شعبية بوتين أمام اختبار التحديات الاقتصادية

العقوبات الأميركية تشدد الخناق على المواطنين والأثرياء المقربين من الكرملين

مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
TT

شعبية بوتين أمام اختبار التحديات الاقتصادية

مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)
مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي الروسي ضد رفع سن التقاعد في سان بطرسبورغ أمس (أ.ب)

للمرة الأولى منذ وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحكم في روسيا عام 2000، لا يكون الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الروسية تقويم أدائه بعد مرور 100 يوم على تسلمه منصبه عقب استحقاق انتخابي جديد، بل باتت الأوساط الإعلامية والبرلمانية و«جيش» الخبراء الذي يملأ الشاشات يومياً في برامج الـ«توك شو» تناقش مختلف القضايا الخارجية، من سوريا إلى «العدوان الأميركي المتجدد والمتواصل» على روسيا، إلى إيران وملفها النووي، وكوريا الشمالية، و«خبث» السياسة البريطانية التي «سخّرت استخباراتها ضد روسيا». كل شيء قابل للنقاش، إلا الوضع الداخلي والتحديات الاقتصادية والمعيشية المتزايدة، وتصاعد نبرة الانتقادات في الشارع، وحال التذمر التي بدأت تنتشر في أوساط كانت حتى الأمس القريب محسوبة على جمهور المؤيدين لسياسات الرئيس بوتين.
وحده ملف إصلاح النظام التقاعدي في روسيا فجّر مرة واحدة كل الانتقادات للسياسة الداخلية للكرملين، وأدى إلى اندلاع موجة احتجاجات واعتصامات في أنحاء مختلفة من البلاد، تميّزت هذه المرة بأنها لم تكن من تنظيم المعارضة المتهمة بالولاء للغرب. وفشلت مساعي السلطة في محاصرة تداعياتها، حتى عبر قرارات إدارية صارمة بمنع مناقشة المسألة في وسائل الإعلام، وتقييد التحركات الاحتجاجية، لدرجة أن محكمة في موسكو أمرت بحبس المعارض أليكسي نافالني لمدة شهر «احتياطياً» في خطوة استباقية لمحاولته تنظيم احتجاجات واسعة النطاق.
الأسوأ من ذلك بالنسبة إلى الكرملين أن استطلاعات أجرتها مراكز مرموقة، بينها مركز «ليفادا»، أظهرت تراجعاً في شعبية الرئيس بوتين بنسبة غير مألوفة بالنسبة إلى سيد الكرملين الذي فاخر أنصاره خلال السنوات الأخيرة بأن نسب تأييده حافظت على معدلات يحلم بها قادة الغرب عادة. ومن نحو 77 في المائة، وهي النسبة التي حصل عليها بوتين في الانتخابات الأخيرة، تراجعت نسب التأييد مرة واحدة بنسبة 30 في المائة، في نتيجة ذكرت بأسوأ مراحل تأييد بوتين في عام 2013، عندما أسفرت حملة الاحتجاجات الواسعة التي نظمت على خلفية الاتهامات بتزوير الانتخابات عن تراجع معدلات تأييد بوتين إلى نحو 40 في المائة، قبل أن تعاود الارتفاع الصاروخي في العام التالي، على خلفية قرار ضم القرم إلى روسيا الذي دغدغ المشاعر القومية عند الروس، ودفع إلى إعلاء شعار «الانتصارات الخارجية واستعادة أمجاد روسيا العظمى يعوضان عن الحرمان وسياسة شد الأحزمة في الداخل».

بوتين 2018... قرارات موجعة
لا شك أن تراجع شعبية الرئيس الروسي بهذه الطريقة مرتبط برزمة من القرارات الداخلية التي اتُّخذت لترشيد الإنفاق، وتكييف روسيا مع الظروف الجديدة وهي تواجه عقوبات أميركية وغربية يتوقع أن تستمر لفترة طويلة جداً. وعلى الرغم من عبارات «المواجهة مع الغرب» و«محاولات تركيع روسيا»، بين شعارات وعبارات ترددت كثيراً لتحفيز المزاج الوطني على مواصلة شد الأحزمة، وتقبل القرارات الصعبة داخلياً، باعتبار أن روسيا تخوض مواجهة كبرى خارجياً، فإن هذا المدخل لم يعد يعمل كثيراً في ظروف وصلت فيها العقوبات الغربية إلى المؤسسات والشخصيات المقربة من الكرملين، وباتت تهدد القطاعات التي تعد «الخط الأخير» لصمود روسيا أمام الضغوط الخارجية، وبينها قطاعات النفط والغاز والمعادن، وأخيراً القطاع المصرفي برمّته.
والأسوأ من ذلك أن تداعيات العقوبات وقرارات الرد الروسية أثّرت مباشرة على حياة المواطنين، من خلال ارتفاع الأسعار الحاد، ومن خلال قرارات بوتين الصعبة لمواجهة تراجع النمو الاقتصادي، ومحاولته الحصول على مصادر تمويل داخلية، تعتمد بالدرجة الأولى على جيوب المواطنين، لمواجهة توقعات الحكومة بأن الجمود الاقتصادي سيدوم لفترة طويلة جداً.
وبين القرارات الصعبة الارتفاع الكبير للأسعار في كل المجالات، وبينها الارتفاع الحاد في أسعار البنزين، وقرار رفع ضريبة الدخل، ثم تمرير مشروع إصلاح النظام التقاعدي، بشكل يرفع سن التقاعد للرجال من 60 إلى 65 سنة، وللنساء من 55 إلى 63 سنة. هذا القانون الذي مرره مجلس الدوما من القراءة الأولى، فجّر الغضب في الشارع، لأنه يؤثر مباشرة على حياة عشرات الملايين من الروس، علماً بأن كل السلطات التي مرت في روسيا منذ العهد السوفياتي حافظت على النظام التقاعدي مستقراً، ولم تنجح في إدخال تعديلات عليه، حتى في أسوأ ظروف الفوضى في تسعينات القرن الماضي، لم يتمكن الرئيس السابق بوريس يلتسن من طرح هذا الموضوع لإقراره في البرلمان، ما يعكس درجة الصعوبة التي واجهت بوتين وهو يتخذ هذا القرار، بناء على توصية من الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة.
واضطر بوتين بعد مرور أربعة شهور على السجالات الواسعة في الشارع حول مشروع القانون أن يتدخل بشكل شخصي ومباشر، عبر توجيه رسالة تلفزيونية نادرة إلى الشعب الروسي، أوضح فيها دوافع وظروف اتخاذ القرار برفع سن التقاعد. ولا يظهر بوتين في رسائل تلفزيونية مباشرة إلا في حالة تطورات خطرة. وبعد أن قدم عرضاً تاريخياً، وتحدث عن الأزمة الديموغرافية الحادة التي تعيشها روسيا، قال لمواطنيه إنه شخصياً كان ضد إدخال أي تعديلات على النظام التقاعدي، لكن هذا الإجراء لا بد منه.
وحاول بوتين امتصاص الغضب بظهوره المباشر في خطاب عاطفي للمواطنين، كما أنه لعب على مزاج نصف المجتمع، عبر تخفيف الإجراءات الجديدة قليلاً عن النساء، فأدخل تعديلاً يقضي برفع سن النساء إلى 60 سنة فقط بدلاً من 63 سنة.
هكذا، ظهر أن بوتين «حافظ على توازن القانون الجديد»، وفقاً لتعليق وزير المال السابق أليكسي كودرين، وأكد محافظته على النهج الذي وضعه القطاع الاقتصادي في الحكومة لمواجهة الصعوبات الحالية، على الرغم من أن القرار موجع للغالبية الساحقة من الشعب.
ظهور بوتين في الخطاب المتلفز هدف أيضاً إلى استعادة بعض ما فقده من شعبية، فهو «القيصر المنقذ»، وفقاً لوصف بعض المواقع المعارضة، الذي يخفف من وقع تصرفات الحكومة التي ظهرت بمظهر «الشرطي الذي يرفع الهراوة، فيأتي بوتين ليخفف من وقعها قليلاً على الناس».
والعنصر الثاني المهم أن روسيا مقبلة على انتخابات مجالس محلية وحكام الأقاليم الشهر المقبل، وثمة خطر من أن يفقد الكرملين عدداً من الشخصيات المقربة إليه في الأقاليم، ما يمكن أن يزيد من صعوبة الوضع الداخلي.

ترتيبات للخلافة
وفي هذا الإطار، حرص بوتين خلال الشهور التي أعقبت انتخابه في ولايته الرابعة والأخيرة على اتخاذ عدد من القرارات التي نظر إليها باعتبارها تدخلاً في إطار محاربة الفساد، من خلال إجراء مناقلات وتعديلات وحركة إقالات واسعة، طالت صفوف وزارات الدفاع والداخلية والطوارئ، وجهاز التحقيق المركزي وأجهزة سيادية أخرى في البلاد، وأطاحت برؤوس جنرالات. وفسّرت إقالة بعضهم بارتباطهم بملفات فساد، بينما شغل آخرون مواقع أخرى في وزارات وأجهزة مختلفة.
ويقول معارضون إن التحركات الواسعة لبوتين تضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهي تهدف إلى إطاحة بعض الفاسدين الذي غدوا عبئًا على السلطة في الظروف الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تشكل وسيلة أساسية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، في إطار جهود بوتين الذي يدرك أن هذه ولايته الأخيرة في الكرملين لإيجاد خليفة قادر على إدارة التوازنات الصعبة بين مراكز الثقل الأساسي، والتكتلات القوية في البلاد، بكل مستوياتها العسكرية والأمنية والاقتصادية. ويتوقع بعضهم أن يكون العام الثاني لولاية بوتين حاسماً لجهة البدء بإبراز شخصية أو أكثر تكون مرشحة لشغل الموقع الرئاسي في وقت لاحق.
ويواجه بوتين تعقيدات أساسية على هذه الطريق، بينها تصاعد مزاج الاحتجاجات بشكل قوي، لذلك لجأت السلطات التنفيذية والتشريعية لمواجهة ذلك بسلسلة من القوانين والتعديلات التي وضعت قيوداً صارمة على الحركات الاحتجاجية، وقيدت نشاط وسائط التواصل الاجتماعي بشكل صارم، لكن الاستحقاق الأهم كما يبدو هو مدى قدرة الرئيس وفريقه على تحمل أعباء انفضاض محتمل لبعض حيتان المال، الذين استفادوا خلال السنوات الأخيرة بقربهم من الكرملين، وراكموا ثروات خرافية، لكنهم باتوا يواجهون حالياً بسبب سياسات الكرملين الخارجية ضغوطاً كبرى على أعمالهم وملاحقات في الغرب.
ويكفي كمثال أن المليادرير المقرب من بوتين أوليغ ديريباسكا، المعروف بـ«إمبراطور الألمنيوم»، خسر نصف ثروته مرة واحدة بسبب قرار العقوبات الأخير الذي فرضته وزارة الخزانة الأميركية، على خلفية حادثة تسميم العميل المزدوج في بريطانيا. وتبلغ ثروة الرجل حاليا نحو 4 مليارات دولار، ويتساءل بعضهم إلى أي درجة سيتحمل رجال مثله أعباء «اقترابه من سياسات الكرملين». الأمر ذاته ينسحب على ملياردير مثل رومان إبراموفيتش، صاحب فريق تشيلسي الشهير، الذي يفكر حالياً ببيع أصوله في النادي البريطاني، بعدما زادت الضغوط الغربية عليه. وأوردت لائحة عقوبات أميركية أسماء نحو 300 من رجال المال والأعمال المقربين من الكرملين، مما يعني أن هذا السيناريو أخذ في التصاعد، ويضع تحدياً جدياً أمام الكرملين الذي لم تعد مخاوفه تقتصر على ضبط مزاج الشارع الروسي في مرحلة مصيرية بالنسبة إلى البلاد.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...