تصاميم مطوّرة لجوالات المستقبل

قابلة للثني بتسع كاميرات وتشحن بالهواء الخفيف

تصاميم مطوّرة لجوالات المستقبل
TT

تصاميم مطوّرة لجوالات المستقبل

تصاميم مطوّرة لجوالات المستقبل

عندما تشترون جوالكم الذكي المقبل، ستتفاجأون بالانحناءات الجديدة التي ستأتي معه.
تصوّروا التالي: تسحبون جوالكم من جيبكم وتفضّونه كما لو أنّه منديل على الطاولة. تضغطون بإصبعكم على الشاشة، فيفتح قفل الجهاز. تنتقلون إلى تطبيق الكاميرا، فتسارع مجموعة من العدسات تشبه العنكبوت إلى التقاط صورة واحدة عملاقة.
رأيت كلّ ما يمكن للجوالات الذكية أن تقوم به، بعضها كان على شكل نموذج تجريبي، وبعضها الآخر في أجهزة يمكنكم أن تحصلوا عليها في الصين فقط. ويقول خبراء كوريون إننا قد نرى جوال «غالاكسي X» قابل للطي من تطوير شركة سامسونغ العام القادم. عندما أفكّر في المستقبل، أشعر بثقة كبيرة بأننا على أعقاب تغييرات كبيرة في تصميم ووظائف الجوالات الذكية نراها للمرة الأولى منذ اختراع هذا الجهاز.
هذه التغييرات لم تكن ممكنة قبل اليوم. لا شكّ أنكم لا تستطيعون العيش دون جوالكم، وتشعرون بالحماس الشديد حيال كلّ جديد، ولكنّ الشركات الكبرى لا تطلق تصميمات مختلفة وأكثر تطوراً، كلّ عام. فعلى سبيل المثال، لا يبدو جوال آيفون 8 مختلفاً أبدا عن جوال الآيفون 6 الذي أطلق قبل أربع سنوات تقريباً. وكانت آخر أبحاث شركة «كانتار وورلد بانيل» قد أظهرت أنّ الأميركيين يحتفظون بجوالاتهم القديمة لما يقارب الـ26 شهراً.

- ذكاء صناعي
ضاعفت صناعة التقنية في الآونة الأخيرة جهودها وإنفاقها على قدرات البرمجة والذكاء الصناعي التي تزال تخبئ الكثير. ولكن تصميم الجوالات، وهو السبب الأول الذي يدفع المستهلكين لاستبدال أجهزتهم، لا يزال بحاجة إلى الكثير من التحسينات أيضاً.
يعبّر تيم باجارين، محلل التقنية المخضرم والمتخصص بالتطوّر المستقبلي من شركة «كرييتف استراتيجيز» عن حماسه بما يراه قادماً، ويقول: «عندما ننظر إلى السنوات العشر القادمة، نعلم أننا على موعد مع ثورة تشمل كلّ شيء من الشاشات المرنة القابلة للطي إلى النظارات».
لهذا السبب، ذهبت لمتابعة أحدث التقنيات في الصين (حيث يتميّز مطوّرو الجوالات بإبداع أكبر) بين مؤتمرات الصناعة والشركات الناشئة، حيث تَجِدُ شركتا سامسونغ وآبل المكونات الجديدةَ لأجهزتهما. وبالطبع، من الصعب جداً أن نتوقع الأفكار الجديدة التي ستتحوّل إلى حقيقة والأفكار التي سينتهي بها الأمر مجرّد أداة للترويج.
بحثت عن أفكار تجعل الجوالات أسهل استخداماً وحملاً، وأفضل لمشاهدة الفيديوهات وإتمام الأعمال. وبالطبع، بحثت أيضاً عن أي شيء قد يساهم في إطالة خدمة البطارية بما يكفي لإنهاء مشقّة البحث عن منفذ كهربائي للشحن في المطار.

- أفكار جديدة
وفيما يلي، ستجدون أفكاراً، ستثير اهتمامكم حيال الجوال المقبل... أو الجوال الذي يليه على أبعد تقدير.
- بصمة الإصبع. إن الفكرة الكبرى تظل هي أنه يمكنكم الحصول على كلّ شيء: جوال تغطي الشاشة واجهته بالكامل، مع زرّ لمسح البصمة.
عندما أصبحت الجوالات ذات الواجهة التي تغطيها الشاشة بالكامل صيحة في عالم الأجهزة، عمدت بعض جوالات الآندرويد إلى نقل الزرّ الأساسي إلى الخلف. أمّا آبل، فتخلّصت من هذا الزرّ بالكامل في جوال الآيفون 10 الذي تغطي شاشته واجهته بالكامل، واستبدلته من خلال أجهزة استشعار لمسح الوجه، وهي ميزة اعتبرها البعض (وربمّا أنتم أيضاً) فاشلة إلى درجة الملل.
ولكنّ آخر الاختراقات التقنية مكّنت صنّاع الجوالات من تضمين قارئ بصمة الإصبع في قلب شاشة الجوال. يكفي أن تضغطوا بإصبعكم على الشاشة اليمنى من الشاشة - يشار إليها بصورة بصمة إبهام - ليفتح قفل الجوال. توصّلت شركة «سينابتكس» المصنّعة لقطع الأجهزة إلى طريقة التقاط صورة للأصابع من خلال النظر بين بيكسلات الجوالات؛ أمّا «كوالكوم» فصممت جهاز استشعار فوق صوتي يستطيع إتمام عملية المسح عبر المعدن، وليس فقط عبر الشاشة... وحتى أثناء الوجود تحت الماء. حتى اليوم، نجحت هذه التقنية في الوصول إلى الأسواق عن طريق شركتي «فيفو» و» شاومي» (Xiaomi) الصينيتين.
- كاميرات بعدسات أكثر. الفكرة الكبرى هنا هي أن صور كاميرات الجوالات الذكية الصور ستكون قريباً قادرة على منافسة الصور التي تلتقطها الكاميرات ذات العدسات المتطورة جودة. كيف؟ من خلال تغطية خلفية الجوال بمجموعة من العدسات الصغيرة التي تلتقط الصور بشكل متزامن، ومن ثمّ تجمعها لتقدّم صورة واحدة كبيرة.
سبق أن رأينا نموذجاً عن هذه الفكرة في جوالات آبل وسامسونغ ذات الكاميرات المزدوجة العدسات في الخلف، والهدف من العدسة الثانية التركيز على اللقطات المقرّبة وقياس العمق لتشكيل صورة بخلفيات مموهة للخلفية بأسلوب فني. أمّا جوال «P21 Pro» من هواوي فكان الأوّل في تقديم ثلاث عدسات: واحدة للون، وواحدة للصورة الأحادية اللون (للمساعدة في أمور العمق والمواقع الخفيفة الضوء)، والثالثة للتقريب الثلاثي الأبعاد.
ذهبت شركة «لايت» المتخصصة في صناعة الكاميرات أبعد في تطوير هذه الفكرة. فقد أطلعتني الشركة على مبدئها ونماذج تجريبية لجوالات تعمل به وتتضمن بين خمس وتسع عدسات، نعم تسعة، في الخلف. وتقول الشركة إنّ تصميم جوالها قادر على التقاط صور بدقّة عرض 64 ميغابيكسل، وتقديم أداء أفضل في البقع القليلة الضوء، وتأثيرات متطوّرة في مجال العمق.

- شاشات وبطاريات
شاشات قابلة للثني. الفكرة الكبرى هي أنه فيما مضى، استخدمنا جوالات من قطعتين قابلة للثني... وقريباً، سنستخدم أجهزة لوحية قابلة للثني، ففي مؤتمر متخصص في تطوير الشاشات عقد في مايو (أيار) الماضي، كانت الأضواء مسلطة على نماذج شاشات تتمتع بالمرونة الكافية لتتحرك وتميل بفعل الهواء. وعرضت شركة واحدة اسمها «BOE» جهازاً أطلقت عليه اسم «فون بليت» بشاشة بمقاس 7.5 بوصة، قابلة للثني دون أي شقوق، وللعودة إلى وضعيتها الأصلية دون كسور.
يمكن القول إنّ محبّي سلسلة «ويست وورلد» على شبكة HBO قد رأوا شيئا يشبه هذه الشاشة في الخيال العلمي، في شخصيات الأجهزة اللوحية المستخدمة للسيطرة على الروبوتات القاتلة.
بدأ الحديث عن هذه الشاشات منذ ما يقارب العقد من الزمن. فقد عرضت سامسونغ مبدأ جوال بشاشة قابلة للثني في مقطع فيديو في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية عام 2013. ظهرت الشاشات القابلة للثني أولاً في شاشات التلفزيونات المنحنية والجوالات ذات الأطراف الدائرية. واليوم، قطعنا شوطاً مهماً وأصبح بإمكاننا أن نصنع شاشات قابلة للثني بشكل متكرّر، وسنكون قريباً قادرين على ثني الشاشة بسهولة كما نثني قطعة من الورق، بحسب قول هيلج سيتزين، رئيس جمعية «سوساييتي فور إنفورميشن ديسبلاي».
متى ستصل إلى المستهلك: سنبدأ برؤية الأجهزة القابلة للثني انطلاقاً من العام المقبل، على الرغم من أنّ الإصدارات الأولى قد تشهد بعض الكسور.
- بطارية تشحن بالهواء الخفيف. الفكرة الكبرى هنا أن خدمة البطارية هي أكبر المشاكل التي تواجه الجوالات الذكية اليوم. الآن، تخيّلوا أنكم لم تعودوا مضطرين إلى التفكير ببطارية جوالكم لأنها أصبحت قادرة على شحن نفسها بشكل مستمر. قد تبدو لكم الفكرة جنونية بعض الشيء، ولكن الباحثين توصلوا إلى وسائل تتيح ضخّ مستويات منخفضة من الطاقة عبر الهواء. تعمل شركات كـ«إينيرجوس» و«أوسيا» على إرسال الطاقة عبر استخدام موجات الراديو، في الوقت الذي تعتمد فيه شركات منافسة كـ«واي - تشارج» على ضوء الأشعة تحت الحمراء الأقرب إلى الليزر.
رأيت نماذج تجريبية عن التقنيتين. للاعتماد على الأنظمة الشاحنة عن طريق الهواء، يجب عليكم أن توجدوا بالطبع في غرفة مجهّزة بأجهزة إرسال. تقول شركة «إينيرجوس» إنّ أجهزة الإرسال هذه يمكن تضمينها في أجهزة، كالكومبيوترات أو مكبرات الصوت، لتزويد الأجهزة الأخرى القريبة منها بالطاقة. أمّا شركة «واي - تشارج» فتقول إنها ما زالت تبحث عن تجهيزات للضوء.
متى ستصل التقنية إلى المستهلك: تقول شركة «إينيرجوس» إنّ الأدوات السمعية التي تدعم النسخة الأولى من تقنيتها (التي تتطلب احتكاكاً أقرب) سترى النور خلال أسابيع قليلة، في حين أنّ الأجهزة التي تشحن عن مسافات متوسطة وبعيدة لن تكون جاهزة قبل 2019 أو 2020 أمّا بالنسبة لشركة «واي - تشارج»، فتقول إنّها تأمل تسجيل صناعة أداتها بحلول الربيع المقبل.

- نظارات إنترنتية
- نظارات حتى لا تضطروا للنظر إلى جوالكم. الفكرة الكبرى هي أن النظارات الذكية هي «الابتكار القادم» الذي تعتمد عليه صناعة التقنية، لأنها ستسمح لنا باستخدام الإنترنت بشكل دائم دون الاضطرار إلى النظر حتى إلى شاشات الأجهزة. جمعت شركة «ماجيك ليب» الناشئة أكثر من 2.3 مليار دولار لصناعة «كومبيوتر شديد الخفّة قابل للارتداء» يشبه النظارات التي نرتديها أثناء لحام المعدن. وتقدّمت شركة آبل بدورها بطلب للحصول على براءة اختراع بتقنية نظارات، في الوقت الذي يتحدّث فيه رئيسها التنفيذي تيم كوك بشكل متكرر عن قدرات الواقع المعزز، التقنية التي تدمج صور الكومبيوتر بالعالم الحقيقي. (وتجدر الإشارة إلى أن لعبة «بوكيمون غو» التي حازت على شعبية كبيرة تعتمد بشكل أساسي على تقنية الواقع المعزز).
أبصرت أول إصدارات نظارات الواقع المعزز النور ودخلت الأسواق، واختبرت منها تصميماً من تطوير شركة «دريم وورلد» يقدّم رؤية 90 درجة ميدانية ويستجيب لإيماءات اليد. تزن هذه النظارات نحو 0.2 كلغم فقط، لأنها تتصل بجوال يتولّى عملية التشغيل والشحن. ومن المرجح أن تستمر النظارات الذكية في الاعتماد على الاتصال بالجوالات إلى حين النجاح في تقليص حجم أجزائها بالشكل الكافي الذي يسمح لها بالحلول مكان الجوالات بشكل كامل.
- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات ذات صلة

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

تكنولوجيا نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

باحثو «MIT» يطورون طريقة تمكّن الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراته بدقة ووضوح، ما يعزز الشفافية والثقة دون التضحية بالأداء.

تكنولوجيا تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

غوغل تطلق «الذكاء الشخصي» لربط بيانات المستخدم عبر خدماتها بهدف تقديم إجابات مخصصة مع الحفاظ على الخصوصية والتحكم الكامل للمستخدم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

روبوت دراجة يحقق توازناً ديناميكياً ويتجاوز العقبات بسرعة مستفيداً من تصميم بسيط وتحكم متكيف يحاكي مهارات الإنسان في بيئات معقدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات معززا الكفاءة والابتكار، لكن تحديات البيانات والتكلفة تعيق التوسع رغم زيادة الاستثمارات الكبيرة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

خاص كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الذكاء وينقل القيمة للمعنى مهدداً الهوية والتفكير النقدي فارضاً إعادة تصور التعليم والاقتصاد ودور الإنسان مستقبلاً

نسيم رمضان (لندن)

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.