مدينة إنسبورك النمساوية... لؤلؤة جبال الألب

طبيعة متنوعة... ثقافة غنية وقصص حب تجسدت في معمار خاص

مدينة إنسبورك النمساوية... لؤلؤة جبال الألب
TT

مدينة إنسبورك النمساوية... لؤلؤة جبال الألب

مدينة إنسبورك النمساوية... لؤلؤة جبال الألب

يصفها أهلها بـ«لؤلؤة جبال الألب» تلك هي مدينة إنسبورك عاصمة إقليم تيرول شمال غربي النمسا. تقع موقع القلب لجبال الألب، تعانقها وتُظللها، عدا عن أهميتها التاريخية باعتبارها مدينة موغلة في القدم لعبت دورا مؤثرا كتقاطع طرق من الشمال إلى الجنوب ومن ألمانيا إلى إيطاليا وما بعدهما. يرجع تاريخها للعصر الحجري ولها أدوار مشهودة في التاريخ الأوروبي بوجه عام والنمساوي بوجه خاص. من جانب آخر نجحت البلدة أن تكون مدينة جامعة عصرية عرفت كيف تمزج بين العراقة والحداثة خاصة أن 30 في المائة من سكانها، البالغ عددهم نحو 150 ألف نسمة، من الشباب.
لكن تبقى جبال الألب أكثر ما يُضفي على المدينة جمالها وخصوصيتها. فهي سهل طولي تحتضنه تلك السلاسل التي يفتخر بها أهل إنسبورك ويحافظون عليها كمصدر من مصادر ثرائهم الطبيعي والحضاري، فيما تتمدد المدينة شرقا للغرب كوادٍ لنهر إن الذي يعتبر واحدا من أقوى الأنهار الأوروبية.
من نهر إن استمدت المدينة اسمها INNSBRUCK ويعني جسر إن، وهو من أهم روافد نهر الدانوب. تتلون مياهه بلون الحليب ومع زيادة الأمطار التي تتدفق من أعالي الجبال وذوبان الجليد تكتسب مياهه لونا أخضرا بسبب ما تجرفه المياه من معادن وما تذوبه من صخور جيرية وتحطمه من أغصان أشجار كلما زاد التيار عنفا واندفاعا. نظرا لموقعها الجغرافي يسهل الوصول إليها من مختلف الجهات، وبمختلف وسائل المواصلات سواء جوا عبر مطارها في رحلات مباشرة أو برا بالسيارة أو القطار. هذا الأخير يُوفر سفرا مريحا حيث ينطلق بانتظام من فيينا إلى إنسبورك في ذات المسار الذي يصل مدينة سالزبورغ ثم إنسبورك وبريغنز عاصمة إقليم فورالبرغ، ويتوقف عند مدن أخرى. كما تتوفر قطارات تصلها بمدن جوارها الألمانية أو السويسرية أو الإيطالية حيث الحدود مفتوحة وفق اتفاقية شينغن، وجميعها على بعد بضع ساعات أو أقل. وكم هو ممتع مسار القطار إليها، سواء من فيينا أو ميونيخ الألمانية أو زيوريخ السويسرية أو ميلانو أو فيرونا الإيطاليتان. فصيفا يعبر مروج وسهول خضراء وملونة وشتاء بحيرات وجبال ثلجية ناصعة البياض. حقيقة، لا يحتاج السائح غير برمجة زيارته حتى يستفيد من عطلته التي يمكن أن يقضيها متجولا ومستمتعا بتضاريس وثقافة ووسائل ترفيه مختلفة.
أهم نقاط جذبها:
ضريح فارغ..... ولكن
تاريخيا ترتبط إنسبورك بالإمبراطور الروماني ماكسيمليان الأول، الذي وسع نفوذ أسرة الهابسبورغ بالحروب والمصاهرة. فقد تزوج للمرة الأولى زواج حب من أميرة بلجيكية وبعد 5 سنوات من وفاتها اختار زواج مصلحة من ثرية إيطالية. كما زوج الإمبراطور كل أبنائه وبناته من ملوك بلجيكا وإسبانيا «قشتالة» وهولندا وبوهيميا وفرنسا لتقوى شوكته. أحب الإمبراطور ماكسيمليان الأول إنسبورك، وجعلها مقر إقامته، وبالفعل قضي فيها جُل وقته. وتحتفظ المدينة حتى يومنا هذا بـ130 مبنى فخما تم تشييده في عهده، لهذا يُلقبه البعض بمهندس المدينة.
كذلك تظهر في إنسبورك كثير من المعالم التي تعكس حبه للعلم والفن وشغفه الشديد بالصيد والأسلحة لدرجة أن دروعا حملت تصميمات من بنات أفكاره عرفت باسمه. ومن ألقابه أيضا «الفارس الأخير». بيد أن أهل إنسبورك، الذين كانوا أصحاب رأي وكلمة في ذلك، أثاروا غضب الإمبراطور عندما رفضوا تمويله لكثرة إنفاقه وبذخه. فقد كان يعرف أنها غنية بالفضة والنحاس والذهب الأبيض «الملح» وكانت له طموحات كبيرة. رفضهم دفعه إلى مغادرتها ساخطأ ولم يعد إليها مرة أخرى. إلا أن المدينة خلدته بعد وفاته بـ65 عاما بأن نصبت له ضريحا يحمل اسمه دون جثمانه الذي دفن في مدينة «فيينا نوي أشتات» بالقُرب من العاصمة فيينا. وضع الضريح المزخرف داخل الكنيسة الإمبراطورية الضخمة ذات الطوابق الثلاثة والنوافذ المستديرة التي بدورها تعتبر مزارا سياحيا لجمالها وزخارفها وحدائقها. كما لها أكثر من صالة ومتحف يضم قطعا أثرية نادرة، بعضها الأول من نوعه. بها أيضا «اورغن ايبرت» Ebert Organ الذي يعود تاريخه للعام 1558 ويتميز بشهرة عالمية. الدخول لهذه الكنيسة بمقابل مالي، ما لم تفتح أبوابها لمناسبة دينية أو قداس.

السقف الذهبي
من أشهر المعالم التي خلفها الإمبراطور ماكسيمليان الأول في إنسبورك «السقف الذهبي» والذي يُخلد قصة حبه وزواجه، مما يضيف لرومانسية المدينة. وهو عبارة عن سقف لشرفة مبنى يتوسط أشهر ساحات المدينة وأمسى حديثا مقرا لمؤسسة الحفاظ على جبال الألب.
يتكون من 2.657 بلاطة من النحاس المطلي بالذهب شيده ماكسيمليان الأول بداية للاحتفال بزواجه من الثرية الإيطالية بيانكا ماريا سافوازمن ميلانو. وحسب ما تقوله القصة فإن الإمبراطور رصعه من الذهب حتى يستعرض جاهه ولا يقال بأنه تزوجها من أجل مالها وطمعا في ذهبها الذي كان كثيرا. وتقديرا لذكرى زوجته الأولى ميري البلجيكية، التي كانت حبه الحقيقي، وضع الإمبراطور داخل الشرفة تحت السقف مجسمين لامرأتين يقف هو بينهما، وبذلك تجنب أيضا إثارة غضب حلفائه من بلجيكا، أنصار الزواج الأول. يجذب السقف الذهبي السياح سنويا. يلفون حوله من كل الجهات حتى يصلوا لنقطة تسمح لهم بالتقاط صور «سيلفي» يشكل فيها السقف وذهبه خلفية رائعة. يتوسط السقف شارع Herzog Friedrich واحد من أهم شوارع المدينة القديمة.

قصر أمبراس
كان أساسا قلعة أعلى جبل، تضمن حراسة المدينة قبل أن يُحوله الأرشدوق فرديناند الثاني إلى قصر. ما يُحسب له أنه حافظ على الهيكل المعماري الأمر الذي منحه نمطا معماريا مميزا. ولا شك أن حديقته مترامية الأطراف، حيث تعيش الطواويس وبحيرة تسبح فيها الأسماك والبط والإوز، بكل ألوانه تزيده تميزا.
من جانبه كان الأرشدوق فرديناند مثقفا منفتحا أحب سيدة من العامة وتزوجها رغم معارضة الطبقات الأرستقراطية، فما كان منه إلا أن اختار لها قلعة أمبراس المنزوية أعلى الجبل بكل ما فيها من مقومات الرفاهية والتسلية، إضافة إلى مكتبة ضمت كتبا ومجلدات نادرة ومتحفا تشير بعض المصادر أنه كان أول متحف في العالم. كغيره من مزارات إنسبورك يمكن الوصول إليه من قلب المدينة بالمواصلات العامة كما تتوقف أمام مدخله مباشرة الحافلات السياحية أهوب أون هوب أوف، والتي تسمح وفق نوع بطاقتها بالنزول للاستمتاع بالمعالم التي تمر بها ومن ثم مواصلة الرحلة بحافلة أخرى.
يفتح قصر أمبراس أبوابه طوال أيام الأسبوع، من العاشرة صباحا حتى الخامسة مساء عدا شهر نوفمبر (تشرين الثاني). وتستضيف قاعته الواسعة، حفلات موسيقية ومعارض مختلفة. ومما يحكى عن قصر أمبراس كذلك أنه كان المُلهم الحقيقي لقصة «الجميلة والوحش» ويقال بأن هذا الوحش كان من عمال القصر أمبراس وقعت فتاة جميلة في غرامه. ولا تقتصر علاقة إنسبروك بهوليو فقط بل ترتبط أيضا بالسينما الهندية التي تجذبها طبيعتها المتنوعة لتصوير بعض من أفلام بوليوود.

قصر الهوفبورغ
توجد بالمدينة، نسخة مصغرة من قصر الهوفبورغ التاريخي الموجود في فيينا، والذي كان المقر الشتوي للأباطرة ثم أمسى بعد تأسيس الجمهورية المقر الرسمي للرئيس النمساوي. شيد قصر الهوفبورغ، فرع انسبروك، في القرن الخامس عشر كمقر لحاكم إقليم تيرول، ثم قام الإمبراطور ماكسيمليان الأول بتوسعته، كما وسعته الإمبراطورة ماريا تريزا بعده. يضم حاليا متحفا وعددا من الصالات والغرف الصغيرة، وتزينه صالة رئيسية يؤجرها البعض لإقامة حفلات زواجهم.
صيفا، تستضيف ساحته يوميا في تمام السابعة والنصف مساء حفلات موسيقية مجانية.

بوابة النصر
عكس ما يشير اسمها لم تشيد هذه البوابة العملاقة لتخليد نصر حربي، وإنما للترحيب بالعروس الإسبانية الأميرة ماريا لويزا بنت شارلز الثالث من ساكسونيا، التي قدمت إلى انسبروك في أغسطس (آب) من عام 1765 للزواج من بيتر ليوبولد ابن الإمبراطورة ماريا تريزا، وهو ما يُفسر أن واجهة البوابة لدخول المدينة، رسمت بوجوه مستبشرة ضاحكة ترحيبا بالعروس. في الجهة الأخرى رُسمت وجوها باكية حزنا على الإمبراطور فرانسيس الأول، الذي توفي في نفس الشهر.

إبداعات زها حديد
قدر للمعمارية الراحلة زها حديد أن تترك بصمتها في المدينة بتصميمها منصة القفز على الجليد بجبل إيزل، إضافة إلى محطات ترام جبل هافيليكا بحي الهونغربورغ حيث الجبال على مرمى البصر. وحسب وصفها له، قالت زها حديد بأنه صُمم كبُرج وجسر وبنية خضراء دمجت المنحدر بمقهى أعلى الجبل ومصعدين زجاجيين ينقلان الزوار والرياضيين للاستمتاع بالمناظر الطبيعية وممارسة رياضاتهم المفضلة.
تم تصميم المسار الانسيابي بطول 90 مترا وارتفاع 50 مترا فيما يصل ارتفاع المنصة أعلى جبل ايزل إلى 40 مترا مما يمكن المشاهدين الجالسين أرضا من متابعة الرياضيين بسهولة.

تلفريك جبال نوردكيتين
بواقع 25 دقيقة فقط من قلب انسبروك يمكن الصعود إلى قمم سلاسل جبال Nord Kette الشاهقة بارتفاع 2، 637 متر. هنا سيستمتع السائح بطبيعة غناء وهواء نقي. في الطريق، يتوقف التلفريك في ثلاث محطات صممتها كذلك زها حديد واختارت لها مظلات بلون مياه نهر شكلتها على هيئة صخرة من صخور الجبل الجيرية. إحدى هذه المحطات تقود إلى حديقة حيوانات جبال الألب التي تقدم برامج متنوعة خاصة للأطفال بالإضافة لمشاهدة حيوانات بعضها مهدد بالانقراض.
*يساعد صغر مساحة المدينة على التجول فيها مشيا على الأقدام. وأينما توجهت ستجد مطاعم متنوعة بكل نكهات دول الجوار.
- إذا كانت الرحلة إليها بالقطار، فلا بد من الالتزام بالموعد المحدد لأن كلا من القطارات النمساوية والألمانية والسويسرية دقيقة جدا.
- لراحة السياح صدرت حديثا بطاقة بسعر 43 يورو لليوم و50 يورو ليومين و59 يورو لثلاثة أيام يمكن استخدامها في وسائل المواصلات العامة كافة وتشمل أيضا دخول بعض المواقع السياحية والصعود لقمم الجبال ومعالم أخرى يصعب حصرها في مقال واحد.
- للاستمتاع بالتجوال فوق سلاسل الجبال، ومعظمها ناتئ، لا بد من حذاء متين واختيار موقع في التلفريك، بالقرب من الجدران الزجاجية للاستمتاع بالمناظر الرائعة. تتوقف حركة التلفريك يوميا عند الخامسة مساء لهذا يستحسن الصعود مبكرا لاستغلال الوقت.


مقالات ذات صلة

النمساوي ألابا يستعد للانتقال الحر إلى أودينيزي

رياضة عالمية النمساوي ديفيد ألابا (د.ب.أ)

النمساوي ألابا يستعد للانتقال الحر إلى أودينيزي

خضع النمساوي ديفيد ألابا، للفحص الطبي في العاصمة الإيطالية روما، وسيسافر إلى الشمال من أجل توقيع عقد جديد مع نادي أودينيزي.

«الشرق الأوسط» (أوديني (إيطاليا))
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث الموضوعات المشتركة مع النمسا وترينيداد وتوباغو

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، والترينيدادي والتوباغي شون سوبرز المستجدات الإقليمية والموضوعات المشتركة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله الوزيرة بياته ماينل رايزنغر في الرياض (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيرته النمساوية مستجدات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنغر، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الخطيرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية كاش بوينت أرينا بملعب نادي ألتاش للكرة النسائية النمساوي (رويترز)

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

أثارت قضية صادمة في النمسا موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرياضية، بعد صدور حكم مخفف بحق رجل أُدين بتصوير لاعبات فريق ألتاش للسيدات خلسة داخل غرف الملابس والصالة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة بياته ماينل رايزنجر خلال لقائهما في الرياض الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية والنمسا تبحثان تطوير التعاون بمختلف المجالات

استعرض وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، علاقات التعاون الثنائي بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.