علا حسني تحمل رائحة الأطباق الإسكندرانية وتنشرها على «إنستغرام»

حزنها على فقد والدتها تحول إلى طاقة إيجابية دفعتها للتحدى في عالم الطبخ

علا حسني مع جائزتها  -  من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
علا حسني مع جائزتها - من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
TT

علا حسني تحمل رائحة الأطباق الإسكندرانية وتنشرها على «إنستغرام»

علا حسني مع جائزتها  -  من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها
علا حسني مع جائزتها - من أصناف المعجنات التي تبدع علا في تحضيرها

تقول الحكاية إن الطهي يُذهِب الهم، وإنه «خِلٌ وفي» يمد يد العون لغريبٍ في الديار وضع الحزن في الجُرن، إلى أن يعود مليئاً بالحياة من بعد ذبول.
وتقول الحكاية أيضاً إن «المُنقذ» قد يأتي على شكل ملكة تتدخل في اللحظة المناسبة لتحتوي هشاشة إنسان من بعد غربة، فيزهر ويبني في نفسه ويُعبّد طريقاً للنجاح؛ حينها فقط سنفهم ما تقصده لعبة الحياة من طلعاتِها ونزلاتِها، وسندرك كيف تعقد امرأة رباط مئزرها بتثاقل بعد أن أمضت عاماً في الحداد، لتبدأ بالبسملة استعداداً لعمل «كيكة البطاطا الحلوة»، فيما ينبعث لحنٌ خافت من صوتها المُتعب «معسّلة يا بطاطا»، وهي مقولة شهيرة لباعة البطاطا في مصر؛ ثم تنشغل بمخبوزات القرع المحشوة بالجبن... ما هي إلا دقائق وبعدها فاحت من الفرن رائحة زكية؛ لم تتوقع صاحبة المئزر أن يتسللّ هرمون السعادة إليها؛ لقد رُدّت الروح إليها.
- ذكريات...
علا حسني، شابة إسكندرانية انتقلت مع أسرتها الصغيرة إلى مدينة دبي منذ خمس سنوات، وصارت صفحتها الشخصية على «إنستغرام» تحتفي ببديع الأطباق؛ حديث عابر مع «الشرق الأوسط» كان كفيلاً بمرور لقطات من شريط حياتها أعادتها إلى سنواتٍ خلت.
في طريق العودة من المدرسة إلى البيت، كانت تتساءل بحماس عن الطعام الذي ينتظرها وإخوتها اليوم. وحين وصلت إلى باب البناية، تبسمّت لأنها ميزّت رائحة طعام أمها، رغم أن أسرتها تسكن في الطابق الرابع. وحتى لو في الطابق العشرين، كانت ستعرفه من بين كل روائح الشقق، حتى أنها كانت تُخمن نوع الطبخة على وجه التحديد، إذا ما كانت ملوخية مع «ريحة الطشّة المفَحفحة»، بحسب تعبيرها، أم «تسبيكة» - معكرونة مع صلصة، أم أكلة جمبري وكابوريا من بحر إسكندرية.
إنه واحد من المشاهد الذي يتضح منه مقدار تأثر البنت بأمها التي وصفتها بالطباخة الماهرة في تحضير الأطباق المصرية التقليدية، بالإضافة إلى الجديدة منها والمبتكرة: «كانت أمي لا تملّ من تدوين الوصفات في دفترها الخاص».. قالتها بحنين مُطعّم بالشوق.
لطالما استمتعت علا بمساعدة والدتها في تحضير الحلوى؛ وتبوح لنا أن فرحتها كانت تبلغ أوجّها بفوزها بجائزة تشبه براءتها: «هل هناك أحلى من لَعق ما تبقى من كِريمة على المضرب اليدوي بعد خفقها!».. وكأن تلك الذكرى منحت مَرحها مناعة قوية.
تتذكر أولى مغامراتها: «فتحت دفتر حلويات أمي، واخترت وصفة السويسرول، وانطلقتُ خلسة في منتصف الليل إلى تحضيرها؛ لم أنجح حينها ولكن ست الحبايب عندما طلع الصباح بثّت الثقة في قلبي، كما لو كنت أفضل صانعة حلوى في العالم».
افترقت علا عن عائلتها، وانتقلت مع زوجها إلى دولة الإمارات، وبعد ثلاثة أسابيع فقط تلّقت خبر وفاة والدتها؛ كانت فاجعة ما أقساها، أدخلتها في حالة حزن واكتئاب استمرت لعام كامل. وبصعوبة أخذت تستعيد توازنها، بمساعدة زوجها، إلى أن اقتنعت بأن روح أمها ستكون مرتاحة إن كانت ابنتها سعيدة ناجحة في حياتها.
تقول: «تحول كل الحزن الذي بداخلي إلى طاقة إيجابية، ومضيت نحو شغف لا ينتهي من البحث عن فن تصوير الطعام بالدرجة الأولى، والتعرف على مستجدات عالم الطهي. ومن هنا، أخذت أربط بين حبي للمطبخ وشغفي بالرسم والألوان، ودراسة تقنيات هذا النوع من التصوير».
وفي بعض الليالي، بينما تستعد للنوم، يطير النعاس من عينيها، ما إن تعثر على وصفة جديدة. فتركض إلى المطبخ ركضاً. ويجدر بنا هنا قول كلمة «أيووه»، كلمة إسكندرانية تعبرّ عن الدهشة، فهذا الذي تسميه عشقاً وتعباً لذيذاً يسرى في عروقها، إلى درجة أنه إذ ما أعجبها شكل أو لون طبق تبدأ بالتفكير في الطبخة أو الحلوى التي تليق به، متخيلة اللوحة بكل أبعادها، عبر تدوين الملاحظات في دفترها، مع رسمها.
وتؤكد أن تحضير المائدة لزوجها وطفليها يقتضي منها إنجاز أعمال فنية رفيعة المستوى، وفق نظام تلتزم فيه بوصفات مصرية ليومين أسبوعياً، مثل الرز المُعمّر على الطريقة المصرية مع الملوخية أو الحمام المحشي: «أريد أن تظل هذه الروائح عالقة في ذاكرة أطفالي، تماماً كما بقيت رائحة خبز أمي لصيقة بي».
وتتشبث بمبدأ إظهار هوية الأطباق القديمة وأصالتها، مع إضافة لمسة عصرية، وذلك في إطار فخرها بالمطبخ التقليدي الذي ذكرت في سياق الحديث واحدة من طرائفه: «شهقة الملوخية تمسكت بها نساء مصر في الماضي. فعلى سبيل الدعاية، تناقلت الروايات أن سر لذة الملوخية في الشهق (إصدار صوت الشهيق المرتفع) عند إضافة (الطّشة) - الثوم المقلي - فوقها».
- مَعمل مثالي
كانت الإمارات بالنسبة لها «معملاً مثالياً» للتجريب، فقد حالفها الحظ بأن تقيم في دولة تعد قِبلة للمشاهد الطهوية العالمية، مما سهّل انفتاحها على هذا العالم، بالتعرف على ثقافات متنوعة ومكونات جديدة لم يسبق لها تجربتها، ممتنة لزوجها الذي كان لها خير سند في الارتقاء بطموحاتها.
سيدة العناد الجميل هي... لا تيأس أبداً من إتقان وصفة مهما كانت، ولا تدخر وسعاً في تطوير أدائها، عبر المشاركة في الفعاليات والمسابقات والدورات المتخصصة بالطهي، وتميل بشكلٍ خاص إلى الحلويات، ويحلو لها استخدام الفواكه فيها. أما تصوير الطعام، فقد قطعت شوطاً به بالتعلم اليومي لطرق التصوير الاحترافي، إذ لا تكف عن القراءة والتدريب، على أمل أن تحقق شيئاً يذكر.
عندما تزور مصر، يقوم والدها بواجب الضيافة بنفسه، فيصر على الطهي، مستعيناً بدفاتر طبخ زوجته المكتوبة بخطها، التي تصفها ابنتهما بالكنوز، وتأمل في أن تشكّل منها لائحة طعام حين يتحقق حلمها يوماً بافتتاح مطعم خاص.
سألت علا عن الأكلة التي لا تفرّط بتناولها بمجرد وصولها؛ لا يستدعي السؤال تفكيراً من وجهة نظرها: «أذهب من فوري إلى عربات سندوتشات الكبدة المحضرة على الطريقة الإسكندرانية مع الليمون والفلفل الأخضر الحار، ولا تفوتني عربات الفول؛ ريحته وطعمه غير أي فول في الدنيا».
سَلامها الداخلي تعيشه في مطبخها؛ ويالسعادتها حين تكون «كعكة الجزر» ضمن الأوركسترا؛ ولا تحرم صغيريها من نعمة مشاركتها لهذه الأوقات الرائعة، عندما تسمح لهما باللهو بالعجين، ليحضّرا معها المعكرونة المنزلية، فتفتح شهيتهما لتلوينها؛ تقول عن ذلك: «أحاول إدخال مكونات لا تروق لهما، مثل السبانخ والبنجر، وهنا يحدث السحر عندما يتناولان ما حضرّاه بيدهما، من دون اعتراض على المكونات غير المرغوبة».
- خيراتٌ وبدائل
تقيم هنادي برهوم في الفلبين منذ ثلاث سنوات، حيث الطبيعة الساحرة النقية، لكن ذلك لم يُطفئ الحنين إلى بلدتها عين رأفة؛ تبعد 15 كم عن مدينة القدس.
جولة بين الصور التي تنشرها هنادي على صفحتها الشخصية على موقع «إنستغرام» تكفي لإخبارك بمستوى الحس الفني الراقي الذي تتمتع به في تحضير الطعام، وتصويره بأناقة لافتة، بعد أن وجدت فيه تسلية تُخفف عنها غربتها.
تُرجع الزمن إلى الخلف، ثم تبدأ حديثها: «حديقة عائلتي في القدس منبع لا ينضب لذكرياتي مع الطعام، فقد منّ الله علينا ببستان عامر بمختلف أنواع الأشجار، منها العنب والتفاح والكرز، بالإضافة إلى الخضراوات الموسمية؛ أتحدّث الآن معكِ فيما يمر بخاطري ورق العنب والبندورة الحلوة؛ إنني أشتهيهما بشكلٍ غريب».
وتتذكر كعك القدس بقولها: «طعمه ليس لذيذاً وحسب، إنه يسكب الذكريات سكباً».. خرجت منها الكلمات بعفوية ومحبة في أثناء استرجاع شريط الطفولة، حين كانت تشتريه مع صويحباتها قبل بدء اليوم الدراسي، وبعد انتهائه، ليُسكت الكعك جوعهم بشكلٍ جميل.
تحكي هنادي لـ«الشرق الأوسط» كيف غيرّ الطهي حياتها: «لقد ملأت الموهبة فراغاً كبيراً، لا سيما أني عشت وحيدة لفترة طويلة، من دون أصدقاء أو عائلة، ولولاها ما أدركت أن الطعام وسيلة جيدة للتعرف على أشخاص من خلفيات ثقافية عدة في العالم الافتراضي، وقد أصبح بعض منهم أصدقاء في الواقع؛ لقد آمنت أن الطعام يقرّب بين الناس».
«الشابة المقدسية» التي تعيش تجربة جديدة في أقاصي المعمورة تخبرني أن مَهمة التسوق تقع على عاتقها، فانتقاء أطيب المكونات يتطلب مهارة في فحصها ولمسها وشمها. وفي ثنايا حديثها، تبين لي أن أنواع الخبز في الفلبين ضئيلة وحلوة المذاق، وهذا بطبيعة الحال لا يناسب ربة بيت عربية، مما اضطرها إلى تدبر الأمر بالخَبز في المنزل، لتخرج من أعماقها مَلكة اسمها الإبداع في المخبوزات، كما باتت تُحضرّ اللبن الطازج بنفسها، نظراً لعدم توفر منتجات الحليب بجودة عالية. وتحت ضغط الخيارات التي تلزم بعض الوصفات الشعبية، اكتسبت خبرة في إيجاد البدائل؛ «المجدرة» على سبيل المثال تطهوها ببقوليات اسمها مونجو، بدلاً من العدس. وفي المقابل، تتمسك بالخيارات الصحية، فتستخدم زيت جوز الهند وسُكرّه أيضاً.
ومع أن طبيعة الفلبين الفاتنة تجذب السياح، فإن هذا البلد مع الأسف لا يستغلّ خيراته بشكل صحي، وفق ما تؤكده السيدة الفلسطينية بتطرقّها إلى نقطة جوهرية في أسلوب طهي الفلبينيين، يبدو في إطارها أن مقارنة غير مقصودة ترجح لصالح بني جَلدتها، قائلة: «في ظل العولمة، ألاحظ تسارعاً محموماً نحو مطاعم الوجبات السريعة التي تنتشر هنا، مما يرفع من معدلات السمنة والوزن الزائد عند السكان المحليين، ولا عجب في ذلك ما دام أن القلي يستهويهم، ناهيك عن إضافة كميات غير معقولة من السكر إلى جميع وصفاتهم».
ومن اللطيف أن مائدتها الشرق أوسطية تستضيف المدعوين إلى منزلها بكل ترحاب بُغية تعريفهم على الطعام الفلسطيني. ففي مأدبة العشاء التي أقامتها مؤخراً، التهم ضيوفها المقلوبة، وصارت أثراً بعد عين. ومن هذه الجلسات، سجلّت ملاحظة استرعت انتباهها: «استخدام البهارات شيء جديد بالنسبة للمحليين، إذ يندر أن يضيفونها إلى أكلاتهم، في حين أن المُنكهات والملونات الصناعية حاضرة على الدوام».
«ماذا تفعلين عندما تزورين القدس؟»... ترد على سؤالي: «أسارع عند وصولي إلى تناول الحمص، ومن ثم الكنافة، علّني أروي جزءاً بسيطاً من عطشي إلى وطني. وقبل العودة إلى الفلبين، أشتري (مُونتي)، بما تتضمنه من بهارات وزعتر ومواد غذائية يصعب إيجادها هناك».
وتطوّر هنادي من أدائها بالالتحاق بدورات قصيرة تختص بتعليم الطهي، ويبدو أن أسفارها حول العالم أغنت ذائقتها الطهوية، لا سيما أنها لا تتوقف عن التعرف على عادات وطرق الطهي في كل مكان جديد تزوره، لتغنم منه بأنواع توابل مختلفة، ومما سرّها حين تجولت في دول شرق آسيا اهتمام شعوبها بـ«المونة»، كحال الفلسطينيين، بتجفيف وتخليل أطعمة كثيرة لديهم، مثل السمك والمأكولات البحرية وأنواع مختلفة من الخضراوات، وفقاً لكلامها.
ألذ أنواع الكعكات تُحضرّها من فاكهة المانجا التي تفيض بها الفلبين، لتسعد صغيرتها التي صارت تشبه أمها في حبها للمطبخ، مع العلم أن أهل هذه البلاد يتناولون المانجا الخضراء، أي قبل نضوجها، مع رش قليل من الملح، مما يذكرّها بموسم اللوز الأخضر والجانرك (البرقوق الأخضر) بفلسطين.
وليس غريباً أن صديقات هنادي في القدس ينتظرن قدومها على أحر من الجمر، ويتفقن معها سلفاً لتطهي لهن ما لذ وطاب، فيأتي ردها: «مَرحى لنا... يبدو أننا سنقضي الوقت كله في المطبخ».


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
TT

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)
سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة كي يتذوقوا طعم الزعتر اللبناني الأصيل.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها عاشت معظم أيام حياتها خارج لبنان. فهي من مواليد فرنسا، تربّت في أفريقيا وعاشت في السعودية. وتتابع: «في كل جولاتي وأسفاري كان هناك رفيق دائم لي. أحمله في حقيبة السفر ولا يفارقني لأنه يمثّل لي رائحة بلدي لبنان. وهو كناية عن كيس زعتر تحضّره لي جدّتي من بلدتي في الجنوب. فكان يواسيني في غربتي وأشعر بالفرح عندما أتذوّقه أو أشتم رائحته. ولا مرة اضطررت إلى شراء هذا المكوّن أينما كنت».

هذه هي باختصار قصة سارة كنج مع الزعتر، ولكن للحكاية تتمة: «كنت أتفاجأ من الناس عرب أو أجانب الذين يجهلون هذا المكون. وفي فترة الجائحة انقطعت من الزعتر ورحت أبحث عنه، طلبته من «أمازون» ومن محلات في لندن. بحثت عنه في فرنسا وفي دول أخرى. ولكنني لم أوفق بما يشبه طعم زعتر بلادي».

تشتري الزعتر والسماق والكشك من لبنان (إنستغرام)

مرّت الأيام وقررت سارة بعدها أن تصنع الزعتر بأناملها في منزلها في ستراسبورغ، وأن تحوّله إلى مشروع من خلال صناعة المنقوشة وبيعها. وتضيف: «كان عليّ الحصول على إذن مسبق من بلدية ستراسبورغ. مررت على أحد المخابز، وصنعت نموذجاً عن المنقوشة التي أنوي بيعها، وتركتها على طاولة عليها 8 قضاة يشكلون أعضاء اللجنة المنوطة إعطائي الإذن. في الليلة نفسها تلقيت اتصالاً منها تُعْلِمُني بأنه تمت الموافقة على المشروع».

من هنا انطلقت سارة في مشوار طويل وصعب. كان عليها الترويج لمنتجها والبحث عن المكان الأنسب لبيعه. اتصلت بأفضل الطهاة وطلبت منهم أن يتذوقوا المنقوشة التي تصنعها. وانتظرت لأن يزودوها برأيهم بها. ذاع صيت زعتر سارة في أرجاء المدينة. وأدرج على لائحة طعام «فيللا رينالا» أهم مكان لتنظيم المناسبات والحفلات.

اليوم زعتر سارة كنج يباع في محل «لوفانتيم» (levanthym) المعترف به رسمياً من قبل موقع «غولت وميلو» (Gault et Milllau) الفرنسي. وهو دليل لأفضل طعام ومطاعم. أما لقبها «سيدة المنقوشة» فقد اكتسبته مع الوقت، سيما وأن أحداً لا يمكنه منافستها بطعمها وجودتها.

حققت إنجازها في صنع المنقوشة بعد تجاوزها مراحل صعبة (إنستغرام)

تستقدم سارة الزعتر ومكوّن السماق من بلدات لبنانية. وهناك مجموعة من النساء في قرى وبلدات لبنانية تساعدنها في ذلك. «إنهن يتوزّعن على بلدات جزين والعيشية وكفر رمان في جنوب لبنان. أوليهن الثقة الكاملة لانتقاء أفضل زعتر وسماق في لبنان. وقد توسعت منتجاتي اليوم لتشمل المونة اللبنانية. نبيع أيضاً الكشك وماء الورد وماء الزهر ودبس الرمان ودبس الخرنوب وغيره. تتم صناعة خلطة الزعتر في فرنسا، وكذلك تعبئته في قوارير زجاجية من قبل مجموعة من ذوي الاحتياجات الخاصة. فيهتمون بتوضيب الزعتر ومنتجات أخرى، وهو ما أسهم في تسريع عملية الموافقة على مشروعي من قبل بلدية ستراسبورغ».

تفتخر سارة كنج، وهي مهندسة معمارية بإنجازها هذا. فهي استطاعت أن تجذب أنظار أهالي ستراسبورغ إلى مشروعها والوثوق به. وهو أمر غير سهل لأنهم لا يثقون إلا بإنتاجاتهم المحلية. «انهم متعلقون بمدينتهم إلى أقصى حدود. ولا يشترون سوى ما تنتجه أرضهم وتصنعه دكاكينهم المعروفة. اليوم صاروا يروجون للزعتر ويقدمونه هدايا يتبادلونها فيما بينهم، إضافة إلى منتجات المونة اللبنانية الأخرى. وتعد هذه المنتجات حرفية بامتياز، والأكثر جاذبية للزبائن من فرنسيين وغيرهم».

وبمناسبة أعياد نهاية السنة، يقام في المدينة «سوق الميلاد» لمدة شهر كامل. وقد اختارته سارة لتبيع المنقوشة اللبنانية الأصيلة خلاله. وتعلّق لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المنقوشة هي المنتج الأكثر مبيعاً في هذه السوق. فالناس تتهافت على الحصول عليها بالزعتر أو بالجبن العكاوي والكشك الذي استقدمه من عرسال البقاعية. وقد اخترت مخبزاً خاصاً تديره عائلة من ستراسبورغ كي أشتري العجين منه».

ولمكون السمسم قصّته مع سارة. «عادة ما يتم الغش في مكون الزعتر، حتى الذين يدعون بيع اللبناني منه في دول عربية وأجنبية. ومعظم أنواع الزعتر وأهم أصنافها هي مضروبة ومغشوشة. وهذا الأمر اكتشفته بنفسي. وقد اضطررت إلى تلف كميات هائلة من زعتر استقدمته من الأردن قيل لي إنه الأشهر فيها. فالسلطات في ستراسبورغ تدقق بشكل كبير بأي مكون أو منتج يدخلها. ومنعتني من بيع هذا الزعتر يومها واستخدامه في صنع المنقوشة لأنه غير صحي وفيه مواد مصنّعة. الأمر نفسه واجهته بمكوّن السمسم. واليوم أشتريه محلياً من مؤسسة معترف بها رسمياً من قبل مراقبي الطعام في ستراسبورغ. فهذا المكون وفي حال كان لا يفي بالشروط الصحية المطلوبة في استطاعته أن يكون بمثابة السمّ».

تصل أحياناً كمية المناقيش التي تبيعها في «سوق الميلاد» إلى 500 قطعة يومياً. «لا يستطيع رواد السوق أن يشتموا رائحة المنقوشة بالزعتر من دون أن يتذوقوها. اليوم زبائني يقصدونني بعد خمس سنوات من العمل في هذه السوق. غالبيتهم فرنسيون وأيضاً عرب وأجانب. والمنقوشة التي أبيعها تتألف من مكونات صحية وسليمة مائة في المائة».

وعن مشاريعها المستقبلية تختم «سيدة المنقوشة» في ستراسبورغ لـ«الشرق الأوسط»: «أخطط لتوسيع نطاق بيع المنقوشة في مدن فرنسية أو غيرها. لا أدري بعد كيف ومتى. ولكن الفكرة تراودني وسأعمل على تحقيقها».


الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

البيض بالشيري توميتو
البيض بالشيري توميتو
TT

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

البيض بالشيري توميتو
البيض بالشيري توميتو

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

فهذه الطماطم الصغيرة التي يشتق اسمها من حجم وشكل حبات الكرز تتناسب جيداً مع الأكلات التي يدخل في مكوناتها أنواع الجبن والريحان والأوريغانو والثوم وإكليل الجبل على وجه الخصوص، بالإضافة إلى الخضراوات مثل الفاصوليا والذرة والكوسة، فضلاً عن اللحوم والأسماك.

شيف سيد إمام (الشرق الأوسط)

الشيف سيد إمام يوضح المزيد عن الطماطم الكرزية أو Cherry Tomatoes، قائلاً: «تُقدم الطماطم الكرزية في السلطات، أو الصلصات، ومع وجبات الإفطار والغداء؛ فيمكن إضافتها إلى طبق من الخضراوات المشوية كوجبة خفيفة، أو مع الدجاج والأسماك، وتشكل إضافة رائعة لأطباق المعكرونة».

وتابع: «ويمكن مزجها أيضاً بالمشروبات، وتستطيع اعتمادها كمكون أساسي في المقبلات والأطباق الرئيسية، كما أنها رائعة للتجويف والحشو». ولتحضير هذا النوع من الطماطم ينصح إمام بغسلها جيداً، وتصفيتها أو تجفيفها برفق، ويُمكن استخدامها كاملة في الوصفات، أو مقطعة إلى نصفين، أو مفرومة، وقد تؤكل نيئة للحفاظ على قوامها وعصيرها.

بروشيتا الطماطم الكرزية

مقبلات

ولعمل مقبلات من الطماطم المحشوة بجبن كريمي وجبن البارميزان والأعشاب، تابع الشيف: «تتمتع هذه الطماطم بمذاق رائع، خاصة حين تكون باردة، حضرها مسبقاً واحفظها في الثلاجة حتى موعد التقديم، والخطوة الأولى هي اختيار طماطم كرزية ناضجة، حتى تسهل عليك إزالة البذور والأجزاء الصلبة»، وأضاف: «يتم غسلها جيداً وتجفيفها، ثم يقطع الجزء العلوي، وتقطع الأجزاء الصلبة باستخدام سكين، ثم يتم إزالة اللب والبذور، وأثناء ذلك استخدم أصغر ملعقة متوفرة».

ويتبع ذلك قلب الطماطم، بحيث يكون جانبها المفتوح لأسفل، ووضعها على منشفة مطبخ ورقية؛ حتى يخرج أي سائل زائد، وأثناء ذلك اخلط الحشوة، المكونة من جبن كريمي، ومسحوق البارميزان، وشبت طازج وبقدونس، وثوم بودر، وفلفل أسود، وبابريكا، أو زعتر مجفف، اخلط المكونات جيداً.

اسباغيتي سوداء بالأخطبوط وطماطم شيرى في طبق من شيف ميدو (الشرق الأوسط)

ثم انقل الحشوة إلى كيس بلاستيكي، واصنع فتحة صغيرة، باستخدام مقص، ثم قم بحشو الطماطم الكرزية بها، رش البابريكا، ويمكنك تزيينها بقطع صغيرة من الشبت الطازج، أو الأعشاب المفضلة لديك.

ومن الأطباق المصنوعة منها أيضاً هي «البروسكيتا»، وهي مقبلات إيطالية تقليدية عبارة عن شرائح خبز محمصة، غالباً ما تكون من خبز الباغيت، تدهن بالثوم، والزيت والملح، ومن الممكن تحضيرها مع البصل والباذنجان أيضاً.

ولتحضير «بروسكيتا الط اطم الكرزية» تحتاج إلى بضع شرائح باغيت، وطماطم، وشرائح خبز عادي، وريحان، وعليك أن تقوم بتقطيع الطماطم والريحان، ضعهما في وعاء. وفي وعاء صغير آخر اخلط زيت الزيتون والثوم المفروم، صب المزيج فوق الطماطم والريحان.

تقدم مع الغذاء

وقلب حتى يُغطى المزيج بالكامل، تبله بالملح والفلفل، لا تتردد في إضافة المزيد من زيت الزيتون، أو الثوم حسب رغبتك.

وبحسب الشيف ضع شرائح الباغيت على صينية خبز، ادهن كل شريحة بقليل من زيت الزيتون، حمصها تحت الشواية لمدة دقيقتين إلى ثلاث دقائق، حتى يصبح لونها بنياً فاتحاً ومقرمشاً، واحرص على عدم حرقها، أخرج شرائح الخبز المحمص من الفرن. ثم ضع فوق كل شريحة ملعقة كبيرة من البروشتيتا، إذا رغبت، يمكنك رش كل شريحة بقليل من زيت الزيتون الإضافي، أو خل البلسميك قبل التقديم.

قائمة متنوعة من السلطات

الإفطار

وللإفطار يقترح إمام البيض المخبوز فوق الطماطم المقطعة إلى نصفين، مع جبن بارميزان والريحان، وفريتاتا الطماطم الكرزية، والبيض المقلي أو المسلوق مع الطماطم الكرزية والفاصوليا البيضاء، والأومليت مع الطماطم الكرزية. ومن الممكن أيضاً سحق الطماطم الكرزية بين الخبز والبيستو وجبن الموزاريلا؛ للحصول على شطيرة خفيفة، أو أضفها إلى الخبز المسطح لوجبة شهية، كما تعد الطماطم الكرزية صوصاً لذيذاً لتغطية البسكويت المالح.

سلطة كاب سريعة للعمل أو الجامعة

الغداء والعشاء

وللغداء يقترح الشيف المعكرونة بجبن الفيتا الحامضة مع الطماطم المشوية، والزعتر بنكهته الخفيفة، والذي يضفي مذاقاً منعشاً رائعاً على الطبق، ويمكنك استخدام الأوريغانو بدلاً منه إذا رغبت.

مع إضافة قطع صغيرة من صدور الدجاج المطهية مسبقاً مع الكراث أو كمية مساوية تقريباً من البصل الأحمر المفروم ناعماً.وتأتي شرائح سمك السلمون المغطاة بالكمون والبابريكا، على رأس الأطباق التي يقترحها شيف سيد إمام لعشاق «السي فود»، يقول: «ادهن الشرائح بمعجون الهريسة الحار، وقم بشويها مع الطماطم الكرزية والكراث والثوم، ثم تُغطى بالشبت الطازج وجبنة الفيتا الكريمية.

ومن أطباق «السي فود» التي يقترحها أيضاً هي تاكو السمك المشوي مع الأفوكادو وصلصة الطماطم الكرزية. ويرى أن تاكو الدجاج، أو ساندويتش الموزاريلا المشوية والبيستو من أشهى الوجبات.

خبز الفوكاشيا الطازج بالروزماري والطماطم

السلطات

أما بالنسبة للسلطات، فيقول: «إضافة الطماطم الكرز الطازجة إلى السلطات يساعد أن يصبح بين يديك طبق أخضر مقرمش، تستطيع تناوله مع الخبز المحمص، ومن ذلك السلطة اليونانية مع جبن الفيتا والخيار وزيتون كالاماتا أو سلطة الطماطم الكرزية الكاملة مع البصل المفروم والبقدونس والكزبرة». وتبرز كذلك في قائمة سلطات الطماطم الكرزية سلطة معكرونة الروبيان بنكهتها الغنية بالليمون والكزبرة الطازجة، وزيت الزيتون والتوابل. ويعزز مذاقها إضافة البصل الأحمر المغموس مسبقاً في عصير الليمون والملح قبل التقديم، والذي يضفي عليها نكهة مخلل خفيفة ويُبرز حلاوتها الطبيعية، الملح الذي يعمق النكهة العامة من خلال إبراز الطعم الطبيعي لكل مكون من دون إضافة أي مرارة وفق إمام.

يمكن حشوها كمقبلات

المشروبات

يمكنك أيضاً تحويل فائض الطماطم الكرزية إلى عصير طماطم صافي، يُطلق عليه أحياناً اسم «ماء الطماطم»، وهو عصير لذيذ، ذو قوام ناعم مثالي للخلط مع المكونات الأخرى مثل الليمون والنعناع، ولإضافة لمسة منعشة وصحية، امزج عصير الطماطم الكرزية مع التفاح والخيار.

تضاف إلى البيتزا لمذاق خاص خاص و شكل مميز

نصائح ميدو

يقدم شيف ميدو على مدونته على «إنستغرام» طرقاً للطماطم، ومنها معكرونة سباغيتي «السوداء» بنكهة الحبار، إضافة إلى «كونفي الثوم» القابل للدهن بزيت الزيتون في الفرن. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن (كونفي الثوم) هو سلق فصوص الثوم ببطء في الزيت أو الدهن على درجات حرارة منخفضة، وبإضافة الطماطم الكرزية تستمتع بمذاق رائع لا يقاوم». كما يقدم ميدو وصفة لعمل بروسكيتا بالجبن الكريمي الطازج.


شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية
TT

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

شاي مستوحى من أعمال ديفيد بوي في قاعة أوسكار وايلد الذهبية

لتقليد الشاي الإنجليزي رونقه وسحره، فهو طقس أنيق يجمع بين الهدوء والرقي، حيث تتحول الاستراحة البسيطة إلى لحظة تأمل وذوق رفيع. إنه لقاء بين الضيافة والتقاليد، يمشي خلاله الزمن ببطء مع فنجان شاي دافئ. هذا هو باختصار مشهد هذا التقليد الإنجليزي الذي لا يزال قائماً حتى يومنا في الفنادق الراقية التي تحافظ عليه وتتنافس على تقديمه بقوالب عصرية ولمسات جديدة تمزج ما بين عراقة التاريخ وتفاصيل الحاضر.

وآخر الفنادق التي كشفت عن شاي بعد الظهر الفريد من نوعه، فندق كافيه رويال الذي أطلق تجربة مستوحاة من حياة وأعمال وتأثير الفنان البريطاني ديفيد بوي الدائم في تجسيدٍ للعلاقة العميقة التي تربط الفندق بأحد أهم الرموز الثقافية في بريطانيا.

وتتضمن تشكيلة مختارة من الساندويتشات المالحة، وإبداعات الباتيسري، وسكونز مميزة تحمل علامة بوي، تكريماً لإبداعه وفنه الرائد.

واختار الفندق أن يمزج الفن مع الثقافة فقدم هذه التجربة في قاعة أوسكار وايلد التي سميت باسم الأديب والشاعر الآيرلندي تكريماً لتاريخه الحافل المرتبط بهذه القاعة، حيث ألقى فيها بعضاً من أشهر خطاباته العامة في تسعينيات القرن التاسع عشر، والتي دافع فيها عن الفن والجمال والحرية الفكرية.

حلويات منمقة ونكهات لذيذة (الشرق الاوسط)

كما كان وايلد يجتمع في هذا الفندق بالذات مع كتّاب وفنانين ومثقفين، مما جعل المكان مركزاً للحياة الأدبية اللندنية في عصره.

أما بالنسبة لديفيد بوي فيشكل الفندق أيضاً لحظة مفصلية في تاريخه، ففي الثالث من يوليو (تموز) من عام 1973، أعلن بوي اعتزال شخصيته الأسطورية الأخرى «زيغي ستاردست» خلال حفل وداع أسطوري بعنوان «العشاء الأخير»، عقب عرضه الختامي في «هامرسميث أوديون» وتوثّق صورٌ من الحدث بوي إلى جانب أيقونات ثقافية أخرى، من بينهم ميك جاغر، ولو ريد، ولولو، ورينغو ستار.

تأتي تجربة شاي بعد الظهر هذه كتعبيرٍ مَرِح عن النكهة والخيال والبريق، وقد صُمّمت تكريماً لذكرى بوي في الذكرى العاشرة لرحيله، مع الإشارة إلى المراحل والتحوّلات المتعددة التي ميّزت مسيرته. وتشمل مجموعة من ساندويشات الأصابع المستوحاة من محطات في مسيرته الفنية: مثل: ساندويتش خيار مع جبن كريمي، وساندويتش البيض بالمايونيز مع الأنشوجة. بالإضافة إلى ساندويتش «كورنيشن»، مؤلف من الدجاج واللوز والكزبرة وساندويتش لحم الباسترامي مع الخيار المخلل والخردل الحلو، واللافت هو تسمية كل ساندويتش باسم يمت بصلة لبوي مثل «سنوات برلين» ودارسة في التوابل.

حلويات مستوحاة من تصميم بدلات ديفيد بوي (الشرق الاوسط)

أما بالنسبة للحلويات، فهي أيضاً صممت لتتناسب مع ذائقة ديفيد بوي، والنكهات التي كان يحبها مثل: فيلفت غولدماين: كعكة رِد فِلفِت مع التوت وكريمة شانتيلي بالفانيليا، والبدلة الخضراء: كعكة بإسفنج الفستق والبرالين وغاناش مخفوق، في إشارة إلى البدلة الخضراء التي ارتداها بوي في حفل Tin Machine على الرصيف عام 1991. وحلوى جميلة أخرى باسم ليمون ستاتيك: وهي عبارة عن كيك مادلين مع موس الليمون مزينة بوميض البرق الشهير الخاص ببوي.

أما حلوى منتصف الليل البرتقالي فهي كعكة مع إكلير شوكولاته وكراميل الشوكولاته بالبرتقال، تمثّل بدلة كانساي ياماموتو التي ارتداها للترويج لجولة Aladdin Sane عام 1973.

ولا يمكن أن تكون تجربة الشاي التقليدية كاملة من دون تقديم كما الـ«سكونز» بالنوعين السادة وبالزبيب مع تشكيلة من المربات والكريمة. وبالنسبة للشاي فترافق الساندويتشات والحلوى قائمة متنوعة من أنواع الشاي الإنجليزي والياباني الفاخر، وإذا كنت تفضل عيش تجربة ديفيد بوي على أصولها فلا بد المشي على خطاه وتذوق الشاي الأخضر الياباني الذي كان المفضل بالنسبة له، وقد جرى تنسيق مجموعة مختارة بعناية لترافق تجربة شاي بعد الظهر، إلى جانب تشكيلة من شاي الأولونغ السائب، ودارجيلينغ.

تجربة الشاي بعد الظهر هذه تكرم بوي الذي كان ولا يزال من أهم الموسيقيين اللامعين، وكانت تربطه علاقة وذكريات بالفندق، وتمنح هذه التجربة فرصة عيش إرث الفنان العالمي عن قرب، تكريماً له في المكان نفسه الذي أسدل فيه الستار على أحد أكثر فصول حياته الفنية.

هذه التجربة مميزة لأنها تقام في واحدة من أهم القاعات في لندن، والمعروفة بالزخرفات الذهبية والديكوارت المهيبة، خاصة وأنها كانت شاهدا على روح الإبداع والتمرّد الفني لدى الأديب أوسكار وايلد، وبنفس الوقت تعكس أجواؤها التاريخية جوهر ديفيد بوي، الذي كسر القوالب وأعاد تعريف الفن والهوية، ليصبح المكان إطاراً مثالياً للاحتفاء بفنان غيّر ملامح الثقافة المعاصرة.