توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

كتابها الأخير نشر قبيل وفاتها

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات
TT

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

يشهد العالم اليوم ظواهر وقضايا بعضها حديث وله تاريخ طويل، كقضايا الهجرة الجماعية والتمييز العنصري والهيمنة الاستعمارية، وبعضها الآخر مستحدث أو ما بعد حداثي، كقضايا النظر للهوامش والأقليات والذات والآخر والانتماء والاغتراب والهوية والعولمة والخصخصة والاندماج والتنوع والتعدد، وغيرها مما جاءت به الحقبة ما بعد الكولونيالية، وتبلور مع الثورة الرقمية وما أحدثته من انفجار هائل في أساليب التفاعل الثقافي.
وقد تطرقت إلى هذه القضايا بمجموعها الروائية الأميركية توني موريسون في كتابها الأخير الذي نُشر قبيل وفاتها، وعنوانه «مصدر النظرة إلى الذات: مقالات وخطابات وتأملات مختارة» (The source of self-regard: selected essays, speeches, and meditation)، الصادر في طبعته الأولى عن دار «كنوبف» في الولايات المتحدة الأميركية عام 2019. والكتاب لم يترجم للغة العربية بعد، لكننا ارتأينا أن نقف عنده وقفة قصيرة. وقد يبدو عنوانه للوهلة الأولى متعلقاً بسيكولوجيا الشخصية، والنظرة الإيجابية لها، وسلوكيات تحسين الصورة الذهنية التي بها تتمكن الذات من مواجهة مصاعب الحياة؛ بيد أن الكتاب بصفحاته الثلاثمائة والثماني والستين يصب في باب النقد الأدبي والمثاقفة، وقد جمعت فيه موريسون مقالاتها وتأملاتها وشهاداتها التي كتبتها على مدى عقود مضت، وفيها عالجت مسائل معاصرة وراهنة تتعلق بالانتماء ومفهوم الأجنبي والسيادة وسطوة المال والتمييز ضد النساء والنظرة العنصرية للسود الأميركيين. وهي مسائل عنيت بها الرواية الأميركية المعاصرة بالعموم، وروايات موريسون بالتحديد التي توصف بأنها ما بعد حداثية، ومنها روايتها «العين الأكثر زرقة»، مركزة على ما تعانيه المرأة السوداء من التمييز، مدافعة عن النسوية ودافعة بها نحو الواجهة، نبذاً للتبعية وأنظمة الهيمنة الاستبدادية، وتوكيداً لدور الكتّاب، شعراء ومدونين ومسرحيين، في فضح هذه الأنظمة، وتحطيم إمبراطورية الاستبداد، وأنهم بعملهم هذا لا يقدمون مكافأة للبشرية فحسب، بل هم يؤدون ما هو ضروري للبشرية أصلاً (الكتاب، ص9).
وقد أدت هي نفسها هذا الدور حين ناهضت العنصرية، وكشفت ما تلقاه الأفارقة السود من اضطهاد على أيدي البيض المستعمرين الذين عاملوهم معاملة العبيد، وجعلوا منهم خدماً في مزارعهم، بعد أن جرى استقدامهم بهجرات جماعية كبرى إلى أميركا.
وتمتع موريسون بروح متحررة هو الذي مكّنها من رفض خطاب السلطة، مستشعرة ببصيرة ثقافية نضوب التصورات المركزية، ولا سيما التصورات الفكرية القارة عن الهويات والأصول العرقية.
وقد يبدو عنوان كتابها قريباً من عنوان كتاب تشارلز تايلور «The source of the self: the making of the modern identity»، المنشور باللغة الإنجليزية عام 1989، الذي ترجم إلى اللغة العربية بعنوان «منابع الذات: تكون الهوية الحديثة»، ونشر في مصر عام 2014. لكن اهتمام موريسون لا ينصب على الذات من منطلق عقلاني كانطي، أو من مرجعية سيكولوجية فرويدية، إنما مصدر نظرتها للذات متأت من منطلق ما بعد حداثي، فيه الذات مصطلح دال على (التابع) الذي يريد أن يتحرر من تابعيته، معتمدة في سبيل ذلك خطاباً متعدداً يدحض النظرة الانغلاقية الضيقة، ويستبدل بها نظرة انفتاحية تماشي سياسات الاختلاف والتنوع، لافتة النظر إلى الذوات الهامشية الواقعة تحت تأثير مركزية السلطة، وما فيه من أحادية ونخبوية تستلب هويات الهوامش، ناظرة لهم على أنهم خدم لها، إن لم يكونوا فائضين عن الحاجة.
وقد نظرت موريسون عن كثب للمشهد الثقافي العالمي عموماً، والأفروأميركي تحديداً، واضعة تصوراتها حول نظرة الأميركيين البيض المتعالية للمواطنين من ذوي الأصول الأفريقية، وما يترتب على ذلك من تمييز عنصري، هو امتداد لما عاناه أسلافهم من تمييز خاضوا في سبيل التخلص منه نضالات مريرة. لذا، خصصت موريسون للقس الأميركي مارتن لوثر كينغ مقالاً، قدمت فيه تحيتها له تثميناً لما بذله من جهود في سبيل الدفاع عن حقوق هذه الفئة البشرية.
ومن المقالات التي تطرقت فيها إلى قضية العرق واللون: «الجسد المستعبد والجسد الأسود»، و«العبيد والرقيق»، و«أشياء لا توصف غير معلنة»، و«حضور الأفروأميركي في الأدب الأميركي»، و«وساوس أكاديمية»، و«مع السلامة لكل هذا: العرق والأرحام»، و«العرق وفي الاعتبار»، و«العنصرية والفاشية».
ووقفت باستفاضة عند شخصيات روائية اهتمت بالتهميش والغربة، ومنهم جميس بالدوين، الكاتب المسرحي الأميركي من أصل أفريقي، وقد وجهت له موريسون تحية خاصة أيضاً، بسبب ما تكشفه أعماله من صور التمييز العنصري والجنسي والطبقي الذي يتعرض له السود في المجتمعات الغربية، وبالأخص في أميركا الشمالية.
وخصصت للروائي النيجيري تشينوا أتشيبي وقفة مستفيضة، وهو صاحب رواية «الأشياء تسقط» التي تعد تحفة الأدب الأفريقي الحديث، الذي عرف بمواقفه التحررية ضد الاستعمار والعنصرية.
وتحدثت عن الفنان الأميركي من أصل أفريقي روماري بيردين الذي عمل في الجيش الأميركي، وعرف عن كثب حقيقة افتقار العالم إلى الإنسانية، فكانت كتاباته الأدبية معبرة عن ذلك كله.
وناقشت موريسون أيضاً مسألة الجندر، متناولة شخصيات نسوية، كما في مقالتها «جيرترود شتاين والاختلاف الذي صنعته» التي استطاعت أن تستحدث لوناً أثرى الكتابة القصصية والروائية الأميركية المعاصرة، وقوامه التكرار والتجزئة والإيغال في التبسيط.
ومن مقالاتها التي فيها تطرقت إلى ما يطال المرأة من تمييز جنسي: «صعب وحقيقي ودائم»، و«الوحش الذكر وأمه»، و«الكاتب قبل الصفحة»، و«مشكلة مع النخبة»، و«فوكنر والنساء»، و«مصدر احترام الذات»، و«أخوات خطوة سندريلا»، و«النساء والعرق».
وتتضح عالمية موريسون في الجزء الثاني من الكتاب، في تناولها لقضايا أدبية عامة تتعلق بالإبداع والتخييل والكتابة، كما في مقالاتها «عادة الفن - فنان فردي - الصحافة في الفعل - الدعوة للفن - المتاحف الثقافة والاندماج - لغة الرب - الأدب والحياة العامة - هارلم في ذهني - محاضرة نوبل في الأدب - زمن المستقبل: الأدب وتضاؤل التوقعات - حبر غير مرئي: قراءة الكتابة وكتابة القراءة - موقع الذاكرة - إعادة التذكر - ذاكرة الإبداع»، وموضوعات أخرى عن الحرب حين تكون خطأ والأخلاق والثروة.
ولأن العالم اليوم يتميز بظاهرة الهجرات الجماعية التي تعد تحدياً من تحديات العولمة، وما أخذت تستقطبه من اهتمام النقاد والمفكرين، عنيت موريسون بمناقشة هذه التحديات واقفة عند بعض من رهاناتها، ومنها «وطن الأجنبي»، مبتدئة بالحديث عن تجارة الرقيق التي كانت على أوجها في القرن التاسع عشر، وكيف زالت مع تصاعد الحركات الجماهيرية، والكيفية التي بها تنامت حركة التحرر، لتصل إلى شكلها الأعظم من أي زمن مضى في المرحلة ما بعد الكولونيالية، أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين (الكتاب، ص5).
وشهد العالم خلال هذه المرحلة أيضاً إعادة توزيع المجموعات البشرية، وكان من أسباب هذه الإعادة حركة العمال والمثقفين وهجرات اللاجئين وحملات الجيوش العابرة للمحيطات والقارات.
ولا ترى موريسون العولمة هي اتحاد عمال العالم في أجندات عالمية قديمة، كما أنها ليست العالمية ولا الدولية ولا الإمبراطورية التي تبتغي السيطرة الثقافية (الكتاب، ص6)، وإنما العولمة تطور تاريخي مرحب به بالقوة نفسها التي كان فيها مصير الأممية قد وصل إلى مستوى عظيم في مخيلتنا.
والظاهر أن موريسون لا تنجذب كثيراً للعولمة ولا تعاديها. وتبقى العولمة التي توصف بأنها التيه في فندق ضخم أهم ممثل للمرحلة ما بعد الكولونيالية، التي في ظلها تغيرت كثير من المقاييس المتعلقة بالانتماء والنظرة المقاومة للثوابت الكبرى الشمولية، ومركزيات العقل والتاريخ واللغة والعلم وقضايا الهامش، وما يتعرض له من قمع وإبادة وعنف وحرمان.
وإذا كانت العولمة تهيئ الأجواء للمطالبة بالمساواة وعدم التمييز والتعدد والتنوع في اللغات والاعتراف بثقافة الأقليات، فإنها يمكن أن ترتهن بالفوضى، وما يرتبط بذلك من مخاطر تحددها الكاتبة في تجاهل الحدود، واختراق البنى التحتية الوطنية، وخلخلة البيروقراطية المحلية، والرقابة على الإنترنت، والرسوم الجمركية والقوانين واللغات. وتشير إلى خطر آخر تمثله العولمة، وهو تشويه الرأي العام، وتدمير القطاع الخاص، من خلال خصائصها الهائلة، كمحو اللغات الأصلية، والإزالة لخصوصيات التسويق وأغراضه. وهو ما يتطلب التخلي عن كثير من متطلبات التفاعل الحكومي والسياسي والتجاري والاحتياجات الأمنية عبر الخصخصة في شروط التطبيقات والسجون ومراقبة الشركات الخاصة للمنشآت العامة والمدارس العامة والقاعات والحدائق والملاعب والشواطئ، الأمر الذي يجعل حياتنا أشبه بمخازن عرض ترتب كديكورات منزلية لا يميز داخلها من خارجها. وهكذا، يؤدي هذان العاملان، الخصخصة والعولمة، إلى طمس أو تهشيم مفهومنا للوطن.
ومن ثم، تتساءل موريسون لأجل أي شيء يكون ولاؤنا؟ وهل أن ما يقلقنا ويشعرنا بعدم الارتياح من الأجنبي الذي نواجهه بمشاعر الغضب هو اللغات أو الثقافات أو الأجناس أو الدين أو الأعراق؟ وهل نحن سنكون ببساطة متسامحين ودودين وعالميين لكي نقرر أين ننتمي؟ وما اقتناعنا بما نفعل؟ وبشكل آخر: ما المشكلة مع الغربة؟
واختارت موريسون للتعليق على هذه الأسئلة روايات كتبت في الثلاثينات والخمسينات، أرادت أن تصب في تحليل هذه الروايات ما أثمرت عنه قراءتها للأدب الأفريقي، مستكملة به تجوالها في أدب الغربة المعاصر، وما فيه من (مشكلات الأجنبي الغريب في الفندق الكولونيالي)، مبينة أنّ الكتّاب الأفارقة ليسوا وحدهم المعنيين بالعولمة والغربة، لكنهم يمتلكون في مواجهتها تاريخاً فريداً طويلاً، فيه الفرد يوجد في وطن هو نفسه منفى.
ومن تلك الروايات رواية «The Radiance of the King»، للكاتب غيني كامارا لاييه (1928-1980)، وقد كتبها بالفرنسية عام 1954، وكرس فيها موضوع الغربة داخل الوطن وخارجه، معالجاً إياه معالجة مجازية وسيكولوجية ضمن أطر محلية ووطنية وآيديولوجية، فيها تشتبك الثقافات بحثاً عن الانتماء. وتدور أحداثها حول رحلة يقوم بها كلارنس، الرجل الأبيض المفلس، في أفريقيا السوداء، في محاولة للوصول إلى الحكمة العميقة التي فيها يجد البطل خلاصه ونعيمه وحريته، شاعراً بالنبض في قلبه الشاب بسبب الكلمات التي ترحب به، والدالة على الانتماء: ألا تعلم أنني كنت بانتظارك؟ (الكتاب، ص13)
ومما وجدته موريسون أن كامارا تمكن من المحاكاة باستعمال الاستعارة الأدبية التي تستنسخ تصورات أفريقية حساسة دقيقة للغربة، وقد حددتها موريسون في التهديد - الفساد - الغموض، واجدة أنها «كلها تضغط علينا لننكر الأجنبي في نفوسنا، ونصنع مقاومة تموت بها كل القواسم البشرية المشتركة».
إن نظرة موريسون الانفتاحية للذات تتضح أكثر وهي تنظر للآخر بعيداً عن العنصرية والفاشية والاستهلاك، مؤكدة أن مقياس قيمتنا كبشر هو إنسانيتنا وتعاطفنا.
- أكاديمية وناقدة عراقية



«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».