هذا ما سيحدث لكوكب الأرض حال اندلاع حرب نووية عالمية

علماء يقولون إن تبعاتها ستؤدي لفناء البشرية جوعاً وبرداً

علماء أميركيون وضعوا سيناريو اندلاع حرب نووية بين بلدهم وكوريا الشمالية (أ.ب)
علماء أميركيون وضعوا سيناريو اندلاع حرب نووية بين بلدهم وكوريا الشمالية (أ.ب)
TT

هذا ما سيحدث لكوكب الأرض حال اندلاع حرب نووية عالمية

علماء أميركيون وضعوا سيناريو اندلاع حرب نووية بين بلدهم وكوريا الشمالية (أ.ب)
علماء أميركيون وضعوا سيناريو اندلاع حرب نووية بين بلدهم وكوريا الشمالية (أ.ب)

بمرور 100 عام على نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد تزايد التوتر الدولي مؤخرا إثر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى مع روسيا والتي تم توقيعها عام 1987، زاد الجدل حول إمكانية تسبب فسخ المعاهدة التاريخية في إطلاق سباق نووي دولي والتمهيد لمواجهة نووية في المستقبل.
موقع «Vox» الأميركي قدّم صورة لما سيكون عليه حال العالم إذا وقع السيناريو الأسوأ واندلعت الحرب النووية سواء بين دولتين أو في صورة حرب عالمية كبرى تكرر ما حدث خلال الحربين العالميتين السابقتين، وأجاب على أسئلة تتعلق بإمكانية فناء البشرية بسبب ما يمكن أن تفعله بنا الأسلحة الفتاكة.
وتشير التقديرات الفنية إلى التأكيد على أن أي مواجهة نووية سوف تتسبب في معاناة إنسانية حادة وعلى مستوى واسع لم يتم رصده منذ عهد الحرب العالمية الثانية. بل ومن المؤكد أيضا أن التكنولوجيا النووية تطورت كثيرا منذ ذلك الحين ومن المرجح أن يفوق حجم الخسائر والدمار الناتج عن الضربة النووية المستقبلية ما شهدته سنوات الحروب العالمية السابقة بمراحل.

* قنبلة في واشنطن
ولإدراك حجم كارثة استخدام قنبلة نووية في منطقة تعج بالمدنيين أعد مؤرخ الشؤون النووية أليكس ويليرستين تصورا افتراضيا لسقوط قنبلة نووية على العاصمة الأميركية واشنطن، واستخدم في تصوره القنبلة التي أجرت عليها سلطات كوريا الشمالية تجربة في سبتمبر (أيلول) 2017 وتبلغ قوتها التدميرية نحو 140 كيلوطن.
وأسفر التصور الافتراضي عن مقتل 220 ألف شخص وإصابة 450 ألف آخرين وذلك باستخدام قنبلة نووية منفردة واستهداف موقع واحد لا غير، ويلاحظ أن هجوم الولايات المتحدة النووي المزدوج على موقعي هيروشيما وناجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية أسفر عن مقتل 200 ألف شخص.
ومن المرجح في حالة قيام قوة نووية مثل كوريا الشمالية بإطلاق هجوم نووي ضد الولايات المتحدة، فإنها لن تكتفي بقنبلة واحدة تستهدف موقعا منفردا، بل في الأغلب سيشمل الهجوم الكوري عدة قنابل ويضرب عدة مواقع داخل العاصمة واشنطن، بالإضافة إلى مدينة نيويورك، والساحل الغربي، مع توقعات بأن تكون القواعد العسكرية الأميركية في غوام وهاواي ضمن الأهداف.
ويتوقع ويليرستين أن تخلف الضربة النووية وراءها ما يعرف بـ«سحابة الفطر»، والتي ستمتد من مركز الضربة وإلى مساحة 1. 2 ميل مربع.
وستتلقى هذه المنطقة القدر الأكبر من الإشعاع الناتج عن الضربة النووية، ومن دون توفير تدخل طبي فوري، فإن منطقة «السحابة» ستشهد معدل وفيات يتراوح بين 50 و90 في المائة من السكان نتيجة للآثار الأولية والحادة للضربة، وستقع حالات الوفاة على مدار ساعات إلى أسابيع من وقوع الضربة.
ويعتبر الموت تسمما بالإشعاع النووي من أكثر سبل الموت بشاعة، ومن بين أعراضه: الإحساس بالغثيان والقيء المستمر، والنزيف الدموي بشكل مستمر، والإصابة بالإسهال الذي سيكون دمويا في الأغلب، فضلا عن الاحتراق الشديد للجلد إلى حد تساقط طبقة الجلد للإنسان المصاب فيما ما زال على قيد الحياة.
أما الوضع خارج نطاق ذروة التفجير بالاتجاه إلى نطاق تالٍ يمتد على مساحة 17 ميلا مربعا، فمن المنتظر أن تحدث ترددات الضربة النووية الكثير من الدمار وتسوية المباني بالأرض، وبالطبع قتل كل من يكون على مقربة، خاصة أن الأنقاض والنيران ستنتشران في كل مكان.

* ومضات الضوء الباهر
أما النطاق الجغرافي الثالث للضربة والذي سيمتد على مسافة تتجاوز 33 ميلا مربعا، فسيصاب كل من يتواجد فيه بحروق من الدرجة الثالثة، ويوضح بريان تون العالم والخبير بالكوارث النووية لدى جامعة «كولورادو بولدر» أن المتواجدين في هذا النطاق ستطاردهم «ومضات من الضوء الباهر» والذي سيمتد على بعد أميال، ويمكنه إشعال حرائق إذا ما اتصل بأجسام سريعة الاشتعال مثل أوراق وأغصان الشجر والملابس، وإصابة الأفراد بحروق، وفي هذا الحال، فالمصابون لن يشعروا بآلام شديدة لأن الحريق سيقتل أعصاب المصاب، وبعض المصابين سوف يعانون من تشوهات شديدة، فضلا عن تعثرهم في استخدام بعض أطرافهم وسيكون مصير البعض الآخر أكثر مأساوية إذ ستتطلب حالتهم بتر الأطراف المصابة.
ويمتد النطاق الأكبر والأبعد عن ذروة الضربة النووية على مساحة 134 ميلا مربعا، حيث يظل الأفراد عرضة للموت أو على الأقل التعرض للإصابة، وستتسبب الضربة في تدمير نوافذ المنازل في هذا النطاق.
كما أن الرياح ستلعب دورا في نقل المواد والأجسام الملوثة بالإشعاع النووي، والتي ستسقط في مواقع بعيدة عن الضربة النووية وتصيب عددا من الناس يصعب حصره بالأمراض المختلفة.
ووفقا للعلماء والخبراء في المجال النووي، التبعات المترتبة على توجيه ضربة نووية ستفوق كل ما جاءت به أفلام الرعب والكوارث التي أنتجتها السينما العالمية، والتي يعتبرها العلماء «متفائلة» في توقعاتها بالنسبة لمرحلة ما بعد المواجهة العسكرية النووية.
ويرى آلان روبوك، أستاذ العلوم البيئية لدى جامعة «راتجيرز»، والذي قضى سنوات في دراسة النتائج المحتملة للحروب النووية، أن أسوأ النتائج بعيدة المدى لنشوب مثل هذه المواجهات تكمن في «الدخان الأسود»، بالإضافة للغبار والجزيئات المختلفة التي سيحملها الهواء بعد أن تفرزها الضربة النووية.
ففي حالة الحرب النووية، سيتم استهداف المدن والمناطق الصناعية، بما سيؤدي إلى انبعاث كميات هائلة من الأدخنة نتيجة لاحتراق هذه المناطق، وستصعد هذه الأدخنة إلى طبقة الغلاف الجوي «سترانوسفير» المحيطة بكوكب الأرض، حيث ستبقى لسنوات في حال عدم تدخل الأمطار لغسلها، وبتمددها من منطقة إلى أخرى حول العالم إثر ارتفاع درجات حرارتها، ستنجح هذه الأدخنة في حجب أشعة الشمس عن القسم الأكبر من كوكب الأرض، وبالتالي، فالعالم سيشهد درجات حرارة بالغة التدني ومعدلات ترسيب متراجعة، بما سيقلص الإنتاج الزراعي حول العالم، ويمهد لانتشار المجاعة خلال سنوات قليلة.
تحديد الأثر المترتب على الحرب النووية يعتمد في الأساس على حجم انبعاثات الدخان الأسود، فوفقا للعلماء، انبعاث ما يتراوح بين خمسة إلى خمسين مليون طن من الأدخنة السوداء سيتسبب فيما يعرف علميا بـ«الخريف النووي». ولكن انبعاث ما يتراوح بين 50 إلى 150 مليون طن من الأدخنة سوف يتسبب في «الشتاء النووي»، وفي حالة تطبيق سيناريو «الشتاء النووي»، فإن العالم روبوك يرجح أن جميع من على الأرض سوف يلقوا حتفهم.

* الخريف النووي
وقوع سيناريو «الخريف النووي» لا يحتاج أكثر من مواجهة بين قوتين نوويتين في حجم الهند وباكستان، واللتين تملكان 140 و150 رأس نووي بالترتيب، فالمواجهة بين الدولتين وتفجير كل منهما نحو 50 قنبلة نووية في حجم التي تم استخدامها ضد هيروشيما اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية سوف ينتج عنه قدرا هائلا من الأدخنة السوداء تتراوح بين خمسة إلى ستة أطنان، وستفصل الشمس عن الأرض حتى أن درجات الحرارة ستنخفض إلى معدلات العصر الجليدي الأصغر والذي ساد خلال الفترة بين القرنين الرابع عشر إلى التاسع عشر، بما سيقلص فترة استزراع المحاصيل المختلفة، ويهدد واردات الغذاء العالمية.
وسيتراجع إنتاج كل من الولايات المتحدة والصين من المحاصيل الزراعية الأساسية مثل الذرة والقمح بمعدل بين 20 إلى 40 في المائة خلال السنوات الخمسة الأولى عقب نشوب المواجهة النووية، ويتوقع العلماء روبوك وتون أن تستمر حالة التراجع في درجات الحرارة لعقد كامل في أفضل تقدير، مما يجعل درجات الحرارة أقل من أي مرحلة سابقة في تاريخ الأرض خلال الألف عام الأخيرة.
ويتوقع إيرا هيلفاند مدير «مجلس أطباء ضد الحرب النووية من أجل المسؤولية الاجتماعية» أن تتسبب هذه الاضطرابات حتى وإن دامت لهذه الفترة المحدودة، وفقا لتعبيره، في الدفع بنحو ملياري شخص إلى حافة المجاعة، على أن يتركز أغلبهم في جنوب شرقي آسيا، وأميركا اللاتينية، وشمال أميركا، بالإضافة إلى أوروبا. ولكنه أوضح «أن موت ملياري شخص لن يكون نهاية البشرية، ولكنه سيكون للحضارة المعاصرة كما نعرفها».
ويمكن للتبعات أن تصبح أكثر سوءا، فتراجع المتوفر من المواد الغذائية سوف يقفز بالأسعار، وبالطبع ستقع مواجهات وحتى حروب على مستوى العالم حول الموارد المتوفرة، ويمكن أن تتدهور الأوضاع أكثر فأكثر بحيث تقع حرب نووية ثانية في محاولة من الدول للسيطرة على مزيد من موارد الغذاء والمياه، قد يبدو هذا سيناريو مخيفا، لكن الأمور ممكن أن تتحول إلى ما هو أكثر رعبا.

* الشتاء النووي
سيناريو نهاية العالم في حالة الحرب النووية هو ما يعرف بـ«الشتاء النووي»، ولكن حتى يتحقق هذا السيناريو، فيتوجب ذلك مواجهة بين أكبر قوتين نوويتين في العالم وهما الولايات المتحدة وروسيا اللاتي تملكان 6450 و6850 رأسا نووية بالترتيب، ووقوع سيناريو «الشتاء النووي»، يتطلب إطلاق أميركا وروسيا ألفي رأس نووية من كل جانب لتستهدف مدنا وأهدافا رئيسية، وكل دولة ستحاول إسقاط الأخرى ومعهما سيسقط الجانب الأعظم من الإنسانية.
في حالة سيناريو «الشتاء النووي»، ووفقا لروبوك وغيره من العلماء، فإن نحو 150 مليون طن من الدخان الأسود سوف ينتج عن احتراق المدن ومختلف المناطق التي ستشملها المواجهات. وسوف تنتشر هذه الأدخنة إلى مختلف مناطق الأرض خلال فترة لا تتجاوز الأسابيع القليلة. وستهبط درجات حرارة الأرض إلى أكثر من ست درجات تحت الصفر وذلك خلال أول سنة عقب نشوب الحرب، لتزيد درجة الحرارة إلى ما أدنى من أربع درجات تحت الصفر لفترة عقد كامل وذلك في المتوسط.
وسيعاني نصف الكرة الشمالي من درجات حرارة بالغة البرودة، لكن مختلف قطاعات العالم ستتأثر بالظاهرة، ووفقا لتقديرات العلماء، فإن ذلك سيكون بمثابة تحول مناخي غير مسبوق في تاريخ البشرية سواء من حيث سرعتها أو نطاقها، كما أن معدلات الترسيب العالمي سوف تتراجع بنسبة 45 في المائة، ومع درجات الحرارة شديدة الانخفاض، تقريبا لن تنجح أي محاولات لزراعة المحاصيل، بما يضمن أن من لم يقضِ نحبه إثر المواجهة النووية، سوف يموت من الجوع، وحتى وإذا لم تجرِ الأمور على هذا النحو، فإن اهتراء طبقة الأوزون، أحد الأثار الجانبية للحرب النووية، سيسمح بتسرب كميات كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية إلى سطح الأرض، وسوف يضر ذلك تقريبا بجميع المنظومات البيئية وسيجعل من الصعب بالنسبة للإنسان التواجد في الطبيعة.
ولكن بعض الخبراء يعارضون نظريات روبوك وزملائه، ففي عام 1990. أكد العلماء الخمسة الذين وضعوا تعبير «الشتاء النووي»، ومن بينهم الدكتور ريتشارد بي. توركو، أستاذ علم المناخ بجامعة كاليفورنيا، مبالغتهم في تقدير الأثار المترتبة على وقوع حرب نووية، وأن وقوع مثل هذه الحرب لن يتسبب في القضاء على الجنس البشري، وفي فبراير (شباط) العام الجاري 2018، قام العالم جون رايزنير ومعه مجموعة من الخبراء بالتأكيد في دراسة تمت بتكليف من الحكومة الأميركية بالتأكيد على أن تأثير الأدخنة السوداء سيكون سلبيا، ولكنه ليس بالسوء الذي توقعه روبوك وفريقه.
ولكن تبقى حقيقة أساسية أن نشوب حرب نووية سوف يؤثر بشكل مؤكد على حياة مئات الملايين أو المليارات من البشر، والذين لن يكونوا بالضرورة متواجدين بشكل مباشر بساحة المواجهة النووية، فآثارها ستصيب كل من هم على كوكب الأرض، ولذلك لا يريد البعض المجازفة بنشوب مثل هذه الحرب، ويبذلون كل ما هو متاح من أجل ذلك.


مقالات ذات صلة

حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

تحليل إخباري مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل في العمق اللبناني (أرشيفية - أ.ف.ب)

حروب العالم... من مدافع نابليون إلى الكلاشنيكوف فـ«المسيّرة»

إذا كان الكلاشنيكوف قد وشم مرحلة معيّنة من صراع القوى العظمى ببصمته، فإن تأثير المُسيّرة على حروب القرن الحادي والعشرين لا يزال في بداياته.

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا جنود روس يقفون على أهبة الاستعداد للمشاركة ببروفة العرض العسكري بمناسبة يوم النصر في موسكو (أ.ب)

روسيا تقيّد الإنترنت عبر الهاتف قبل العرض العسكري في «يوم النصر»

قطعت روسيا خدمات الإنترنت عبر الهاتف الجوال عن كثير من المشتركين في موسكو، اليوم (الثلاثاء)، قبل العرض العسكري السنوي المقرَّر في التاسع من مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

ليس توقيف الأمير أندرو، المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة العريقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زجاجة تحتوي على رسائل بداخلها في كوندينغوب بأستراليا (أ.ب)

بعد 100 عام... العثور على رسائل في زجاجة من جنديين خاضا الحرب العالمية الأولى

عُثر على رسائل في زجاجة كتبها جنديان أستراليان عام 1916، بعد أكثر من قرن، على الساحل الجنوبي الغربي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

التكنولوجيا والإنسان: تعزيز للحريات أم زنزانة رقمية؟

التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
TT

التكنولوجيا والإنسان: تعزيز للحريات أم زنزانة رقمية؟

التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)

لم يسبق للإنسان أن امتلك إمكانات الوصول إلى هذا المقدار من المعرفة والقدرة على التواصل، ولم يسبق له، في المقابل، أن وضع جزءاً كبيراً من حياته وقراراته في أيدي أنظمة تكنولوجية لا يعرف كيف تعمل، ولا من يحدد قواعدها. بضغطة واحدة، يستطيع الوصول إلى مكتبات العالم، ومتابعة الأحداث لحظة وقوعها، والتواصل مع أشخاص تفصلهم عنه آلاف الكيلومترات، لكنه يستطيع أيضاً أن يجد نفسه أسيراً لشاشة تستحوذ على وقته، وخوارزميات ترسم له ملامح العالم الذي يراه وحدوده.

هنا تكمن تناقضات العصر الرقمي: كلما اتسعت قدرتنا على الوصول إلى الخيارات، ازدادت قدرة الآخرين على التأثير في خياراتنا. فهل جعلتنا التكنولوجيا أكثر حرية، أم أنها أعادت صَوغ وسائل السيطرة علينا؟

الروبوت يصبّ شراباً خلال تجربة في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

*عصر الذكاء الاصطناعي

في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو المفارقة أكثر حدةً. يستطيع الإنسان تطوير تقنيات تنتج الصور والموسيقى والنصوص، وتساعده على إنجاز مهامّ معقدة، لكنه لا يزال عاجزاً عن معالجة أزمات إنسانية تدفع ملايين الأشخاص إلى الجوع والنزوح والحرمان والموت! وبينما تتسابق قوى المجتمع والشركات والدول على امتلاك أحدث التقنيات، تتراجع أحياناً أبسط أشكال التضامن الإنساني. ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في الأولويات التي تحكم استخدامها، وفي الفجوة بين ما يستطيع الإنسان إنجازه تقنياً وما هو مستعدّ للقيام به من أجل الآخرين، ومن أجل الهدف الأسمى: السلام.

لا تقتصر تداعيات هذا التحول على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى العلاقات الإنسانية، فالتواصل الذي أصبح متاحاً على مدار الساعة لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر قرباً بعضنا من بعض. فالفرد قد يكون محاطاً بمئات الأصدقاء الافتراضيين، لكنه يفتقر إلى محادثة حقيقية أو علاقة إنسانية تمنحه الشعور بالانتماء.

*الوحدة في عصر الازدحام

يصف بعض الباحثين هذه الظاهرة بمفاهيم مثل «الوحدة التكنولوجية» أو «الاتصال من دون تواصل». فالتفاعل الرقمي، على الرغم من مزاياه، قد يحلّ تدريجياً محل اللقاءات المباشرة والعلاقات التي تتطلب الإصغاء والتعاطف والحضور الفعلي. وقد أُثيرت أيضاً مخاوف بشأن القلق والضيق المرتبطين بفقدان الوصول إلى الأجهزة والتطبيقات. لكن الأهم ليس في إطلاق أحكام عامة على التكنولوجيا، بل في فهم كيف يمكن أن تتحول أداة صُممت لتسهيل حياتنا إلى مصدر للاتكالية والضغط والعزلة.

*تهديد الحرية؟

تتجاوز المسألة حدود العلاقات الشخصية لتصل إلى حرية الإنسان نفسها. فشبكة الإنترنت التي فتحت أبواب المعرفة أمام الجميع أوجدت، في الوقت نفسه، سوقاً ضخمة للتنافس على «الانتباه»، فلم تعد المسألة مجرّد عرض للمعلومات، بل تحديد ما يستحق أن يظهر أمام المستخدم وفق اهتماماته وميوله، وما ينبغي أن يبقى بعيداً عن نظره.

الهاتف الذكيّ أداة أساسية في العصر الرقمي (رويترز)

تعمل منصات رقمية كثيرة وفق أنظمة توصية تُحلل اهتمامات المستخدمين وسلوكهم، ثم تُقدم لهم محتوى لتُبقيهم متصلين مدة أطول. وقد تكون لهذه الآليات فوائد واضحة، إذ تساعد على اكتشاف مواد تتناسب مع اهتماماتنا، لكنها قد تحصرنا أيضاً في دوائر مغلقة تعيد إنتاج أفكارنا ومواقفنا، وتقلل فرص الاطلاع على آراء مختلفة.

وهكذا، لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كنا نملك حرية الاختيار، بل يصبح متعلقاً بمَن يحدد الخيارات التي تظهر أمامنا، وبالمعايير التي تتحكم في ترتيبها، وبالتالي في سُلّم أولويات لم نضعه بأنفسنا. فإذا كان ما نقرؤه ونشاهده يتأثر بخوارزميات لا نعرف آليات عملها، فإلى أي مدى تبقى قراراتنا مستقلة؟

يحذر دان غيلمور، الأستاذ المتخصص في محو الأمية الإعلامية الرقمية والمؤسس المشارك لمبادرة «نيوز كو/لاب» بجامعة ولاية أريزونا الأميركية، من استخدام الحكومات وشركات التكنولوجيا أدوات المراقبة والخوارزميات غير الخاضعة للمساءلة، بما يهدّد الحريات العامة. ويرى أن المؤسسات المنوط بها أن تحمي هذه الحريات، ومنها وسائل الإعلام، لا تؤدي دائماً دورها المطلوب في مواجهة هذه التجاوزات.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في المجال الديمقراطي. فالتقنيات الرقمية تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم، وتنظيم الحملات، والوصول إلى المعلومات، ومساءلة السلطات، لكنها قد تُستخدم أيضاً للمراقبة والرقابة والتلاعب بالرأي العام.

ويحذر ميغيل مورينو، أستاذ الفلسفة بجامعة غرناطة الإسبانية والمتخصص في أخلاقيات التكنولوجيا، من أخطار الانحياز والتلاعب والمراقبة التعسفية، سواء مارستها جهات حكومية أم خاصة.

تدريب للجيش البرتغالي تهاجم خلاله طائرة مسيّرة دبابة (أ.ف.ب)

*الجيوسياسة الرقمية وسلاح التكنولوجيا

لا تتوقف أخطار هذا التحول عند حدود الأفراد ومجتمعاتهم، بل تتجاوزها لتصبح محركاً أساسياً للجيوسياسة العالمية. فقد غدت التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي وشرائح المعالجة والبيانات الضخمة، الميدان الجديد للتنافس بين القوى الكبرى والتكتلات الدولية. فلم تعد السيادة تُقاس بالجغرافيا والحدود العسكرية الميدانية فحسب، بل بمدى امتلاك الدولة «السيادة الرقمية» واستقلالها في إدارة بِنيتها التكنولوجية.

وفي هذا السياق، لم تعد الخوارزميات والمنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى أدوات للنفوذ الجيوسياسي، تُستخدم لخوض الحروب السيبرانية، وتشكيل الرأي العام العالمي، وتوجيه السرديات الإقليمية والدولية بما يخدم مصالح الدول القوية. ويضع هذا الواقعُ الدول النامية والمجتمعات الأقل امتلاكاً للتكنولوجيا أمام خطر مضاعف؛ إذ تجد نفسها ساحةً لصراعات نفوذ لا تملك أدواتها، وعُرضةً لنوع جديد من «الاستعمار الرقمي»، الذي يُعيد صَوغ موازين القوى العالمية ويُهمّش إرادة الشعوب ومكتسباتها الوطنية.

*ماذا تقول الأمم المتحدة؟

تقول الأمم المتحدة إن التقنيات الرقمية تؤثر في حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فهي تتيح وسائل جديدة للدفاع عن الحقوق وممارستها، لكنها قد تصبح أدواتٍ لانتهاكها، عبر المراقبة والرقابة والخوارزميات «المُغرِضة» والقرارات الآلية التمييزية. وغالباً ما تتحمل الفئات المهمّشة العبء الأكبر من هذه الممارسات.

المشكلة، إذاً، ليست في أن التكنولوجيا تملك إرادة مستقلة تسعى للسيطرة على الإنسان، بل أن القوة التي تمنحها البيانات والخوارزميات تتركز في أيدي عدد محدود من الجهات، في حين تبقى قدرة المستخدم على فهم آليات التأثير ومقاومتها محدودة، بمعنى أنه يكون في غالب الأحيان مجرّد متلقٍّ.

ولا يعني ذلك أن الحل يكمن في رفض التكنولوجيا أو العودة (المستحيلة) إلى عالم ما قبل الإنترنت، فقد أتاحت الأدوات الرقمية فرصاً غير مسبوقة للتعلم والعمل والتواصل، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعزز قدرات الإنسان، بدلاً من أن ينتقص منها. لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب شفافية أكبر، ومساءلة للجهات التي تدير المنصات، وحماية للبيانات الشخصية، وتعزيزاً لقدرة الأفراد على فهم سُبل توجيه المحتوى الذي يصل إليهم. باختصار، يمكن القول إن الأمر بكلّيته يحتاج إلى «نية حسنة».

مَن صاحب القرار في وجهة الذكاء الاصطناعي؟ (رويترز)

فالحرية لا تُقاس فحسب بعدد الخيارات المتاحة أمامنا، بل بقدرتنا على الاختيار الواعي، ومعرفة البدائل، وفهم القوى التي تؤثر في قراراتنا. وقد لا تكون السيطرة في العصر الرقمي قائمة على منع الإنسان من رؤية العالم، بل على تقديم عالم محدد له، وإقناعه بأنه العالم «الحقيقي».

في النهاية، لا يتمثل التحدي الحقيقي في جعل الآلة أكثر ذكاءً، بل في ضمان ألا يصبح الإنسان أقل استقلالية أو أقل إنسانية كلما ازدادت الآلة «ذكاءً». فالتقدم التكنولوجي، مهما بلغ، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحرية والتعاطف والتضامن، وعن الإنسان. وإذا كانت الخوارزميات قادرة على التأثير فيما نراه ونفكر فيه ونختاره، فإن استعادة قرارنا الحر تبدأ بسؤال بسيط: هل نستخدم التكنولوجيا لتوسيع حريتنا، أم نسمح لها بأن ترمينا في زنزانة التبعية والسيطرة؟


ترمب يهاجم زيلينسكي... والبيت الأبيض يقيّد نظام «ستارشيلد» في أوكرانيا

مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهاجم زيلينسكي... والبيت الأبيض يقيّد نظام «ستارشيلد» في أوكرانيا

مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب استئناف أوكرانيا ضرباتها على مصافي النفط الروسية بأنها «مخزية»، فيما ذكرت مصادر أن قرار الحد من قدرات نظام للأقمار الصناعية تستخدمه كييف في حربها ضد موسكو جاء من داخل البيت الأبيض.

وفي مقابلة نُشرت، الخميس، قال ترمب لقناة «نيوزماكس» لدى سؤاله عن هذه الهجمات: «حسناً، أعتقد أن هذا أمر مخز»، مضيفاً أنها تُسهم في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية.

ووجّه الرئيس الأميركي انتقادات إلى نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، معتبراً أنه أقل استعداداً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب.

وقال ترمب: «يجب أن تتوقف هذه الحرب قريباً. أعتقد أن كليهما يرغبان فعلاً في إنهائها». وأضاف: «لكنني أجد أن التعامل مع زيلينسكي أكثر صعوبة من التعامل مع بوتين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

رسالة بإبطاء خدمة «ستارشيلد»

بدورها، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولَين أميركيين ومسؤول غربي أن قرار الحد من قدرات نظام الأقمار الصناعية الذي تستخدمه أوكرانيا للاتصالات في ساحة المعركة وعمليات الطائرات المسيّرة جاء من داخل البيت الأبيض.

وقال المسؤولون إن قادة وزارة الحرب تلقوا رسالة تفيد بضرورة إبطاء خدمة «ستارشيلد» التابعة لشركة «سبيس إكس» ويستخدمها الجيش الأوكراني.

ولم يحدد المسؤولون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، من الذي اتخذ القرار في البيت الأبيض أو من المسؤول عن تنفيذ الأمر. وتعد وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أكبر عملاء «ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية من خدمة «ستارلينك».

وقال مسؤولون أوكرانيون هذا الأسبوع إن أجهزة استقبال «ستارلينك» ذات المواصفات العسكرية توقفت عن العمل في أوكرانيا عند تركيبها على أجسام سريعة الحركة، مما أثر على أداء الطائرات المسيّرة الأوكرانية المعتمدة عليها في أنظمة التوجيه المدمجة فيها فوق الأراضي الأوكرانية.

وقال مصدر في وزارة الدفاع الأوكرانية، الخميس، إن أجهزة الاستقبال تعمل حالياً في أثناء الحركة، لكن فقط عند سرعات تصل إلى 160 كيلومتراً في الساعة.

ضغط لوقف هجمات المصافي

حدث الحد من قدرات نظام الاتصالات الحيوي مؤقتاً في وقت يمارس فيه الرئيس دونالد ترمب ضغوطاً على كييف لوقف هجماتها على المصافي الروسية، التي قال إنها السبب في ارتفاع أسعار الطاقة الذي تهدد فرص الحزب الجمهوري المنتمي إليه في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

لكن الخبراء يقولون إن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة ناتج بشكل رئيسي عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، التي بدورها استهدفت منشآت للطاقة وجعلت مضيق هرمز الحيوي في حكم المغلق.

ورداً على طلب للتعليق بشأن الأمر بتقييد نظام «ستارشيلد»، قال مسؤول أميركي كبير: «لم يصدر عن الرئيس طلب من هذا القبيل قط».

ولم يرد البيت الأبيض على الأسئلة المتعلقة بما إذا كان مسؤولون آخرون في الإدارة قد قدموا هذا الطلب.

وطورت شركة «سبيس إكس» نظام «ستارشيلد» خصيصاً لعملاء الحكومة والجهات ذات الصلة بالأمن القومي، لا سيما البنتاغون. ويعتمد نظام «ستارشيلد» على مجموعة أقمار «ستارلينك» الصناعية.

وقال مسؤولون أوكرانيون إن هذه القيود عرقلت مهام الضربات ضد القوات الروسية وعملياتها اللوجستية في الأراضي المحتلة، وأبطأت طائرات مسيّرة اعتراضية تُستخدم لإسقاط الطائرات من طراز «شاهد» التي تُطلقها روسيا.

وقال إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لـ«سبيس إكس»، الأربعاء، على منصة «إكس» إن أنظمة «ستارشيلد» مملوكة للحكومة الأميركية وتخضع لسيطرتها، لذا فإن أي قيود على السرعة أو الاستخدام يقررها الجيش الأميركي أو الرئيس.

ولم ترد «سبيس إكس» على طلب للتعليق. كما لم يرد البنتاغون ولا السفارة الأوكرانية لدى واشنطن على طلبات للتعليق.


مجلس الأمن أمام منعطف حاسم في اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مصافحاً رئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو (الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مصافحاً رئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو (الأمم المتحدة)
TT

مجلس الأمن أمام منعطف حاسم في اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مصافحاً رئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو (الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مصافحاً رئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو (الأمم المتحدة)

اقتربت الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن من اتخاذ قرارات حاسمة في شأن التوصية بانتخاب أمين عام جديد للأمم المتحدة خلفاً للبرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية (الأخيرة) بعد 75 يوماً.

ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن جلسة سادسة غير رسمية خلف أبواب مغلقة للتصويت مجدداً على الترشيحات السبعة المتبقية في السباق، والتصويت بـ«تشجيع» أو «عدم تشجيع» أو «لا رأي» لكل من نائبة الرئيس الكوستاريكية السابقة ريبيكا غرينسبان، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الأرجنتيني رافاييل ماريانو غروسي، ووزيرة الخارجية الغوايانية السابقة كارولين رودريغز بيركيت، ورئيس مجلس الشعب الأوغندي السابق أولارا أوتونو، والرئيس السنغالي السابق ماكي سال، ووزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوزا والدبلوماسية الإكوادورية اللبنانية الأصل إيفون عبد الباقي.

وكانت الرئيسة التشيليانية السابقة ميشال باشيليت انسحبت من المنافسة بُعيد الجولة الثالثة من التصويت.

تصويت بالألوان المرمّزة

ومع الجلسة السادسة، سيعتمد المجلس مجموعتين من أوراق الاقتراع المرمزة بأحد اللونين. المجموعة الأولى من الأوراق الحمر للدول الخمس الدائمة العضوية: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين. أما المجموعة الثانية، فمن الأوراق البيض للدول العشر المنتخبة: الدنمارك واليونان وباكستان وبنما والصومال والبحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا.

وينبغي على أي مرشح أن يحصل على ما لا يقل من تسعة أصوات «تشجيع»، علماً بأن أي ورقة حمراء مشاراً فيها إلى «عدم تشجيع» ستكون بمثابة استخدام حق النقض «الفيتو» من إحدى الدول الدائمة العضوية، وبالتالي إلغاء أي فرصة لبقاء هذا المرشح المعني في السباق.

وأجريت كل علميات التصويت الخمس السابقة باستخدام أوراق اقتراع متطابقة باللون الأبيض. ويعني الانتقال إلى الأوراق المختلفة الألوان أن عملية انتخاب أمين عام جديد دخلت في منعطف حرج، وربما حاسم لتعيين خلف لغوتيريش الذي تنتهي ولايته بحلول الأول من يناير (كانون الثاني) 2027.

فرص غرينسبان

أخفقت الجولة الخامسة من عمليات الاقتراع غير الرسمية، في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، في إظهار مرشح يحظى بشبه إجماع. رغم أن غرينسبان، المدعومة بشكل واضح من إسرائيل، حافظت على صدارتها في السباق. غير أن نسبة تأييدها تراجعت إلى تسعة أصوات بدل العشرة التي حظيت بها في الاقتراع الرابع يوم 29 سبتمبر (أيلول) الماضي، حين اختفى صوتان بـ«لا رأي» مقابل ارتفاع عدد معارضيها إلى ستة أصوات. وبغياب الأوراق المرمزة سابقاً، يصعب معرفة ما إذا كانت روسيا والصين أو كلتاهما تضعان «فيتو» على ترشيحها، كما يشاع في الأروقة الداخلية لمجلس الأمن.

المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك (إ.ب.أ)

وكان غروسي حلّ للمرة الأولى منذ بدء عمليات الاقتراع في 30 يوليو (تموز) الماضي، في المركز الثاني خلال الجولة الخامسة، ولكن فقط بستة أصوات مؤيدة، وسبعة معارضة، وصوتين بـ«لا رأي». وبالتالي لم يحظ حتى الآن بالحد الأدنى من الأصوات، ولا بما يظهر أنه في منأى عن «الفيتو»، علماً بأنه حصل في الجولة الرابعة على ثمانية أصوات «تشجيع» وسبعة «عدم تشجيع»، وصفر أصوات بـ«لا رأي». ولذا لا يزال ترشيحه محل نقاش.

وكان الانخفاض الأكثر إثارة للدهشة في الجولة الخامسة هو ما حدث لرودريغز بيركيت، التي سجلت أسوأ نتائجها في عمليات الاقتراع الخمسة؛ إذ سجل لها خمسة أصوات «تشجيع»، وتسعة معارضة، وصوت واحد بـ«لا رأي». وقد حصدت في الاقتراع الأول تسعة أصوات «تشجيع»، وصوتين «عدم تشجيع»، وأربعة أصوات بـ«لا رأي». وفي المرات الثلاث التالية، حصلت على ثمانية أصوات مؤيدة في كل منها.

وعلى الأثر، كتب الدبلوماسي الأميركي السابق روبرت وود، أنه «مع مواجهة بيركيت لحق النقض المؤكد، باتت المنافسة الآن بين غروسي وغرينسبان».

وفي تصريح منفصل، رجح وود أن «يعكس أداء بيركيت الضعيف تزايد قلق الحكومات في شأن قدرتها على الحياد والفاعلية» كأمينة عامة محتملة للأمم المتحدة.

ويفيد دبلوماسيون بأن إدارة الرئيس ترمب تعبر في النقاشات الداخلية عن معارضتها لبيركيت.

ولم يحقق أي من المرشحين الأربعة الآخرين تقدماً كبيراً خلال عمليات الاقتراع السابقة. بل ظهر ميل أكبر إلى «عدم تشجيع» متزايد؛ فحصل ماكي سال أخيراً على خمسة أصوات، وماريا فرناندا إسبينوزا على ثلاثة أصوات، وأولارا أوتونو على ثلاثة أصوات أيضاً، وحصلت إيفون عبد الباقي على صفر من الأصوات التشجيعية.

وهذا يعني أيضاً أن إسبينوزا وأوتونو وعبد الباقي صاروا خارج السباق، علماً بأن الثلاثة الأوائل لم يحصلوا بعد على زخم يوحي بأن فرصهم مرتفعة.

ويعتقد بعض الخبراء بأن استخدام حق النقض الآن قد لا يقصي مرشحاً بشكل كامل؛ لأن في إمكانه إعادة التفاوض مع الدولة التي يشتبه في أنها استخدمت «الفيتو»، وهي على الأرجح الصين وروسيا والولايات المتحدة. ويستبعد استخدام حق النقض من فرنسا أو بريطانيا.

مرشح من تركيا؟

يتداول دبلوماسيون في الأمم المتحدة وخارجها ثلاثة احتمالات؛ أولها: حصول غرينسبان أو غروسي على دعم حاسم هذا الخميس، بما يُمهّد لإصدار توصية من مجلس الأمن للجمعية العامة، ويمنح الأمين العام الجديد للأمم المتحدة الوقت الكافي للاستعداد لتولي منصبه.

ويتمثل الاحتمال الثاني بدخول مرشح جديد غير متوقع إلى المنافسة، مما يمنح أعضاء المجلس خيارات أخرى، يمكن أن يسمح بالتوافق بين الدول الخمس الدائمة العضوية. وأفاد دبلوماسيون بأن الدول الخمس الدائمة العضوية سترحب بمرشحين جدد، مهما تأخرت العملية، مما يُشير إلى أن المجموعة الحالية لا تُثير اهتمام أصحاب «الفيتو». وسرّب دبلوماسيون أن تركيا تدرس ترشيح مواطنها رئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو.

أما الاحتمال الثالث فيُبقي حلبة المنافسة مفتوحة بين المرشحين الحاليين إلى حين التوصل إلى اتفاق.

وفيما يبدو أن الأعضاء العشرة المنتخبين حريصون على تجنب فراغ في تعيين أمين عام جديد للأمم المتحدة قبل انتهاء ولاية غوتيريش، يقول دبلوماسيون آخرون إن الدول الخمس دائمة العضوية قد لا تتردد في مواصلة العملية حتى اللحظة الأخيرة، مشيرين إلى أن كوفي عنان اختير لهذا المنصب قبل 18 يوماً فقط من بدء ولايته.