مصير غامض ينتظر سكان المدن الليبية «المُحررة»

TT

مصير غامض ينتظر سكان المدن الليبية «المُحررة»

كيف ظهرت العناصر المُعاقبة دولياً مجدداً على المسرح الليبي؟

القاهرة: «الشرق الأوسط»

بشكل مفاجئ، عاد القائد «الميليشياوي» أحمد الدباشي، الملقب بـ«العمو»، المُعاقب دولياً، إلى واجهة الأحداث في ليبيا، ليتقدم قوات حكومة «الوفاق» في أثناء دخولها إلى صبراتة (غرب البلاد). ويشكل هذا الظهور علامة استفهام كبيرة حول كيفية عودة هذا القائد المسلح إلى المدينة التي سبق أن طُرد منها قبل نحو عامين؟
كان مجلس الأمن الدولي قد قرر فرض عقوبات، في يونيو (حزيران) 2018، على 4 ليبيين، من بينهم الدباشي، بتهمة «الاتجار بالبشر». ومنذ ذلك التاريخ، لم يشاهد في مكان عام، إلى أن ظهر برفقة مطلوبين آخرين مع قوات «الوفاق» الأسبوع الماضي.
وواكب هذا الظهور إعلان اللواء أحمد المسماري، المتحدث الرسمي لـ«الجيش الوطني»، أن عناصر من تنظيمات «القاعدة» و«داعش» و«أنصار الشريعة» شاركوا في الهجوم الذي شنته قوات «الوفاق» على صبراتة وصرمان وعدة مدن أخرى بالساحل الغربي.
وسلط رئيس مؤسسة «سليفيوم» للأبحاث والدراسات بليبيا، جمال شلوف، الضوء على المعارك التي تخوضها قوات «الوفاق»، قائلاً إن ذلك يتم بمشاركة مطلوبين دوليين، في مقدمتهم الدباشي وعبد الرحمن الميلادي، المعروف بـ«البيدجا»، بجانب مشاركة عناصر محسوبة على «أنصار الشريعة».
وتحدث شلوف لـ«الشرق الأوسط» عن عمليات إطلاق سراح قرابة 400 عنصر من سجن صرمان، وفقاً لتقديرات وزارة العدل بحكومة «الوفاق»، وقال: «الفيديوهات التي وصلت إلينا تظهر إشراف هذه العناصر على إطلاق مطلوبين على ذمة قضايا تتعلق بدعم تنظيم داعش في صبراتة»، مشيراً إلى أن بعض الأسماء التي أطلق سراحها «لديها سجل سوابق حافل في جرائم الخطف والقتل والسطو المسلح».
ولفت شلوف إلى أن هذه «العناصر المعاقبة دولياً ستحاول إثبات وجودها، وهو ربما يأخذ طابعاً ثأرياً من المواطنين، خاصة الذين يؤيدون الجيش الوطني».
وكان اللواء المسماري قد أعلن، أول من أمس (الأحد)، عن «أسر صالح الدباشي، شقيق أحمد الدباشي، في محور الطويشة، جنوب العاصمة طرابلس»، موضحاً أن «صالح الدباشي يعد أحد كبار قادة تهريب البشر في المنطقة، وأنه أُسر مع عدد من المرتزقة والمطلوبين الليبيين».
ورأى عز الدين عقيل، رئيس حزب «الائتلاف الجمهوري» الليبي، أن ظهور «العمو» الذي وصفه بـ«إمبراطور تهريب البشر والنفط» يعني «بوضوح وجود دعم غير مباشر من جانب دول أوروبية كثيرة لتلك الميليشيات لمنع المهاجرين غير الشرعيين من الهروب إليها، ولضمان تدفق الوقود والغاز الليبي المهرب إليها»، لافتاً إلى أن «الحديث كثر خلال العامين الماضيين عن حصوله على أموال من المخابرات الإيطالية لإيقاف تهريب البشر من ليبيا إلى أوروبا».
ومضى عقيل يقول: «هناك دور تلعبه أجهزة المخابرات التركية وأذرعها العسكرية في إدارة المعارك البرية بطرابلس دعماً لحكومة الوفاق»، متابعاً: «المعركة باتت مع قيادة القوات المشتركة التركية بقطاعاتها الجوية والبحرية كافة».
ورأى مصطفي المجعي، الناطق باسم عملية «بركان الغضب» التابعة لحكومة «الوفاق»، أن «الحديث عن قيام قوات السراج بإطلاق سراح سجناء محسوبين على تنظيم داعش ليس إلا تبريراً للهزيمة».
واتهم المجعي في حديث إلى «الشرق الأوسط» المسؤولين بالمباحث الجنائية التابعين لحكومة شرق البلاد بـ«إطلاق سراح أكثر من 300 سجين بهدف نشر الفوضى، وتغذية الحديث عن وجود انتهاكات بالمدن المحررة»، وقال: «رحّبنا بإطلاق البعثة الأممية تحقيقاً حول ما حدث، وأبدينا تعاوناً معها لكشف الحقائق للجميع».
واستكمل: «ليس لدينا مطلوبون إرهابيون، كما رددوا، وكل ما تحدثوا عنه هو صور العمو خلال وجوده فقط بعملية الاقتحام، وهو مطلوب دولي لعلاقته بقضايا تهريب وقود، بعيداً عن الإرهاب».
وانتهى إلى أن عملية السيطرة على تلك المدن «لم تستغرق أكثر من 3 ساعات، وهذا يعني ببساطة عدم وجود أي حاضنة شعبية لقوات خليفة حفتر بتلك المدن»، متابعاً: «أما الطائرات المسيّرة فقدمتها تركيا في إطار مذكرة التفاهم الأمني الموقعة بينها وبين حكومة الوفاق، وتدرب الليبيين عليها خلال الأشهر الماضية».
وبالحديث عن وجود علاقة بين قوات «الوفاق» وتنظيم داعش، قال الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أحمد كامل البحيري إن «التنظيم له نظرة عقائدية تساوي بين الجيش الوطني وقوات الوفاق، لكن الأخيرة لديها تحالفات وثيقة بالتنظيمات التي تتبع القاعدة في ليبيا، وهذا أمر معروف للجميع».
ولفت إلى أنه لدى تركيا، وهي حليفة «الوفاق»، علاقة وتنسيق واضحين مع «الفصائل التي تتبع الفكر القاعدي في سوريا، وربما تكون قد نقلت منهم عناصر إلى ليبيا مؤخراً».
وانتهى البحيري بالإشارة إلى «الدعم التسليحي والتكنولوجي غير المحدود الذي تقدمه تركيا لحكومة الوفاق، من طائرات مسيرة وأجهزة تشويش، فضلاً عن الدعم المعلوماتي أيضاً».
وكانت تقارير نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» منتصف 2018 قد أفادت بأن السلطات الإيطالية اتفقت مع أحمد الدباشي من صبراتة، الملقب بـ«العمو»، على مكافحة تهريب المهاجرين، بعد أن أدركت أن اتفاقاتها مع سلطات طرابلس لا تكفي لمنع تدفق المهاجرين.

طرحت عملية تعرض مواطنين ليبيين لـ«التنكيل والتعدي على ممتلكاتهم»، في مدن الساحل الغربي، على أيدي قوات «الوفاق» التي تلقى إسناداً من الميليشيات المسلحة، مجموعة من المخاوف لدى أطراف سياسية واجتماعية وحقوقية في البلاد.
وتمحورت هذه المخاوف حول مدى حماية المدنيين وحفظ دمائهم من «عمليات ثأرية»، عقب تغير السلطة الأمنية، أو تبدل إدارة المنطقة التي تسقط في قبضة أي من قوات «الجيش الوطني»، أو «الوفاق».
وأظهرت التقارير الحقوقية والأممية تعرض المواطنين لانتهاكات واسعة، فور سيطرة قوات «الوفاق» على ثماني مدن بالساحل الغربي؛ خصوصاً صرمان وصبراتة. ودانت البعثة الأممية في حينه ما وصفته بـ«الأعمال الانتقامية» التي وقعت هناك، عقب دخول قوات «الوفاق» إليها. وتحدثت البعثة عن «التقارير التي تفيد بوقوع هجمات على المدنيين، واقتحام سجن صرمان، وإطلاق 400 سجين دون إجراءات قانونية سليمة أو تحقيق، علاوة على تمثيل بالجثث وأعمال انتقامية، بما في ذلك أعمال النهب والسطو وإحراق الممتلكات العامة».
وقال الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، عبد المنعم الحر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «عمليات الانتقام والتنكيل بالمواطنين تحدث مع الأسف من قبل طرفي الصراع المسلح: الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، وما يواليها من ميليشيات مسلحة».
وأرجع الحر ذلك إلى «خطابات الكراهية التي تزخر بها وسائل الإعلام لدى الطرفين، وتجاهل نشر ثقافة التسامح ونبذ العنف، وما يعقب ذلك من الإفلات من العقاب وغياب سيادة القانون، مما يعزز تكرار الاعتداء من قبل مرتكبيه».
غير أن الحر لفت إلى أن «الجيش الوطني ومؤسسات الشرق الليبية الأمنية هي مؤسسات رسمية منضبطة، ويمكن عبر تدرج الهرم الوظيفي فيهما التعرف علي أي عنصر ارتكب جريمة وملاحقته ومحاكمته». واستكمل: «الخطر والإشكالية يتركزان في الانتهاكات التي ترتكب من قبل التنظيمات الإرهابية، والميليشيات والجماعات الخارجة على القانون، رغم ادعاء الأخيرة أنها تستمد شرعيتها من حكومة تتمتع بالشرعية الدولية».
وأشار إلى أن منظمته تواصل توثيق الانتهاكات التي حدثت مؤخراً في صبراتة وصرمان، وغيرها من مدن الساحل الغربي، والتي قال إنها «تضمنت إلى جوار الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة والسرقات، أعمالاً انتقامية، وملاحقات للشخصيات التي عرفت بتبعيتها للحكومة المؤقتة بالشرق الليبي في تلك المدن».
وكان وزير الداخلية بحكومة «الوفاق» فتحي باشاغا، قد تعهد بأنه «لن يسمح بإقامة أجسام مضادة لأجهزة وزارته في المدن الغربية المحررة»، مشدداً في بيان أصدره عقب استعادة السيطرة على مدن الساحل الغربي، على «ضرورة ملاحقة كل الخارجين على القانون».
في السياق ذاته، حذَّر الخبير العسكري الليبي العميد شرف الدين سعيد العلواني «من خطورة الأوضاع في المدن التي استولت عليها (الوفاق) باتجاه تسهيل عمليات تهريب السلاح والمرتزقة إلى داخل الأراضي الليبية».
وقال العلواني، وهو عميد ركن سابق بـ«الجيش الوطني» في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لقد أصبح الشريط الساحلي من طرابلس إلى حدود تونس في قبضة هذه الميليشيات، ومن ينتمون إليها من جماعات متطرفة، مما سيسهل مهمتها في تهريب السلاح والمرتزقة إلى داخل ليبيا (...) سيتمكنون من استعادة نشاطهم في تهريب البشر والهجرة غير الشرعية، وسرقة النفط والوقود الليبي وتهربيه للخارج خاصة، علماً بأن مدينة الزاوية الواقعة إلى يمين صبراتة وصرمان تضم أكبر مصفاة لتكرير النفط».
ولم تسلم مدينة سرت التي حررتها قوات «الجيش الوطني» في يناير (كانون الثاني) الماضي من وقوع انتهاكات؛ حيث تحدثت تقارير حقوقية عن وقوع أعمال حرق وتخريب، بالإضافة إلى اعتقالات بحق المواليين لقوات «الوفاق».
في مقابل ذلك، استنكر آمر غرفة العمليات الميدانية في عملية «بركان الغضب» التابعة لحكومة «الوفاق» في غرب ليبيا، اللواء أحمد أبو شحمة، ما ورد في بيان البعثة الأممية عن وجود انتهاكات وقعت بحق المواطنين حلال عملية «تحرير» صبراتة وصرمان وغيرهما من المدن «المحررة».
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم أكن مشاركاً بنفسي في هذه العملية؛ لكنها استغرقت ساعتين، ولم يتم استهداف منازل أو مستشفيات أو ممتلكات عامة كما يردد العدو»، مستكملاً: «تم فقط استهداف بعض المواقع العامة التي كان يخزن بها السلاح، مما أدى إلى اشتعال الحرائق».
وتابع: «بالطبع خلال العملية العسكرية تم الاشتباك بالسلاح الخفيف فقط، مع من كان يحمل السلاح من تلك القوات المعادية والجماعات السلفية، وفيما بعد انسحبت القوات المعادية»، متسائلاً: «أين الانتهاكات التي يتحدثون عنها؟ لماذا لا يلتفتون إلى الانتهاكات التي ترتكبها قوات حفتر، من ضرب الأحياء المدنية بطرابلس بالقذائف وصواريخ (الـغراد) منذ عام إلى الآن؟».
وزاد أبو شحمة من تساؤلاته: «لماذا لم يتحدث أحد في الإعلام، أو تحدثت البعثة الأممية عن الانتهاكات التي وقعت عند دخول قوات حفتر إلى مدينة سرت شهر يناير الماضي؟ كانت هناك اعتقالات وسرقات وأعمال قتل حدثت. بل لماذا الصمت على محاولة غزو العاصمة التي توجد بها حكومة تحظى بشرعية دولية؟».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.