هل يمتلك الرجل دماغاً مختلفاً عن دماغ المرأة؟

لهما تركيبتان متماثلتان ووزنهما غير المتساوي لا يؤثر على مستويات الذكاء

هل يمتلك الرجل دماغاً مختلفاً عن دماغ المرأة؟
TT

هل يمتلك الرجل دماغاً مختلفاً عن دماغ المرأة؟

هل يمتلك الرجل دماغاً مختلفاً عن دماغ المرأة؟

يشعر الرجال والنساء في حقيقة الأمر، وكأنهم من كوكبين مختلفين، فقد جاءت دراسات علمية كثيرة فيما مضى لتؤكد أن هناك اختلافات كثيرة بين دماغ الرجل والمرأة. إلا أن الدراسات الحديثة أكدت عكس ذلك، حيث إن تركيب الدماغ لا يختلف في كلا الجنسين... سوى أن دماغ المرأة أصغر بنسبة 10 في المائة عن دماغ الرجل، ومع ذلك فإنه لا يؤثر على مستويات الذكاء.
الفوارق بين الرجل والمرأة هي ليست اختلافات من حيث الشكل أو الأعضاء التناسلية فقط، بل هناك اختلاف في دماغ كل منهما. وهناك أدلة كثيرة على صحة ذلك، فالعاملون في شركة «غوغل» على سبيل المثال أكثرهم من الذكور بسبب العاطفة الشديدة لدى النساء وقلة ميلهن في صياغة الرموز التشفيرية.
وإذا أردت أن تعرف ما الذي يدعم الاختلافات بين الرجل والمرأة في قدرة كل منهما وسلوكهما وطباعهما، وحتى في خيارات نمط حياة كل منهما، فسوف ترى الإجابة تكمن في الجينات والأعضاء والغدد التناسلية.
- نظرة تاريخية
إن التفريق في الجنس على أساس الدماغ كان يعتمد في السابق على «سخافة» أساسها قياس حجم الجمجمة، أو على علم فراسة الدماغ Phrenology ، (وهو علم زائف قديم). وبقيت تلك المعتقدات حتى نهاية القرن التاسع عشر. بعدها بدأت البحوث الجادة في تثبيت طبيعة هذه الفوارق بين الرجل والمرأة. كانت التفسيرات الأولية لاختلاف دماغ الرجل عن المرأة تعتمد على الفارق في الوزن، فدماغ المرأة أخف من دماغ الرجل بنسبة 10 في المائة، أي ما يعادل 140 غراماً؛ ولذلك اعتبرت المرأة حينذاك في منزلة أدنى.
في الثمانينات من القرن الماضي جاءت فكرة الاختلاف في تركيب دماغ المرأة على أساس الجزء الأيمن والجزء الأيسر من الدماغ، فالجزء الأيسر هو الذي يسيطر على اللغة والتفكير الخاص بالتحليل النفسي والتفكير المنطقي، بينما يسيطر الجزء الأيمن منه على الإحساس العاطفي والإبداع.
وبتطور التكنولوجيا في نهاية القرن العشرين مع التطور الكبير في برامج الكومبيوتر وتحليل البيانات، أصبح بالإمكان تحديد الفوارق بين دماغَي الرجل والمرأة. وفي واحدة من الدراسات التي نشرت عام 2014 قام الباحثون من جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة بقياس مسارات اتصال الدماغ لعدد كبير من الرجال والنساء.
- الدماغ ومساراته
ليس هناك ما يثبت حقيقة أن الأشخاص الأذكياء يملكون أدمغة كبيرة، لكن البشر عادة يتفوقون على الحيوانات التي لديها أدمغة كبيرة كالحوت والفيل. وفي الوقت الحاضر نحن نعلم أن دماغ الإنسان هو ناتج من طبيعة حياة الفرد ومن الممارسات التي مر بها ومن مراحل التعليم ومواقع العمل ومن الممارسات الرياضية والهوايات.
على سبيل المثال، لكي يجتاز سائق التاكسي في لندن اختبار القيادة عليه أن يتذكر مسارات الطرق المختلفة التي يزيد عددها على 25 ألف شارع ضمن دائرة مداها 6 اميال (10 كلم) في منطقة تشارنغ كروس في وسط لندن؛ لذلك فإن أدمغة هؤلاء الأشخاص تختلف عن أدمغة مدربي قيادة التاكسي، وعن أدمغة سائقي التاكسي المتقاعدين، وحتى عن أدمغة سائقي حافلات نقل الركاب الذين يسلكون طرقاً محددة في مسارهم.
في عام 2005، أوضحت الطبيبة النفسانية ميليسا تيرلكي في كلية كابريني Cabrini College، والباحثة نورا نيوكومب من جامعة Temple، وكلتاهما من بنسلفانيا في أميركا، أن ألعاب الفيديو والكومبيوتر هي أفضل متنبئ للقدرات الذهنية. ولا فرق بين الجنسين في المهارة والتحكم في الألعاب. وتشير الدلائل إلى أن الرجل والمرأة متشابهان أكثر مما هما مختلفان، ففي عام 2015 وجدت مراجعة لأكثر من 20 ألف دراسة في الاختلافات السلوكية وفق بيانات من أكثر من 12 مليون شخص، وجدت أن الاختلاف بين الرجل والمرأة على مدى واسع من الصفات كانت بسيطة جداً مثل الاندفاع والتعاون والانفعالية.
- فوارق غير جوهرية
وكانت دراسة قامت بها دفنا جويل عام 2015 الأكثر تأكيداً على عدم وجود فوارق جوهرية بين دماغ الرجل والمرأة. فبعد فحص تراكيب 100 دماغ في أكثر من 1400 اختبار بالأشعة فوق الصوتية، وجدت أن من الصعب، بل من المستحيل تقسيم تلك العينات من الأدمغة إلى مجاميع لأدمغة رجال أو نساء.
في أحدث دراسة قامت بها جينا ريبون من جامعة استون في برمنغهام في المملكة المتحدة استخدمت تقنيات تصوير الدماغ لدراسة حالات التوحد وعسر القراءة dyslexia، أشارت إلى أن حالة التوحد هي حالة ذكورية، بمعنى أننا نفتقد الكثير من الإناث المصابات بالتوحد. فالتشخيص غالباً ما يشتمل على الذكور دون الإناث؛ ولذلك لا تحصل الإناث على العلاج اللازم، وتفتقد دراسات دماغ الإناث لطبيعة الإصابة بالتوحد وتقتصر على أدمغة الذكور.
بينما جاءت دراسة جامعة كمبردج البريطانية التي نشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وهي الأكبر والأوسع لمعرفة أوجه الاختلاف بين دماغ الرجل والمرأة استناداً إلى معطيات لأكثر من 671.6 ألف شخص، ويؤكد العلماء أن بنية دماغ الرجل تختلف عن بنية دماغ المرأة، وقد أكدت نتائج هذه الدراسة أن الرجال أفضل في مجال البرمجة، في حين أن المرأة أفضل تقبلاً للمشاعر، وقد انتقد البعض نتائج هذه الدراسة، مبررين ذلك بأن الباحثين لم يوضحوا ما إذا كانت السمات المعينة للدماغ ناتجة من التنشئة الاجتماعية أو الصفات الفطرية.
في النهاية، لا بد من القول: إن مفهوم دماغ الرجل يختلف عن دماغ المرأة أصبح قديماً وغير دقيق؛ فإن دماغ كل شخص فريد والأهمية تأتي من معرفة أن هذه الاختلافات الفردية هي ما يعنيه الدماغ لكل منهما.

مخطط «فراسة الدماغ» العلم الزائف القديم الذي قسم الدماغ إلى ملكات فكرية تكون كل ملكة مسؤولة عن صفة معينة


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي وتخطيط علاج السرطان... من ساعات إلى دقائق

الذكاء الاصطناعي وتخطيط علاج السرطان... من ساعات إلى دقائق
TT

الذكاء الاصطناعي وتخطيط علاج السرطان... من ساعات إلى دقائق

الذكاء الاصطناعي وتخطيط علاج السرطان... من ساعات إلى دقائق

عند علاج السرطان، قد تتوقف دقة الجلسة الإشعاعية على تفاصيل لا تتجاوز بضعة مليمترات. فالهدف ليس توجيه الإشعاع نحو الورم فحسب، بل تجنب الأنسجة السليمة المحيطة به، خصوصاً عندما يقع الورم بالقرب من الرئتين أو القلب أو أعضاء حساسة أخرى.

لكن إعداد الخطة العلاجية يتطلب أحياناً ساعات من العمل بين الأطباء والفيزيائيين الطبيين، فماذا لو استطاع الذكاء الاصطناعي اختصار هذه المهمة إلى دقائق، مع المحافظة على جودة الخطة؟ وتقدم دراسة علمية مثالاً عملياً على هذا التحول، وتثير سؤالاً أوسع: لماذا لا تصل الابتكارات التي تحقق نتائج واعدة في المختبر، إلى المرضى بالسرعة نفسها؟

تخطيط أسرع ودقة استهداف أعلى

• من ساعات للتخطيط إلى ثماني دقائق. في الدراسة التي نشرتها مجلة «برَكتيكال رادييشن أونكولوجي» (Practical Radiation Oncology) في 16 سبتمبر (أيلول) 2026، اختبر باحثون نظاماً آلياً لتخطيط العلاج الإشعاعي لسرطان الرئة، يعتمد على الذكاء الاصطناعي وصور توضح المناطق الرئوية الأكثر كفاءة وظيفياً. وشملت الدراسة بيانات 33 مريضاً بسرطان الرئة، وقارنت الخطط التي أنشأها النظام تلقائياً مع خطط أعدها متخصصون.

وكانت النتيجة اللافتة اختصار زمن التخطيط من ساعتين إلى ثلاث ساعات إلى نحو ثماني دقائق. ولم يقتصر التقييم على السرعة؛ إذ اعتبر ثلاثة أطباء، في مراجعة لم يكونوا يعرفون خلالها مصدر كل خطة، أن 87.9 في المئة من الخطط الآلية مقبولة سريرياً دون تعديل. لكن هذه النتائج تقيس جودة التخطيط وكفاءته، ولا تثبت وحدها تحسناً في بقاء المرضى أو انخفاض المضاعفات الفعلية.

• حماية الرئة السليمة. تكمن أهمية الدراسة في أنها لم تتعامل مع الرئة بوصفها عضواً متجانساً. فبعض مناطق الرئة تؤدي وظيفة تنفسية أفضل من غيرها، خصوصاً لدى المرضى الذين يعانون أمراضاً رئوية مصاحبة. وقد استخدم النظام صوراً وظيفية للمساعدة في توجيه الجرعات بعيداً عن المناطق الأعلى كفاءة، مع الاستمرار في استهداف الورم. وأظهرت المقارنة انخفاض متوسط الجرعة الإشعاعية التي تتلقاها المناطق الرئوية عالية الوظيفة بنسبة 15.1 في المائة مقارنة بالتخطيط التقليدي اليدوي.

كما أشارت الحسابات إلى انخفاض متوقع في احتمال حدوث التهاب رئوي إشعاعي متوسط الشدة أو أشد، لدى المرضى الذين يُرجح استفادتهم من هذا الأسلوب. وهنا يجب التمييز بين انخفاض الخطر المتوقع بواسطة نموذج حسابي، وإثبات انخفاض المضاعفات لدى المرضى بعد العلاج والمتابعة.

طبيب يراجع الصور الطبية أثناء تخطيط جرعات العلاج الإشعاعي

• لماذا لا يكفي نجاح الخوارزمية؟ في 24 سبتمبر(أيلول) 2026، نشرت مجلة «نيتشر ريفيوز كلينيكال أونكولوجي» (Nature Reviews Clinical Oncology) مراجعة علمية تناولت دور الذكاء الاصطناعي في تطوير العلاج الإشعاعي. وأوضحت المراجعة أن التطبيقات لم تعد مقتصرة على رسم حدود الأورام، بل امتدت إلى حساب الجرعات، وتعديل الخطط وفق تغير التشريح، وفحص الجودة، وتوقع بعض النتائج العلاجية.

ومع ذلك، فإن انتشار هذه الأدوات في الممارسة السريرية لا يزال أبطأ من إمكاناتها التقنية. والسبب أن الخطة التي تنجح في بيئة بحثية مضبوطة قد تواجه ظروفاً مختلفة داخل المستشفى، مثل اختلاف أجهزة التصوير، وبرامج التخطيط، وطبيعة الحالات، وطرق عمل الفرق الطبية. وهذا يفسر لماذا لا يمكن تحويل نتيجة بحثية واعدة مباشرة إلى خدمة علاجية واسعة النطاق.

• تجربة إيطالية تكشف عقبة مختلفة. قدمت دراسة وطنية إيطالية، نُشرت في أغسطس (آب) 2026 في مجلة «فيزيكا ميديكا» (Physica Medica)، منظوراً آخر للمشكلة. ورصدت الدراسة مدى استخدام الذكاء الاصطناعي والبرامج التي تنفذ بعض المهام تلقائياً في أقسام العلاج الإشعاعي، مثل تحديد حدود الورم والأعضاء السليمة على الصور، وإعداد خطط العلاج، وتعديلها مع تغيّر حجم الورم أو وضع الأعضاء.

وأشارت نتائجها إلى أن توافر الأجهزة والتقنيات ليس دائماً العقبة الرئيسية. فقد تتمتع المؤسسات بالمعدات اللازمة، لكنها تواجه صعوبات في دمج الأدوات ضمن العمل اليومي، وضبط الجودة، وتنظيم المسؤوليات بين أعضاء الفريق. وهكذا تصبح قدرة المستشفى على استيعاب التقنية عاملاً لا يقل أهمية عن تطور التقنية نفسها.

نتائج العلاج الناجح

• من الخطة المحسوبة إلى النتيجة العلاجية. تُقاس جودة الخطط الإشعاعية بمؤشرات متعددة، منها تغطية الورم بالجرعة المطلوبة وتقليل تعرض الأعضاء السليمة. لكن المريض يهتم في النهاية بأسئلة أكثر مباشرة: هل نجح العلاج في السيطرة على الورم؟ هل انخفضت المضاعفات؟ وهل تحسنت جودة حياته؟ وهذه النتائج تحتاج إلى متابعة سريرية، وقد تتطلب دراسات مستقبلية تقارن العلاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي بالأساليب المعتادة.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية اختصار الوقت؛ فقد يتيح تسريع التخطيط للفرق الطبية التعامل مع أعداد أكبر من الحالات، ويخفف بعض الأعباء التشغيلية. لكن مقدار هذه الفائدة يحتاج إلى إثبات في ظروف العمل الفعلية.

• مستقبل العلاج ليس خوارزمية واحدة. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن دور الذكاء الاصطناعي لن يقتصر على إنجاز خطوة واحدة، بل قد يمتد إلى مساعدة الفريق الطبي في مراحل العلاج المختلفة... من تحليل الصور وتخطيط الجرعات إلى متابعة استجابة المريض.

ومن بين الاتجاهات البحثية الناشئة ما يعرف بـ«التوأم الرقمي» (Digital Twin)، الذي يسعى إلى إنشاء تمثيل حاسوبي لحالة المريض يمكن استخدامه لمحاكاة سيناريوهات علاجية مختلفة. لكن هذه الإمكانات لا تزال متفاوتة النضج، ولا يجوز الخلط بين التطبيقات المتاحة سريرياً والتصورات المستقبلية.

إن التحول الحقيقي لن يحدث عندما تستطيع الخوارزمية إعداد خطة أسرع فحسب، بل عندما يصبح بالإمكان إثبات أن هذه السرعة تحافظ على جودة العلاج، وتخفف الأعباء، وتنعكس على حياة المرضى. فالفارق بين ابتكار ناجح وعلاج ناجح ليس ما تستطيع الآلة حسابه، بل ما يستفيد منه الإنسان فعلياً.

يقدم تخطيطاً أسرع ودقة استهداف أعلى لمكافحة الأورام الخبيثة


لماذا تترك بعض الصدمات آثاراً نفسية طويلة الأمد؟

لماذا تترك بعض الصدمات آثاراً نفسية طويلة الأمد؟
TT

لماذا تترك بعض الصدمات آثاراً نفسية طويلة الأمد؟

لماذا تترك بعض الصدمات آثاراً نفسية طويلة الأمد؟

تشير دراسة واسعة إلى أن العوامل الجينية قد تؤثر في خطر الإصابة بـ«اضطراب ما بعد الصدمة» بطرق تختلف باختلاف نوع التجربة المؤلمة، وظهور ارتباط لافت بين الإهمال العاطفي في الطفولة والعوامل الوراثية. وكشفت الدراسة عن أن الجينات قد تساعد في تفسير سبب إصابة بعض الأشخاص بالاضطراب عقب تجارب مؤلمة في حين لا يصاب به آخرون؛ ما يشير إلى أن الاستعداد الجيني لا يؤثر بالطريقة نفسها لدى الجميع.

ونُشرت النتائج في 16 سبتمبر (أيلول) 2026 في مجلة European Journal of Psychotraumatology، وتسلط الضوء على أهمية تجارب الطفولة في فهم العلاقة بين الوراثة واضطراب ما بعد الصدمة بما قد يفتح آفاقاً جديدة للوقاية والعلاج.

قد يظهر اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) post-traumatic stress disorder عقب التعرض لحدث يهدد الحياة أو يسبب ضيقاً نفسياً شديداً. ورغم أن ردود الفعل النفسية والجسدية القوية شائعة بعد الصدمات، فإنها تتراجع تدريجياً لدى معظم الأشخاص. لكن استمرارها وتأثيرها في الحياة اليومية قد يؤديان إلى تطور الاضطراب الذي تشمل أعراضه الكوابيس، والاسترجاعات الحية للحدث المؤلم، والذكريات الاقتحامية، وتجنب ما يذكّر به إلى جانب التوتر والمشاعر السلبية المستمرة.

الاستعداد الجيني والاضطراب

• الجينات والتجارب المؤلمة. وقد أظهرت دراسات سابقة أن الاختلافات الجينية تسهِم في تحديد قابلية الإصابة بالاضطراب، فقد حددت دراسة جينية كبرى نُشرت في مجلة nature genetics في 18 أبريل (نيسان) 2024 شملت نحو 150 ألف شخص، 95 منطقة في الجينوم مرتبطة به إلى جانب 43 جيناً تتوافر أدلة قوية على تأثيرها السببي. لكن الأبحاث نادراً ما تناولت اختلاف هذه الارتباطات حسب نوع الصدمة.

وللإجابة عن ذلك؛ حلل فريق من جامعة «كينغز كوليدج لندن» البيانات الجينية والصحية النفسية لـ144702 شخص جُمعت من مشروع البنك الحيوي البريطاني، وثلاث مبادرات بحثية مدعومة من المعهد الوطني البريطاني لأبحاث الصحة والرعاية.

وقيّم الباحثون أعراض الاضطراب لدى المشاركين وسألوهم عن 11 نوعاً من التجارب المؤلمة، شملت: الإساءة العاطفية والجسدية والإهمال والاعتداء الجنسي في الطفولة، إضافة إلى الحوادث الخطيرة والأمراض الشديدة والاعتداء الجنسي والجرائم العنيفة والتعرض للحرب أو مشاهدة الموت في مرحلة البلوغ.

ودرس الفريق التأثيرات الجينية على ثلاثة مستويات، هي الاستعداد الوراثي العام عبر الجينوم، والجينات الفردية والمتغيرات الجينية المحددة.

وقال الدكتور جوناثان كولمان، الباحث في علم الوراثة الإحصائي بمركز البحوث الطبية الحيوية التابع للمعهد الوطني للبحوث الصحية والرعاية في الجامعة المشارك الرئيسي للدراسة، إن التأثير العام للجينات في خطر الإصابة بالاضطراب يختلف باختلاف التجارب، وينطبق ذلك أحياناً على تأثير جينات بعينها أيضاً.

• صدمات الطفولة. وأظهرت النتائج أن صدمات الطفولة ارتبطت بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة بدرجة أقوى عموماً، كما سجلت تفاعلات أكبر بين العوامل الجينية والتجارب المؤلمة مقارنة بصدمات مرحلة البلوغ.

وعلى الرغم من أن الإساءة في الطفولة ارتبطت بالأعراض بدرجة أقوى من الإهمال، فإن العلاقة بين الإهمال والاضطراب كانت أكثر احتمالاً للتأثر بالعوامل الجينية. وأوضح كولمان أن الطفولة مرحلة حساسة يشهد خلالها الدماغ تغيرات سريعة في النمو وتتكون العلاقات الاجتماعية والهوية الشخصية، وقد تترك الاضطرابات التي تحدث خلالها آثاراً طويلة الأمد في الصحة النفسية. لكنه حذر من المبالغة في تفسير النتائج، مشيراً إلى أن قصر مرحلة الطفولة مقارنة بالبلوغ واقتصار الدراسة على نطاق أضيق من التجارب المؤلمة خلالها قد يجعلان تأثير صدمات الطفولة يبدو أكبر من حجمه الحقيقي.

جينات ترتبط بالخوف والتوتر

• تفاعل جينات محددة مع أنواع الصدمات. ورصد الباحثون اختلافات في تفاعل جينات محددة مع أنواع الصدمات. ومن أبرزها جين FAM120A المرتبط بمعالجة الخوف والتوتر في الدماغ؛ إذ كان تفاعله مع الإهمال العاطفي في الطفولة أقوى من تفاعله مع بقية أنواع الصدمات المدروسة.

كما أظهرت جينات أخرى تفاعلات مع أنواع متعددة من الصدمات، بينها جينات تشارك في التخلص من البروتينات التالفة داخل الخلايا والتواصل بين الخلايا العصبية وتنظيم تفاعلات البروتينات مع الحمض النووي «دي إن إيه».

وقال جاكوب كنيبسيل، الباحث الأول في الدراسة من مركز الطب النفسي الاجتماعي والوراثي والنماء معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلم الأعصاب في الجامعة، إن النتائج تتوافق مع الفهم العلمي الذي يربط الاضطراب بنمو الدماغ والتواصل بين خلاياه واستجابة الجسم للتوتر.

ومع ذلك، لم يتمكن الباحثون من تحديد عملية بيولوجية تفسر سبب ارتباط بعض الصدمات بالعوامل الجينية بدرجة أقوى، كما لا يزال دور بعض الجينات ومنها جين SGCD المرتبط بوظائف العضلات غير واضح.

• نحو دعم أكثر تخصيصاً. وأكد الباحثون أهمية مراعاة أنواع الصدمات التي تعرَّض لها الأشخاص في الدراسات الجينية المستقبلية بدلاً من التعامل معها بوصفها فئة واحدة. وقد يساعد فهم التفاعل بين الجينات والتجارب المختلفة مستقبلاً في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالاضطراب وتوفير الدعم لهم مبكراً.

وأشار كولمان إلى أن الهدف على المدى البعيد هو استكشاف إمكانية استخدام المعلومات الجينية لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر بعد التعرض لأحداث مؤلمة معينة.

لكن الجينات لا تحدد حتماً الإصابة بالاضطراب؛ إذ تظل التجارب الشخصية والظروف المحيطة عوامل مؤثرة، كما يتطلب توظيف المعلومات الجينية في الفحص الفردي أو توجيه العلاج مزيداً من الأبحاث. وتؤكد النتائج أن فهم العلاقة بين الاستعداد الوراثي وتجارب الحياة قد يمثل خطوة مهمة نحو تحسين الوقاية من اضطراب ما بعد الصدمة وعلاجه.


«التكنولوجيا السريعة» تضاعف أزمة النفايات الإلكترونية

«التكنولوجيا السريعة» تشمل الأجهزة الإلكترونية الرخيصة التي يسهل شراؤها مثل الألعاب الصغيرة (منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية)
«التكنولوجيا السريعة» تشمل الأجهزة الإلكترونية الرخيصة التي يسهل شراؤها مثل الألعاب الصغيرة (منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية)
TT

«التكنولوجيا السريعة» تضاعف أزمة النفايات الإلكترونية

«التكنولوجيا السريعة» تشمل الأجهزة الإلكترونية الرخيصة التي يسهل شراؤها مثل الألعاب الصغيرة (منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية)
«التكنولوجيا السريعة» تشمل الأجهزة الإلكترونية الرخيصة التي يسهل شراؤها مثل الألعاب الصغيرة (منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية)

تبدو الأجهزة الإلكترونية الصغيرة والرخيصة... من سماعات الأذن اللاسلكية والمراوح الصغيرة إلى الألعاب والمصابيح، خيارات عملية لا تستدعي كثيراً من التفكير قبل شرائها أو استبدالها. لكن انتشارها المتزايد يفاقم مشكلة بيئية لا تحظى بالاهتمام الكافي؛ فمع قِصر العمر الافتراضي لبعض هذه المنتجات، ينتهي المطاف بكثير منها في سلال القمامة أو منسية داخل الأدراج، بدلاً من إعادة تدويرها؛ ما يؤدي إلى هدر مواد قابلة للاسترداد ويزيد مخاطر الحرائق المرتبطة بالبطاريات. وتحذر دراسة دولية من أن انخفاض سعر هذه الأجهزة لا يعني انخفاض تكلفتها البيئية.

وأظهرت الدراسة التي أجرتها شركة «بيلغارد ساينتيفيك كونسلتينغ» بتكليف من منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية (WEEE)، وهو جمعية دولية تضم 50 منظمة معنية بمسؤولية المنتجين، أن 78 في المائة من المشاركين، البالغ عددهم 10 آلاف و245 شخصاً في 12 دولة أوروبية، اشتروا منتجاً واحداً على الأقل من هذه الفئة خلال الاثني عشر شهراً السابقة. وتكتسب النتائج أهمية خاصة مع اقتراب موسم التخفيضات السنوية، بما فيه «الجمعة السوداء» وعطلات نهاية العام، الذي يشهد إقبالاً على الإلكترونيات منخفضة التكلفة.

ويشير مصطلح «التكنولوجيا السريعة» (Fast Tech) إلى الأجهزة الإلكترونية الرخيصة التي يسهل شراؤها، ويُستخدم بعضها لفترات قصيرة قبل التخلص منه أو استبداله، في نمط استهلاكي يشبه «الموضة السريعة»، القائمة على شراء المنتجات منخفضة التكلفة واستبدالها بوتيرة متسارعة، حسب ما نشره المنتدى عبر موقعه في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

أجهزة رخيصة وعمر قصير

وحسب الدراسة، اختار 55 في المائة من المشاركين هذه المنتجات بسبب انخفاض أسعارها، في حين تذكّر 58 في المائة استخدام منتج واحد على الأقل لمدة لا تتجاوز ستة أشهر. ومن بين هؤلاء، تذكّر 39 في المائة منتجاً تخلصوا منه دون استخدامه، أو بعد استخدامه مرة واحدة، أو خلال شهر من شرائه.

ولا تنتهي المشكلة عند الاستغناء عن الأجهزة، بل تتفاقم بسبب طرق التخلص منها، حسب النتائج. فقد أفاد 29 في المائة من المشترين بأنهم يحتفظون بها في منازلهم، في حين يلقي 23 في المائة منها في النفايات المنزلية العامة، ويضعها 21 في المائة في حاويات إعادة تدوير البلاستيك. في المقابل، قال 27 في المائة إنهم ينقلونها إلى مراكز إعادة التدوير أو المرافق البلدية.

وتؤدي هذه الممارسات إلى تراكم الأجهزة غير المستخدمة أو وصولها إلى مسارات لا تتيح استعادة مكوناتها بكفاءة، بما يهدر مواد يمكن إعادة استخدامها، مثل المعادن والبلاستيك. كما أن بعض الأجهزة يحتوي على بطاريات ليثيوم أيون قد تتسبب في حرائق إذا تعرضت للسحق أو الثقب داخل شاحنات جمع النفايات أو منشآت الفرز والمعالجة.

ووفقاً لنتائج مجموعة عمل تابعة للمنتدى، أفاد 36 في المائة من مشغلي مرافق معالجة النفايات الإلكترونية الذين شملهم استطلاع، بأن منشآتهم شهدت حريقاً مرتبطاً بالبطاريات خلال العام السابق. وتشمل الأجهزة المثيرة للقلق سماعات الأذن اللاسلكية والألعاب الإلكترونية الصغيرة والسجائر الإلكترونية أحادية الاستخدام.

ووفق الفريق، تكشف النتائج عن فجوة بين معرفة المستهلكين بطبيعة هذه المنتجات وطريقة التخلص منها؛ فرغم أن 83 في المائة من المشاركين يعرفون أنها تحتوي على مكونات إلكترونية، فإن هذا الإدراك لا يضمن التعامل معها على نحو سليم.

مشكلة تتجاوز أوروبا

وقالت ماغدالينا تشاريتانوفيتش، منسقة «منتدى نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية»، إن إلقاء جهاز صغير يعمل بالبطارية في حاوية النفايات المنزلية قد يبدو أمراً غير مهم، لكن تكرار ذلك مع ملايين المنتجات يحوّل الأمر مشكلة خطيرة؛ بسبب هدر الموارد وزيادة مخاطر الحرائق على العاملين والمنشآت التي تتعامل مع النفايات.

وأضافت تشاريتانوفيتش لـ«الشرق الأوسط»، أن المشكلة لا تقتصر على أوروبا، بل يُرجح وجودها في مناطق أخرى من العالم، وقد تصبح أكثر خطورة في البلدان النامية التي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لجمع النفايات الإلكترونية وإعادة تدويرها. وأوضحت أن انتشار التجارة الإلكترونية والعولمة أتاحا هذه المنتجات في مختلف أنحاء العالم؛ ما يجعل التوعية بمخاطر التخلص غير السليم منها ضرورة بيئية وأمنية.

وأشارت إلى أن صغر حجم الأجهزة يجعل من السهل إلقاؤها في القمامة أو نسيانها داخل الأدراج، مؤكدة أن الحد من المشكلة يتطلب توعية المستهلكين وتسهيل وصولهم إلى نقاط جمع مجانية، مثل الصناديق المخصصة في المتاجر والحاويات الموجودة في الأماكن العامة وخدمات الإرجاع البريدي. لكنها لفتت إلى أن بعض الأجهزة يصعب تفكيكها وإعادة تدويرها حتى بعد جمعها.

وشددت على أهمية إلزام الشركات المنتجة والمنصات التي تبيع هذه الأجهزة بالتسجيل في أنظمة مسؤولية المنتج الممتدة، بما يضمن تغطية تكاليف جمع المنتجات وإعادة تدويرها، إلى جانب إدراج التوعية بكيفية التعامل معها بعد انتهاء عمرها الافتراضي ضمن السياسات المعتمدة.

ويوصي المنتدى المستهلكين بالتفكير في حاجتهم الفعلية إلى الجهاز قبل شرائه، وإصلاح الأجهزة الموجودة أو شراء منتجات مستعملة بدلاً من استبدالها، مع إعادة استخدام الأجهزة الصالحة أو التبرع بها. وعند انتهاء عمر الجهاز، ينبغي تسليمه إلى نقاط الجمع الرسمية أو منافذ استعادة الأجهزة لدى المتاجر، بدلاً من إلقائه في النفايات المنزلية؛ لضمان التعامل معه بصورة سليمة واستعادة مواده القابلة لإعادة التدوير.