شعرية الشفرة

محمد الحمامصي في «يده الأخيرة»

شعرية الشفرة
TT

شعرية الشفرة

شعرية الشفرة

تشكل شعرية الشفرة بلغتها التلغرافية المقطرة المختزلة محور الرؤية، ومركز الدوال الشعرية في ديوان الشاعر محمد الحمامصي «يده الأخيرة» الصادر حديثاً عن «دار أروقة» بالقاهرة، وتحلق في أجواء الديوان، مشرّبة بمجاز المفارقة وبنية السؤال المفتوح على أزمنة الروح والجسد والحلم والواقع، بينما تراوح الأنثى العاشقة بمراوغاتها العاطفية الملتبسة، ما بين أقصى الحسي والمجرد، وتقاطعات الحضور والغياب.
بهذه الروح يطالعنا المشهد في الديوان، عبر قماشة شعرية تمتد إلى نحو 140 صفحة، تتوزع ما بين 12 عنواناً داخلياً، معتمدة على بنية التسلسل الرقمي في ترتيب النصوص والربط فنياً بينها داخل كل فصل، يتبلور ويشف مجاز اليد الأخيرة، متجاوزاً دلالة العشق والوله بالأنثى، إلى معنى الوطن والحرية وافتقاد العدل، والشعور بالخوف والضعف.
في العشق تحضر كل الضمائر؛ تتكلم وتراوغ وتناور بسلاسة ومحبة مغوية إلى حد الجنون، وفي الوطن؛ تنطمس وتتشوه وتتآكل وتغيب الضمائر إلى حد التلاشي، تحت وطأة الظلم والقهر والعسف والرغبة في الاستئثار بالسلطة. ومن ثم، تتكثف في الديوان دلالة الباب بكل تمثلاته: الباب المفتوح والموارب، المكسور والمغلق، بل غير الموجود أصلاً، مشكلاً موازياً رمزياً للصرخة في نشدانها الإنساني العارم للحرية والحب، وللوطن حتى لا يصبح بيتاً بلا باب ـ أو باباً بلا بيت، وأيضاً الحبيبة موحداً بين فضائها (بابها) وفضاء الصحراء اللامترامي حيث «لا باب للصحراء/ ليغلق به على أنوثتها الضارية».
من ثقب هذه الرمزية، تطل الذات الشاعرة على عالمها وتستشرفه في مستهل الديوان على هذا النحو:
لا باب هناك
لا غرفة
لا مساء
لكنه يفضل أن يظل معلقاً برجاء...
وعلى عكس دلالة اليد التي تأتي مرادفاً ليقين ممزوج بالأسى والحسرة، ويصدر بها الشاعر الديوان قائلاً: «العمر كله دفتر، كتبته يد الغياب»، يبرز الباب شاهداً ودليلاً، لكنه شاهد صامت، يتحرك حين تلامسه الأيدي، وهناك أيضاً ثمة «باب للريح» عنواناً للفصل الثاني، وعلى ظهر غلاف الديوان ثمة بابٌ وجدران تتألم، وصرخة مكتومة لم تجد صدى لظلها سوى القسوة:
«أغلقتْ الباب
وقالت لن أصرخَ
حتى تتورمَ الجدرانُ من الألم
...
...
أحبكِ فلا تترفقي بي أيتها القسوة»
لا تعمل رمزية الباب، باب البيت، في الفصل بين الداخل والخارج، والشعور بالسكنى والطمأنينة، فحسب، بل تشكل نواة أساسية لفكرة الاحتواء، دونها تصبح هذه الفكرة مجرد عراء مبتذل ومجاني. لكن هل ثمة حكمة، تشكل خلاصة حياة لرمزية الباب. تخلص الذات الشاعرة إلى ذلك، في توقيعة شعرية، تطالعنا في فصل بعنوان «بين الباب والغرفة»، في المقطع رقم 2 (ص 28)، فحكمة الباب هي حكمة اليد الضائعة، بيد أنها حكمة غير جازمة، إنها محض حدس وظن يشارف الحكمة، مشرّباً بظلال من الشك والتوتر، وكأن الشاعر يريد أن يقول من خلال هذه اللطشة: أن تصل إلى حكمة ما، معنى ذلك أنك ستغلق الباب، أنه لا مكان آخر يحتويك أو تحتويه... يلمح النص لهذا المعنى، حيث تنقسم الذات الشاعرة على نفسها، في إشارة ضمنية إلى تعدد حالاتها وأحوالها، بحسب دفق العشق والحنين، موجهة الخطاب إليها على لسان المخاطب الغائب وفي ندهة شعرية تشبه الطرق على باب المجهول:
«كلما ظنَّهُ هناك
أو هنا
فرّ إليه...
الباب وهم اليد الضائعة»
ثمة معنيان هنا يشارفان مفارقة الضد مجازياً وواقعياً، بين الباب والمعرفة، فالباب ابن الحياة، له دور محدد وكينونة واضحة، والمعرفة ابنة الظن والوهم والشطح، لذلك تتعدد أبوابها. لكن هناك ما يوحد بين هذين المعنيين في لحظات كثيرة، أو على الأقل يجعلنا نتخيل ذلك، تتجلى هذه اللحظة في فعل الطرق، ليس باليد أو العقل، وإنما بالروح... الطرق على باب لا يغلق أبداً، هو باب الله... هنا تكمن في تصوري، دلالة العنوان، عبر نص واخز درامياً وإنسانياً (ص 118)، مستحضراً هذه الدلالة القارة في الوجدان الشعبي، التي تمثل نقطة تلاقٍ شديدة الشجن، بين مظاهر البؤس والفقر والعوز الاجتماعي، وفي الوقت نفسه، بين الإيمان بالذات الإلهية منبع النور والروحانية والرزق. فنحن دائماً نصف الشحاذين على ناصية الشوارع وفي الطرقات بأنهم «على باب الله»، بل كثيراً ما نتأسى على وجودنا في غبار هذه النظرة، ونهمس «كلنا على باب الله»... ومن ثم، لا يمد الشحاذ العجوز الذي يلتحف الرصيف يده إلى المارة العابرين الذين يكتظ بهم الرصيف من كل صنف ولون، وإنما يمد يده إلى الله، كأنه يطرق بابه في ظلالهم، حذراً من أن تصاب اليد بأذى بعد أن باعه الوطن، لأنها عكاز وجوده وبقائه على قيد الحياة، فهو عارٍ على الرصيف لا بيت له ولا باب، كل ما يملكه يده، حصنه وملاذه الأخير... يقول النص الذي وسم العنوان وفي فصل بعنوان «خطيئة»، يرشح بمجاز المفارقة كأنه وعاء للنص والواقع معاً:
«العجوز الذي باعه الوطن
وطعنته الأفواهُ والأيدي والأقدام
وبَرَى جسده التراب
يلتزم الرصيف في الغدو أو الرواح
محتمياً بخبرة طويلة في الحذر
خائفاً أن يفقد يده
يده الأخيرة التي يستند عليها بقاؤه».
لا تحبذ شعرية الحمامصي الاندياح في التفاصيل، فثمة زهد تمارسه الذات الشاعرة مع نفسها، ونشعر أنه موجه ضدنا، ولذلك لا تعتمد المشهدية في الديوان على السرد والإيهام بحكاية ما، بقدر ما تعتمد على فضاء البصر وآلية الاختزال والسؤال المفتوح، إنها مشهدية الداخل، مسكونة بحرقتها وظمئها الذي تعيشه، ويلامس هذا الظمأ أحياناً مراتب التصوف، بيد أن التصوف يظل بمثابة غلالة شفيفة، وليس الموقف الصوفي بمكابداته الروحانية الزاهدة المعقدة، هو مجرد شفرة وعلامة في الديوان، تمنح الذات حيوية بناء المشهد والتحليق في فضائه من زوايا متعددة دون رتوش وتفاصيل... يقول الشاعر في فصل بعنوان «في جنازته» (ص 101):
«حافياً،
صائماً،
صامتاً،
أصعد وأهبط
لست نبياً ولا ولياً
لكن الأمر يعجبني
يعجبني رتقُ أثوابِ المارة
نبشُ وجوههم
وكنسُ مخلفات أعضائهم
يعجبني أن أطوف حول امرأة لا ترغب فيّ
أن أعيش ما بقي مني غباراً في هواء».
يتضافر مع ما سبق نظرة الذات الشعرية إلى الأشياء وتعاملها معها، حيث تمثل رمزية العبور محور ارتكاز لهذه التعامل، فدائماً ثمة ضفة أخرى تشد الذات إلى الأعمق، كما أن الأشياء ليست وجوداً ثابتاً خالصاً لذاته، بقدر ما هي علامة على وجود عابر، تتخفى حقيقته فيما وراءه، وهناك عابرون قدامى، وعابرون جدد، وآخرون لم تتح لهم الفرصة بعد... إنها مشهدية مرنة، تتمتع بحيوية خاصة، فالذات الشاعرة تعيش المشهد في الخارج، تقلِّبه على شتى أوجهه وأقنعته، وحين تجره إلى فضاء النص، تخلصه من الزوائد والأوهام، ليتعرى ويصفو إلى نفسه، مصطدماً بما يعتمل فيها من خراب وتواطؤ وخيانة.
تبلغ هذه المعايشة ذروتها درامياً، تحت وطأة الفساد الذي ينخر في جسد الواقع سياسياً واجتماعياً ونفسياً، وتتسرّب ظلال ومشاهد من ثورة 25 يناير (كانون الثاني) بمفارقاتها المصيرية الحارقة، تمتد إلى خطى الشاعر نفسه، موسعة المسافة بينه وبين ظله، فنلمح في النصوص روحاً منكسرة، وشغفاً ذابلاً بالحياة إلى حد اليأس، بل إن المشهد برمته يتحول إلى كابوس، وشبح موت مباغت ينتظر الفرصة الملائمة، ليغلق باب الحياة إلى الأبد... يطالعنا ذلك في نصوص جمة بالديوان، على سبيل المثال (ص 74) في فصل بعنوان «أحوال» حيث يقول الشاعر:
«كل صباح يختار طريقاً
ويستأنف السير
ينادي على جوارحه:
اثبتي
لا تخافي
لا موعد لنا مع الموت اليوم»
ومثلما افتتحت الديوان رمزية الباب المعلَّق برجاء الوجود تحت وطأة الانتظار، ها هو يرسم لطشته الأخيرة بوجه هشمه الفقر، محاصر بالخوف الذي ملأ الشوارع، حتى كأن الحياة شحاذٌ ينتظر لقمة عاطبة، تسقط من أفواه الخونة واللصوص... يقول الشاعر في مشهد مفعم بالحزن والقسوة والعدم:
يحبو متسولاً
يقطع الطريقُ صوتَه
منذراً ومحذراً
«حاجة لله»
فلا يثير أذناً ولا عيناً
هكذا، يحول الشاعر نصه إلى قفزة مغوية، نحو مطلق الخيال، مطلق الروح والجمال والعشق والحرية، لكن يبقى الوطن محض مرثية حزينة ضاعت فيها أصوات الماضي والحاضر والمستقبل.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».