أصحاب الأعمال في الأرجنتين يحافظون على العمالة في انتظار التعافي الاقتصادي

تقوم الشركات الأرجنتينية بتخفيض عدد ساعات العمل وتعليق الإنتاج في بعض الأيام
تقوم الشركات الأرجنتينية بتخفيض عدد ساعات العمل وتعليق الإنتاج في بعض الأيام
TT

أصحاب الأعمال في الأرجنتين يحافظون على العمالة في انتظار التعافي الاقتصادي

تقوم الشركات الأرجنتينية بتخفيض عدد ساعات العمل وتعليق الإنتاج في بعض الأيام
تقوم الشركات الأرجنتينية بتخفيض عدد ساعات العمل وتعليق الإنتاج في بعض الأيام

تأثّرت الشركات الصغيرة في الأرجنتين، التي تعد المُشغّل الأول للعمالة في البلاد بشدّة تحت ضغوط التضخم القوي الذي بلغ نحو 48 في المائة، بجانب تدهور قيمة العملة المحلية، الذي زاد من تكاليف الإنتاج.
وأظهرت لقاءات لوكالة «رويترز» مع أصحاب أنشطة أعمال في مجالات صناعة المنسوجات والبلاستيك والدهانات، ومسؤولين حكوميين وقيادات عمالية، أن كثيراً من الشركات اتبعت استراتيجيات مختلفة لكي تستطيع أن تستمر في العمل حتى تأتي مرحلة التعافي الاقتصادي، التي يتوقع صندوق النقد الدولي أن تبدأ في الربع الثاني.
وبحسب الوكالة، فإن الشركات الأرجنتينية تقوم بتخفيض عدد ساعات العمل وتعليق الإنتاج في بعض الأيام، وتدفع العمال للحصول على رصيد إجازاتهم في الوقت الحالي، مع ترقُّب زيادة طلبات المستثمرين بحلول فترة التعافي.
وقد تراجع حجم القوى المشتغلة بـ120 ألف عامل مسجل فقط بين أكتوبر (تشرين الأول) من 2017 وأكتوبر 2018، وفقاً لآخر البيانات الحكومية التي اطلعت عليها «رويترز»، وهو ما يمثل نحو 1 في المائة من القوى العمالة التي تبلغ 12 مليون عامل.
وكانت الولايات المتحدة فقدت نحو 6 في المائة من قوتها المشتغلة، بما يُقدّر بـ8.7 مليون عامل، خلال عامي الركود القوي 2007 و2008، مع سعي الشركات لتسريح العمالة لكي تقلل التكاليف وتقدر على الاستمرار.
لكن الأرجنتين تحظى بواحد من أكثر نظم العمل سخاء مع العمال، وهو ما يزيد من تكاليف تسريح العمالة ويصعب على بعض المنشآت التكيف مع حالة الركود الحالية.
وقوانين العمل، المقدمة عبر حكومات بيرونية شعبوية منذ الأربعينات، جعلت عملية تعيين العمالة أو تسريحها ذات تكلفة تُعد الأعلى في أميركا اللاتينية.
وتلزم التشريعات في البلاد أصحاب العمل عند تسريح عامل دفع ما يساوي أجر شهر عن كل سنة عمل، بالإضافة إلى شهر آخر على الأقل لإعلامه بقرار الاستغناء عنه. ولا يوجد سقف على حجم ما تدفعه الشركة في صورة تعويض عن الفصل. وبحسب تقرير ممارسة الأعمال الصادر عن البنك الدولي، فإن تكاليف التسريح في البلاد ضمن الأعلى في العالم، ويرصد هذا التقرير 190 اقتصاداً في العالم.
وساعدت التشريعات الأرجنتينية على احتواء آثار الأزمة الاقتصادية الحالية، التي كان من الممكن أن تفاقم معدلات البطالة. بالإضافة لذلك يعمل الرئيس الحالي، ماوريكيو ماكري، وهو منحاز لسياسات السوق الحرة، ويريد إصلاح نظام العمل الجامد لجذب الاستثمار، على إثناء الشركات عن فصل العمال.
وأعلن الرئيس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) أن على الشركات أن تعطي إنذاراً مدته 10 أيام لأي مخططات لتسريح العمال، وهو ما قد يمكّن الحكومة من إيجاد سبل لإبقائهم مشتغلين. ويريد ماكري أن يوسع من نطاق برنامج موجود في الوقت الراهن لدعم رواتب العاملين في الشركات التي تواجه ضغوطاً مالية.
ويعاني ماركو ميلوني، الذي يدير مصنعاً للمنسوجات في مدينة كويلميز على بعد 30 كيلومتراً من العاصمة، من تراجع مبيعات بأكثر من الثلث خلال العام الماضي، ولا يستطيع التخلص من عمالة لديه بسبب ارتفاع تكاليف الفصل.
وبعد أن كان ميلوني يُشغل مصنعه 24 ساعة من يوم الاثنين حتى السبت يقوم بتشغيله مدة 16 ساعة فقط في اليوم ولخمسة أيام في الأسبوع.
ومثل كثير من منشآت الأعمال، قام ميلوني بتقديم إجازات نحو 100 عامل، على أمل أنه بنهاية مارس (آذار) سيزيد الطلب على منتجات الشركة.
دانيال فنيس دي ريوجا، رئيس أحد أكبر المكاتب القانونية في الأرجنتين، يقول إن واحدة من المعضلات الرئيسية التي تواجه الشركات أقدمية كثير من العاملين، خصوصاً من العاملين في الصناعات قليلة المهارة، يظلون في الوظيفة ذاتها لسنوات طويلة، وهو ما يجعل تكلفة تعويضهم عن الفصل مرتفعة.
ويرى وزير الإنتاج، دانتي سيكا، أن الشركات من جانبها أيضاً كانت متراخية عن فصل العمال، بسبب التوقعات بالتعافي الاقتصادي في الأجل القريب، مشيراً إلى أن الكثير من أصحاب العمل فضلوا تعليق وضع العمال بسبب تكلفة فصلهم وتكلفة تعيين عمالة جديدة في المستقبل.
وشهد معدل البطالة في الأرجنتين تراجعاً خلال الربع الثالث من العام الماضي إلى 9 في المائة من 9.6 في المائة في الربع الثاني. ويعد معدل البطالة مرتفعاً بنسبة قليلة عند المقارنة السنوية بين الربع الثالث من 2018 والربع نفسه في 2017 (بنسبة 0.7 في المائة).
ومع بقاء العمالة في وظائفهم ولكن بأجور أقل، لجأ بعضهم للبحث عن وظيفة أخرى، مثل العمل على سيارات «أوبر»، وفقاً لـ«رويترز».
وقال رئيس اتحاد لعمالة النسيج، جوس مينابيرجاري، ل«رويترز»: «نحن لسنا سعداء بهذا الإجراء (وظائف بساعات عمل أقل) ولكن آخر شيء نريده هو التسريح».
وكان الرئيس ماكري يدفع في اتجاه تطبيق إصلاحات عمالية تجعل التعيين والفصل أكثر تيسيراً، ولكن الحكومة أجَّلت هذه الإجراءات بعد أن شهدت البلاد مظاهرات في ديسمبر (كانون الأول) 2017. وقال وزير الإنتاج إن الحكومة ستحاول الدفع بهذه الإصلاحات مجدداً في 2019، ولكن سيكون من الصعب الحصول على دعم سياسي لها في عام الانتخابات.
ويقول الاقتصادي، كاميلو تيسكورنيا، إن صعوبة فصل العمال تضر بتنافسية الشركات الأرجنتينية... «جعل فصل الناس أسهل أو تخفيض الرواتب يحسن من كفاءة الاقتصاد وقدرة الشركات على التكيف مع المواقف المختلفة».
ويضيف الخبير أنه في الولايات المتحدة من السهل جداً الفصل، ولكن في الوقت ذاته فإن معدل البطالة عند أدنى مستوياته التاريخية لأن السوق بها مرونة قوية للغاية. هذا وضع يشجع على خلق شركات جديدة، ولكن في الأرجنتين إذا بدأ رجل أعمال في مشروع ولم يحظَ بالتوفيق يظل عالقاً بالعمالة التي لديه، وهو ما يثبط البعض عن بدء الأعمال.
لكن جورج جوترت، رئيس شركة «جوترت» التي تعمل في مجال نظم خطوط الإنتاج، يقول إن ذكريات أزمة الأرجنتين في 2001 جعلته يحرص على الحفاظ على العمالة التي لديه، فقد سرّحت الشركة في الأزمة الماضية نصف عمالتها. وعند تعافي الاقتصاد من أزمته كان من الصعب للغاية على الشركة إعادة بناء قوتها العاملة، من حيث تدريب عمال جدد للعمل على ماكينات متخصصة، وهو يرى أن الأزمة الحالية ستكون أقصر عمراً من الأزمة الماضية.



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.