«وردة الأنموروك»... رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن

الناجون توزّعوا بين المنافي العربية والأوروبية

«وردة الأنموروك»... رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن
TT

«وردة الأنموروك»... رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن

«وردة الأنموروك»... رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن

صدرت عن دار «الأهلية» بعمّان رواية «وردة الأنموروك»، للروائي عوّاد علي، وقد ذيّلها بعنوان فرعي، هو «سنة الأرمن»، في إشارة واضحة إلى مجازر الأرمن التي وقعت عام 1915، وما تلاها من عمليات الإبعاد والتهجير القسري، حيث توزّع الناجون بين المنافي العربية والأوروبية، وقد اتخذ بعضهم من بغداد وبقية المدن العراقية ملاذاً آمناً لهم، يرممون فيه خساراتهم الكبيرة، ويبدأون خطواتهم الأولى في تحقيق أحلامهم التي تكتظ بها أذهانهم الإبداعية المتوهجة.
تبدأ أحداث الرواية زمنياً بافتتاح كنيسة شهداء الأرمن في دير الزور في شتاء 1991، لكنّ الساردة تعود إلى سنة الإبادة (عام 1915)، وتذهب أبعد من هذا التاريخ، لتغطي جانباً من حياة أبويها وارتان وتامار، أو تلمح ببعض الإشارات والإيماءات إلى حياة جدها هوانيس. أما الأمكنة، فهي كثيرة لكنها قدر تعلّق الأمر بالشخصيات الرئيسية. فهي تبدأ من بلدة سِيفان، وتمر ببحيرة «وان»، وديار بكر، وألبيرة، والموصل، ثم تنتقل منها إلى كركوك، حتى تصل إلى بغداد في خاتمة المطاف. أما الشخصيات الثانوية، فتمر بمدن تركية، وتتجه صوب دير الزور والحسكة، وتتوزع إلى لبنان وفلسطين، ثم تعود إلى العراق. وهناك مَنْ ينطلق من بغداد إلى الهند، ومنها إلى باريس، ثم يعود إلى العراق ثانية، مثل سارة خاتون التي ألهبت قلب الوالي العثماني ناظم باشا، وهربت منه بشقّ الأنفس، تاركة إيّاه يتخبّط بمشاعره المُتصابية.
يتكئ عوّاد علي في معظم رواياته على التقنية الميتاسردية. وفي «وردة الأنموروك» هناك دفتر مذكّرات نسيتهُ لوسين، حينما ذهبتْ إلى الموصل عام 1953 لزيارة مربيتها المريضة جوري الشمّرية التي تعدّها بمثابة أمها الثانية، وحينما توافيها المنية بعد شهرين تحضر لوسين العزاء، لكنها لم تجد الدفتر، فتحزن لضياعه كثيراً. وبما أنّ الأنساق السردية لهذه الرواية تنطوي على مفارقات كثيرة، فإن سلطانة، ابنة جوري، تفاجئها بأنها تحتفظ بدفتر المذكّرات في بيت حفيدها هاشم في حلب، وتعدها بأن تجلبه في المرة المقبلة. غير أنّ لوسين التي جاوزت التسعين عاماً كانت تخشى من عبث الأقدار، فأرسلت ابنها صوغومون. وفي اليوم الثاني، عاد متأبطاً هذه المدوّنة الروحية التي وثّقت الأحداث بعين سينمائية تكشف المحجوب، وتعرّي الأشياء المسكوت عنها زمناً طويلاً. لا تستطيع راوية النص، وكائنته السيرية في الوقت ذاته، أن تقرأ المذكرات بسبب بصرها الكليل، فتُوكل المهمة إلى صوغومون الذي سيقرأ لها كل يوم فصلاً كاملاً. وهكذا، صارت تستعيد الأحداث كما لو أنها تعيشها مُجدداً، ولكن بواسطة راوٍ آخر، في محاولة للتنويع السردي، وتعددية الأصوات، خصوصاً أن هناك رواة آخرين يسردون قصة نجاتهم من موت محقق في قافلة الإبعاد، مثل صديقتها مريم وأمها كلاديس وسواهما من الشخصيات الكثيرة التي تؤثث المتن السردي المُدوّن بلغة مكثّفة شديدة الدلالة.
ولكي يُذكِّرنا عوّاد علي بنكهة المكان الأول، يتوقف عند بعض العوائل والشخصيات التي تنتمي إلى قوميات وأديان أخرى، مثل راؤول الذي يعتمر «الكيباه» دائماً، وزوجته شوشانة، وبناته الثلاث سارة وراشيل واستير، أو العجوز كاجال التي تُطعّم النص السردي بمروياتها الخرافية التي تعْلق بالذاكرة لطرافة معلوماتها الناجمة عن شطحات المخيّلة الشعبية.
وتتمحور تيمة الرواية على فكرتي النفي والإبعاد، لكنّ قصص الحُب تمنح قارئها فرصة لالتقاط الأنفاس. فما إن يصدر الفرمان الهمايوني الذي ينصّ على مغادرة الأرمن مدينة سِيفان، وترك ممتلكاتهم التي ستؤول إلى الحكومة العثمانية، حتى تبدأ المحنة الحقيقية للشعب الأرمني، الذي ستكون عائلة لوسين أنموذجاً مُصغراً له، خصوصاً أن «الدولة العليّة» قد وصفت الأرمن بـ«السرطان الذي يجب استئصاله»، وأنّ شعار حملة السلطان عبد الحميد يقول بصريح العبارة: «افعلوا بالأرمن ما تشاءون»! لأنه يعتقد أنّ التطهير العِرقي هو أفضل طريقة لقيام دولة طورانية نقيّة خالية من المنغِّصات واختلاط الأعراق. أما التهمة الرئيسية المُوجهة للأرمن فهي الخيانة، والانضمام لحزب التحالف (الطاشناق) والتمرد المسلح لمصلحة روسيا.
يلتقي آرشاك في عرس أخته، أنوشكا بلوسين، ويقع في حبها، ويقدّم لها «وردة الأنموروك»، بوصفها «فاكهة العاطفة»، لكن هذه القصة العاطفية لم تكتمل، لأنه يسقط مضرجاً بدمائه وهو يقاوم الطورانيين، بينما تُساق أسرتها بالكامل، باستثناء جدتها الطاعنة في السن، مع قافلة المُبعدين إلى المجهول. تضم العائلة خمسة أفراد، وهم: الأب وارتان، والأم تامار، والأبناء الثلاثة آرام ولوسين وشقيقتها الصغرى زاروهي، وقد وشمت الأم أسماءهم على معاصمهم كي يتعرف بعضهم على بعض إن فرقتهم الأقدار. وبما أنّ لوسين جميلة جداً، فقد كان عليها أن تقص شعرها، وترتدي جلباباً قديماً لآرام، وتضع لثاماً على وجهها، كي تستر أنوثتها الطاغية، وتُبعد عنها شبح الاغتصاب. ولم يتبّع عوّاد علي نسقاً خطياً في سرد المذكرات، وإنما كان يعود إلى قصص جانبية لأسرة لوسين، منها قصة التحاق وارتان بالثوار، وفراره إلى مدينة ماردين (السورية آنذاك)، وعودته إلى سِيفان صحبة آبوش، وفقدانه لنوبار، شقيق القس ميناس الذي كان يُعذبه الدرك وهو مقيّد اليدين. وفي الطريق، تنهار الأم تامار، فيقبّلها الأب وارتان على جبينها، ويبدأ بتلاوة تعاويذ الانتقال السرمدي، وهو مساعد شمّاس فلا غرابة أن يقول: «الربّ أعطى، والربّ أخذ». يفقد آرام السيطرة على أعصابه حينما يرشقه الأطفال بالحجارة فيشتمهم بالأرمنية، مما يدفع أحد الجنود لأن يضربه بالهراوة عدة ضربات قاسية أفضت به إلى الإغماء. وحينما استشاط الأب غضباً، وبصق على العريف، سدّد هذا الأخير بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، ثم صوّبها على آرام ووضع حداً لحياته. وفي مدينة ألبيرة، باع الدرك شقيقتها زاروهي إلى قطّاع الطرق. أما الراوية لوسين، فقد حملها رقيب متوحش، وقذف بها إلى النهر، لكن الحاج لقمان وابنه آزاد أنقذاها من الغرق، واصطحباها إلى المنزل، غير أنّ خشية الحاج من تفتيش الجندرمة دفعته لأن يضمها إلى جماعة من غجر «الدومر» الذين يتكفلون بإيصالها إلى السيدة جوري الشمرية في ولاية الموصل.
لا تنتهي المذكرات عند هذا الحدّ، حيث تنتقل لوسين إلى كركوك، وتتعرف على أرمين، وتقترن به، وما إن تنجب منه أول طفل حتى تسمّيه صوغومون، تيمناً بالطالب الأرمني الذي اغتال الصدر الأعظم طلعت باشا في برلين. وتكشف الأصوات السردية المتعددة عن الفظائع التي ارتكبها الجندرمة العثمانيون والعصابات المبثوثة في مختلف أرجاء السلطنة، وثمة تقارير أميركية توثق الجرائم التي ارتكبها الاتحاديون بحق الأرمن، ومحاولة طمس معالمهم الثقافية. أما السحل والقتل والخوزقة، وبقر البطون، والرمي من الأماكن الشاهقة، والاغتصاب، ودفن الأحياء في مقابر جماعية، فهي ظواهر عادية ومألوفة يرويها الناجون وكأنها عمليات ممنهجة يتبعها الجندرمة العثمانيون الذين نجحوا في قتل أكثر من مليون ضحية أرمنية، لكنهم ظلوا «أحياءً في قضيتهم» التي يعدّها الكثيرون إبادة جماعية مروّعة، بينما ترفض الحكومات التركية المتعاقبة هذا التوصيف، وتؤكد أنهم سقطوا نتيجة للحرب الأهلية، ولم يكونوا ضحية إبادة ممنهجة.
وهذه الرواية هي الثانية المكرسة لمجزرة الأرمن بعد «الطيور العمياء»، للروائية الآشورية ليلى قصراني.



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».