مصر والسودان يشددان على «الدبلوماسية الوقائية» في قضية سد النهضة

حذرا من «خطر وجودي» على 150 مليوناً من مواطني البلدين

سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق (د.ب.أ)
سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق (د.ب.أ)
TT

مصر والسودان يشددان على «الدبلوماسية الوقائية» في قضية سد النهضة

سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق (د.ب.أ)
سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق (د.ب.أ)

حض وزيرا الخارجية المصري سامح شكري والسودانية مريم الصادق المهدي أعضاء مجلس الأمن على القيام بعمل «وقائي» للحيلولة دون انفجار الأزمة المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي الكبير الذي أكدا أنه يشكل «تهديداً وجودياً» لنحو 150 مليوناً من مواطنيهما. لكن وزير المياه والطاقة الإثيوبي سيليشي بيكيلي رفض تدخل أرفع الهيئات الدولية المكلفة بصون الأمن والسلم والدوليين مشدداً على تسوية الأزمة عبر الاتحاد الأفريقي حصراً. وشهدت نيويورك جهوداً دبلوماسية مكثفة لإعادة الأطراف الثلاثة إلى طاولة المفاوضات بوساطة أفريقية ولكن أيضاً بدعم دولي وأميركي واسع.
وخلال جلسة عقدها مجلس الأمن عصر الخميس (بتوقيت نيويورك) واستمرت لساعات، طالب وزيرا الخارجية المصري سامح شكري والسودانية مريم الصادق المهدي مجلس الأمن باتخاذ إجراء من خلال التصويت على مشروع قرار قدمته تونس، مؤكدين أن السنوات العشر من المفاوضات مع الجانب الإثيوبي باءت بالفشل وأن بدء الملء الثاني لخزان سد النهضة لا ينتهك اتفاق المبادئ لعام 2015 بين الدول الثلاث فحسب، بل يشكل «تهديداً وجودياً» لـ150 مليون شخص في دولتي المصب.
- مصر ستحمي حقها
وأكد شكري أن مصر «تواجه تهديداً لمائة مليون شخص»، مذكراً بأن «النهر يعتمد عليه بقاؤنا». وحذر من أنه «إذا تضررت حقوق مصر المائية أو تعرض بقاؤها للخطر فلا يوجد أمام مصر بديل إلا أن تحمي وتصون حقها الأصيل في الحياة»، مشيراً إلى أن بلاده تبنت مبادرة الاتحاد الأفريقي لإطلاق مفاوضات تحت رعايته لمدة عام كامل من دون جدوى. وأضاف: «لا نزال نمارس ضبط النفس تجاه سلوك إثيوبيا الفج (الذي) يعكس عدم المسؤولية وتجاوزها السافر»، في إشارة إلى مضي أديس أبابا في عملية ملء السد. واعتبر أن التصرفات الإثيوبية تعرض السلم والأمن في المنطقة للخطر، وأن القاهرة تسعى إلى اتفاق قانوني منصف يتضمن تدابير تراعي الظروف في دولتي المصب، خاصةً في فترات الجفاف. بجانب ضمانه عدم تعرض أمن مصر المائي للخطر. وقال إن «سبب أزمة سد النهضة سياسي بامتياز». وحض مجلس الأمن على التصويت لمصلحة مشروع القرار الذي صاغته تونس.
- تهديد لنصف السودانيين
وقالت الوزيرة المهدي إن «وجود سد ضخم على بعد بضعة كيلومترات من الحدود السودانية من دون تنسيق مع السودان يشكل خطورة على حياة ملايين البشر»، مؤكدة أن السد يشكل تهديداً لحياة نصف السودانيين وجميع المصريين، إضافة إلى تقليله الأراضي الزراعية بنسبة 50 في المائة في السودان. وأضافت الصادق أن توفر المعلومات عن ملء وتشغيل سد النهضة أمر حيوي ليتمكن السودان من التخطيط لمشاريعه وحماية مجتمعات ما بعد سد النهضة، لافتة في الوقت نفسه إلى تهديده سلامة سد الروصيرص السوداني. ودعت إلى حماية الأمن والسلم الإقليمي «بشكل وقائي» عن طريق إلزام إثيوبيا بعدم اتخاذ خطوات أحادية من دون اتفاق، واستئناف المفاوضات وفق إطار زمني محدد. وطالبت مجلس الأمن بالتصويت على مشروع القرار الذي يطالب الدول الثلاث بالتفاوض على اتفاق ملزم قانوناً في غضون ستة أشهر تحت رعاية الاتحاد الأفريقي ويدعو أديس أبابا إلى «الامتناع عن الاستمرار من جانب واحد في ملء خزان سد النهضة».
وأكدت المهدي بعد الاجتماع إن «ما سمعناه (خلال الجلسة) مشجع حقاً». وأضافت: «نحن متفائلون للغاية بأن مجلس الأمن سيتعامل مع هذا الأمر بطريقة مسؤولة، ولن يسقطه من جدول أعماله». بيد أنها أشارت إلى أن بعض أعضاء المجلس قلقون في شأن سابقة معالجة قضية مياه، موضحة أن معالجة سد النهضة ستكون «سابقة في الدبلوماسية الوقائية (…) من أجل عدم الاضطرار لاحقاً إلى التعامل مع عملية لحفظ سلام في وقت لاحق».
ولفت شكري إلى أن كل أعضاء المجلس أظهروا دعمهم لكل العناصر الواردة في مشروع القرار، لذلك تتطلع مصر إلى موافقته التي من شأنها «تعزيز وتمكين» جهود الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسكيدي بصفته رئيساً للاتحاد الأفريقي لبدء المفاوضات مع الأطراف الثلاثة والتفاوض في شأن اتفاق ملزم قانوناً. وأكد أن «هذه ليست قضية مياه» بل «قضية دبلوماسية وقائية، وقضية حل نزاع تتعلق بالسد والتهديد الوجودي الذي يشكله».
ورد وزير المياه والطاقة الإثيوبي سيليشي بيكيلي بأن ملء الخزان جزء من بناء السد ولا ينبغي لمجلس الأمن أن يتدخل في قضية مياه النيل، لأنها ليست ضمن تفويضه لضمان السلام والأمن الدوليين. وقال إن «الاتحاد الأفريقي ينظر في الأمر ويسهل باقتدار مفاوضاتنا»، مضيفاً: «تعتقد إثيوبيا أن التوصل إلى اتفاق في متناول اليد، بالنظر إلى الإرادة السياسية اللازمة والالتزام بالتفاوض بحسن نية». ورأى أن مجلس الأمن يجب أن يشجع مصر والسودان على التفاوض بجدية للتوصل إلى تسوية في شأن ملء السد وتشغيله.
دعم دولي للحل الأفريقي
وقالت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد إن الولايات المتحدة تعتقد أن قضية تقاسم مياه النيل «يمكن التوافق عليها»، ولكنها شددت على «الالتزام السياسي من كل الأطراف من أجل الاستئناف العاجل للمفاوضات تحت قيادة الاتحاد الأفريقي». ورأت أن «الاتحاد الأفريقي هو المكان الأنسب لمعالجة هذا النزاع، والولايات المتحدة ملتزمة تقديم الدعم السياسي والفني لتسهيل التوصل إلى نتيجة ناجحة». وعبر نظيرها الروسي فاسيلي نيبينزيا عن قلقه من «تصاعد خطاب المواجهة» بين الأطراف المعنية، رافضاً اللجوء إلى القوة لتسوية الأزمة.
ورأى المندوب الصيني تشنغ جون أن «سد النهضة يمكن أن يكون مشروعاً للتعاون مؤكداً أن «الموارد المائية العابرة للحدود تشمل مراعاة المصالح الوطنية». ودعا الدول الثلاث إلى «حل خلافاتها من خلال الحوار».
وأمل المندوب التونسي طارق الأدب في أن تساهم هذه الجلسة في إعطاء دفع جديد وحازم لمسار المفاوضات تحت إشراف الاتحاد الأفريقي لمساعدة الدول الثلاث على التوصل لاتفاق ملزم يراعي مصالح شعوبها الحيوية ويحفظ أمنها المائي وحقوقها في التنمية ويؤسس لآفاق جديدة للتعاون في المنطقة.
وأكد القائم بأعمال بعثة جمهورية الكونغو الديمقراطية (رئيسة الاتحاد الأفريقي لهذا العام)، أن الحل لا يزال ممكنا، لكن يجب كسر حاجز عدم الثقة وتوفير ضمانات بأن تؤخذ المصالح بعين الاعتبار كي تنتهي العملية التفاوضية بنجاح.
وكانت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة أنغر آندرسون لفتت إلى أنه في حين أن المياه المشتركة كانت محل خلاف، فإن «البنية التحتية الهيدروليكية يمكن أن تكون جيدة التخطيط على مسار نهر مشترك ومصدراً للتعاون المعزز، ولا يلزم أن تكون مباراة لا ينتصر فيها أحد».
ودعا المبعوث الخاص للأمين العام لمنطقة القرن الأفريقي بارفيه أونانغا - أنيانغا كل الأطراف إلى «التعامل مع الأمر بطريقة بناءة وتجنب أي تصريحات من شأنها أن تزيد التوتر في منطقة تخضع لسلسلة من التحديات، بما في تأثير كوفيد 19 والنزاعات العنيفة».



نُذر إطلاق معركة يمنية شاملة ضد الحوثيين

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

نُذر إطلاق معركة يمنية شاملة ضد الحوثيين

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

اشتدت المواجهات بين القوات الحكومية اليمنية والجماعة الحوثية المدعومة من إيران في جبهات تعز، ولحج، بالتزامن مع ارتفاع وتيرة الضربات الجوية، والعمليات البرية، والصاروخية، فيما تدفع إجراءات التعبئة العامة والجاهزية العسكرية التي أعلنتها القيادة اليمنية باتجاه مرحلة جديدة تنذر بإطلاق مواجهة شاملة ضد الجماعة.

وتشهد جبهات غرب تعز والمناطق المتصلة بمحافظة لحج معارك متواصلة، وسط هجمات حوثية، ومحاولات تسلل، والتفاف، تقابلها عمليات عسكرية يمنية مكثفة بمشاركة تشكيلات من «ألوية العمالقة»، و«ودرع الوطن»، ومقاتلين قبليين.

وتزامن ذلك مع انتقال المواجهة إلى مستوى حكومي أوسع، بعد إقرار إجراءات تنفيذية مرتبطة بالتعبئة العامة، ومناقشة مجلس الدفاع الوطني اليمني مستوى جاهزية القوات المسلحة، والأمن، والتشكيلات العسكرية في مختلف الجبهات، في وقت تؤكد فيه القيادة اليمنية أن الهدف هو استعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيادتها على كامل الأراضي الوطنية.

وشهدت جبهة الأغبرة، في أطراف مديرية المضاربة، والعارة بمحافظة لحج، معارك ليلية عنيفة في مناطق ذي عهدة، والخزم، والمنصورة، عقب هجوم حوثي على مواقع القوات الحكومية المسنودة برجال القبائل.

الجيش اليمني يخوض معارك ضارية ضد الحوثيين في تعز ولحج (إعلام عسكري)

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية ورجال القبائل تصدوا للهجوم، واستمرت المواجهات حتى الأربعاء، مع سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتزامنت الاشتباكات مع غارات جوية استهدفت مواقع حوثية في منطقتي البازلة، والظهورة، الواقعتين بين الوازعية والمضاربة، فيما أفاد المركز الإعلامي لمحور تعز بتنفيذ غارات على مواقع للجماعة في مديرية الوازعية غربي المحافظة.

تعز تحت القصف

في تعز، صعّدت الجماعة الحوثية قصفها الصاروخي والمدفعي على مناطق سكنية وقرى في جنوب وغرب المحافظة.

وقالت مصادر محلية إن الجماعة استهدفت مناطق في مديرية الشمايتين بأربعة صواريخ باليستية، بالتزامن مع قصف طال قرى جرداد بني عمر بالصواريخ، وقذائف المدفعية، ما أدى إلى إصابة مدنيين اثنين، وأثار حالة من الخوف بين السكان.

وفي مدينة التربة، جنوب المحافظة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة قصفت الأحياء السكنية بأربعة صواريخ باليستية، ما تسبب في أضرار مادية في عدد من المنازل، والممتلكات.

قوات تابعة للحكومة اليمنية على خطوط التماس مع الحوثيين (إعلام عسكري)

وأشارت إفادات ميدانية أخرى إلى قصف بثلاثة صواريخ باليستية، أصاب أحدها مبنى مستشفى الأمومة والطفولة قيد الإنشاء في المدينة، وألحق به أضراراً مادية.

وامتد القصف الحوثي إلى قرى بني بكاري في مديرية جبل حبشي، في وقت تواصل فيه القوات الحكومية عملياتها على محاور عدة من المحافظة.

وعلى المستوى العسكري، أعلن المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد عبد الله النزيلي أن القوات نفذت 414 عملية استهداف دقيقة خلال 24 ساعة ضد تعزيزات، وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين في مختلف الجبهات.

وقال النزيلي إن العمليات استخدمت قدرات متنوعة وحديثة، وإنها أسفرت عن تحييد عناصر وعتاد للجماعة.

ويأتي ذلك بعد يوم من إعلان القوات الحكومية تنفيذ 356 عملية استهداف خلال 24 ساعة، قالت إنها أدت، وفق تقديراتها الميدانية، إلى مقتل وإصابة 476 حوثياً، لترفع بذلك إجمالي الخسائر التي أعلنتها خلال أربعة أيام إلى قرابة 3 آلاف قتيل وجريح.

وتشمل الحصيلة، وفق القوات الحكومية، استهداف مراكز قيادة وسيطرة، ومخازن أسلحة ومدفعية، وعشرات الآليات، وبالتزامن مع استمرار دفع الجماعة بتعزيزات إلى خطوط المواجهة.

التعبئة تدخل حيز التنفيذ

في موازاة التطورات الميدانية، برز التطور السياسي والعسكري الأهم في تحرك مؤسسات الدولة اليمنية باتجاه تنظيم التعبئة العامة.

وعقد مجلس الدفاع الوطني اجتماعاً برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وبحضور قيادات سياسية وعسكرية وحكومية، ناقش خلاله مستجدات الأوضاع الوطنية، ومستوى جاهزية القوات المسلحة، والأمن والتشكيلات العسكرية في مختلف الجبهات، إلى جانب الإجراءات التنفيذية المتعلقة بالتعبئة العامة.

وأكد المجلس أن القوات المسلحة ستواصل أداء مسؤولياتها في حماية المواطنين، وردع مصادر التهديد، وصولاً إلى تحقيق هدف استعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني.

جانب من اجتماع مجلس الدفاع الوطني اليمني (سبأ)

كما شدد على أهمية تكامل الجهود العسكرية والأمنية والاقتصادية والإنسانية والإعلامية والدبلوماسية تحت قيادة الدولة، وحشد الطاقات والموارد والإمكانات لخدمة هذا الهدف.

ويأتي ذلك بعد موافقة مجلس النواب اليمني على طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي إعلان التعبئة العامة، في خطوة تشمل الموارد البشرية والمادية، وقدرات مؤسسات الدولة.

وأقر مجلس الدفاع الوطني موجهات وإجراءات تنفيذية مرتبطة بالتعبئة العامة، مؤكداً ضرورة انتقالها من الإطار العام إلى آلية مؤسسية منضبطة وفقاً للدستور والقوانين النافذة.

وفي الاجتماع نفسه، أشاد المجلس بما وصفه بتماسك القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية، وما قال إنه قدرة على استعادة زمام المبادرة في مختلف الجبهات، كما أثنى على الإسناد الشعبي والقبلي للقوات والنازحين.

ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة مع استمرار المعارك في تعز ولحج، إذ تتزامن الإجراءات المؤسسية مع رفع مستوى العمليات العسكرية على الأرض، ما يعكس استعداد الدولة لتوظيف مواردها وإمكاناتها بصورة أوسع في المواجهة.

ولم يعلن مجلس الدفاع الوطني بدء معركة شاملة، لكن جمعه بين الجاهزية العسكرية، وإجراءات التعبئة العامة، والدعوة إلى تكامل الموارد الوطنية، واستمرار العمليات في عدة جبهات، يرسم ملامح استعداد لمواجهة أوسع.

تهديد يتجاوز الجبهات

ربط مجلس الدفاع الوطني التطورات العسكرية بالتهديدات التي قال إن الجماعة الحوثية تمثلها خارج خطوط القتال، محذراً من استخدام أسلحة دفاع جوي إيرانية متحركة، وصواريخ جوالة، وتقنيات عسكرية متقدمة.

وقال إن هذه القدرات توسع دائرة التهديد إلى خطوط الملاحة الجوية في اليمن والمنطقة، وتعرض الطائرات المدنية والرحلات الإنسانية والإغاثية للخطر، داعياً إلى موقف دولي لمنع تدفق الأسلحة والتقنيات والخبرات العسكرية إلى الجماعة.

كما رحب المجلس بالمواقف الإقليمية والدولية الداعمة للحكومة ومؤسسات الدولة، وأشار إلى قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وفي مقدمتها القرار 2216.

وفي الجانب الإنساني، أكد المجلس التزام الدولة بحماية المدنيين والمنشآت المدنية، والاستجابة لاحتياجات النازحين والأسر التي هجرتها الجماعة، داعياً المنظمات الدولية والجهات المانحة إلى دعم التدخلات الإنسانية المتزايدة.

وفي موازاة التحرك العسكري، أبقت القيادة اليمنية على مسار سياسي موازٍ يستهدف عناصر الجماعة، إذ جدد مجلس الدفاع الوطني التأكيد على أن أبواب «العودة الآمنة» مفتوحة أمام من يترك الحوثيين ويتوقف عن القتال، أو العمل لصالحهم.


«الكوليرا» يطرق مخيمات اليمنيين الفارّين من الهجمات الحوثية

توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)
توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)
TT

«الكوليرا» يطرق مخيمات اليمنيين الفارّين من الهجمات الحوثية

توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)
توزيع مواد صحية على الفارين من الهجمات الحوثية في مخيمات النازحين (إعلام محلي)

تزداد الضغوط الصحية والإنسانية في اليمن مع استمرار الهجمات الحوثية واتساع حركة الفارين من مناطق الساحل الغربي، وغرب تعز ولحج، وسط تحذيرات من مخاطر تفشي الأمراض الوبائية في مخيمات النازحين، في وقت تكافح فيه المرافق الصحية للتعامل مع الإصابات الناجمة عن الحرب وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

وأفادت منظمة الصحة العالمية برصد تنبيهات بشأن حالات يُشتبه في إصابتها بالكوليرا في موقعين للنازحين داخلياً في عدن، مما دفع وزارة الصحة العامة والسكان إلى تفعيل فرق الاستجابة السريعة لتنفيذ عمليات رصد نشط ومتابعة الوضع الصحي ميدانياً.

وبحلول الأسبوع الثامن والثلاثين، بلغ عدد حالات الكوليرا المشتبه بها 7784 حالة، وسط مخاوف من ارتفاع احتمالات انتقال الأمراض المرتبطة بالمياه والنظافة في مناطق النزوح، حيث تعتمد نحو 40 في المائة من الأسر النازحة حديثاً في الساحل الغربي على آبار غير محمية أو مصادر مياه سطحية لتأمين مياه الشرب، بينما يفتقر نحو ثلث هذه الأسر إلى مرافق صرف صحي مزودة بأقفال.

ولا تقتصر التداعيات الصحية للحرب على مخاطر الأوبئة، إذ ألقت الإصابات الناتجة عن القتال بثقلها على الخدمات الطبية، لا سيما خدمات رعاية الأمهات والمواليد. وفق البيانات الأممية.

ازدياد احتمالات انتشار الكوليرا والحصبة والملاريا بمخيمات النازحين في اليمن (إعلام محلي)

وعُلقت مؤقتاً خدمات الرعاية الشاملة للطوارئ التوليدية ورعاية حديثي الولادة في مستشفيين بمأرب ورأس العارة، بعد توجيه غرف العمليات والكوادر الطبية للتعامل مع أعداد جرحى الحرب، مما أدى إلى تحويل المرضى إلى أقرب مستشفيات لا تزال قادرة على توفير هذه الخدمات.

كما رُصد تراجع في عدد المرافق الصحية التي تقدم تقاريرها في محافظات مأرب وتعز والضالع وعدن. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه نحو 60 في المائة فقط من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها قبل التصعيد الأخير، بينما تجري عمليات للتحقق من البيانات وتحديد حجم التأثير الفعلي على الخدمات الصحية.

النزوح يفاقم المخاطر

تؤكد البيانات الأمنية أن النزوح أصبح أحد أبرز محركات الاحتياجات الصحية في اليمن، مع استمرار حركة فرار الأسر من مناطق القتال واتساع رقعة الاستضافة في المحافظات المجاورة.

ولا تزال حركة النزوح في معظمها قصيرة المدى ودائرية، إذ انتقل نحو ثلثي الأسر المسجلة لدى «آلية الاستجابة السريعة» داخل حدود محافظاتها نفسها. وتبرز بعض مديريات تعز المتأثرة بالنزاع، مثل المعافر وجبل حبشي، بوصفها مناطق منشأ ووصول للنازحين في الوقت ذاته، بينما يمتد مسار آخر للنزوح إلى مسافات أطول.

أصبح النزوح أحد أبرز المحركات للاحتياجات الصحية (إعلام محلي)

ومن ساحل الحديدة، تتحرك الأسر النازحة باتجاه عدن وأبين ولحج وحضرموت والمهرة، وغالباً ما تجد نفسها أمام خيارات محدودة، فتقيم لدى أسر مضيفة أو في خيام ومآوٍ مؤقتة، في ظروف معيشية تزيد مخاطر انتشار أمراض مثل الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك، بالتزامن مع اقتراب موسم ظاهرة «النينيو»، وفق تقرير منظمة الصحة العالمية.

وفي مؤشر على اتساع حركة النزوح، سجلت «آلية الاستجابة السريعة» أعلى معدلات التسجيل اليومية منذ بدء الأزمة، بتسجيل 1315 أسرة في 21 سبتمبر (أيلول)، و1470 أسرة في 23 سبتمبر. ومنذ الأول من أغسطس (آب)، شملت الآلية 15197 أسرة، أي ما يقارب 81140 شخصاً. لكن نفاد مخزون المجموعات الإغاثية حال دون تقديم المساعدة للأسر النازحة في محافظتي تعز ولحج في 24 سبتمبر.

احتياجات تتسع

مع اتساع الهجمات الحوثية الجوية والبرية، أفادت المعلومات الأممية بأن «مشروع رصد الأثر على المدنيين» رصد عمليات قصف طالت مدنيين وبنية تحتية مدنية في عدد من المحافظات، بينها حوادث أدت إلى إصابة نازحين. ونظراً إلى أن عمليات الرصد المستقلة لا تتم بصورة فورية، يظل السجل اليومي لوزارة الصحة اليمنية المرجع الأساسي المتاح لأرقام الضحايا في الوقت الراهن.

وعلى الصعيد الميداني، يستمر القتال على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل ساحل لحج الغربي، ولا سيما مناطق المضاربة ورأس العارة وباب المندب ومحور كهبوب، إلى جانب جبهات مأرب في الجوبة وصرواح وحريب ومأرب الوادي، وجبهات تعز المتعددة.

يمني في منطقة رأس عمران غرب عدن يمشي داخل مخيم للفارين من الهجمات الحوثية (أ.ب)

ويعكس هذا الواقع طبيعة طوارئ إنسانية معقدة لا تقتصر احتياجاتها على علاج الإصابات والصدمات الناجمة عن الحرب، إذ يحتاج النازحون والمجتمعات المضيفة إلى خدمات صحية أساسية ومنقذة للحياة، بما في ذلك الرعاية التي توفرها الفرق الطبية المتنقلة.

وتبرز كذلك الحاجة إلى تعزيز تدابير الصحة العامة، من خلال حملات التطعيم ومكافحة نواقل الأمراض، إلى جانب تحسين التنسيق بين الجهات والشركاء العاملين في المجالين الإنساني والصحي، استناداً إلى تقييم سريع ومشترك للاحتياجات.

ومع استمرار القتال والنزوح، تواجه الاستجابة الإنسانية والصحية ضغوطاً متزايدة، بينما يصبح الوصول السريع إلى الأسر المتضررة والحفاظ على الخدمات الأساسية والوقاية من تفشي الأمراض عوامل حاسمة للحد من تدهور الوضع وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.


مقابر حوثية جديدة لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من القتلى

الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
TT

مقابر حوثية جديدة لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من القتلى

الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)

​استحدثت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع القليلة الماضية مقابر جديدة، ووسعت أخرى في 7 محافظات يمنية خاضعة لسيطرتها، بالتزامن مع ازدياد عمليات تشييع ودفن عناصرها الذين سقطوا في جبهات القتال، في وقت تتكتم فيه الجماعة على حجم خسائرها البشرية.

وقالت مصادر محلية مطَّلعة لـ«الشرق الأوسط» إن أعمال إنشاء المقابر وتوسعتها شملت صنعاء ومحيطها، وذمار وإب والمحويت وحجة وصعدة، إلى جانب مناطق أخرى، مشيرة إلى تجهيز مساحات جديدة للدفن، بالتزامن مع نقل جثامين قتلى الجماعة من مناطق المواجهات إلى مساقط رؤوسهم، أو إلى ما تسميه «روضات الشهداء».

وأضافت المصادر أن جثامين عناصر حوثية تصل من جبهات ومناطق مختلفة، بينها الجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي ولحج والضالع، وفق المعلومات المتداولة محلياً.

وحسب المصادر، لم تقتصر تحركات الجماعة على إنشاء مواقع جديدة؛ بل شملت أيضاً توسعة مقابر قائمة وتسوير وتجهيز مواقع أخرى؛ خصوصاً في المناطق الريفية وأطراف المدن، بهدف توفير مساحات إضافية للدفن.

صورة مجند حوثي وُضعت على قبره في مقبرة للجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت أن بعض المقابر يجري تجهيزها بصورة منظمة، عبر تسويرها وتركيب بوابات وتنظيم مواقع الأضرحة، في حين تتواصل أعمال التنظيف والصيانة في مقابر سبق أن خصصتها الجماعة لعناصرها.

وتشير المصادر إلى ارتفاع وتيرة الدفن في بعض المناطق، بالتزامن مع وصول جثامين قتلى من جبهات القتال، في وقت لا تعلن فيه الجماعة حصيلة شاملة توضح أعداد قتلاها ولا حجم خسائرها البشرية خلال الفترة الأخيرة.

وتعتمد الجماعة -وفق المصادر- على بيانات متفرقة بشأن تشييع ودفن عناصرها، دون نشر كشف شامل بأسماء القتلى وأعدادهم والمناطق التي سقطوا فيها، الأمر الذي يصعِّب تحديد حجم الخسائر الفعلية.

أموال للصيانة والتجهيز

وتتزامن هذه التحركات مع أنشطة ما تُسمى «هيئة رعاية أسر القتلى» التابعة للحوثيين، والتي تشمل -وفق منشورات متداولة- أعمال توسعة وتنظيف وترميم وتسوير وتركيب بوابات وتنظيم الأضرحة، وتجهيز مواقع جديدة في عدد من المناطق.

ولم تقتصر هذه الأنشطة على محافظة واحدة؛ ففي صعدة، معقل الجماعة، وثقت منشورات تابعة لها جولات ميدانية في عدد من «الروضات» بمديريات ساقين وحيدان ومنبه وغمر ورازح، لمتابعة أعمال الصيانة والتحسين والتجهيز، إلى جانب إنشاء مقابر جديدة في المناطق ذاتها.

وفي محافظات ذمار وعمران والمحويت، أعلنت الهيئة الحوثية خططاً لتوسعة مقابر كانت قد استحدثتها سابقاً، إلى جانب تجهيز «الروضات» ورفع الأضرحة في عدد من المديريات.

مقبرة لقتلى الجماعة الحوثية في حي الجراف شمال صنعاء (فيسبوك)

وفي محافظة حجة، شملت الأعمال مقابر قتلى الجماعة في الشاهل والمحابشة والمفتاح وكحلان الشرف، بما في ذلك توسعة المواقع، واستكمال الجدران والتسوير، وتركيب البوابات، وترتيب الأضرحة.

وفي المقابل، يعيش ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً اقتصادية وإنسانية صعبة، مع تراجع مصادر الدخل وتدهور الخدمات، ما يسلط الضوء على حجم الموارد التي تخصصها الجماعة لهذه الأنشطة وأولويات الإنفاق في مناطق سيطرتها.