الشيخ صباح الأحمد في «قمة الكويت»: دول مجلس التعاون أثبتت للعالم قدرتها على «الصمود»

انطلقت أعمالها أمس.. ورئيس الائتلاف الوطني يؤكد أن استقرار سوريا ينعكس إيجابا على دول الخليج

 امير الكويت خلال حفل العشاء الذي عقده أمس على شرف رؤساء الوفود المشاركة في القمة الخليجية المنعقده في الكويت. (كونا)
امير الكويت خلال حفل العشاء الذي عقده أمس على شرف رؤساء الوفود المشاركة في القمة الخليجية المنعقده في الكويت. (كونا)
TT

الشيخ صباح الأحمد في «قمة الكويت»: دول مجلس التعاون أثبتت للعالم قدرتها على «الصمود»

 امير الكويت خلال حفل العشاء الذي عقده أمس على شرف رؤساء الوفود المشاركة في القمة الخليجية المنعقده في الكويت. (كونا)
امير الكويت خلال حفل العشاء الذي عقده أمس على شرف رؤساء الوفود المشاركة في القمة الخليجية المنعقده في الكويت. (كونا)

قال الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت إن دول الخليج أثبتت للعالم رغم الظروف المحيطة بالمنطقة إقليميا ودوليا، قدرتها على الصمود، مقرونا بالتواصل لخدمة أبناء دول مجلس التعاون الخليجي.
وشدد الشيخ صباح الأحمد الصباح على ضرورة التشاور بين دول المجلس، وتبادل الرأي حيال تلك الظروف وتداعياتها على المنطقة، بما يعزز التكاتف الخليجي، ويزيد صلابته.
وكان أمير الكويت يتحدث في كلمة الافتتاح لأعمال قمة الدورة الـ34 للمجلس الأعلى لمؤتمر القمة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي تستمر في العاصمة الكويتية حتى اليوم.
وأبدى الشيخ صباح الأحمد ارتياح دول المجلس لاتفاق جنيف التمهيدي حول البرنامج النووي الإيراني، وتمنى في الوقت ذاته أن يحقق هذا الاتفاق النجاح الذي يقود إلى اتفاق دائم، يبعد عن المنطقة شبح التوتر.
وحول الأزمة السورية التي كانت أحد أهم ملفات اجتماع قادة دول مجلس التعاون في الكويت أمس، انتقد الشيخ صباح الأحمد الصباح موقف مجلس الأمن، الذي عدّه عاجزا عن «وضع حد لإنهاء الكارثة الإنسانية التي تشهدها سوريا منذ أكثر من ألف يوم».
وقال: «ما زالت الكارثة الإنسانية في سوريا ماضية، مما يدعونا لمضاعفة الجهود والعمل مع المجتمع الدولي، لا سيما مجلس الأمن الذي وقف عاجزا وبكل أسف عن ممارسة مسؤولياته التاريخية في وضع حد لهذه الكارثة الإنسانية».
وعن عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط، قال الشيخ صباح إن الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية تستحق الإشادة، وأكد أن المنطقة لن تنعم بالسلام، إلا بتطبيق إسرائيل قرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة. وزاد: «الكويت استجابت إلى نداء السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون لعقد المؤتمر الثاني لدعم الوضع الإنساني في سوريا، المقرر عقده بالكويت منتصف شهر يناير (كانون الثاني) 2014، وأدعوكم من هذا المنبر إلى المشاركة الفاعلة كعهدنا بكم لمساعدة أشقائنا».
وبين أنه تلقى رسالة من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، عبر فيها عن شكره العميق لجهود دول مجلس التعاون الخليجي على ما قدموه للبلاد، مطالبا بمواصلة دعم بلاده لمواجهة المصاعب والظروف الراهنة التي يمر بها اليمن.
وأكد أحمد الجربا، رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، حاجة الشعب السوري لدول الخليج، مشيرا إلى أن استقرار سوريا وتقدمها، ينعكس إيجابا على دول الخليج العربي، وقال: «يجب أن تبقى سوريا وطنا عربيا في وجه جميع الطامعين بأرض العرب، ولا نريد أن تتكرر مأساة العراق، وهذا ما قد ينعكس سلبا على العرب جميعا».
وعدّ أحمد الجربا الكارثة التي تعيشها سوريا مهددةً للنسيج العربي برمته، وتدق ناقوس الخطر في طول العالم العربي وعرضه، ووصفها بالمأساة التي لم تُبقِ ولن تذر.
وأشار إلى أنه بعد مضي ألف يوم على اندلاع الأزمة السورية، دخلت مظلومية الشعب السوري مرحلة لم تعد تحتمل ولا تطاق، وأضاف: «لن أكرر كلاما عن المجازر التي صارت الخبز اليومي لنشرات الأخبار، ولا عن شهدائنا، وقد أضحوا أرقاما تجول أسفل الشاشات، ولن أتحدث عن إرهاب النظام الذي تعرفونه وبعضكم اختبره».
وقال أحمد الجربا خلال كلمة شارك بها في افتتاح الدورة الـ34 للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي: «النظام السوري المجرم الذي عجز عن إظهار الثورة كحالة عمالة لإسرائيل، أو عملية أميركية مأجورة كما كان يسوق إعلامه، وكلما خاب سعيه لتحويلها إلى حالة خليجية مفتعلة بالنفط، وجد ضالته في الجماعات المتطرفة، فأخرج من أخرج من السجون وسلح من سلح منهم، والأدلة موجودة، فأطلق بذلك العنان لخصم يبغضه السوريون والعالم كالنظام وربما أكثر بعبقرية الإجرام عنده من ارتزاق طائفي أذكى نار الفتنة وأعاد النبش في التاريخ، لاستحضار أسوأ ما فيه وتوظيفه بأقذر الأساليب». وزاد: «بدخول حزب الله بشعار رفعوه في المعركة والإعلام، وجاءوا يطلبون ثأر سيدنا الحسين ابن سيدنا علي، والطاهرة زينب، من دماء أطفالنا وأعراضنا.. بهذا الشعار الخادع ذبحوا آلاف السوريين وسبيت مئات الحرائر، فاشتد غضب غلاة المتطرفين في الجهة الأخرى الذين يغرفون من ذات المعين، وصارت عملية محاصرتهم صعبة، بعد أن أصبح استيعابهم مستحيلا، فأصبحنا بين (داعش) وأخواتها وملثميهم ومقنعيهم الذين لا نعرف أسماءهم ووجوههم، وحزب الله وتوابعه من ناحية أخرى».
ولم يُخفِ أحمد الجربا وقوف القوى المعارضة لنظام الأسد إلى جانب الحل السياسي، وقال: «نحن مع الحل السياسي ومنذ اليوم الأول للثورة، ولكن نظام القتل لم يكن ليقبل بأي حل سياسي، فقد دفعه الغباء والغرور على الإصرار على قتل شعبه وتدمير بلده، ونحن اليوم أيضا مع الحل السياسي، ولكن مع الحل العادل الذي يخرج المجرمين من حياة السوريين إلى الأبد». وحول مشاركة الائتلاف في مؤتمر «جنيف2»، قال الجربا: «لا تعني أننا ذاهبون إلى ندوة سياسية مع مجموعة من النظام، بل تعني لنا بوضوح أننا ذاهبون لتخليص بلدنا من الدمار والإجرام، والحصول على الدولة السورية، واستقلال القرار الوطني، وهذا يحتاج إلى ميزان قوى في جميع المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية». وأضاف: «نعم لـ(جنيف) وفق الأسس والمعطيات التي حددناها في رؤية الائتلاف الوطني، والتي حددناها في لقاء لندن الأخير، أي وفق منطوق ومتطلبات (جنيف1) ومدرجاته». وتابع: «السوريون بحاجة لكم اليوم، للقول بوضوح للعالم كله، ألا مكان لنظام الأسد في سوريا؛ إذ ليس من المعقول والأخلاق أن يبقى المجرمون جزءا من أي حل سياسي، ومن دون هذا المطلب سيتحول (جنيف2) إلى ثرثرات واحتفاليات لا تهم السوريين. وما أردت أن أقوله بكل صراحة إن سوريا هي اليوم مختبر جديد لمشروع الفتنة والاستتباع». وأضاف: «إن ركنَّا لهذا المشروع أو ساومنا عليه أو معه، فلتتهيأ دولة عربية جديدة وتمد عنقها تحت السكين نفسه، حسبنا فقط أن يكون لنا مجد من صلب عروبتنا.. من عزوتنا.. من سند الظهور، ومن ذا الذي نطالبه بهذا خارج هذه القاعة التي تجمع قادة دول مجلس التعاون الخليجي.. المسؤولية كبيرة بحجم المواجهة المفروضة علينا، وقدرنا أن ننتصر معا، لأننا في معركة الوجود لا نملك خيارا آخر».
وشدد على أهمية «دعم الصمود بصندوق إغاثة يرفع راية مواجهتهم ويعلي خيار الشعب السوري، ويكون بإشراف وإدارة الائتلاف الوطني»، وقال: «أنتم تعلمون حجم المشكلة الكبيرة على مستوى النازحين واللاجئين البالغ سبعة ملايين، حتى لا نضيع في دهاليز مقفلة فتذهب ريحنا ونؤخذ فرادا فنبكي مجددا بلدا أضعناه يوم لا ينفع الندم ولا يغسل الدمع (النفور) التي ستغسلها الدماء».
من جهته، أكد مرزوق الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي في كلمته خلال الافتتاح أن سلسلة الاجتماعات الدورية لرؤساء البرلمانات الخليجية سجلت تقدما ملحوظا في أسلوب العمل، والتنظيم المؤسسي، وقنوات الاتصال والتواصل، كما حققت العديد من النتائج المثمرة «تمثلت في التشاور الجماعي وتوحيد المواقف، حيث برزت المجالس البرلمانية الخليجية في المحافل البرلمانية الإقليمية والدولية كتلة واحدة متجانسة تمارس دورا فاعلا في دعم قضايا ومواقف دول المجلس». وأضاف: «أتى اتفاق رؤساء البرلمانات الخليجية على تشكيل لجنة مشتركة تعمل على توحيد التشريعات المتعلقة بالجوانب الاقتصادية تمهيدا للوصول إلى تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، ليضيف بعدا هاما لمسيرة مجلس التعاون المباركة، يتكامل فيها الجانب البرلماني الشعبي مع الجانب الحكومي الرسمي»، مؤكدا أن «الاجتماعات ستواصل أداء دورها هذا بتكاتف وتلاحم، في ظل التوجيهات الحكيمة لقادة الخليج، وبما يدفع عجلة التعاون الخليجي قدما».
وأضاف الغانم أن دعم قادة الخليج كان عاملا حاسما ومقررا في هذا الإنجاز، متمنيا أن «تنال مؤسسات المجتمع المدني الخليجي الدرجة ذاتها من التشجيع والمساندة لتنتظم لآلئها في عقد العمل الخليجي المشترك، وتمنح هذا العمل امتدادا تشاوريا شعبيا، يزيده قوة وتماسكا، ويزيد المواطن الخليجي معرفة وتمسكا بمجلس التعاون ومنجزاته، وتفاعلا وتفهما لمواقفه ومنطلقاته».
وأكد الغانم أن «بحكمة قادة الدول العربية الخليجية الست، دخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية عقده الرابع، وقد حقق من الإنجازات ما يعدّ نجاحا بكل المعايير، لعل أبرزها هو ذلك الشعور المتنامي بين أبناء دول المجلس بالترابط والتكاتف، ووحدة الهدف ووحدة المصير، وذلك بحد ذاته إنجاز تعتز وتفتخر به شعوب دول المجلس، فلم نعد شعوبا خليجية متفرقة، بل شعب خليجي واحد».
وقال الغانم: «نحن بقدر ما نفخر بهذا النجاح، ندرك أن الطريق ما زال طويلا، وأن إنجازاتنا لم ترق بعد إلى طموحات قادتنا، ولا إلى آمال شعوبنا، ولم تستجب لكل دواعي التحديات وتسارع إيقاع التغيرات.. ذلك أنه لم يسبق لمجموعة دول أن جوبهت بمسؤولية إنمائية وأمنية، مركزة ومكثفة، مثلما جابهت دول مجلس التعاون الخليجي ولا تزال. ولم يسبق لمجموعة دول أن تحملت مسؤوليات قومية وإقليمية، ومسؤوليات إنسانية وأخلاقية، كما تتحمل دولنا اليوم، وفي منطقة مثقلة بحساسيات التاريخ، وصراعات الجغرافيا، وأطماع السياسة».
وأضاف الغانم أن «الإسراع في الإنجاز، والمزيد من الفاعلية في أداء مؤسسات العمل الخليجي المشترك، وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي ورفع وتيرته، تفرض وجودنا بين الكتل الاقتصادية العالمية من خلال سوق مشتركة، وزيادة وتنويع آليات وقنوات التشابك الثقافي والمعرفي والمجتمعي، والاهتمام بقضايا الشباب الذين هم عماد المستقبل ووقود التنمية.. أمر تتطلع إليه شعوبكم باهتمام خلال المرحلة المقبلة للانتقال من مرحلة التعاون إلى دائرة التكامل».



مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان
TT

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

لم يصدف في التاريخ أن كانت الحرب معزولة عن السياسة. فالحرب هي السياسة، لكن بوسائل أخرى، حسب كارل فون كلوزفيتز. والحرب تُخاض لأهداف سياسية بحتة، شرط أن تكون هذه الأهداف قابلة للتحقيق. والعكس قد يعني أن استراتيجيّة الحرب المرسومة سوف تناقض طبيعتها. فاستراتيجيّة الحرب بشكل عام، هي تلك الطريقة (الكيف في التنفيذ) التي تربط الأهداف بالوسائل، شرط التوازن بين الاثنتين.
أن تدخل الحرب بثقة زائدة، متجاهلاً الكثير والكثير من متطلّبات النجاح، لهو أمر قاتل. وأن تدخل الحرب ومفتاح نجاحها بيد الأعداء، لهو أمر يعكس السطحيّة الاستراتيجيّة للمخطّطين. لكن المصيبة تكمن، بالثمن المدفوع لأي تعثّر. فمن يرِدْ أن يكون قوّة عظمى فعليه تجميع عناصر القوّة لمشروعه.
وإذا تعذّر ذلك، فعليه ابتكار استراتيجيّة فريدة من نوعها، تجمع «القوّة الطريّة» مع القوّة الصلبة، بهدف التعويض عن أيّ نقص من عناصر القوّة.

فشل منظومة بوتين
لردع الغرب!
لم يستطع الرئيس بوتين وبعد سنة على عمليته العسكريّة في أوكرانيا، تركيب منظومة ردعيّة فاعلة وقادرة على تسهيل حربه. بكلام آخر، لم تنفع استراتيجيّته والمُسمّاة استراتيجيّة الرجل المجنون (Mad Man Theory)، في ردع الغرب. فهو أراد حماية حربه التقليديّة بمظلّته النوويّة، مُظهراً نفسه لاعباً غير عقلانيّ (Irrational). فمن التهديد النوويّ المتكرّر من قبله، ومن قبل الرئيس الروسي السابق ميدفيديف، إلى وزير الخارجيّة سيرغي لافروف. كان ردّ الغرب عبر اتباع استراتيجيّة القضم المُتدرّج لخطوط بوتين الحمراء.
وللتذكير فقط، استعمل الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون، وبالتعاون والتنسيق مع هنري كيسنجر، استراتيجيّة الرجل المجنون في حربه على فيتنام. فصوّر نيكسون نفسه آنذاك على أنه لاعب غير عقلاني قد يذهب إلى استعمال النووي في حال لم تلبَّ مطالبه، وذلك مقابل حركيّة كيسنجر العقلانيّة لإيجاد مخرج من مستنقع فيتنام.

من يريد كلّ شيء، قد
لا يحصل على شيء
وضع الرئيس بوتين لنفسه أهدافاً تعجيزيّة. من طلبه عودة وضع حلف «الناتو» إلى منتصف التسعينات، إلى إلغاء الدولة الأوكرانيّة، وضمّها إلى روسيا على أنها جزء لا يتجزّأ من مناطق النفوذ الروسيّ، إلى قيادة الانتفاضة العالميّة ضد الإمبرياليّة الأميركيّة، إلى رسم نظام عالميّ جديد تكون فيه روسيا لاعباً كونيّاً وقوّة عظمى على غرار أميركا والصين. كلّ ذلك، باقتصاد ودخل قوميّ يوازي الدخل القومي لمدينة نيويورك. كل ذلك مع تصنيع حربيّ متواضع، يعود أغلبه إلى أيام الاتحاد السوفياتيّ، ودون تصنيع محلّي للشرائح الذكيّة، التي تعد حيويّة لتشغيل أسلحة القرن الحادي والعشرين. كل ذلك مع جيش أغلبه من الأقليات التي تعيش في المناطق النائية وعلى هامش حياة الشعب الروسي في المدن الرئيسّية. جيش لا يحسن القتال المشترك للأسلحة (Combined). جيش مؤلّف من عدّة جيوش، منها الجيش الروسيّ الرسمي، إلى الفرق الشيشانيّة، وحتى شركة «فاغنر» الخاصة. حتى إن هذه الجيوش لا يقاتل بعضها مع بعض، وهي ليست على وفاق، لا بل تتصارع علناً، إن كان حول الاستراتيجيات العسكريّة، أو حتى في طريقة إدارة الحرب. جيش لم يخطط للسيناريو السيّئ، فوقع في فخ الرضا المسبق عن الذات.
بوتين الحائر
بين الاستراتيجيّة والتكتيك
في المرحلة الأولى للحرب حول كييف، خسر بوتين في الاستراتيجيّة والتكتيك. غيّر الاستراتيجيّة وتوجّه نحو إقليم الدونباس فحقق نجاحات تكتيكيّة، لكنها لم تُصَب وتتراكم لتؤمّن النجاحات الاستراتيجيّة.
بعد الدونباس، خسر الرئيس بوتين التكتيك في إقليم خاركيف، كما أجبر على الانسحاب من مدينة خيرسون. وبذلك، تراكمت الخسائر التكتيكيّة والاستراتيجيّة على كتف الرئيس بوتين لتعيده إلى مربّع الخسارة الأول حول العاصمة كييف.

التقييدات على سلوك بوتين
في المرحلة المقبلة
• لا يمكن للرئيس بوتين أن يخسر مرّتين متتاليتين في أوكرانيا.
• فالخسارة تعني بالحدّ الأدنى الإطاحة به سياسياً، حتى ولو لم تتظهّر معارضة داخلية حتى الآن.
• تاريخيّاً، لا مكان للضعفاء في الكرملين. فكلمة الكرملين وهي من أصل تتريّ، تعني القلعة المُحصّنة. وكلّما كان هناك تعثّر عسكريّ روسي في الخارج، كان التغيير السياسي في الداخل النمط المعتاد.
• لا بد للرئيس بوتين من تقديم نصر عسكريّ للداخل الروسي، حتى لو كان محدوداً. وقد يكون هذا النصر في إقليم الدونباس أولاً، وفي إقليم زابوريجيا ثانياً. فهو قد ضمّ هذين الإقليمين إلى جانب إقليم خيرسون.
• لكن السيطرة على الأقاليم الثلاثة: الدونباس وزابوريجيا وخيرسون، بأكملها، ليس بالأمر السهل، وذلك استناداً إلى التجارب السابقة مع الجيش الروسيّ. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يستطع الجيش الروسي، و«فاغنر» إسقاط مدينة بخموت حتى الآن، وبعد مرور أكثر من سبعة أشهر على العمليّة العسكريّة حولها.

المنتظر من بوتين
• بدل النوعيّة أغرق الرئيس بوتين الجبهات بالكميّة، خصوصاً من العسكر الجديد. ألم يقل الزعيم السوفياتي الراحل جوزيف ستالين: «إن للكميّة نوعيّة بحد ذاتها؟»، وبذلك يحاول بوتين اختبار جاهزيّة الانتشار الأوكراني على طول الجبهة لرصد نقاط الضعف.
• تقول المعلومات إن الجيش الروسي قد حشد كثيراً من الطائرات الحربيّة والطوافات على حدود أوكرانيا استعداداً لاستعمالها في المعركة المقبلة، خصوصاً أن جاهزيّة السلاح الجويّ الروسي تتجاوز نسبة 80 في المائة.
• كما تقول المعلومات إن التجمعات العسكريّة بدأت تظهر داخل الأراضي الروسيّة خصوصاً في مدينة كورسك، التي تقع خارج مدى راجمات «الهايمرس».
• يحاول الرئيس بوتين استرداد زمام المبادرة من يد الجيش الأوكراني، وذلك استباقاً لوصول المساعدات الغربيّة، خصوصاً الدفاعات الجويّة ودبابات القتال الرئيسيّة.
• وأخيراً وليس آخراً، قد يحاول الرئيس بوتين زرع الفوضى في المحيط الجغرافي لأوكرانيا، إن كان في مولدوفا، أو انطلاقاً من إقليم كاليننغراد الروسي والواقع على بحر البلطيق. هذا عدا إمكانيّة ضرب خطوط الإمداد لأوكرانيا على ثلاثة ممرات بريّة؛ تمرّ عبر كل من: سلوفاكيا ورومانيا وبولندا.
في الختام، هذه هي صورة الجبهّة الروسيّة. لكن رقصة «التانغو» بحاجة إلى شخصين كي تكتمل. فكيف ستكون عليه الجاهزيّة الأوكرانيّة؟ خصوصاً أننا عاينّا في هذه الحرب نماذج الحرب من العصر الزراعي، كما من العصر الصناعي، ودون شكّ من العصر التكنولوجيّ.
بعد عام على الحرب... هل باتت روسيا أكثر أمناً؟
مستقبل الحرب... واحتمالات توسعها وخروجها عن السيطرة
كيف أساءت روسيا تقدير موقف ألمانيا؟
أوروبا... تساؤلات حول مآلات الدعم لأوكرانيا
الأزمة... والدور «المشلول» لمجلس الأمن


سباق بين سلالات حاكمة تاريخية على عرش إيران

أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
TT

سباق بين سلالات حاكمة تاريخية على عرش إيران

أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)

وسط غابة خضراء في مكان مجهول، وقف رجل سبعيني ليخاطب الإيرانيين بالفيديو باقتباسات من كبار الشعراء الفارسيين، معلناً أنه «شاه عباس سلجوقي، ملك الملوك وإمبراطور إيران، آخر المتبقين من سلالة السلاجقة، ومن الأتراك الإيرانيين».
قد تبدو مزاعم الرجل في حكم إيران مثار تندر، نظراً إلى أن إمبراطورية السلالة السلجوقية التي يدعي التحدر منها أفلت قبل أكثر من ثمانية قرون. لكنه مجرد متسابق بين كثيرين يحاولون طرح أنفسهم بديلاً للنظام الحالي، في ظل تزايد السخط الشعبي على أدائه.

وتداولت فيديوهات لأشخاص يزعمون انتسابهم إلى السلاسات التي حكمت إيران بعد سقوط الصفوية في القرن الثامن عشر، وبعضهم يرشح نفسه لاستعادة عرش أجداده.
وأصبح الشغل الشاغل للإيرانيين على شبكات التواصل الاجتماعي تتبع أخبار من يتحدرون من السلالات التاريخية التي حكمت بلادهم قبل قرون، عبر فيديوهات مزاعم حق العرش التي تثير دهشتهم أو منشورات ساخرة.

صراع على تركة القاجار

ونشر شخص يدعي بابك ميرزا قاجار يقول إنه يتحدر من السلالة القاجارية التي حكمت البلاد من 1794 حتى 1925، قبل إطاحة آخر ملوكها أحمد شاه قاجار، على يد رئيس وزرائه رضا خان بهلوي الذي جلس على العرش وأسس الحكم البهلوي.
وقبل أيام، أعادت قناة «تي آرتي» التركية في خدمتها الفارسية التذكير بتقرير نشر في عام 2016 يزعم وجود أحد أحفاد السلسلة القاجارية في إسطنبول. ونقلت عمن وصفته بأنه «بابك ميرزا أحد الباقين من سلالة القاجار الإيرانية»: «في هذا التوقيت المضطرب، أرى تقارباً في العلاقة بين تركيا وإيران... أنا قادم من إيران وأتحدث التركية، وأكثر من نصف الإيرانيين قادرون على فهم اللغة التركية».

وتداول مغردون بياناً لـ«رابطة قاجار»، ومقرها جنيف وتقول إنها تمثل أبناء السلالة القاجارية، نفى أي صلة بين بابك ميرزا والقاجار. وقالت الرابطة: «اطلعنا على مزاعم شخص يدعى بابك بيتر بادار ويدعي وراثة العرش والتاج الملكي للقاجاريين، وينوي بهذه الأوهام القيام بأنشطة سياسية. هذا الشخص غير معروف للرابطة وأطلعت على وجوده عبر وسائل الإعلام».
وأضاف بيان الرابطة: «نحن كأسرة القاجار نقف إلى جانب الشعب الإيراني، ونطرد أي شخص يحاول انتحال هوية مزيفة للوصول إلى مصالح شخصية واستغلال الأوضاع الصعبة».

«دار المجانين»

وبينما انشغل الإيرانيون بمتابعة صور وفيديوهات بابك ميرزا، ظهر فيديو الرجل السبعيني الذي وقف في الغابة معلناً أنه «شاه عباس سلجوقي ملك الملوك وإمبراطور إيران».
وكتب مغرد يدعى فريد خان: «بعد بابك ميرزا قاجار، ظهر أمير سلجوقي هو الأمير عباس سلجوقي كبير أسرة السلاجقة ومن دعاة إعادة تأسيس النظام الشاهي في إيران... البلاد تحولت إلى دار المجانين».
وقال مغرد آخر: «الأمير عباس سلجوقي مستعد للتنافس مع أربعة مرشحين من السلالة الصفوية والأفشارية والقاجارية والبلهوية الذين أعلنوا استعدادهم مسبقاً لإعادة تأسيس النظام الشاهي».
وكتبت مغردة تدعى شرارة: «في سباق العودة التاريخي، ظهر أمير سلجوقي... على أمراء السلاسات الأخرى الإسراع لأن الغفلة تؤدي إلى الندم، على رضا بهلوي الانتحار لأن منافسيه يزدادون».
ورضا بهلوي هو نجل شاه إيران السابق الذي يلتف حوله أنصار والده وبعض المشاهير، لطرح بديل لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران. لكن نجل الشاه يواجه معارضة من شريحة واسعة بين أبناء الشعوب غير الفارسية، مثل الأكراد والعرب والأتراك والبلوش.
وتأتي الظاهرة الجديدة بينما تحاول السلطات الإيرانية إخماد الاحتجاجات بأساليب من بينها التوسع في عقوبة الإعدام وتنفيذها حتى الآن في أربعة متظاهرين.
وكان لافتاً خلال الأيام الأخيرة نشر فيديوهات من قنوات «الحرس الثوري» تشبه النظام الحالي بالحكم الصفوي الذي حاول منافسة العثمانيين على حكم العالم الإسلامي.


السودانيون يتداولون أسماء لتولي رئاسة الحكومة المدنية

وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
TT

السودانيون يتداولون أسماء لتولي رئاسة الحكومة المدنية

وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)

بدأ سباق إعلامي على خلفية التسريبات من الغرف المغلقة حول أسماء المرشحين لتولي منصب رئيس وزراء الحكومة المدنية المرتقبة في السودان، فيما أكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر سابق لأوانه، وأن البعض ربما يحاول تسويق بعض الأسماء، لكن الجهات المعنية بأمر العملية السياسية تتمسك بأن اختيار رئيس الوزراء يحتاج إلى توافق كبير بين الأطراف المختلفة التي تشكل الحاضنة الجديدة للسلطة الانتقالية التي لم تتشكل بعد.
وأفادت المصادر ذاتها بأن موضوع الأسماء غير مطروح في الوقت الحالي لأن العملية السياسية لا تزال في بداياتها ويمكن الحديث عن الترشيحات عقب التوقيع على «الاتفاق الإطاري» بين المدنيين والعسكريين. وأكدت أن «تحالف الحرية والتغيير، والمجموعات الأخرى، لم تبدأ في أي نقاش حول هذا الأمر، لكن هذا لا يمنع أي جهة كانت أن تتقدم بالمرشح الذي تراه مناسباً». وأوضحت أن المرشح لمنصب رئيس الوزراء سيخضع للتشاور بين أطراف كثيرة، وأن الوصول إلى التوافق على شخص لقيادة الحكومة المدنية في هذا الوقت لن يكون سهلاً، لكن ليس أمام قوى الانتقال مفر من التوافق على مرشح يجد قبولاً واسعاً وسط القوى السياسية وحراك الشارع.
ومن بين الأسماء التي ترددت لتولي منصب رئيس الوزراء، طه عثمان، وهو من قيادات تحالف «الحرية والتغيير» التي قادت المفاوضات مع قادة الجيش خلال الفترة الماضية حتى تم التوصل إلى «تفاهمات حول مسودة الوثيقة الدستورية، التي أعدتها نقابة المحامين»، والتي تحدد هياكل وصلاحيات مؤسسات وأجهزة السلطة الانتقالية المتفق عليها.
كما برز اسم وزير المالية الأسبق، إبراهيم البدوي، الذي عمل في حكومة رئيس الوزراء المستقيل، عبد الله حمدوك. وتردد أيضاً اسم وزير العدل الأسبق، نصر الدين عبد الباري، الذي عمل أيضاً في حكومة حمدوك، وتتردد إشاعات بأنه يحظى بدعم مقدر من قوى دولية. وتقول المصادر إنه بصرف النظر عن الأسماء، فلا شك أن هناك مجموعات ضغط (لوبيات) تدفع باتجاه تقديم المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة الانتقالية المدنية، التي لا بد أن تتخذ قرارات صعبة، وربما مواجهات سياسية مع أنصار النظام المعزول من الإسلاميين المنتمين إلى حزب المؤتمر الوطني الذي كان يرأسه الرئيس السابق عمر البشير.
لكن غالبية المصادر أشارت إلى أن هذه الترشيحات لا تخرج عن كونها ترويجاً وسباقاً لبعض القوى السياسية والمدنية لرسم المشهد السياسي في البلاد قبل اكتمال العملية السياسية، التي تحتاج إلى خطوات كبيرة للوصول إلى الاتفاق النهائي. وقالت المصادر: «في الوقت الراهن لا يمكن الحديث عن أي حظوظ للأسماء المطروحة للتنافس على المنصب»، لكنها توقعت أن ترتفع وتيرة الحملات الإعلامية في الفترة المقبلة في محاولة للتسويق السياسي لهذه الأسماء.
ونصّت التفاهمات التي توصل إليها تحالف «الحرية والتغيير» مع القيادة العسكرية في البلاد، وفق مسودة الدستور المقترح، على أن يكون رئيس الوزراء ومجلسه من الكفاءات الوطنية المستقلة، بعيداً عن المحاصصات الحزبية، وأن تختارهم القوى السياسية التي ستوقع على «الإعلان السياسي الجديد، مع مراعاة التمثيل العادل للنساء والتنوع العرقي والجهوي دون الإخلال بمبدأ الكفاءة».
وأكد القيادي في تحالف «الحرية والتغيير» ياسر عرمان، في حديث أول من أمس، أن اختيار رئيس الوزراء «يجب أن يتم بالتشاور بين قوى الثورة، بما في ذلك أطراف عملية السلام (الفصائل المسلحة)، بالإضافة إلى قوى الانتقال الديموقراطي». وتنقسم العملية السياسية إلى مرحلتين، الأولى التوقيع على «الاتفاق الإطاري» بما تم التوصل إليه من توافق حول مسودة الدستور، ومن ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية بالتوقيع على «الاتفاق النهائي»، الذي يعقبه تشكيل الحكومة التنفيذية.