في المكسيك... المخابز والمطابخ في مواجهة الحجر

خسر الكثيرون وظائفهم فأصبحت الهوايات المنزلية مصدراً للدخل

أندريا فيريرو وصديقها ديفيد ألفون قررا التفرغ للخبز وبيع المنتجات عبر {إنستغرام} (نيويورك تايمز)
أندريا فيريرو وصديقها ديفيد ألفون قررا التفرغ للخبز وبيع المنتجات عبر {إنستغرام} (نيويورك تايمز)
TT

في المكسيك... المخابز والمطابخ في مواجهة الحجر

أندريا فيريرو وصديقها ديفيد ألفون قررا التفرغ للخبز وبيع المنتجات عبر {إنستغرام} (نيويورك تايمز)
أندريا فيريرو وصديقها ديفيد ألفون قررا التفرغ للخبز وبيع المنتجات عبر {إنستغرام} (نيويورك تايمز)

ربما لا يكون فرن التحميص العادي من الأدوات المثالية في البدء لتجهيز مشروع مخبز بالكامل، ولكننا في خضم الجائحة وكل منا يبذل قصارى جهده في حدود الإمكانات المتاحة بيه يديه.
لكن كان كل ما يملكه الفنانون من مدينة مكسيكو سيتي هو فرن التحميص الذي لا تتجاوز قيمته 42 دولارا فحسب.
تقول أندريا فيريرو، وهي تحمل وعاء يحمل خليطا من الكيك: «لقد كنا مفلسين تماما، ولقد اضطررنا لشرائه بالدين».
وكانت السيدة فيريرو رفقة صديقها ديفيد ألفونسو – على غرار الآلاف من حول العالم ممن توقفت حياتهم تماما بسبب الإغلاق العام الذي فرضته جائحة فيروس كورونا المستجد الراهنة - قد فكرا في مشروع الخبز قبل عدة شهور بغية الفرار من حالة الممل والضجر التي تلازمهم ولا تفارقهم أبدا.
ولقد تبين لهم بعد فترة من الوقت أنهم يملكون مهارات جيدة للغاية في ذلك النشاط المنزلي الجديد.
بعد ذلك، أنشأوا حسابا جديدا على منصة إنستغرام تحت عنوان «كوارينتينا بيكينغ» أو «الخبز في الحجر الصحي»، من أجل عرض منتجاتهم من الكعك، والكيك، والكعك المحلى. ولقد نجحوا منذ ذلك الحين في جذب المئات من العملاء. ثم تمكنوا بعد النجاح التجاري المبدئي في الانتقال من شقتهم الصغيرة الأولى إلى شقة أكبر يوجد فيها فرن بالحجم الحقيقي.
وكان نجاح تجربتهم البسيطة تلك – التي تمثل الخبر النادر في بلد يعاني من جائحة فيروس كورونا – عبارة عن شهادة على قوة الطهي المنزلي كأحد استراتيجيات البقاء على قيد الحياة والصمود في وجه الظروف الراهنة في العاصمة المكسيكية المعروفة بهوس سكانها بالطعام بين بلدان العالم.
قبل انتشار فيروس كورونا في المكسيك كانت شوارع العاصمة مكسيكو سيتي مليئة بأكشاك بيع التاكو، والبائعين الجائلين الذين يبيعون التامال على الدراجات، مع العربات التي تقدم البطاطا المحلاة المحمصة أو الذرة على الخبز المغطى بالمايونيز مع الجبن ومسحوق الفلفل الحار. وجاء الوباء ليقضي على ملايين الوظائف في كافة أرجاء البلاد الأمر الذي دفع المزيد من المواطنين في المكسيك إلى محاولة إعداد وبيع الأطعمة المجهزة في المنازل.
تقول السيد باتي جينيش – الطاهية المكسيكية ومؤلفة كتب الطهي: «في المكسيك، يعتبر مطبخ أحدنا هو منزله، والأطعمة التي تُباع في الشوارع عبارة عن الطعام المُعد في المنزل ثم يُباع إلى الناس في الشارع. وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يفتقرون إلى الموارد اللازمة، فإنهم يمكنهم إعداد الطعام الذي يعرفونه جيدا ونشأوا على تناوله في المنازل أو تعلموا إعداده فيها، أو ربما هو الشيء الوحيد الذي يستطيعون فعله». وعبر كافة أرجاء العاصمة المكسيكية، ظهرت وازدهرت ظاهرة المطابخ الشبحية – أي التي يجري إعدادها من أجل صناعة الطعام بغرض التوصيل إلى الآخرين، مع جهود الإعداد والتجهيز التي تتم غالبا داخل شقق المواطنين.
وهناك مثال واضح بالأخوين جوناثان وغابرييل واينتراوب. فعندما تدهورت أعمال العائلة في إمداد وتموين المطاعم بسبب الحائجة الراهنة تحولا على الفور إلى إعداد وبيع شطائر البسطرمة تحت اسم تجاري جديد هو «شمالتزي بروس ديليكاتسين». كما تحولت السيدة فاهرونيسا بيلاك بعد تسريحها من وظيفتها أخيرا إلى صناعة الخبز بدوام كامل وصارت تعمل حاليا من واجهة أحد المتاجر في العاصمة مكسيكو سيتي.
وقرر السيد بيدرو راياس الذي يعمل مؤلفا في مجال الطهي – وبتشجيع ومثابرة من زوجته – أن يعمل في مجال تعبئة وبيع صلصة الماشا المكسيكية الحارة الشهيرة المليئة بقطع المكسرات اللذيذة. وقال إن مشروعه التجاري الجديد يملك سوقا طبيعية معروفة في مدينة مكسيكو سيتي بالفعل، حيث يحتل الطعام جانبا كبيرا من المحادثات اليومية بين أغلب سكان البلاد.
يقول السيد بيدرو راياس عن ذلك: «يفضل أغلب الناس هنا تناول الطعام الجيد للغاية، كما أنهم يتفاخرون بمعرفة أفضل الأماكن للحصول على وجبات الطعام الممتازة. وتساعد هذه الثقافة الناس كثيرا في الانفتاح على المشروعات الشخصية الصغيرة، حتى يتمكنوا من القول: إنني أفضل شراء الكعكات من هذا البائع وأرز البايلا من البائع الآخر».
يدين مشروع «كوارينتينا بيكينغ» سالف الذكر بالكثير من الفضل إلى منصة إنستغرام والتي يُعرض عليها في كل يوم لقطات مقربة من منتجات الحلويات التي تصنعها السيدة أندريا رفقة صديقها ديفيد ألفونسو، تماما مثل الحشوات اللذيذة اللزجة التي تتخذ مكانها في قلب كعكة البراوني. وعوضا عن الإعلان عن المنتجات الفاخرة التي يصعب الوصول إليها عبر شبكة الإنترنت، تمكن الصديقان من توفير شيئا يمكن للأشخاص العاديين الحصول عليه مقابل إنفاق 1.75 دولار فقط للاستمتاع بالمذاق اللذيذ.
في بادئ الأمر، كان الصديقان ينشران صورا للأصدقاء فقط، من الذين يرسلون إليهم المشروبات أو الحمص المصنع في المنزل في مقابل بعض العينات البسيطة. ثم بدء أصدقاء الأصدقاء على منصة إنستغرام في توجيه طلبات الشراء المباشرة منهما.
وكان أن طلب أحدهم الحصول على قائمة المنتجات، فقاما بإعداد تلك القائمة على الفور التي تضم مختلف أنواع المنتجات التي يقومان بصناعتها. ولم يكن الصديقان قد قاما بصناعة أي من تلك المنتجات قبل الحجر الصحي أبدا. ولقد تمكنا منذ البداية في خبز كل شيء بالإضافة إلى الكعكات التي يعدونها داخل فرن التحميص الخاص بهما.
وجاء الانتقال إلى الشقة الكبيرة ليمنح الصديقين قدرا أكبر من التحكم على فوضى إدارة المخبز الكامل من داخل المنزل خلال الأزمة الصحية العالمية الراهنة. وقالت السيدة فيريرو عن ذلك: «إنني مهووسة بالتخطيط والترتيب لكل شيء مسبقا، ولكنني أجد الفوضى في كل مكان من حولي بعد ذلك!» تبدو شقتهم الجديدة أشبه بورشة إعداد هدايا عيد الميلاد داخل غرفة نوم أحدهم. إذ يتسع المطبخ الجديد لأربعة أشخاص فقط بالحد الأقصى. وتحولت غرفة النوم الثانية في المنزل إلى منطقة تجميع وتعبئة المنتجات. وكانت سلة المهملات الخاصة بهما عبارة عن كرسي موضوع رأسا على عقب مع كيس القمامة المثبت على أرجل الكرسي الأربعة.
وفي أحد أيام السبت الماضية، طرحت السيدة فيريرو على نفسها عددا من الأسئلة المثيرة للارتباك أثناء ما كانت تواصل خفق الكعك بطريقة محمومة: «هل وضعت البيض في هذا الخليط بالفعل؟ (كلا)، هل نفد مخزون الفانيلا من عندنا (أجل)، هل من المفترض لهذه الكعكة أن تتكون من ثلاث طبقات (ربما)».
ثم لاحظت قائمة المهام اليومية لديها – 61 برطمانا مليئة بالكعك، والثلج، والبسكويت المجروش، وأفضل الخلائط مبيعا، و162 كعكة براوني، و38 كعكة صغيرة، مع ثلاث كيكات كاملة – ثم أمسكت بالهاتف خاصتها كي ترد على سيل الرسائل التي تصل إلى صندوق الوارد الخاص بها من مختلف العملاء.
ومن بين الرسائل: «هل يمكنني المرور عليكم من أجل تسلم الطلب الخاص بي الآن»، فأجابت السيدة فيريرو في عصبية واضحة وبصوت مرتفع: «كلا!».
كانت السيدة أندريا فيريرو – وهي من رعايا دولة البيرو بالأساس – تعمل في النحت، وكان السيد ديفيد ألفونسو المولود في كولومبيا يعمل أمينا لأحد المتاحف، وهي مهن ترتبط بصورة غرضية غير مباشرة ببناء الهياكل من العجائن مع خلق الأجواء البصرية ذات الزخم الكبير على منصة إنستغرام.
بيد أن تحولهما إلى العمل من المنزل وصناعة وإعداد الأطعمة والخبائز لم يخل من المصادمات الدرامية.
لقد كانا يشعلان العديد من نيران الأفران، وأرسلا عددا لا يحصى من الطلبات غير المكتملة أو المتأخرة عن مواعيد تسليمها المقررة. وذات مرة هرب عامل التوصيل بالعديد من كعكات البراوني وكعكات الجبن. وكثيرا ما فوجئا بنفاد مخزون مكونات الأطعمة لديهما باستمرار.
وعلى مدار الشهور القليلة الماضية، كما قال السيد ديفيد ألفونسو، ظلا يواصلان العمل على إتقان الحرفة الجديدة، مع البحث في موقع يوتيوب على مقاطع الفيديو التي تتعلق بكيفية إعداد الكعك، أو أسباب فشل إعداد الكعك، أو معرفة الفارق بين صودا الخبز ومسحوق الخبز. كما قاما في الآونة الأخيرة بتعيين صديق فنان من أصدقائهما – ويُدعى يورلي فاليرو – للمساعدة في إدارة سيل الطلبات وأوامر الشراء لعدد من الأيام في كل أسبوع.
ومع مرور الوقت، نجحا في إقامة علاقات شخصية وودودة مع العملاء. ويطلب منهما الناس تدوين الملاحظات اللطيفة على علب كعكات البراوني التي يرسلونها إليهم.
يقول السيد ألفونسو: «يزيد تفاعلنا عبر منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بسبب قرارات الإغلاق العام والحجر الصحي المنزلي، ولذلك يواصل الناس الحديث معنا بالفعل. إن حسابنا على إنستغرام عبارة عن خط الدعم لأعمالنا التجارية».
بحلول الساعة الثانية من مساء يوم السبت الماضي، عندما شرعا رسميا في تسليم طلبات الزبائن، كان هناك صف صغير من عمال التوصيل والعملاء ينتظرون خارج مقر «كوارينتينا بيكينغ»، والذي يقع في شارع طويل تصطف على جانبيه الأشجار في حي «روما نورتي» العصري الواقع إلى جنوب وسط المدينة. وصاحت إحدى السيدات من الزبائن التي كانت تقف في الانتظار لمدة 10 دقائق بقولها «شكرا لكم» وذلك عندما ظهر السيد ديفيد ألفونسو حاملا معه صندوق الكعكات الخاص بها.
وبعد ذلك بنصف ساعة، أرسلت نفس المرأة رسالة على حسابهما في منصة إنستغرام تقول فيها: «إن الكعكات رائعة للغاية وكانت تستحق الانتظار».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».