«الأقدار الغاشمة»... تاريخ البشرية في إدارة الكوارث

منذ عهود سحيقة إلى فترات قريبة من الذاكرة الحديثة

المؤرخ الليبرالي نيال فيرغسون
المؤرخ الليبرالي نيال فيرغسون
TT

«الأقدار الغاشمة»... تاريخ البشرية في إدارة الكوارث

المؤرخ الليبرالي نيال فيرغسون
المؤرخ الليبرالي نيال فيرغسون

من زاوية معينة، فإن التاريخ أشبه بسجل ضخم لأرشفة الكوارث وإرث أخطاء البشريّة المتراكم في التعاطي معها. ويبدو أن نيال فيرغسون؛ المؤرخ الليبرالي الأكثر شعبيّة في الغرب قد ألهمته فترة عزلة «كوفيد19» الإجباريّة خلال عام 2020 للتّقليب في دفاتر الاستجابات البشريّة للكوارث ومحاولة استخلاص الدّروس التي يُمكن الاستفادة منها للتعامل مع مأزقنا الحالي، كما تلك المقبلة. نتاج العزلة هذا صدر في سفر ضخم (496 صفحة) بعنوان: «الأقدار الغاشمة: سياسات إدارة الكوارث*»، وقفز سريعاً إلى صدارة قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، ولا يزال لشهور العنوان الأول عالمياً على قائمة متجر «أمازون» الإلكتروني في فئة الفلسفة السياسيّة. لكن صدور الكتاب قبل أن ينحسر الوباء الحالي، ودون التوصل إلى استيعاب مختلف أبعاد التّجربة القاسية التي رافقته، قد يجعل منه عملاً غير مكتملٍ بشكل ما، وحججه منقوصة، واستنتاجاته غامضة، إلا إنّ الجزء التأريخي منه لا شكّ غني ومحكم ومتماسك.
قسّم فيرغسون نصّه أقساماً؛ يمثّل أولها الجزء الأكبر من «الأقدار الغاشمة» ويسترجع فيه خبرات البشريّة التاريخيّة مع الكوارث من عهود سحيقة إلى فترات قريبة من الذّاكرة الحديثة: المجاعات والأوبئة والزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير والحروب وحوادث القطارات وانخفاض أعداد السكّان والهجرات التي تؤدي إلى اضطرابات سياسيّة والأسلحة النوويّة... وما إلى ذلك. وبحسب الخبرة البشريّة عبر آلاف السنين، فإن الكوارث غالباً ما نسبت للطبيعة: استياء الآلهة أو اضطرابات الفلك أو سوء الطالع. ويستنتج الكاتب من بحثه أنّه من المضلل تصنيف الكوارث إلى طبيعيّة وأخرى يتسبب فيها الإنسان؛ إذ لا خط صريحاً يمكن رسمه بين نوعين متفاوتين تماماً؛ لأن العوامل السياسية والثقافية يمكن أن تحدد في كثير من الأحيان مدى الأثر الذي تتركه كارثة طبيعية ما وصيغة الاستجابة للتحديّات التي قد ترافقها، مما يجعلها عندئذ أقرب إلى الاصطفاف مع الأخطاء البشريّة بدل تحميل مسؤوليتها للأقدار الغاشمة. وبعبارة أخرى؛ فإن الكوارث ليست كوارث بمجرد حدوثها، بل بقدر التأثيرات التي تنشأ عنها وكيفيّة التعامل معها عندما تضرب المجتمعات وتزعزع نظمها واستقرارها. ويستعير فيرغسون هنا من تشبيهات وضعها كتّاب آخرون لوصف الكوارث، بأنواع حيوانات مثل «وحيد القرن الرّمادي» علماً على المصائب الظاهرة التي لها سوابق ونراها حين تقترب منا، و«البجعات السوداء» للأحداث التي تبدو بحكم تجربتنا المحدودة أقرب إلى الاستحالة، و«ملوك التنين» أي الكوارث الهائلة التي تقع خارج الظروف المعياريّة العادية، فيصف تاريخ البشريّة في مواجهة الكوارث كأنّه «حديقة الحيوان سيئة الإدارة» التي تجمع هذه المخلوقات معاً، مع بعض الأحداث المؤسفة غير المنطقيّة وسوء الحظ.
يحاكم فيرغسون في القسم الثاني ميلاً تقليديّاً إلى إلقاء اللّوم على القادة الأشخاص عند فشل الاستجابات المجتمعيّة أو قصورها عن التّعامل مع الكوارث، فينتقد نظريّة «الرجل العظيم» للتاريخ أو «مغالطة نابليون» التي تختصر الأحداث والتيارات الكبرى بأفرادٍ يديرون العالم بأيديهم بوصفها منهجيّة تفكير تبسيطيّة لا يمكن الدّفاع عنها، في الوقت الذي تكمن فيه الأسباب الأساسيّة لمثل تلك الإخفاقات غالباً في الاحتكاكات بين المستويات الدنيا والمتوسطة من التّسلسلات الهرميّة التنظيميّة للمجتمعات ونقاط ضعف أنظمتها الإداريّة أو غياب المساواة الاجتماعيّة، وأن أولئك القادة ليسوا في النهاية إلا عرضاً للأنظمة التي أنتجتهم. فقد أظهرت كارثة «تشيرنوبيل» مثلاً، جهل مشغلي المرفق وعقم بيروقراطية السلطات. وبينما كشفت مأساة «تشالنجر» كيف أدت سيطرة معايير التكلفة على عمليّات توريد المكوّنات إلى قبول مواد بكفاءة متوسطة وأقل أماناً لتتسبب قطعة صغيرة في انفجار المكوك. وعند انتشار وباء الكوليرا في هامبورغ عام 1892 كانت البنية الطبقية الصارمة في المدينة التي سمحت لملاك العقارات المؤجرة برفض تحسين شبكات المياه والصرف الصحي مسؤولة عن معدل الوفيات المرتفع نسبياً، والذي كان أعلى لدى الفقراء بـ13 مرّة مقارنة بالأغنياء. وفي سفينة «تايتانيك» الشهيرة، فإن التصميم الذي حكمته النظرة الطبقية جعل فرصة النجاة أعلى بـ50 في المائة على الأقل لدى ركّاب «الدرجة الأولى» من تلك الموجودة على الطوابق السّفلى.
ويُلمس من النصّ أن قدرة البشريّة على توقع الكارثة «الصحيحة» مسألة بعيدة المنال، حيث «نادراً ما نحصل على الكارثة التي نتوقعها»، من الصعب كذلك التنبؤ بالسرعة التي تحدث بها الكوارث؛ إذ يمكن أن تحدث كتفكك نظام معقد في وقت واحد، بسرعة مذهلة – كما كانت الحال في الانهيار السريع لحضارات العصر البرونزي - القرن الثاني عشر قبل الميلاد - أو يمكن أن تأخذ شكل انتقالات مرحلية متشنجة متتالية، كذلك الانحطاط التدريجي للإمبراطورية الرومانية.
ويستنتج فيرغسون من تجربة العالم مع «كوفيد19» أن الأنظمة مركزيّة القرار مثل الصين - وذلك بحكم فاعليّة تنفيذ التوجيهات التي تقيّد الحريات المدنية - أثبتت قدرة فائقة على إدارة الوباء من نظيرتها الأنظمة الديمقراطيّة التوافقيّة التي غالباً ما تتعارض فيها مصالح ورغبات مراكز القوى المتعددة، وتضعف من هامش سيطرتها على سلوك مواطنيها، وجعلت من الولايات المتحدّة - الدّولة الأعظم في العالم - موضع سخريّة دوليّة وتندّر فيما يتعلّق بمعدلات الإصابات والوفيّات بالفيروس، ورفعت من وتيرة القلق داخليّاً بشأن موثوقية القوة الاقتصادية الأميركية، وأخلاقيات قيادتها، وحتى قدرتها على البقاء، وهي مخاوف يتأكد دائماً أنها، كالعادة ووفق فيرغسون، سابقة لأوانها.
الفصول المخصصة لتجربة «كوفيد19» الحالية متخمة بكم هائل من المواد الأرشيفيّة: التقارير الصحافية، ومقالات الرأي، والأوراق العلمية، وخلاصات الكونغرس الأميركي، وهذه الببليوغرافيا الضخمة يوظّفها فيما يبدو لتخفيف حدّة النقد الذي استهدف القائدين: دونالد ترمب (الولايات المتحدّة)، وبوريس جونسون (بريطانيا)، في سياساتهما لإدارة الوباء القائمة على تقديم مصالح الاقتصاد على توفير حماية مثاليّة للجميع. وهذان؛ تحديداً، زعيما دولتين من المفترض أنّ إدارتهما الأزمة أفضل من الدّول الأخرى بكثير نظراً للقدرات التقنيّة والعلميّة والماديّة المتقدّمة. لكن أكوام الحقائق التي يجمعها صاحب الكتاب وتناقضها أحياناً لا يمنحان القارئ كبير ثقة فيما يذهب إليه، لا سيما أن انعكاسات الوباء ما زالت مستمرة إلى الآن، مما يصعّب الوصول إلى أحكام قاطعة بشأن أي شيء.
وأخيراً؛ فإن مجموعة موجزة من التكهنات حول المآسي المحتملة في المستقبل واحتمالات الاستجابات الكافية تكمل الكتاب. ولا يخفى هنا انحياز المؤرّخ؛ ليبرالي التوجهات ونجم نخبة واشنطن، ضد الصين وذلك بنقلنا إلى عالم ما بعد «كوفيد19» للتركيز على مصدر قلق مستقبلي من استراتيجية الصين بوصفها قوة عظمى لمنطقتها، وبحر الصين الجنوبي، بشكل عام، وكأنّ كل هموم العالم وشجونه قد حُلّت ولم يتبق سوى أن نحسم نطاق الحدود البحريّة للمياه الإقليميّة الصينيّة.
في الفصل الختامي من «الأقدار الغاشمة» يراهن المؤلف على الخيال؛ الذي يعرّفه ببراعة بأنه بمثابة «تأريخ للمستقبل»، ليمنحنا فرصة إلقاء نظرة على عالم قد نرغب في تجنبه، وأن خير ما نبدأ به للتعامل مع الكوارث المستقبليّة هو السعي جاهدين لتخيّلها أو تحليل العوامل الفاعلة في المؤكّد منها، وترسيم تأثيراتها المحتملة على المجتمع بشكل كلي، وربّما الشروع المبكّر في الإعداد لها. ومع ذلك؛ فإن الأفضل ألا ننسى يوماً نصيحة التاريخ للبشر: «المستقبل غير مؤكد... والنهاية قريبة دائماً».
«الأقدار الغاشمة: سياسات إدارة الكوارث»
«Doom: The Politics of Catastrophe»
المؤلف: نيال فيرغسون
الناشر: ألان لين
مايو 2021


مقالات ذات صلة

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».