رولان بارت وموت البنيوية!

سيرته هي سيرة جيل بأكمله ومرحلة بأسرها

جان بول سارتر  -  ميشال فوكو
جان بول سارتر - ميشال فوكو
TT

رولان بارت وموت البنيوية!

جان بول سارتر  -  ميشال فوكو
جان بول سارتر - ميشال فوكو

صدرت أخيراً عن رولان بارت أضخم سيرة ذاتية حتى الآن: 715 صفحة من القطع الكبير. ومن كثرة ما طنطنوا بها وتحدثوا عنها طلبتها من مكتبة الألفية الثالثة الواقعة مقابل البرلمان تقريباً في وسط الرباط العامرة. فجلبوها لي بعد فترة قصيرة. من ميزات هذا البلد الجميل أنك تستطيع أن تحصل فيه على الكتب العربية والفرنسية في آن معاً. إنه بلد الانفتاح والتسامح وتلاقح الأفكار والحضارات وليس بلد الانغلاق والتعصب والجهل. إنه وريث الحضارة الأندلسية التي أشعت على العالم يوماً ما ووصلت بالعبقرية العربية الإسلامية إلى الذروة. لقد أمضيت وقتاً ممتعاً مع رولان بارت، إذ إن سيرته هذه شغلتني لعدة أيام متوالية ولا تزال. وأكاد أقول إنني قرأت سيرتي الذاتية أيضاً من خلال سيرته. فنحن الطلبة السوريين أو العرب الذين وصلوا إلى فرنسا في أواسط السبعينات من القرن الماضي لم نجد أمامنا تقريباً إلا رولان بارت وميشال فوكو. كانا آنذاك في أوج مجدهما. وكانت البنيوية تشغل الساحة كلياً من خلالهما. أما سارتر فكان على وشك الغروب. فقد مات عام 1980 بعد 4 سنوات من وصولي إلى العاصمة الفرنسية.
وبالتالي كان شريط الذكريات الباريسية يتوالى أمام عيني أو في ذاكرتي وأنا أقرأ هذه السيرة الضخمة التي هي سيرة جيل بأكمله ومرحلة بأسرها. بقي أن نقول إن مؤلفتها هي الباحثة تيفين سامويولت الأستاذة في جامعة السوربون الجديدة، باريس الثالثة. وهي الجامعة ذاتها التي تخرجت منها أنا شخصياً عام 1981 ونلت شهادة الدكتوراه عن اتجاهات النقد العربي الحديث بين عامي 1950 - 1975. باختصار كنت في بيتي إذا جاز التعبير أو في مناخي النفسي وأنا أتصفح هذا الكتاب. كانت ذكرياتي الشخصية تختلط بوقائع الكتاب ذاته. لا أزال أتذكر ببعض اللوعة والدهشة كيف صدمتني البنيوية آنذاك. بدت لي جافة، قاحلة، أكثر من اللزوم. لحسن الحظ، فإن بارت لم يتوقف عند المرحلة البنيوية وإنما تجاوزها ككل كاتب نابغ يعرف معنى الأدب و«متعة النص» إذا استعرنا أحد عناوين كتبه. تفتتح المؤلفة كتابها بفصل كامل عن موت رولان بارت. بمعنى أنها تبتدئ من النهاية لا من البداية. ومعلوم أنه مات بحادث سيارة لم يرها للأسف وهو يحاول أن يعبر الطريق. فقد كانت مختبئة وراء سيارة أخرى. وكان ذلك بعد غدائه الشهير والأخير مع زعيم الحزب الاشتراكي فرنسوا ميتران الذي سيقفز على رئاسة الجمهورية الفرنسية بعد بضعة أشهر فقط.
ومعلوم أن بعض السياسيين ملاعين ويحاولون دائماً استقطاب كبار المثقفين إلى دائرتهم لنيل مزيد من الشرعية والبريق. كل مرشح يتفاخر على منافسه بعدد المثقفين المشاهير الذين ينضمون إليه. ويبدو أن بارت قال لأحد أصدقائه بالتليفون: لا أعرف لماذا دعوني إلى هذا الغداء؟ أعتقد أنهم يريدون توريطي مع ميتران ضد جيسكار.
المهم أنه لا أحد ينجو من قدره ومصيره. والمكتوب مكتوب كما يقال. فلو تخلف عن هذا الغداء المشؤوم الذي حضره مثقفون آخرون من بينهم جاك بيرك لما كان حادث السيارة ولما توقفت حياة رولان بارت عام 1980 عند 64 عاماً فقط. وهو عمر قصير قياساً إلى متوسط العمر في الدول المتقدمة: 80 عاماً أو أكثر. جاك بيرك عاش 85 عاماً وأتيح له الوقت الكافي لوضع كتبه وقول كل ما يريد قوله عن العرب والإسلام.
على أي حال، لنعد إلى البنيوية والنقد الجديد الذي دشنه بارت وآخرون. في الماضي كان غوستاف لانسون أستاذ طه حسين هو المسيطر على النقد الأدبي في السوربون. فجاءت البنيوية لتحطيمه. لماذا؟ لأنه كان يركز كثيراً قبل قراءة النص على مؤلفه وحياته والأحداث التي مر بها في حياته ومحاولة ربطها. فكلها بحسب رأيه ذات تأثير كبير على تأليف النص؛ شعراً كان أم نثراً. بمعنى لكي أفهم أعمال بلزاك ينبغي أولاً أن أقرأ حياة بلزاك والتجارب التي مر بها؛ كبيرة أو صغيرة. فلا يمكن فهم النص قبل فهم المؤلف الذي كتبه. قد تقولون: وما العيب في ذلك؟ إنه تحصيل حاصل. إنه كلام منطقي لا غبار عليه. وأنا معكم تماماً. ولكن صرعة البنيوية أوهمتنا بالعكس. لقد حاولت أن تقنعنا ضد كل منطق أنه لكي ندرس نصاً ما ينبغي أن نشطب على مؤلفه تماماً. فهذا شيء ثانوي لا أهمية له في نظرها! وقد وفدت هذه الفكرة على الساحة الباريسية من جهة الشكلانيين الروس الذين كانوا يقولون ما معناه: ليس المهم الكاتب وإنما الأدب أو بالأحرى أدبية النص. ولكي نكتشف سر هذه الأدبية أو الشحنة الشعرية ينبغي أن نشرَح النص تشريحاً علمياً بلاغياً لا هوادة فيه.
وهذا يشبه نظرية النظم عند ناقدنا العربي الكبير عبد القاهر الجرجاني. وحتى هنا فإن النظرية صحيحة وموفقة. ولكن المشكلة هي أن البنيويين الباريسيين بالغوا في هذا الاتجاه حتى حولوا النص إلى مجرد تعداد للفواصل والنقط والحروف كما فعل كلود ليفي سشتروس في تحليله الشهير والبغيض لقصيدة بودلير «القطط»، وهذا ما أدى إلى انحسار البنيوية في نهاية المطاف. فقد ملت الناس منها ومن جفافها ومن تحويلها الأدب إلى معادلات رياضية جافة وغير مقنعة في نهاية المطاف بعد أن فقدت مصداقيتها. بمعنى آخر فإنهم قضوا نهائياً على أدبية الأدب، على طراوة الشعر وجمال الإبداع الخلاق.
ولهذا السبب تخلى عنها بارت نفسه وانتقل إلى مرحلة استذواق النص أو متعته. وذلك لأنه كان كاتباً كبيراً وليس فقط مجرد ناقد أدبي أكاديمي بارد. أو قل كان هذا وذاك في الوقت ذاته أو تباعاً.
لقد أخذ على بارت في عز الصرعة البنيوية أنه وقع في عدة مطبات. والدليل على ذلك تصريحاته الارتجالية الصاعقة التي تقول مثلاً إن اللغة فاشية! ما هذا الهراء يا سيد بارت؟ اللغة ليست فاشية إلا إذا استخدمت بشكل فاشي من قبل موسوليني أو هتلر أو أشكالهما. اللغة يمكن أن تعبر عن الفاشية والديمقراطية. كل شيء يعتمد على طريقة استخدامه والأفكار التي نعبر عنها فيه. فمن الواضح أننا لا نستطيع أن نعبر عن أي فكر إلا من خلال اللغة. ولذلك قال أرسطو إن الإنسان حيوان ناطق على عكس الحيوان الذي يعبر بالإشارات والأصوات ولا يستطيع أن يصل إلى مستوى اللغة. وهنا يمكن الفرق الأساسي بين الحيوان/ والإنسان. ثم أتحفنا بارت بعبارة أخرى لا تقل صرعة وغرابة وهي موت المؤلف. وهي تشبه عبارة فوكو عن موت الإنسان التي اختتم بها كتابه الشهير «الكلمات والأشياء». وكلتاهما تعيدنا إلى عبارة نيتشه الشهيرة في القرن التاسع عشر عن «موت الله». معاذ الله! فالله حي لا يموت. ولكن الشيء الذي مات هو التصور القمعي الظلامي التكفيري للأصولية المسيحية عنه. بهذا المعنى فعبارة نيتشه صحيحة. إذا كان بارت يقصد بموت المؤلف موت الفكرة التقليدية المشكلة عنه التي تعتبره خالقاً مطلقاً للنص الموقع باسمه فلا اعتراض لنا على ذلك. فالواقع أن النص، أي نص، يحيلنا إلى شبكة فسيفسائية من الاستشهادات المأخوذة عن نصوص أخرى قرأها المؤلف وتأثر بها قبل أن يكتب نصه. لا يوجد مؤلف يخلق نصه من العدم مهما كان إبداعه خارقاً. كلنا نتأثر بمن سبقنا أو جايلنا. نقول ذلك على الرغم من أن المبدعين الكبار أقل تقليداً لسواهم من المبدعين الصغار.
بهذا المعنى، فإن نظرية موت المؤلف لا تنطبق على شاعر ضخم مثل المتنبي مثلاً. فهو فعلاً خلق نصه بعبقريته الخارقة التي لا تضاهى. إنه لا يتكئ على سواه مثل الآخرين من صغار الشعراء. الكلام نفسه يقال عن أبي تمام أو المعري بعد أن تخلص من تأثير المتنبي، إلخ... وبالتالي فإذا كان المقصود بموت المؤلف موته مؤلفاً وحيداً للنص دون أي تأثر صريح أو ضمني بمن سبقوه فلا غبار على الفكرة. ولكن إذا كان المقصود به موته في المطلق أو نفي أهميته فهذا هراء لا يصمد أمام الامتحان. اذهب وقل لبلزاك إن نصه ليس نصه، أو لتولستوي، أو لرامبو، أو لبودلير... إلخ. سوف يبصقون عليك في وجهك. اذهب وقل لهم إنه لا علاقة لنصوصهم بسيرتهم أو بتجاربهم الحياتية المعاشة. سوف ينظرون إليك شزراً. هذا أقل ما يقال. فنصوصهم هي عصارتهم، هي زبدة حياتهم، هي جوهر وجودهم على هذه الأرض. من يستطيع أن ينفي العلاقة بين روايات دوستويفسكي العبقرية والتجارب الحياتية الهائلة والمرعبة التي مر بها؟ الشيء نفسه يقال عن كل المبدعين الكبار. لهذا السبب سقطت البنيوية موضةً بعد أن طغت وعربدت وزادت على حدها حتى انقلبت إلى ضدها واشمأزت الناس منها. وقد شهدت سقوطها بأم عيني في باريس في المنعطف الفاصل بين الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وقلت بيني وبين نفسي: سبحان الله؛ في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح. وقلت أيضاً: «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». صدق الله العظيم. ولكن المشكلة هي أن النقد العربي البنيوي لا يدرك كل هذه التفاصيل فيظل سائراً خلف الصرعات الباريسية بنوع من التقليد الأعمى والعبودي. متى سيستفيق البنيويون العرب من غفلتهم؟
أخيراً؛ كنت أتمنى لو أمتلك الوقت الكافي للتوقف عند علاقة بارت بسارتر، أو بميشال فوكو، أو بفيليب سوليرز، إلخ. ومعلوم أن المؤلفة خصصت فصولاً مطولة لكل واحدة من هذه العلاقات المهمة. كنت أتمنى أيضاً لو أستطيع التوقف عند علاقته بأمه التي كان يعبدها عبادة والتي كانت الحب الأساسي وربما الوحيد في حياته. ولها كرس كتابه الأخير: الغرفة المضيئة.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».