالمي في عام 2026. كما أشار الصندوق إلى تحولات هيكلية في التجارة الدولية، مع زيادة حصة الاقتصادات النامية من التجارة وتنامي المبادلات فيما بينها.

وفي المقابل، تواجه المنطقة مخاطر مرتبطة باعتماد عدد من اقتصاداتها على واردات الطاقة، وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، والضغوط التجارية والرسوم الجمركية. ودعت المناقشات إلى تسريع التكامل الاقتصادي الإقليمي وإزالة الحواجز التجارية غير الجمركية وتعزيز سلاسل الإمداد والبنية التحتية الرقمية.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش معانقاً غورغييفا خلال جلسة حوارية (أ.ف.ب)

الوظائف والفقر وتمويل التنمية

شكّلت فرص العمل وتعبئة التمويل للتنمية محوراً آخر للاجتماعات، في ظل توقعات بدخول نحو 1.2 مليار شاب في الاقتصادات الناشئة إلى سن العمل خلال السنوات المقبلة، مقابل قدرة محدودة على استيعابهم في وظائف جديدة.

وشدد البنك الدولي على دور القطاع الخاص في خلق فرص العمل، وعلى ضرورة توسيع وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل والأسواق والتكنولوجيا. كما أكد أن الحد من الفقر يتطلب توفير فرص اقتصادية مستدامة، لا الاكتفاء بالمساعدات المالية، في وقت تتعرض فيه الموازنات الحكومية والمساعدات الإنمائية لضغوط متزايدة.

وتبرز هذه التحديات بصورة أشد في الدول منخفضة الدخل والمتأثرة بالصراعات، التي تواجه في آن واحد ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية ومحدودية التمويل وتراجع الهوامش المالية. ودعا الصندوق إلى دعم أكثر تنسيقاً لهذه الدول، يشمل معالجة الديون وتعبئة الموارد المحلية واستقطاب التمويل الدولي.

في الختام، تكشف حصيلة اجتماعات بانكوك أن التحدي لم يعد مقتصراً على احتواء صدمة اقتصادية بعينها، بل بات يتمثل في التعامل مع أزمات متزامنة تضيق معها خيارات السياسات المالية والنقدية، وتزيد صعوبة الحفاظ على النمو وتوفير فرص العمل. وبين الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي ومخاطر التوترات الجيوسياسية وارتفاع الدين، تتوقف قدرة الاقتصاد العالمي على تجاوز المرحلة المقبلة على تنويع محركات النمو، وتعزيز الاستقرار المالي، وتوسيع قاعدة المستفيدين من المكاسب الاقتصادية. وفي ظل تفاوت قدرة الدول على امتصاص الصدمات، يظل التعاون الدولي وتوفير التمويل للاقتصادات الأكثر هشاشة عنصرين أساسيين للحد من اتساع الفجوات الاقتصادية.