زوجة دستويفسكي تقدم للقارئ كل ما له وما عليه

مذكراتها تكشف الوجه الآخر لصاحب «الجريمة والعقاب»

فيودور دستويفسكي
فيودور دستويفسكي
TT

زوجة دستويفسكي تقدم للقارئ كل ما له وما عليه

فيودور دستويفسكي
فيودور دستويفسكي

يكشف هذا الكتاب «مذكرات زوجة دستويفسكي» عن الوجه الآخر لأديب روسيا الأشهر أحد أهم الكتاب الأكثر تأثيراً في الأدب الإنساني.
الكتاب صدر حديثاً عن «المركز القومي للترجمة» بمصر، وهو طبعة ثانية، ويقع في 634 صفحة من القطع الكبير، وقد ترجمه عن الروسية أنور محمد إبراهيم الذي لفت في مقدمته إلى أن «آنا جريجورفنا» لم تكن مجرد زوجة ثانية لدستويفسكي، بل كانت عاشقة عطوف، منحت دستويفسكي السعادة، وساعدته على تجاوز أعباء مرضه.

- الشرارة الأولى
ولدت جريجورفنا في 30 أغسطس (آب) عام 1846 لأسرة بسيطة من بطرسبورغ. وكان أبوها ودوداً ذا طبيعة محبة للحياة، وكان في شبابه مولعاً بالمسرح والأدب، إلى جانب أنه كان من أشد المعجبين بأعمال دستويفسكي. وقد سمعت «آنا» هذا الاسم للمرة الأولى في حياتها وهي في السادسة عشر من عمرها، حين أدت امتحاناً في قصة «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدستويفسكي. ومن فرط تأثرها بالقصة، أصبحت الأسرة تطلق عليها آنذاك اسم «نيتوتشكا». كما بكت كثيراً وهي تقرأ «مذكرات من بيت الموتى» التي تتناول معاناة شخص معتقل في سهول سيبيريا، حيث درجة الحرارة تحت الصفر. هكذا، أصبح دستويفسكي كاتبها المفضل منذ الطفولة.
وكانت آنا تجيد الكتابة على الآلة الكاتبة. وبعد وفاة والدها وتغير أحوال الأسرة، ساعدتها هذه المهنة في التحرر من التبعية المادية لأمها. وصادف أن أوصى أحدهم دستويفسكي بأن تعمل لديه. وفي الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1866، تم التعارف بينهما.
طلب دستويفسكي يدها للزواج، فوافقت على الفور، فقد كانت مستعدة لذلك منذ فترة، ولم تأبه بنصائح أقاربها واعتراضهم على زواج غير متكافئ، فقد كان بضعف عمرها، وهو أرمل مثقل بديون ثقيلة.
تحكى صاحبة المذكرات واقعة طريفة في هذا السياق، فقد طلب منها أن تسمح له بزيارة عائلتها بعدما أنهى كتابة روايته «المقامر»، وكانت علاقة العمل معه على وشك الانقطاع، لولا أن دعاها لتكتب معه الجزء الأخير من رواية «الجريمة والعقاب»، فوافقت «آنا» لأنه كما وصفته كان «جذاباً للغاية». وخلال العمل، دعاها ذات ليلة لتشاركه حبكة رواية جديدة تخيلية يود كتابتها، وأقنعها بأنه يحتاج إلى نصحها في فهم نفسية الأنثى.
وفي تلك الرواية المتخيلة، كان البطل رساماً كبيراً في السن يتقدم لخطبة فتاة صغيرة كان اسمها آنيا. وهنا، سألها دستويفسكي عما إذا كان من الممكن لفتاة صغيرة في السن مختلفة في الشخصية أن تقع في حب رسام، فأجابت «آنا» إن ذلك ممكن جداً، فقال لها مباشرة: «ضعي نفسكِ في مكانها للحظة. تخيلي أنني أنا الرسام، أنا أعترف وأطلب منك أن تكوني زوجتي، ماذا سيكون جوابك؟»، فأجابت آنا: «سأجيب بأني أحبك، وسأحبك للأبد!».

- الوجه الآخر
هكذا، نجحت اللعبة، وأصبحت عاملة الآلة الكاتبة زوجة لواحد من أعظم الروائيين في العالم! وطوال 14 عاماً، أبدى دائماً حباً جارفاً لها، وغيرة عليها، حتى أن عائلتها تعايشت مع التجربة على الرغم من فارق العمر بين الزوجين. وبفضل هذا الاستقرار العائلي، تراجعت نوبات الصرع التي كان يعاني منها، كما قل إدمانه الشديد للقمار.
وتحكي المؤلفة كيف كان دستويفسكي في أغلب الأحيان حزيناً، غير راضٍ عن رواياته، لأنه كان يكتب أجزاء كبيرة منها تحت وطأة الديون الثقيلة، وهموم تسديدها. تقول: «كان حين ينتهي من كتابة جزء من رواية ما، يرسله على الفور إلى دار النشر كي تبعث له بدورها مبلغاً من المال يسدد به بعض ديونه، ثم حين يشرع في كتابة الأجزاء الأخرى من الرواية يكتشف خطأ ما في تسلسل الأحداث، فتصيبه الكآبة لأنه لن يستطيع التعديل على الجزء الأول الذي قد صار مطبوعاً منشوراً في المجلات والصحف. لو قُدر للعظيم دستويفسكي أن تكون ظروفه المادية أفضل، لكانت أعماله أكثر جمالاً وروعة مما هي عليه!».
وتستمر المذكرات في رسم ملامح الوجه الآخر للأديب الأشهر، فتروي كيف ذات مرة خسر جميع أمواله في لعب «الروليت»، لذلك قررت أن تتولى إدارة جميع المسائل المالية، وإدارة أموره مع الناشرين، ونجحت بعدها في تحرير زوجها من ديونه، واستطاع في عام 1871 أن يتخلص فيودور دستويفسكي من إدمانه للقمار.
ولم تكن الأشهر الأولى من ذلك الزواج المتواضع الهادئ بالسلاسة المتوقعة، حيث صعوبة التأقلم مع شخص مصاب بالصرع. تقول جريجورفنا: «كان حبي عقلياً خالصاً مثالياً؛ كان على الأصح عبادة، انحناء أمام إنسان موهوب إلى أبعد حد، إنسان يمتلك الخصال النفسية الرفيعة، فكانت روحي تتملكها الشفقة نحو هذا الرجل الذي عانى كثيراً، ولم يعرف السعادة ولا السرور قط. لقد أحببته حقاً بحرارة، على أن كبريائي لم يكن يسمح لي أن أبقى معه لو تأكد لي أنه لم يعد يحبني».

- في مرآة معاصريه
وتفرد المذكرات مساحة كبيرة للحديث عن علاقة دستويفسكي بمعاصريه من الكتاب والصحافيين والعلماء والشخصيات العامة، تلك العلاقة التي شابها التعقيد تارة، والالتباس والتناقض تارة أخرى، مثل نكراسوف وتورجنييف وأوجاريف ومايكوف وستراخوف، فقد كان ينتقد نكراسوف على سبيل المثال، ولا يبدو شديد الحماس له على المستوى الإنساني، لكن حين مرض الأخير فزع بشدة، وكان يداوم على زيارته، وإذا وجده نائماً يطلب من عائلته ألا توقظه، وأن تكتفي بإبلاغه تحياته.
وفي واحد من خطاباته المبكرة 1867، كتب دستويفسكي إلى زوجته يقول: «عادة ما تشاهدينني عبوساً كئيباً نزقاً، ليس هذا سوى أمر ظاهري، ولعلي دائماً ما كنت أبدو على هذا النحو خائر العزم سيئ الحظ، أما باطني فشيء آخر، صدقيني!». إن هذا الشيء «الباطني الحقيقي» هو ما كانت آنا جريجورفنا تقدره وتحبه على نحو خاص في دستويفسكي، وهو ما أحست به منذ لقائهما الأول.
وترسم المذكرات صورة دستويفسكي في نهاية الستينات، في أسوأ أيام هزائمه وفقره وبؤسه، وإن لم يفقد أناقته أو شعوره بكرامته الشخصية. وكما تقول جريجورفنا «هذا هو الرجل صاحب الذوق الرفيع في تقدير الأشياء الجميلة يملأه الشعور بالمتعة إذا ما أتيحت له أدنى فرصة لإسعاد المقربين منه، على الرغم من أنه شخص اختصه القدر بحياة مفعمة بالتقلبات المأساوية، إنسان تأرجح أكثر من مرة على الهاوية، ومع ذلك راح يحتفي بالحياة على نحو أشد قوة، وها هو بصفته رب الأسرة المسؤول عن كثير من أقاربه يمرح في سعادة بكل خلجات قلبه مثل طفل حول شجرة عيد الميلاد يرقص الفالس بنكران للذات».
وتلقي المذكرات الضوء على علاقة دستويفسكي بالأطفال، حيث يكتب إلى أصدقائه متحدثاً عنهم، ويصفهم بأنهم «يضفون على الوجود طابعاً إنسانياً بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ؛ هؤلاء تصبح الحياة دونهم بلا غاية».

- اعترافات عاشقة
وتضع جريجورفنا في مذكراتها ما يشبه الاعترافات، قائلة: «لا أتعهد أن تكون مذكراتي شيقة، ولكني أضمن صحتها وحيادها الكاملين، من حيث وصف مواقف بعض الشخصيات، فهذه المذكرات بنيت أساساً على مدونات مؤيدة بخطابات ومقالات من الصحف والمجالات. وأعترف صراحة أن مذكراتي تحتوي على أخطاء أدبية، كالإطالة في السرد والتباين في حجم الفصول والأسلوب القديم، ولكن يصعب على المرء وقد بلغ السبعين من العمر أن يتعلم أشياء جديدة، وإنما يغفر لي هذه الزلات إخلاصي ورغبتي القلبية في أن أقدم للقارئ فيودور دستويفسكي بكل ما له وما عليه، وأن أضع الصورة التي كان عليها في حياته الشخصية والعائلية».
وتضيف: «كنت أنا وزوجي نعد أنفسنا أناساً لهم مزاج مختلف تماماً، ولهم طابع آخر ورؤى أخرى، لكننا بقينا على سجيتنا دائماً، ولم يتدخل أحدنا في شؤون الآخر؛ كنا نشعر بحرية أرواحنا. كان فيودور يفكر كثيراً وحده في الأسئلة العميقة للنفس البشرية، وكان يقدر لي عدم تدخلي في حياته النفسية والعقلية، ولهذا كان كثيراً ما يقول لي: أنت المرأة الوحيدة التي فهمتني! وهذا ما كان يمثل أكثر الأشياء أهمية له، حيث كانت علاقته بي تمثل جداراً متيناً باستطاعته أن يستند إليه ويشعر بالدفء. وهذا ما يفسر، من وجهة نظري، هذه الثقة المدهشة التي كان زوجي الطيب يوليها لي ولكل تصرفاتي، على الرغم من أن كل ما فعلته لم يكن يتجاوز إطلاقاً حدود المألوف. إن هذه العلاقة من طرفيها أعطتنا إمكانية أن نواصل حياتنا الزوجية على مدى أربعة عشر عاماً في سعادة أرضية متاحة لمن أراد من الناس».
ويبدو بالفعل أنها كانت أهلاً لهذه الثقة في حياته ومماته أيضاً. فبعد وفاته، كانت «آنا» في الـ35 من عمرها، وقد كرست كل جهودها لحماية إرثه الأدبي وصيانته، حيث قامت بجمع مخطوطاته ورسائله ووثائقه وصوره، وأسست عام 1906 غرفة مخصصة لفيودور دستويفسكي في متحف الدولة التاريخي.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».