فيصل الحفيان: أكثر من نصف مخطوطاتنا خارج الوطن العربي

مدير معهد المخطوطات العربية يدعو إلى سن تشريعات قانونية لمنع بيعها

د. فيصل الحفيان
د. فيصل الحفيان
TT

فيصل الحفيان: أكثر من نصف مخطوطاتنا خارج الوطن العربي

د. فيصل الحفيان
د. فيصل الحفيان

يحل معهد المخطوطات العربية ضيف شرف على الدورة الخامسة عشرة لمعرض الإسكندرية الدولي للكتاب. المعهد التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) تأسس عام 1946، تابعاً لجامعة الدول العربية، بإيعاز من عميد الأدب العربي طه حسين، ليقوم على خدمة التراث العربي المخطوط. «الشرق الأوسط» التقت د. فيصل الحفيان، مدير معهد المخطوطات العربية صاحب كثير من المؤلفات في مجال اللغويات وتحقيق التراث، الذي تحدث عن دور المعهد كبيت خبرة عربي في مجال المخطوطات، وأحدث مطبوعاته، واحتفالية يوم المخطوط العربي، وتركيزها على «المخطوط المهجّر» والمخطوطات المهربة للخارج... وهنا نص الحوار:
> اختيار معهد المخطوطات العربية ضيف شرف لمعرض الكتاب بالإسكندرية هل يعد مؤشراً على الاهتمام بالمخطوط بوصفه وعاءً معرفياً وليس تراثياً فقط؟
- معرض الكتاب في الإسكندرية يأتي امتداداً لتاريخ من الاهتمام بالعلم، وهي عاصمة علمية منذ العالم القديم. وبالطبع، وجود المعهد كضيف شرف دلالة على الاهتمام بالمخطوطات كحقل معرفي له قيمته في عصر المعرفة، بعد أن كان التراث في النصف الأول من القرن الماضي يحظى باهتمام كبير، خفت تدريجياً، وغلبت النظرة للمخطوط كورق وتراث بالٍ. لكن حان الوقت لنشر الوعي بقيمة المخطوطات العربية، وتوعية المواطن العربي بضرورة الفصل بين التاريخ والتراث، حيث إن التاريخ قد يموت لكن التراث حي باقٍ.
> هل يمكن أن يعود الاهتمام بالمخطوط في ظل صورة تكنولوجيا المعلومات أم أن التحديات لا تزال كبيرة؟
- أرى اليوم وعياً بقيمة التراث، بعد أن خفت الانبهار بمنتجات الحضارة الغربية. وأعتقد أن المنافس الحقيقي للمعرفة والثقافة قد يكون الصورة، لكنها بقدر ما تساعد بقدر ما تمثل خطورة، فهي تمثل ثقافة هشة متلاشية، وعلينا أن نرسخ الوعي بالتراث العربي الثري.
> برأيك، هل يمكن أن يساعد استجلاء التراث والتنقيب فيه على تحسين صورة العرب في العالم؟
- بالتأكيد، خصوصاً أننا نواجه الهجوم على رموز الحضارة الإسلامية، ونجد الطعن في البخاري وصلاح الدين، وغيرهما... لكن لا ننسى أن «الفضل ما اعترفت به الأعداء». أنوار النهضة الأوروبية قامت على التراث اللاتيني والتراث العربي الإسلامي. وللأسف، الغرب قرأوا تراثنا أكثر منا، ويدرسونه في جامعاتهم إلى الآن، وقراءاتهم رغم أنها عميقة فإنها ليست قراءة بعيون عربية، القراءة بالعين العربية مختلفة بلا شك، وهي ما نحرص عليه، لا سيما من الناحية اللغوية وفهم مقاصدها. الاعتناء بالتراث لا يعني السكن فيه، بل استجلابه ليكون وقوداً للمستقبل، ولكي نوظفه ونفيد منه. أي نهضة لا بد أن تقوم على أسس، حتى الذين لا يملكون لغة أو تاريخاً يصطنعون لغة وتاريخاً.
> ما استراتيجية المعهد في انتقاء المخطوطات التي يجري تحقيقها وفهرستها؟
- لدينا أكثر من 200 كتاب، والعام الماضي نشرنا نحو 40 عنواناً في مختلف فروع المعرفة، ودائماً ما نحرص على الرؤية الشمولية، وأن التراث ينبغي أن يؤخذ كله، لا أن نركز فقط على المخطوطات العلمية أو الأدبية، هناك أكثر من 300 علم وفقاً للبيبلوغرافيا العربية. وهناك مخطوطات في الفقه والطب والصيدلة وعلم الاجتماع وغيرها. وما يعيبنا في المراحل السابقة أن التركيز كان على تراث العلوم الدينية والأدبية والنقدية، والتراث العلمي المخطوط أكثر الفروع المعرفية إهمالاً، لأن تلك المتخصصة في الطب تحتاج لتحقيقها عدة مقومات لغوية ومعرفية، ومعرفة بالمنجز الطبي الحديث، لكي يوضح قيمة المخطوط والرجوع إليه. وهنا، يجب أن أشير إلى ضرورة الاهتمام بتاريخ العلوم العربية والإسلامية الممتد عبر أكثر من 10 قرون، فالحضارة العربية ونتاجها العقلي من أهم المنجزات في تاريخ البشرية، وقيمته أنه قريب ومتجدد، وليس موغلاً في التاريخ، فكثير من التراث اللاتيني والإغريقي لم يعد موجوداً.
> هناك عدة إصدارات تركز على المخطوطات العراقية والسورية وغيرهما، ما هو دور المعهد تجاه المخطوطات المفقودة؟
- لا شك أن التراث المخطوط (الورقي) أكثر أنواع التراث هشاشة، عكس ما تحتمل التماثيل الحجرية... ولا شك أيضاً أن الحراك الذي حدث في البلاد العربية أثر كثيراً، وتضررت مخطوطات عربية كثيرة، كالتي احتوتها المكتبة الوقفية في حلب بسوريا، ومكتبة الأوقاف في بغداد، والمتحف العراقي في بغداد، ومكتبة الموصل، واليمن فقد كثيراً من المخطوطات التي تعتبر كنوزاً لا بد أن نحافظ عليها. التشريع موجود لكن غير مفعل، ونسعى لوجود تشريعات قانونية تمنع «سلعنة» المخطوطات، فهي كالآثار، ولا بد أن تظل في الأماكن التي وجدت فيها تاريخياً.
> ما محور يوم المخطوط العربي في عامه السابع؟
- يوم المخطوط العربي الذي يعقد في الرابع من أبريل (نيسان) من كل عام، في دورته السابعة هذا العام، نرفع شعار «المخطوطات المهجّرة»، لننظر في هذه القضية من النواحي القانونية والفقهية والتاريخية، حتى تظل القضية مثارة، لأن أكثر من نصف مخطوطاتنا العربية، خارج الوطن العربي، خرجت على مدار القرون، وسوف تقام ضمن فعاليات يوم المخطوط العربي 3 معارض: الأول للوحات المخطوطات المهجرة، والثاني لأدوات صناعة المخطوط العربي وحفظه، والثالث لإصدارات معهد المخطوطات العربية.
> ماذا يعني قولكم إن «التراث المخطوط متجدد»؟
- المخطوط ذاكرة الإنسان، ليس ملكاً للعرب والمسلمين، بل ملكاً للإنسانية. كل يوم تظهر مخطوطات جديدة كانت محفوظة في البيوت، أو في قبة مسجد، أو غيرهما، وهناك تقديرات بأن هناك 5 ملايين مخطوط عربي، أو مليون كحد أدني، بينما يوجد نحو 50 ألف مخطوط إغريقي، و300 ألف مخطوط لاتيني، وهي أرقام تقديرية. إلى الآن، لا توجد خريطة معرفية للتراث، والسبب تقصير من الأجهزة المعنية بالتراث في العالم العربي، والسبب الثاني أنه تراث متجدد، فهناك أسر في الجزائر والمغرب وموريتانيا واليمن يحفظون مخطوطات يتبركون بها إلى أن تبلى وتتلف وتصبح فتاتاً. لا بد أن يعي أصحاب القرار السياسي أن يتم جمع هذا التراث وترميمه والحفاظ عليه.
> ما أحدث إصدارات معهد المخطوطات العربية؟
- أحدث إصدارات المعهد «المجادلة بين الحكيمين»، وهو يعود للقرن السابع الهجري؛ الكتاب علمي فلسفي، وهو محاورة افتراضية طريفة بين فيلسوف وكيميائي، ويأتي ضمن سلسلة كتب الموفق البغدادي، وأصدرنا من قبل كتاب «النصيحتين»، ويوجه فيه الانتقاد الشديد للحكماء، وهو يعد شاهداً على الحراك العلمي في القرن السابع الهجري، رغم أنه القرن الذي اتهم بالفتور والخمول، والحقيقة أنه ليس كذلك.
> اتخذ المعهد خطوات حثيثة في سبيل النشر الإلكتروني، وأطلقتم مبادرة «تراثنا»، من هي الفئات المستهدفة منها؟
- المشروع انبثق من فكرة أن الشباب لا يجد من ينشر له، مع ارتفاع نفقات النشر، وكذلك النشر الورقي يستغرق وقتاً طويلاً، لذا استهدفنا فئة الشباب الذي يريد نشر بحوثه بشكل سريع، وتحكيم هذه البحوث، ونكون شركاء علميين لهم، وننشرها على موقع المعهد، ثم ننوي أن يتم نشر عشرت الكتب والبحوث على موقع خاص. وهناك مقالات محكمة، ومقالات ثقافية، ورسائل جامعية، وكتب يعاد نشرها، وهي التي طبعت في أوائل القرن العشرين ونفدت طبعاتها، ونحاول إخراجها بشكل لائق.
> ماذا عن شراكات المعهد مع المؤسسات الثقافية والمعاهد المتخصصة؟
- لدينا شراكات مع المؤسسات المعنية بالتراث، في داخل وخارج الوطن العربي، ونصدر مجلة محكمة عمرها نحو 68 عاماً، وسيصدر عددها الجديد قريباً، وقد صدر منه 124 عدداً، وكان المستشرقون - وإلى الآن - يحرصون على النشر فيها، ونحرص على تطويرها لتظل محتفظة بمكانتها. كما أن لدينا شراكات كثيرة، من بينها شراكة ممتدة مع الأزهر الشريف ومكتبة الإسكندرية، سواء للنشر المشترك أو تبادل صور المخطوطات النادرة، وإقامة الدورات والندوات خلال العقدين الماضيين، وذلك عبر مركز المخطوطات بالمكتبة.
> ما مشروعات المعهد في المستقبل؟
- التحول الكبير في عمل المعهد هو جعل تحقيق التراث عملاً أكاديمياً، ونقدم «دبلوم المخطوط العربي» كحقل معرفي مستقل، فيه الفهرسة والتحقيق، وفنون المخطوط، والترميم، والتشريعات... كتلة من المعارف التي تحيط بالمخطوط؛ إذ كان الاهتمام في الماضي يهتم بالنص ولا يهتم بالوعاء. ولا يصح هذا لأن الوعاء التاريخي يؤثر على المعرفة في مسألة التوثيق، ومسألة الضبط والإضافة.



«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.


رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
TT

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

نادراً ما يحتاج رامبرانت إلى تعريف. ومع ذلك، هناك أعمال عدة لهذا الفنان الذي ينتمي إلى العصر الذهبي الهولندي لم تُعرض قط أمام الجمهور الأميركي؛ وهو وضع سيتغير في العام المقبل بفضل معرض جديد في متحف «متروبوليتان» للفنون، يُنظَّم بالتعاون مع متحف «اللوفر»، وفقاً لما أعلنه متحف «متروبوليتان».

من اللوحات في المرعض (متحف المتروبوليتان)

سيضم المعرض - الذي يحمل عنوان «رامبرانت والعصور القديمة» (Rembrandt and the Ancients) ويُفتتح في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 - ثلاثة أعمال على الأقل لرامبرانت لم تُعرض من قبل في الولايات المتحدة، وهي: «بثشبع تحمل رسالة الملك داود»، و«قسم الباتافيين»، و«امرأة تستحم في جدول». وسينضم إليها أكثر من 120 لوحة ومطبوعة ورسماً، قادمة من أكثر من 40 جهة معيرة. ومن المقرر أن ينتقل المعرض بعد ذلك إلى متحف «اللوفر» في مارس 2028.

بين التقاليد والابتكار

وتتولى تنظيم المعرض جوانا شيرز سيدنشتاين، أمينة قسم الرسومات والمطبوعات الأوروبية في متحف «متروبوليتان»، بالتعاون مع بليز دوكوس، أمين قسم اللوحات الهولندية والفلمنكية في متحف «اللوفر». وفي مقابلة أجريت معها، أوضحت سيدنشتاين أن المعرض يستكشف شغف رامبرانت بالعصور القديمة، متتبعاً ما وصفته بـ«العلاقة بين التقاليد والابتكار، وفكرة النظر إلى الماضي كعدسة لفهم الحاضر».

وأضافت أن إحدى لوحات رامبرانت المفضلة لديها هي لوحة «بثشبع»، التي تجسد المعضلة الأخلاقية للشخصية الرئيسية وهي تتأمل استدعاءً تلقته من الملك. ووصفتها سايدنشتاين بأنها «تحفة فنية، وتُعد من أكثر أعمال الفنان تأثيراً في تصوير المشاعر والأبعاد النفسية الداخلية». كما استعار متحف المتروبوليتان من المتحف الروماني الوطني نقشاً بارزاً قديماً. وقد برز متحف اللوفر سريعاً كشريك طبيعي؛ إذ سبق أن أقيمت معارض مشتركة بين المؤسستين، مثل معرض «فالنتان دو بولوني: ما بعد كارافاجيو» ومعرض «مصبوب في البرونز: النحت الفرنسي من عصر النهضة إلى الثورة».

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

ويضم متحف المتروبوليتان في مجموعته 20 لوحة تُنسب إلى رامبرانت شخصياً، بالإضافة إلى 11 رسماً ومئات النسخ من أعماله المحفورة. وفي إطار معرض «رامبرانت والعصور القديمة»، سيشارك متحف المتروبوليتان بأربع لوحات وثلاثة رسومات و11 عملاً مطبوعاً، بينما سيقدم متحف اللوفر لوحتين ورسمين للفنان. ومن بين الأعمال التي سيشارك بها متحف المتروبوليتان لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي»، وهي لوحة لم تغادر المتحف منذ 56 عاماً. ورغم أن هذا المعرض يُعد الأكبر لأعمال رامبرانت في متحف المتروبوليتان منذ 20 عاماً، فإن الفن الهولندي ظل ركيزة أساسية في المتحف منذ تأسيسه عام 1870؛ تماماً كما ترتبط مدينة نيويورك — التي كانت في الأصل مستوطنة هولندية تُعرف باسم «أمستردام الجديدة» — بعلاقات عميقة مع هولندا. وهذا ما يجعل الحضور المستمر لهذا الفنان جزءاً من تاريخ ثقافي أوسع وأكثر امتداداً.

أعمال معاصرة

ستقدم أعمال فنانين معاصرين اثنين للجمهور الأميركي منظوراً جديداً في متحف المتروبوليتان للفنون (المت) العام المقبل، وذلك بالتزامن مع بدء العمل الفعلي في إنشاء «جناح تانغ» (Tang Wing) المخصص للفن الحديث والمعاصر. وقد أعلن المتحف يوم الخميس أن تكليف تصميم واجهته -وهو مشروع يدعو الفنانين لتحويل التجاويف الموجودة على طول الجادة الخامسة إلى مساحة عرض - قد أُسند إلى الفنان «دان فو»، وهو فنان من أصل فيتنامي يقيم ويعمل في برلين ومدينة مكسيكو. تعتمد أعمال «دان فو» على استخدام الأشياء للكشف عن التواريخ وهياكل القوة التي تحملها في طياتها. وفي عام 2018، أقام متحف «غوغنهايم» معرضاً شاملاً لأعماله بعنوان «دان فو: خذ أنفاسي» (Danh Vo: Take My Breath Away). يقول ديفيد بريسلين، أمين قسم الفن الحديث والمعاصر في متحف المتروبوليتان: «يُعدّ فو واحداً من أكثر المفكرين براعةً في تناول التاريخ وكيفية احتفاظ الأشياء بالتاريخ في داخلها، وهذا بالضبط ما يفعله متحف المتروبوليتان؛ فنحن نعيد وضع الأشياء والتواريخ في سياقات جديدة لجعلها ملموسة وحاضرة أمام جماهير جديدة».

تجلى هذا النهج في الممارسات النحتية للفنان «فو». ففي عمله «نحن الشعب» (We the People) عام 2014، أنشأ نسخة نحاسية من تمثال الحرية، مقسمة إلى 250 قطعة، ما يدعو المشاهدين إلى إعادة النظر في مُثُل الحرية. أما في عمله «القطعة رقم 20: كرسيان من غرفة اجتماعات مجلس وزراء إدارة كينيدي» (2013)، فقد نزع «فو» الغطاء الجلدي عن كرسيين أصليين كانا في غرفة اجتماعات مجلس وزراء جون إف كينيدي، كاشفاً عن المواد المكونة لهما في إطار نقدٍ لحرب فيتنام. ويشير بريسلين إلى أن متحف «المتروبوليتان» (The Met) - الذي يعرض حالياً أربعة أعمال نحتية للفنان المقيم في بكين «ليو وي» حتى 8 يونيو (حزيران) 2027 - يمنح الفنانين الذين يعملون على واجهته قدراً استثنائياً من الحرية الإبداعية؛ إذ يقول: «هناك نوع من الشجاعة في التخلي عن زمام الأمور وترك الخيار للفنان، قائلين له: الأمر متروك لك». وتُعد هذه الحرية جزءاً جوهرياً من إبداع «فو»؛ حيث صرح في إحدى المقابلات قائلاً: «كل ما يهمني هو أن أكون قادراً على فعل ما أريد». ولم يكشف «فو» بعد عن خططه لواجهة المتحف، التي من المقرر الكشف عنها في 16 سبتمبر (أيلول) 2027، حيث قال: «ليس لدي أي أفكار بعد؛ فالمساحة صعبة للغاية في التعامل معها». كما أعلن متحف «المتروبوليتان» أن الفنانة ساندرا موجينغا - التي وُلدت في غوما بالكونغو ونشأت في النرويج - ستكون هي صاحبة العمل الفني المخصص لـ«القاعة الكبرى» (Great Hall Commission) لعام 2027. وقد تنوعت أعمال «موجينغا» السابقة بين النحت، والنصوص، والأداء، والوسائط الرقمية، وغالباً ما تستكشف موضوعات سياسية. ومن المقرر عرض عملها الفني بدءاً من 4 نوفمبر 2027.

من خلال أعمال رامبرانت، وفو، وموجينغا، سيجمع موسم عام 2027 في متحف المتروبوليتان فنانين وأفكاراً من عصور وقارات متباعدة في حوارٍ متجدد، ما يدعو الجمهور إلى رؤية تواريخ مألوفة بطرق غير مألوفة. يقول بريسلين: «إذا بدأ جمهورنا يشعر بأنه يعرف ما سيحدث تالياً، فهذا يعني أنني - والمتحف أيضاً - لا نقوم بعملنا على الوجه المطلوب».

*خدمة «نيويورك تايمز»


المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

قال المخرج التركي إيلكر تشاتاك إن علاقته الفنية بالممثلة التركية أوزغو نامال بطلة فيلمه «رسائل صفراء» بدأت بذكرى تعود إلى سنوات مراهقته، حين شاهدها على خشبة المسرح في إسطنبول، برفقة والدته، وهو في الخامسة عشرة. واستعاد انبهاره بحضورها آنذاك، موضحاً أنها كانت ممثلة شابة، لكنها بدت له صاحبة الحضور الأكبر على الخشبة، حتى إنه ظل يتحدث مع والدته عن موهبتها بعد العرض، قبل أن يتابع صعودها لاحقاً إلى النجومية.

وأضاف تشاتاك، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن اسم نامال عاد إليه أثناء التحضير لفيلمه «رسائل صفراء»، بعدما اقترحتها مديرة اختيار الممثلين، لكنه اعتقد أنها ابتعدت عن التمثيل، مشيراً إلى أنها كانت تعيش في الريف، على مسافة بعيدة من إسطنبول، ومع ذلك جاءت للقائه ومناقشة المشروع، الذي تزامن مع رغبتها في العودة إلى العمل، ليجد نفسه أمام فرصة للتعاون مع ممثلة احتفظ بأثر أدائها طوال تلك السنوات.

ويتناول فيلم «رسائل صفراء»، المعروض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، حكاية «دريا» و«عزيز»، وهما زوجان يعملان بالفن في تركيا، تنقلب حياتهما عقب واقعة خلال افتتاح عرضهما المسرحي، ليصبحا مستهدفَين من الدولة. وبين التمسك بقناعاتهما وتدبير احتياجات الحياة، تتعرض علاقتهما الزوجية لضغوط متزايدة، في حين تجد ابنتهما المراهقة نفسها عالقة بين موقف الأب الرافض للتنازل ومحاولات الأم تأمين مستقبل الأسرة. وأوضح المخرج التركي أن «الخلفية المسرحية لنامال والممثل التركي تانسو بيتشر كانت عنصراً مهماً في اختيارهما»، وأوضح أن «بيتشر يدير مسرحاً صغيراً في إسطنبول، ويمتلك خبرة كبيرة على الخشبة».

يختار المخرج أفلاماً ذات طابع سياسي (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختبارات الأداء المشتركة أظهرت سريعاً التفاهم بينهما؛ إذ رأى في حضورهما معاً ما يحتاج إليه لتصديق العلاقة، وشعر بأن كلاً منهما يستطيع الاستجابة للآخر، بما يمنح المَشاهد الزوجية حياة تتجاوز الكلمات المكتوبة في السيناريو.

وتابع أنه منح بطلَيه حرية واسعة في صياغة الحوار، وسمح لهما باستبدال الكلمات واستخدام تعبيراتهما الخاصة؛ لأن خبرتهما جعلته مطمئناً إلى قدرتهما على الاحتفاظ بمعنى المشهد. وشبّه التعاون معهما بالتعاقد مع لاعب مثل ليونيل ميسي، موضحاً أن «امتلاك موهبة بهذا المستوى يفرض على المخرج توفير الظروف التي تسمح لها بالعمل والحرص على أجواء يستطيع فيها الجميع الكلام والاقتراح، من دون خوف من مخالفة تصور سابق».

وأشار إلى أن هذه الثقة أثرت في طريقته هو أيضاً، وجعلته أكثر استعداداً للاستماع والانفتاح على ما يأتي به الممثلان أثناء العمل، موضحاً أنه لا يحتاج إلى تفكيك الطريقة التي يصل بها الممثل إلى إحساسه، أو مطالبته بشرح أدواته، ما دام يرى نتيجة مقنعة أمام الكاميرا.

وأكد المخرج التركي أن بطلَيه أمضيا حياتهما في التمثيل، واكتسبا معرفة بالمهنة تستحق أن يمنحهما على أساسها مساحة حقيقية لاتخاذ قرارات تخص الأداء، لافتاً إلى أن حرية الممثل تبدأ، بالنسبة إليه، من وضوح الكتابة؛ فحين يعرف ما تدافع عنه الشخصية وما تسعى إليه، يصبح قادراً على التعبير بكلماته من دون الإخلال بالمشهد.

وعن الاستعانة بالنجوم، قال إنه لا يشترط وجود أسماء شهيرة في أفلامه، وإن كان يدرك أن حضورها يمنح العمل فرصة أكبر للانتشار والوصول إلى الجمهور، لافتاً إلى أن الجمهور في المجتمعات الغربية قد يعرف أسماء بعينها، في حين تغيب عنه مواهب كبيرة في بلدان أخرى، رغم ما قدّمته من أعمال وما كرّسته للمهنة من سنوات.

وعن ظروف تصوير الفيلم الحائز جائزة «الدبّ الذهبي» في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، أوضح المخرج التركي أنه بدأ التصوير بعد انتهاء حملة المنافسة على «الأوسكار» بفيلمه السابق «غرفة المعلمين»، وكان يشعر بأنه استنفد طاقته، في وقت يستعد فيه لخوض أكبر إنتاج في مسيرته.

المخرج التركي إيلكر تشاتاك (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «وجود نحو ستين ممثلاً يؤدون أدواراً حوارية فرض مسؤوليات تنظيمية واسعة، وجعلني مطالباً بمتابعة عدد كبير من التفاصيل»، في حين يحتاج في الوقت نفسه إلى «التركيز على المشاهد والشخصيات وما يجري أمام الكاميرا».

ولفت إلى أن العمل بين فريق ألماني وممثلين أتراك أضاف صعوبة أخرى؛ إذ كان واحداً من عدد محدود يتحدث اللغتين، فتحمّل جانباً كبيراً من الترجمة ونقل التعليمات.

واستعاد تشاتاك مرحلة سبقت إنجاز «غرفة المعلمين»، بدأ خلالها التفكير في الأفلام التي يريد أن تتشكل منها مسيرته، وما يرغب في رؤيته حين يعود إليها بعد سنوات، مشيراً إلى أن بعض الاختيارات قد تبدو موفقة لمُشاهد ومستفزة لآخر، ولا يستطيع صانع الفيلم معرفة النتيجة مسبقاً، لكنه يفضّل اختيار تقديم أفلام ذات موقف سياسي؛ لأنه يرى حاجة إلى الوعي في العالم الذي يعيش فيه، مع احترامه حق كل فنان في تحديد طبيعة أعماله.

وأوضح أنه يبحث عن هذه المساحة أثناء العمل، ويقبل أن يختلف الناس حول ما يقدمه؛ لأن تجربة فكرة جديدة تستلزم الاستعداد لاحتمال رفضها، مشيراً إلى أن رغبته في المجازفة كانت جزءاً من الدافع وراء قراراته الفنية في «رسائل صفراء».