الكاظمي... ومعضلة إخراج العراق من أزماته

أمام خلفية التنافر بين «الكتل الشيعية» والرئيس برهم صالح

الكاظمي...  ومعضلة إخراج العراق من أزماته
TT

الكاظمي... ومعضلة إخراج العراق من أزماته

الكاظمي...  ومعضلة إخراج العراق من أزماته

لم يكن سهلاً سباق المسافات الطويل نحو عراق يراد له أن يكون جديداً طِبقاً للشعار الذي رفعته ساحات التظاهر التي انطلقت منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2019 بدءاً من التحرير في بغداد إلى باقي الساحات في المحافظات الوسطى والجنوبية، وهو «نريد وطناً».
هذا السباق حاول كثيرون قطعه في أعقاب اضطرار عادل عبد المهدي إلى الاستقالة تحت ضغط المظاهرات وخيار المرجعية الدينية العليا في النجف، وخصوصاً المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني. يومذاك كان الهدف من استقالة عبد المهدي هو تشكيل حكومة جديدة قادرة على التعامل مع الأزمة التي تكاد تكون الوحيدة آنذاك، وهي أزمة المظاهرات، وما بدأت تخلفه من تداعيات بدت مُحرجة لكل الطبقة السياسية العراقية التي حكمت البلاد منذ عام 2003 وإلى اليوم. غير أن النزاعات والخلافات بين أقطاب هذه الطبقة السياسية عاودت الظهور بقوة. وبسبب نظام المحاصصة العرقية والطائفية فإن مسار تشكيل الحكومة العراقية كان لا بد أن يمر بعدة مسارات، بدءاً من عملية الاختيار، فالترشيح والتكليف من قبل رئيس الجمهورية، طبقاً للدستور، ومن ثم التصويت داخل قبة البرلمان.
وهكذا، بعد استقالة عبد المهدي بدأ البحث عن البديل المناسب للمهمة القادمة، إلا أن الطبقة السياسية واجهت مشكلة المظاهرات التي كانت سرعان ما تعلن رفض أي مرشح يُطرح اسمه من قبل الكتل السياسية. ثم إن ساحات التظاهر نفسها لم تكن لها هي الأخرى، شأنها شأن القوى السياسية، صاحبة رؤى موحدة حيال المرشحين لهذا المنصب، الذي هو من حيث التمثيل الحصري من حصّة المكوّن الشيعي، والذي رسا في نهاية المطاف على مصطفى الكاظمي. وسيكون الآن على رئيس الحكومة الجديد، الآتي من جهاز المخابرات، أن يقود مهمة إخراج العراق من أزماته المتعددة، في ظل تنافر واضح بين كتل شيعية والرئيس برهم صالح.

بدأت لعبة «الكرّ والفرّ» بشأن مَن سيتمكن من الفوز باختيار رئيس الحكومة العراقية العتيدة تأخذ مسارات مختلفة ومعقّدة، وكان طرفاها الرئيسان في أول الأمر؛ الكتل السياسية، وخصوصاً الشيعية منها، والجسم الأساسي للمظاهرات، التي هي في الغالب مظاهرات لشبان أيضاً من شيعة المدن والمحافظات ذات الغالبية الشيعية. بيد أن هذا «الكرّ والفرّ» السياسي لم يؤدِّ إلى تغيير المعادلة إلا بقدر محدود، تمثل في إقالة الحكومة، ولكن من دون طرح البديل المقنع. وللعلم، كانت قد ظهرت مصطلحات مختلفة، في محاولة للخروج من الأزمة أو التخفيف من وطأتها، مثل «المجرَّب لا يجرَّب» أو «المرشح الجدلي»، وما إلى ذلك من مصطلحات ومفاهيم دخلت حيز الخطاب السياسي العراقي، في وقت تصاعدِ حدة المظاهرات، حتى بعد استقالة عادل عبد المهدي.
وفي حين كان المأمول أن تتوقف المظاهرات، على أمل أن تجد الطبقة السياسية الفرصة المناسبة لاختيار رئيس حكومة بديل لعبد المهدي، فإن المتظاهرين استمروا برفع شعار رفض عبد المهدي وبدلائه. بل كان كل اسم يجري ترشيحه للمنصب (الأهم سياسياً في العراق) كانت تُشاهد صورُه خلال اليوم التالي في ساحة التحرير، وهي إما تُحرق من قبل المتظاهرين وإما توضع عليها علامة «أكس». ومع ذلك، فإن الكتل السياسية ما كانت مستعدة لتقديم تنازلات جدية حيال ما يجري، بل إنها كانت تراهن على عامل الوقت في إنهاء المظاهرات.
الكاظمي والصدر

كان زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر من بين أوائل الزعماء العراقيين الذين طرحوا اسم مصطفى الكاظمي، مدير جهاز المخابرات لمنصب رئاسة الوزراء. وجاء ذلك على شكل تغريدة له، أعلن فيها أنه يطرح، من دون أن يتبنى، أسماء كلٍ من مصطفى الكاظمي، والنائب المثير للجدل في البرلمان العراقي فائق الشيخ علي، والقاضي رحيم العكيلي.
رسالة الصدر وصلت بطرق مختلفة إلى الطبقة السياسية، وكذلك الشارع المتظاهر الذي تعامل معها من زوايا مختلفة. قسم منها ذهب إلى قبول محتواها، وقسم آخر رفضها من منطلق أن الشارع يبحث عن مستقلين تماماً.
القوى الشيعية، وبخاصة بعض أطراف تحالف «الفتح» و«دولة القانون» والفصائل المسلحة، لم تتعاطَ مع الخيار الذي طرحه الصدر فيما يتعلق بالكاظمي، وهو ما جعل الصدر لا يعاود تبني هذا المقترح، وإن كان قد بقي مضمراً لديه. وبالفعل، هذا ما ظهر أخيراً، حين جرى الاتفاق على الكاظمي بوصفه «مرشح الجميع»، إذ أعلنت كتلة «سائرون» التي يدعمها الصدر تأييدها له، وبالفعل صوّتت له داخل قبة البرلمان.
وفي هذا الصدد، يقول النائب عن كتلة «سائرون» برهان المعموري لـ«الشرق الأوسط» إن «موقف كتلة (سائرون) كان واضحاً منذ البداية وهو تخويل رئيس الوزراء المكلف اختيار كابينته الوزارية وفق المعايير الموضوعية التي تنطبق على الجميع دون استثناء». وبيّن أن «الهدف من وراء ذلك كان أن يشكل حكومة بعيدة عن المحاصصة، بحيث لا يُولد اختياره للمرشحين جدلاً، بل يكون المرشح كفؤاً ونزيهاً ومستقلاً بحيث يحظى بالمقبولية».
وأضاف المعموري أن «الأمر الآخر المهم الذي ركزنا عليه هو الانتخابات والتهيؤ لها بطريقة صحيحة». ورداً على سؤال بشأن مواقف الكتل السياسية، يقول المعموري، إن «مواقف بعض الكتل متغيرة، وهذا التغيير يأتي بحجة عدم القناعة بالمرشحين من جانب، ومن جانب آخر حفظ التوازن المكوناتي والقومي». وأردف موضحاً أن «هناك أمراً آخر، وهو أن هناك كتلاً لا تؤمن بالمستقلين، وبالتالي فإنها تبحث عن الاستحقاق الانتخابي». وبشأن حظوظ الكاظمي، يقول المعموري، إن «حظوظه هو الآخر متغيرة ومرتبطة عموماً بمدى التزامه باختيار الشخصيات، وطبقاً للمواصفات التي أشرنا إليها، وكذلك مدى تواصله مع الكتل السياسية لجهة التوافق على شخصيات مقبولة ولا توجد عليها مؤشرات».

أزمة مع صالح

في هذه الأثناء، لم يطل شهر العسل بين الرئيس الكردي للجمهورية الدكتور برهم صالح، وبين الكتل الشيعية الرئيسة، ربما باستثناء الزعيمين الشيعيين البارزين ورجلي الدين مقتدى الصدر زعيم «التيار الصدري» وعمار الحكيم زعيم «تيار الحكمة». فبعد انتخاب صالح رئيساً للجمهورية بطريقة بدت احتفالية داخل البرلمان، في مقابل المرشح الآخر الدكتور فؤاد حسين، الذي هو مرشح زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، بدأت العلاقة تأخذ مساراً أكثر تعقيداً عندما استقال عادل عبد المهدي.
والواقع أن للأزمة مقدماتها، فالشيعة يرون أن الرئيس برهم صالح «تمدد» كثيراً على مساحتهم في الحكم والسلطة. إلا أن ما فعله صالح هو أن منصب رئيس الجمهورية في عهده ما عاد شكلياً. ووفق كلام مصدر مقرب منه لـ«الشرق الأوسط» فإن «الرئيس صالح تصرف منذ أزمة استقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، ومن ثم سلسلة الأزمات التي لحقت ذلك، وفقاً للدستور الذي ينص في المادة 66 على أن السلطة التنفيذية الاتحادية تتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، وتُمارس صلاحيتها بموجب الدستور والقانون». وتابع أن «رئيس الجمهورية ليست مهمته تطبيق المادة 76 من الدستور، التي تنص أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح الكتلة الكبرى عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً. وبالتالي لا بد أن يكون للرئيس له رأي في مسار التكليف، علماً بأن إشكالية (الكتلة الكبرى) قائمة منذ التفسير الأول للمحكمة الاتحادية بشأنها خلال انتخابات 2010 وإلى اليوم». وأوضح المقرب من رئيس الجمهورية أن «التكليفين اللذين سبقا تكليف مصطفى الكاظمي - الذي كان خيار الرئيس المفضل منذ البداية - لم يكن هو السبب في ترشيح صاحبيهما... لا بالنسبة لمحمد توفيق علاوي، ولا عدنان الزرفي، ولا في الآليات، ولا في طريقة التكليف، بل كانت هناك تواقيع أو موافقات صادرة عن كثير من الكتل السياسية التي أعلن بعضها دعمه بشكل واضح لكلا المكلفين». وأشار المقرّب إلى أنه «لو جرى الأخذ بما طرحه رئيس الجمهورية منذ نحو 5 أشهر بشأن تكليف الكاظمي لما دخلنا في هذا النفق من الأزمة السياسية التي ترتب عليها كثير خلال الفترة الماضية؛ خصوصاً أن الجميع عاد ووقف إلى جانب الكاظمي».
في أي حال، على الرغم من تكليف الكاظمي وتمريره فجر الخميس الماضي عبر البرلمان بغالبية واضحة، فإن الأزمة بين صالح وعدد من القيادات الشيعية لم تنتهِ بعد. كما أنها لا تبدو وشيكة النهاية مع الكاظمي نفسه وقيادات أخرى من الوسط الشيعي نفسه، الذي لم يُخفِ رفضه للكاظمي، حتى بعد إعلان إيران ترحيبها به مرتين... مرة عند التكليف ومرة عند نيل الثقة.

حقيبتا
الدفاع والداخلية

صحيح أن 7 حقائب وزارية لا تزال شاغرة، لكن الحكومة المؤلفة من 22 وزيراً مرّ منها 15 حقيبة وزارية، تتصدرها «الدفاع» و«الداخلية»، علماً بأن هاتين الوزارتين كانتا الوزارتين الوحيدتين اللتين لم تمرا إلا بعد شهور من تشكيل الحكومة في كل الحكومات السابقة، ما بعد عام 2003. وفي إحدى الحكومات (عام 2010) بقيت وزارتا الدفاع والداخلية شاغرتين طوال مدة الدورة البرلمانية والحكومية، البالغة 4 سنوات، وكانتا تداران بالوكالة.
مع ذلك، فإنه طبقاً للطيف السياسي العراقي، ورغم حدة التأزم، بدا تمرير الحكومة أمراً طبيعياً. إذ قال السياسي العراقي المستقل عزت الشابندر لـ«الشرق الأوسط» في لقاء: «مع إيماني بما يسمى شرط استقلالية الحكومة، فإنه بدعة ساذجة في قاموس (التخبيص) السياسي في العراق، أو هو أحد أدوات جلد الذات من قبل الفاشلين، دون الإعلان عن فشلهم وتراجعهم... وبذلك يكون أحد أدوات النصب والاحتيال للاستيلاء على السلطة من جديد». وأضاف الشابندر: «أرى أن أحوج ما نكون إليه الآن هو ألا نهزأ بعقولنا ونحتال على الناس إلى حدّ الإسفاف، ونعي أن حقيقة استقلالية الوزير في الحكومة لا تنحصر في ألا يكون حزبياً أو سياسياً، بل تتعدى ذلك إلى ألا يكون مرشحاً من قبل حزب أو جهة سياسية». وتابع أن «الكابينة الوزارية لن تكون مستقلة إلا إذا كان أعضاؤها مستقلين، أو باختيار من قبل المكلف بتشكيل الحكومة، وهو ما يحاول عمله الأخ مصطفى الكاظمي».
ومن جهته، صرّح السياسي والنائب السابق حيدر الملا لـ«الشرق الأوسط» بأن «الكاظمي سيمرّ مع وجود خلافات هنا وهناك، لكنها في النهاية لن تشكل عائقاً أمام التصويت داخل قبة البرلمان، مهما كانت الاعتراضات، التي لم تعد أساسية، بقدر ما أنها تدخل في باب التفاصيل»، وهو ما تم فعلاً من خلال نيل الكاظمي ثقة البرلمان. وأردف الملا أن «المهم في الأمر أن القوى الرئيسية اتفقت على تمرير الكاظمي، وبالتالي لم تعد هناك صعوبات أساسية في طريقه يمكن أن تعرقل عملية التصويت».
وأما فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الاستشاري العراقي، فعلّق لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «كل المؤشرات تذهب باتجاه تمرير الحكومة، لكن ليس كلها، إذ يمكن التصويت على 18 وزارة من أصل 21، مع بقاء وزارة المالية شاغرة حتى يحُسم الخلاف بشأن الوزارة والوزير معاً». ورداً على سؤال؛ كيف يمكن تصور المشهد السياسي القادم في العراق؟ وما إذا كانت الحكومة المقبلة قادرة على مواجهة التحديات، قال علاء الدين إن «المشهد سيكون معقداً جداً، ولا سيما أن الرئيس المكلف لا يملك عصا سحرية لحل الأزمات الحالية الخانقة».
وأضاف «أن الرئيس المكلف سيكون في موقع جيد للتصدي بمساعدة الدول الصديقة لتقديم المساعدة، كما أنه يريد أن يغير الواقع الحالي الاقتصادي من خلال إطلاق المبادرات. والأزمة الاقتصادية ستكون هي الحاكمة بشكل كبير، يليها الملف الأمني، حيث ستكون هناك تجاذبات وكسر إرادة في الأيام القليلة الأولى، ليختبر كل طرف الطرف الآخر من حيث النوايا والمصداقية».

سيرة ذاتية وسياسية في سطور

> ولد مصطفى الكاظمي في بغداد عام 1967. ولكن جذوره تعود إلى قضاء الشطرة في محافظة ذي قار (عاصمتها مدينة الناصرية)، ودرس القانون في العراق، قبل أن يعمل بالصحافة.
> اشتهر كاتباً لمقالات الرأي، ومديراً لتحرير قسم العراق في موقع «مونيتور» (باللغة الإنجليزية).
> عُرف بمناهضته حكم الرئيس السابق الراحل صدام حسين، من المنفى في إيران والسويد وبريطانيا.
> أدار من بغداد ولندن مؤسسة «الحوار الإنساني». ورغم أنه عاش سنوات في المنفى لم ينضم إلى أي من الأحزاب السياسية العراقية.
> بعد الغزو الأميركي عام 2003، عاد إلى العراق؛ حيث شارك في تأسيس «شبكة الإعلام العراقي»، جنباً إلى جنب مع عمله مديراً تنفيذياً لـ«مؤسسة الذاكرة العراقية»، وهي منظمة تأسست لغرض توثيق جرائم النظام السابق.
> عُيّن رئيساً لجهاز المخابرات الوطني العراقي في يونيو (حزيران) 2016. وكان هذا المنصب آخر منصب تولاه قبل أن تسند إليه رئاسة الحكومة.


مقالات ذات صلة

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام

حصاد الأسبوع السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟