«الفيتشر»... فن التعبير عن الحدث بجذوره التاريخية

خرج من رحم الكتابة الأدبية إلى عصر الرقمنة

يعتبر «الفيتشر» من أهم وأصعب الفنون الصحافية لأنه يتطلب موهبة خاصة من الصحافي وأن تكون لديه عين ثاقبة قادرة على التقاط الأفكار وبلورتها
يعتبر «الفيتشر» من أهم وأصعب الفنون الصحافية لأنه يتطلب موهبة خاصة من الصحافي وأن تكون لديه عين ثاقبة قادرة على التقاط الأفكار وبلورتها
TT

«الفيتشر»... فن التعبير عن الحدث بجذوره التاريخية

يعتبر «الفيتشر» من أهم وأصعب الفنون الصحافية لأنه يتطلب موهبة خاصة من الصحافي وأن تكون لديه عين ثاقبة قادرة على التقاط الأفكار وبلورتها
يعتبر «الفيتشر» من أهم وأصعب الفنون الصحافية لأنه يتطلب موهبة خاصة من الصحافي وأن تكون لديه عين ثاقبة قادرة على التقاط الأفكار وبلورتها

لا تخلو أي صحيفة أو موقع إخباري من موضوعات «الفيتشر» التي يُفضلها كثير من الصحافيين، لأنها تفتح الباب أمامهم للتجديد والابتكار، بعيداً عن النمطية في كتابة المادة الصحافية. ولكن لا يعي الكثيرون القواعد الأسلوبية التي تحكم كتابة هذا النوع الإبداعي من الموضوعات، حيث يرى أساتذة الصحافة وأصحاب الخبرة أن فن «الفيتشر» هو «فن كتابة القصة، الذي يوظف فيه المحرر تقنيات السرد الروائي لتبسيط الموضوعات من ناحية، وبيان سياقها الزماني والمكاني من ناحية أخرى. وقد أسهمت كُتب الرحلات والمذكرات في توسيع أفق الكتاب، فسمحت لهم بإظهار صوت بطل القصة داخل النص، مع إبراز المفارقات الدرامية في سياق الأحداث من أجل جذب انتباه القراء».
بدوره، أوضح الدكتور المهدي الجندوبي، الأستاذ المساعد بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار بجامعة منوبة في تونس، أن «الفيتشر» مصطلح باللغة الإنجليزية يستعمل في أدبيات الصحافة استعمالاً واسعاً للدلالة على الموضوعات الصحافية التي لا تتقيد بالأحداث الجارية، ولا تقتصر على الأطراف الفاعلة التقليدية، التي تتناولها الأخبار مثل الشخصيات العامة والمؤسسات؛ بل تهتم موضوعات «الفيتشر» بدرجة كبيرة بالأبعاد الإنسانية وبكل أوجه الحياة اليومية، ولا تلتزم بقالب الهرم المقلوب أو الأسلوب الإخباري الصارم ولكن تميل إلى توظيف المهارات الأدبية.
ووفق هذا التعريف، فقد يكون «الفيتشر» قصة إنسانية أو «بروفايل»... والموضوع الواحد يصلح تنفيذه من خلال التغطية الإخبارية العادية، أو بأسلوب «الفيتشر»، أو استغلال الجانب الإنساني، والطريف في القصة.
وأضاف الجندوبي لـ«الشرق الأوسط» أنه «يجب على المحرر أن يسلط الضوء على الأشخاص أكثر من الأشياء المُجردة»، ويتميز «الفيتشر» بحرية كبيرة في الموضوعات التي يتناولها الصحافي، فيمكن إعداد موضوعات متنوعة حول «أهم الأحداث لحقبة تاريخية محددة»، و«موضوع تاريخي مع إضافة جديدة»، و«تقديم شخصية مغمورة للتعريف بها (بروفايل)»، و«تقديم شخصية لها علاقة أسرية مع شخصية مرموقة قديمة (حفيد، أرملة، إلخ ...)»، و«تقديم مكان معين مع التركيز على التغييرات التي شهدها هذا المكان»، و«قصص واقعية أو طريفة»، و«مواضيع موسمية (أعياد، مناسبات متكررة)».
وبالنسبة للقالب الفني لـ«الفيتشر»، يذكر الجندوبي أن «هناك أنواعاً كثيرة لمقدمات قصص (الفيتشر)»، فقد تكون «مقدمة إخبارية تلخيصية» تلخص أهم عناصر الموضوع ويتم تفصيلها في جسم القصة الصحافية لاحقاً، أو «مقدمة الحدث الدال»، التي تبرز حدثاً له وقع خاص أو وزن مهم على بقية مجرى القصة أو حياة الأشخاص المعنية، وهناك «مقدمة اقتباسية» تبدأ بجزء من تصريح الشخصية التي سيتعرف عليها القارئ لاحقاً، وهناك مقدمة السؤال التي تبدأ بسؤال تتم الإجابة عنه لاحقاً، و«مقدمة التشبيه» لتقريبها من إدراك القارئ وفهمه، وبعد ذلك يكتب المحرر موضوعاً ويسرد تفاصيله التي يفضل أن يكتبها بطريقة مشوقة لكي يُعايش القارئ شخوص وأحداث قصته حتى يتعاطف معهم أو يتخذ منهم العبرة أو يتعلم منهم دروساً للحياة.
ويقدم الجندوبي أمثلة عملية لكتابة قصص «الفيتشر» للصحافيين، قائلاً على سبيل المثال: «إذا أردت الحديث عن تجربة دمج المعوقين في المدارس، فيمكنك إبراز وجه لتلميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة يستفيد من التجربة أو معلم يواجه تحديات كثيرة أثناء العمل... وإذا أردت الحديث عن الأسر المستفيدة من برنامج وزارة الشؤون الاجتماعية، فيمكنك إبراز حالة خاصة لامرأة استفادت من البرنامج، ووفرت دخلاً أسهم في تغيير مستوى معيشة أسرتها للأفضل».
«فن الفيتشر» كان محور رسالة ماجستير للباحث محمد خليل، المعيد في كلية الإعلام جامعة القاهرة، يناير (كانون الثاني) الماضي، بعنوان «علاقة التكوين المهني للقائم بالاتصال بمستويات توظيف وأساليب كتابة فن الفيتشر في الصحف الخاصة اليومية»، وحلل الباحث مواد «الفيتشر» المنشورة في صحف «الوطن»، و«المصري اليوم»، و«الشروق»، وذلك خلال عامي 2013 و2014.
وأشارت نتائج الرسالة إلى أن «القصة الإنسانية، والبروفايل» من الأنماط الأكثر شيوعاً بين الصحافيين الذين شملتهم عينة الرسالة، وأن «المقدمات الوصفية والسردية» هي أكثر الأنواع استخداماً وتفضيلاً لدى المحررين. وقد أظهرت النتائج أن محرري قصص «الفيتشر» بصحيفتي «المصري اليوم»، و«الوطن» هما أكثر المحررين الذين يصيغون الجمل بالأسلوب الأدبي القصصي الذي يعتمد على الجملة الاسمية دون الفعلية.
يقول خليل لـ«الشرق الأوسط»: «تعود بدايات فن (الفيتشر) إلى عام 1980 في الصحف الاقتصادية الأميركية، فقد اكتشف كثير من المحررين أن الموضوعات ذات الصبغة الأدبية مؤثرة في القراء بشكل كبير، وذلك بسبب مزج الدراما بالمعلومة، وإدخال شخصية الراوي (المحرر) بشكل أكثر وضوحاً في القصص الاقتصادية، فتمتعت بقراءة عالية، لأنها تهتم بالنزعة البشرية الإنسانية وليست الرقمية البحتة، ما أسهم في تقديم المعلومات بشكل أكثر سلالة لأنها تقدم في قالب قصصي».
وعرف توماس برنر «الفيتشر» بأنه «فن صحافي يعتمد على المزج بين أدوات الكتابة الأدبية، والتغطية المتعمقة والتفصيلية، ويجب أن يجيد المحرر توظيف أدوات السرد، وبناء المشاهد، وعرض وجهات النظر إزاء الموضوع، واستخدام الدراما الجيد داخل النص، والتنظيم الزمني المتتابع للأحداث، مع الاهتمام بوجود الإيقاع الخاص بتطور الأحداث داخل النص».
وعن القواعد الأسلوبية لكتابة قصص «الفيتشر»، ذكر خليل في رسالته مجموعة من القواعد الأسلوبية لتساعد الصحافيين في كتابة قصص «فيتشر» بأسس مهنية؛ القاعدة الأسلوبية الأولى هي توظيف «تقنية الوصف» في سرد الأحداث، فيجب أن يكون الكاتب مهتماً بذكر تفاصيل وتسلسل الأحداث وترتيبها، وتوصيف أجواء الحدث الشخصية أو العامة... والقاعدة الثانية، «تقنية الأزمنة المتتابعة في بناء القصة»، وهي من أهم أساليب بناء «الفيتشر»، فالصحافي يكتب موضوعه من خلال سرد المواقف والأزمنة المتتابعة، فيشعر القارئ بأنه مُحاط بالقصة التي يسردها له الكاتب، فيفهم كل أبعاد الموضوع، فالكاتب هنا يقوم بتأصيل الحدث من جذوره التاريخية، ثم يرصد الحاضر، ويطرح سيناريوهات مستقبلية، فالكاتب يخرج من قصته التي يقدمها للقارئ في لحظات معينة ليسرد له معلومات إضافية بقدر الإمكان ليكشف جوانب القصة وأبعادها في الماضي والحاضر، ويترك لخيال القارئ العنان لاستشراف مستقبلها... أما القاعدة الثالثة فهي «توظيف جمل الاقتباس داخل نصوص الفيتشر»، وذلك من أجل دعم نص المحرر، وإضفاء المفارقة النصية التي تصنع حالة درامية تجذب القارئ.
وحول فن «الفيتشر»، قالت الصحافية المصرية أمينة خيري: «يعتبر (الفيتشر) من أهم وأصعب الفنون الصحافية، لأنه يتطلب موهبة خاصة من الصحافي، فيجب أن يكون لديه حس صحافي وعين ثاقبة قادرة على التقاط الأفكار وبلورتها، كما ينبغي أن يتمتع الصحافي بأسلوب مبتكر في سرد قصته، فلا يقلد الكتاب البارزين في أسلوبهم الصحافي، وأن يحرص على التنويع بين الجمل الاسمية والفعلية في قصته، وأن تكون عباراته قصيرة ومباشرة، وأن يكون لديه مخزون من المفردات والتراكيب اللفظية التي ستميزه عن زملائه وتساعده في جذب انتباه القارئ، ويفضل أن يحكي المحرر قصته بطريقة غير متوقعة للقارئ».
وتضيف خيري: «تكمن أهمية (الفيتشر) في أنه من أهم دعائم الصحافة حالياً، نظراً لأن الأخبار أصبحت سلعة سريعة البوار، خصوصاً مع تداولها آلاف المرات في المواقع الإخبارية والقنوات الفضائية». وترى خيري أن «الفيتشر السياسي» أفضل أنواع «الفيتشر» لأنه يغطي جوانب سياسية واجتماعية متنوعة داخل الخبر السياسي.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».