المعارك الأخيرة في حياة جون واين

مثّل 10 أفلام في 6 سنوات... واثنان حوّلاه من نجم إلى أيقونة

TT

المعارك الأخيرة في حياة جون واين

في فيلم الوسترن الجديد «أخبار العالم» News of the World للمخرج بول غرينغراس «يونايتد 93»، «جولاي 22»، «جاسون بورن» إلخ… تذكير قوي ببعض أفلام جون واين. ليس أن توم هانكس يبرع في ركوب الجياد ومطاردة الأشرار ومواجهة المواطنين الأصليين لأميركا أو أنه يقلد جون واين في أدائه. على العكس هناك فارق كبير بين الممثلين ولا نقطة لقاء واحدة باستثناء أن كليهما امتهن التمثيل باكراً في شبابه.
أما ذلك التذكير فيعود إلى أن الحكاية، التي يمكن تلخيصها استعادة هانكس لفتاة بيضاء في العاشرة من عمرها من القبيلة التي احتجزتها، ما يذكر بخطوط فيلمين لجون واين هما The Searchers «الباحثون»، 1956 وTrue Grit«عزم حقيقي» ‪،‬1969 من حيث إن جون واين في الفيلم الأول أخرجه جون فورد ويعتبره كثير من النقاد أفضل وسترن له يبحث عن فتاة بيضاء اختطفتها قبيلة هندية وترعرعت في كنفها طويلاً حتى اعتادت عليه.
في الفيلم الثاني حققه الجيد هنري هاذاواي يصاحب فتاة شابة أكبر عمراً بقليل من بطلة «أخبار العالم» لكي يساعدها في الانتقام من قتلة أبيها.
صياغة «أخبار العالم» بالطريقة التي كتب الفيلم بها جل أحداثه تقع على الطريق إثر استعادة توم هانكس للفتاة الصغيرة تستمد فكرة الاستعادة من «الباحثون» وفكرة رحلة الطريق وما قد يشوبها من أخطار في «عزم حقيقي».
- من نجم إلى أيقونة
هذان الفيلمان من الفترة الذهبية لجون واين الذي ظهر في 167 فيلما ما بين 1926 و1976. وكان ولد في السادس والعشرين، من مايو (أيار) سنة 1907 وتوفي في الحادي عشر من يونيو (حزيران) سنة 1979، ثلاث سنوات بعد آخر أفلامه «ذا شوتيست» The Shootist وتعني المحترف في إطلاق النار.
ينتمي هذا الفيلم الأخير إلى مجموعة من عشرة أفلام قام بتمثيلها ما بين 1970 و1976 هناك فيلم آخر قام بالظهور فيه من دون ذكر اسمه بعنوان «إلغي حجزي» Cancel My Reservation سنة 1972 وهي أفلامه الأخيرة التي طغى عليها نوع الوسترن كمعظم أعماله قبل ذلك لكن تخللها فيلمان بوليسيان هما الوحيدان له في دور تحري يعمل لصالح البوليس الأميركي.
قبل الخوض في هذه التركة وما تفرزه كذلك من أفكار حول مهنة الممثل لا بد من ملاحظة أن واين كان قد بلغ الثالثة والستين من عمره سنة 1970 مع أول هذه الأفلام ثم التاسعة والستين عندما ختم أفلامه بـ«ذا شوتيست». هذا يشهد له بالنشاط الدؤوب والرغبة في مواصلة العمل في المهنة الوحيدة التي مارسها في حياته وهي التمثيل.
في العام 1970 لعب جون واين في فيلمين متتاليين. كان قبل ذلك تحول من ممثل إلى نجم ومن نجم إلى أيقونة. من ممثل آخر من ممثلي سينما الوسترن، مثل راندولف سكوت وروبرت ميتشوم وجوول ماكراي وغاري كوبر ورود كاميرون، إلى أكثرهم بروزاً وغزارة في لعب أدوار البطل فوق الحصان. بات اسمه هو العملة الذهبية التي تجذب المعجبين وحضوره على الشاشة أصبح محاطاً بإطار من التخليد. هو كل شيء في الفيلم وكل شيء في الفيلم هو.
«تشيزام» Chisum لأندرو ڤ. ماكلغلن 1970 هو أحد النماذج الأنقى في هذا المضمار. في هذا الفيلم أدى دور مالك لألوف المواشي في تكساس الذي يتبنى بيلي ذ@ كِد جفري ديوول وبات غاريت غلن كوربت قبل أن يخرج الأول عن القانون وينقلب الثاني إلى مارشال يبحث عن صديقه القديم للقبض عليه أو قتله.
تشيزام وبيلي وبات كلهم شخصيات حقيقية اشتركت في موقعة فعلية اسمها «حرب مقاطعة لينكولن» حدثت سنة 1880 لكن الفيلم غير مواقع وانتماءات وحرف الكثير من الحقائق لصياغة فيلم يبدو فيه تشيزام من قاد بنفسه تلك المعركة ليس ضد بيلي ذ كد، بل ضد أشرار يقودهم منافسه في تربية وتجارة المواشي ماكسوين قام به صديق واين بروس كابوت.
- سيادة بيضاء
الفيلم التالي في العام ذاته هو «ريو لوبو» وهو من صنع خيال كامل والفيلم الأخير الذي تولي المخرج المعروف هوارد هوكس إخراجه توفي بعد سبع سنوات وكان تعاون مع واين أكثر من مرة بدءاً من سنة 1948 عندما أخرج هوكس «نهر أحمر» تولى واين بطولته لجانب مونتغمري كليف وولتر برينان.
يطرح «ريو لوبو» مسألة الانتماءات السياسية في خلفية حكاية تقع مباشرة بعد الحرب الأهلية الأميركية. يؤدي واين دور كولونيل في الجيش الاتحادي يحقق في قيام عصبة من الجنود الانفصاليين بسرقة شحنة من الذهب تابعة للقوات الاتحادية. السرقة ما كان لها أن تتم إلا بسبب وجود جاسوس للانفصاليين زودهم بتفاصيل تلك الشحنة. واين سيواجه أشرار الجنوب لجانب جاك إيلام وكريستوفر ميتشوم ابن روبرت ميتشوم والجميلة جنيفر أونيل.
يذكرنا هذا الفيلم، عبر عنوانه، بفيلمين سابقين يحملان كلمة «ريو» في العنوان قام واين ببطولتهما هما «ريو غراندي» جون فورد، 1950 و«ريو براڤو» هوارد هوكس، 1959، لكنه يذكر أكثر بحقيقة أن واين لعب، قبل عام واحد من «ريو لوبو» بطولة فيلم آخر حول الحرب الأهلية الأميركية هو «غير المهزومين» The Undefeated لأندرو ڤ. ماكلغلن. وفي حين لا يعكس «ربو لوبو» شيئاً يذكر عن سياسة واين كونه كان متعصباً لمبادئ يمينية - محافظة وضعنا «غير المهزومين» في أتون مصالحة بين الشمال والجنوب. واين في دور الشمالي وروك هدسون آخر من يناسبه تمثيل أفلام الوسترن بين الوجوه المعروفة في دور الجنوبي وعلى الاثنين نسيان خلافهما والتعاون معاً.
هذه كانت طريقة واين لمغازلة المبادئ الجنوبية التي عكسها أكثر من مرة في أفلامه وإن لم يلعب دور القائد الجنوبي مطلقاً. وإحدى هذه المرات كانت وردت في سنة 1971 عندما صرح لمجلة «بلايبوي» أيام عزها هي الأخرى بأنه يميني يؤمن بالسيادة البيضاء. قال: «أؤمن بالسيادة البيضاء إلى أن يتعلم السود تحمل المسؤولية». وحين سئل عما آل إليه المواطنون الأميركيون الأصليون الهنود الحمر والذي قتل واين منهم العشرات في أفلامه الوسترن قال مبرراً انتزاع الأراضي من قاطنيها الأصليين: «كانت المسألة مسألة البقاء حياً».
طبعاً، مواقف واين مشهودة في هذا الاتجاه ولا حرج. لم يخف مناهضته لليسار الأميركي في حملة مكارثي وتأييده لها، ولا رفض القيام ببطولة وأحياناً إنتاج أفلام تؤكد وجهة نظره حيال أعداء أميركا كما حاله في «ذا فايتينغ سيبيز» [The Fighting Seabee لإدوارد لوڤيغ، 1944 و«رمال إيوا جيما» Sands of Iwo Jima لألان دوان، 1949 ولا يمكن أن ننسى بأنه أنتج وأخرج وقام ببطولة The Green Berets سنة 1968 الذي انفرد في تأييده للحرب الأميركية ضد فيتنام الشمالية.
بالاندفاع قدماً للعام 1971 وجدنا واين في فيلم وسترن آخر من النوع الذي يحتل حضور الممثل الفيلم وحكايته. إنه «بيغ جايك» لمخرج آخر من رعيل الأربعينات كحال هاذاواي وهوكس وفورد هو جورج شرمان. رتشارد بون يختطف وعصابته حفيد بطل الفيلم جون واين مطالباً بمليون دولار فدية. واين وحده هو الذي يستطيع فك أسر حفيده وقتل الأشرار بينما يفشل الآخرون بينهم ابنه الفعلي باتريك واين في المهمة.
تبع هذا الفيلم عمل آخر من تلك التي تعكس اتجاهات واين السياسية وهو «ذا كاوبويز» لغير الخبير مارك رايدل. في الفيلم هناك مجموعة من الفتيان تتراوح أعمارهم ما بين الثانية عشرة والثامنة عشرة يطلبون من المقاتل تدريبهم على القتال ليتولوا قيادة مئات الأبقار خلال رحلة تنوء بالمخاطر. أحد هؤلاء صبي يهودي يختار الفيلم تمييزه ويقوم واين بوضع يده فوق رأسه متبنياً إياه كما كان في نهاية «القبعات الخضر» تبنى الصبي الفيتنامي الجنوبي.
هو الفيلم الأول من اثنين لواين الذي يموت فيه واين يقتله الشرير بروس ديرن تبعاً لأحداث الفيلم لأكثر من 50 سنة. ومقتله يتيح للأولاد التحول إلى العنف وقتل الأشرار رغم حداثة أعمارهم.
فيلمه التالي كان أخف وطأة وأفضل عملاً حققه بيرت كندي من جيل أندرو ڤ. مكلغلن حول آن مرغريت تريد استرجاع ذهب مسروق ولن يستطيع أحد فعل ذلك إلا جون واين طبعاً.
هذا الفيلم هو أحد فيلمين مثلهما واين سنة 1973 والآخر كان فيلم مهام صعبة ينجزها البطل جيداً وهو «كاهيل: مارشال أميركي» Cahill‪:‬ U‪.‬S‪.‬ Marshal الذي أخرجه مكلغلن ودار حول ولدين من أولاد بطل الفيلم واين ينضمان لعصابة قامت بسرقة مصرف يقودها جورج كندي فينطلق لاسترجاعهما.
ما هو مفاجئ لحد كبير ورد في سنة 1974 عندما لعب واين، ولأول مرة، ضد محقق يعمل في سلك الشرطة. هذا الانتقال من ركوب الجياد إلى ركوب السيارات السريعة ورد بعدما أدرك واين إن عليه مواكبة عصر أخذت فيه سينما الوسترن بالتراجع كحجم اهتمام وإقبال حتى ولو ارتفع اسمه فوق عناوينها.
«ماكيو» كان أول لقاء بين واين والمخرج الذي أمضى ردحاً طويلاً في حياته في سينما الغرب الأميركي أيضاً جون سترجز وهو أيضاً آخر فيلم حققه سترجز. واين كان تجاوز الستين لكنه يلعب دور رجل في مطلع الخمسينات يستيقظ يوماً على محاولة اغتياله بعدما تم اغتيال صديق له يعمل أيضاً في السلك البوليسي. من هنا يبدأ تحقيقاته وعندما يعارضه رئيسه في ذلك يقدم استقالته ويواصل تحقيقاته بحرية ليكتشف في النهاية أن العملية تتضمن فساداً في سلك البوليس وأن صديقه متورط كذلك زوجة صديقه دايان مولدور.
- إلى لندن وما بعد
هذا المشروع لم يكتب له، بل كتب وفي البال قيام ستيف ماكوين ببطولته بعد نجاح كبير أنجزه ماكوين في فيلم «بوليت» لبيتر ياتس 1968. لكن المشروع لم يثر اهتمام كوين فقامت شركة وورنر بتحويله إلى عناية جون واين لإنتاجه وبطولته وتبع هذا العديد من التغييرات في السيناريو لكي يناسب بطل المشروع الجديد.
لكن تأثير «بوليت» الذي كان بدوره من إنتاج وورنر واضح طوال الوقت: هناك التحري العنيد الذي لن يرضخ حتى لرؤسائه والمطاردات في شوارع مدينة سياتل عوض سان فرانسيسكو بسيارة مزودة بما يلزم من عتاد السرعة بونتياك ترانز إيه. إم. بل إن الشركة استعانت بصوت موتور سيارة ماكوين في فيلم «بوليت» فورد موستانغ واستخدمته لشحن صوتي في أحد مشاهد «ماكيو».
كل من «بوليت» و«ماكيو» يحملان اسم الشخصية، لكن بوليت كما أداه ماكوين أكثر رشاقة وأصغر سناً. أسلوب المخرج ياتس ديناميكي يستمد قوته من حيثيات وتفاصيل المشاهد المصورة على نحو شبه تسجيلي مع تمثيل من دون دراما من ستيف ماكوين مقابل أسلوب ستيرجز المستمد من الرغبة في تنفيذ الحكاية بأسلوب هوليوودي تقليدي.
فوق كل ذلك، يفوز «بوليت» بالنقاط في مجال الموسيقا التي وضعها له لالو شيفرين، بينما حاول موسيقار فيلم «ماكيو» إلمر برنستين جهده توفير طاقة موسيقية فعالة لكنه أخفق قياساً.
الفيلم البوليسي الثاني يحمل أيضاً اسم بطله في العنوان وهو «برانيغن» Brannigan أنجزه الأميركي دوغلاس هيكوكس حول التحري الأميركي الذي يطلب منه التوجه إلى لندن لاصطحاب مجرم أميركي قبضت عليه سكوتلاند يارد. يكتشف برانيغن أن المجرم أفلت من قبضة البوليس البريطاني فينطلق في أثره.
هناك ذلك المشهد الذي يحذره فيه البوليس البريطاني ممثلاً بدور لعبه رتشرد أتنبورو من عدم استخدام طريقته الفردية في العمل قائلاً له «تذكر إنك في إنجلترا ولست في أميركا»، لكن لا يمكن لفيلم أن يكون ذا جدوى إذا ما تخلى واين عن طريقته وهذا حال كلينت ايستوود الذي كان واين يرغب في لعب دور التحري هاري في فيلم «ديرتي هاري» سنة 1971 لكن هوليوود والمخرج دونالد سيغل فضلا كلينت ايستوود كونه أصغر سناً بكثير.
لم ينس واين ذلك وحاول في هذين الفيلمين التأكيد على صلاحيته أمام ماكوين وأمام ايستوود معاً.
أنهى واين حياته كممثل لاعباً بطولة آخر فيلمين له وهما «روستر كوغبرن» 1975 و«ذا شوتيست» 1976 وبهما عاد أدراجه لأفلام الغرب.
«روستر كوغبيرن» هو الأكثر تقليدية بينهما: واين هو روستر المحارب العتيق بعين واحدة والثانية معصوبة الذي سيساعد الأرملة يولا كاثرين هيبورن المولودة أيضاً في شهر وسنة ميلاد واين الاقتناص من قتلة زوجها. إنها الحكاية ذاتها التي وردت في «عزيمة حقيقية» سنة 1969 حيث قام البطل ذي العصبة السوداء فوق العين اليسرى روستر كوغبيرن، بمساعدة الفتاة الشابة كيم داربي على اقتناص قاتلي والدها.
الفيلم الثاني، «ذا شوتيست» هو الأفضل بينهما ومن أفضل ما أداه جون واين. هنا قام - وتحت إدارة دونالد سيغل نفسه - بلعب دور مقاتل عجوز يصل بلدة ليزور طبيباً صديقاً له بحثاً عن علاج لمرض لا يدريه. يخبره الطبيب جيمس ستيوارت المولود في شهر مايو أيضاً إنما بعد عام واحد من ولادة واين بأنه مصاب بالسرطان وهو مرض ألم بواين فعلاً وتوفي به ولديه أشهر قليلة قبل أن يموت.
يسعى لجعل هذه الأشهر مريحة وبعيدة عن العنف، لكن العنف يلاحقه متمثلاً بثلاثة أشرار بينهم رتشرد بون الذي قاد عصابة «بيغ جايك» من قبل.
إذ تقع نهاية الفيلم في حانة يواجه فيها واين الأشرار الثلاثة يقفز إلى الباب وضع ألان لاد ضد ثلاثي الحانة في نهاية فيلم Shane لجورج ستيفنز، 1956. الفارق أن شاين/لاد خرج جريحاً بعد قتله الأشرار يرأسهم جاك بالانس بينما قضى ج. بوكس/ جون واين نحبه في المواجهة.


مقالات ذات صلة

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ناقش الفيلم العلاقات الأسرية بمعالجة مغايرة - الشركة المنتجة

«كانتو» فيلم تركي يرصد هشاشة الروابط الأسرية

لا يذهب الفيلم التركي «كانتو» إلى الدراما العائلية من باب الصدام المباشر أو المبالغات العاطفية، بل يختار الاقتراب الهادئ من التفاصيل اليومية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة الأميركية جينيفر لورانس (أ.ف.ب)

جينيفر لورانس تكشف: خسرت دوراً لصالح مارغوت روبي بعد وصفي بـ«القبيحة»

كشفت الممثلة الأميركية جينيفر لورانس أنها خسرت دوراً في أحد الأفلام لصالح زميلتها مارغوت روبي بعد أن وصفها النقاد بالقبح.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «إشاعة حب» (الشركة المنتجة)

كلاسيكيات الأفلام المصرية تجتذب جمهوراً جديداً بالسينمات السعودية

جذبت أفلام كلاسيكية مصرية جمهوراً جديداً لمشاهدتها بعد عقود طويلة من إنتاجها مع بدء عرضها بالسينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».