«ما بعد الحداثة» انتهت... لكن ما الذي حل محلها؟

بين أول رسالة نصيّة وحرب الخليج أعادت التكنولوجيا ترتيب العالم

عمارة ما بعد الحداثة في معرض في فرانكفورت 2014
عمارة ما بعد الحداثة في معرض في فرانكفورت 2014
TT

«ما بعد الحداثة» انتهت... لكن ما الذي حل محلها؟

عمارة ما بعد الحداثة في معرض في فرانكفورت 2014
عمارة ما بعد الحداثة في معرض في فرانكفورت 2014

مع نهاية ثمانينات القرن الماضي، توالت الإعلانات عن موتٍ محتملٍ لمرحلة ما بعد الحداثة كتيار شامل يحكم توجهات الفكر الإنساني - الغربي - وتجلياته في السياسة والفنون ومنتجات الثقافة، وتسابق عديد من الروائيين والفنانين والنّقاد والمؤرخين على نشر بيانات لهم عن معالم الموت السريري لتلك المرحلة من زوايا مختلفة، قبل أن ينظّم متحف «فيكتوريا وألبرت» اللندني معرضه الشهير في 2011 (ما بعد الحداثة 1970 - 1990)، الذي اعتبره الكثيرون في الغرب بمثابة حفل جنائزي رسمي لدفن تلك المرحلة بكل ما فيها.
كانت ما بعد الحداثة لجيل نهاية الستينات وبداية السبعينات نوعاً من نفي لمرحلة الحداثة لا تياراً بديلاً قائماً بحد ذاته، كما كان حال سابقتها مرحلة الحداثة بأفكارها الكبرى التي تفسّر العالم وتنظمه. لقد أسقطت ما بعد الحداثة كل تلك الثّيمات الكبرى: الحقائق الشاملة والاشتراكيّة والدين وفكرة التقدم وحتى مفهوم التاريخ ذاته، دون أن تنجح يوماً في أن تطرح نفسها في لبوس واحد خارج النفي والتلفيق حتى وصفها أحد المفكرين بأنها «فقدان تام للعلاقة مع الإطار التاريخي على نحو يتسم بكثير من انعدام العمق وانتفاء المعنى وانحسار العواطف»، وأنها «إفلاس المنطق الثقافي للرأسماليّة المتأخرّة». لقد تنازل الغرب عن «الحقيقة» لمصلحة «اللا حقيقة»، واستبعد «النظريّة» لمصلحة «القصاصات المجمعّة».
مع ذلك فإن أحداثاً مثل سقوط جدار برلين، وانحلال الاتحاد السوفياتي، والألفيّة الجديدة، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)2001 كانت تشير بوضوحٍ بالفعل إلى أن العالم بصدد إعادة ترتيب أوراقه على نحو جديد، وأن قاطرة مرحلة «ما بعد الحداثة» قد فقدت قوتها الدّافعة، ولم تعد بقادرة على دفع عربة التاريخ إلى الأمام.
كان كتاب «حالة ما بعد الحداثة» للمفكر الفرنسي جان - فرنسوا ليوتارد بمثابة شهادة ولادة رسميّة لهذا الفضاء الهلامي الجديد المسمى «ما بعد الحداثة»، إذ كان يمكن تلمس تحولات في الأشكال الأدبيّة - لا سيما الرواية - ومنتجات الثقافة على تنوعها من رسم ورقص ونحت وأزياء منذ وقت مبكّر بداية السبعينات. وقد اتّخذ ذلك الفضاء بالفعل شكلاً رمزياً مجسداً في الهندسة المعماريّة، وتحديداً من خلال مبنى شركة الاتصالات الأميركيّة «إيه تي آند تي» (1984) من تصميم المعماري (الحداثي) فيليب جونسون، الذي خرج عن طوع الحداثة الوظيفيّة، وانتقل إلى استعارات شكليّة متوحشة ومفرّغة من سياقها التاريخي، لا معنى محدداً لها - ربما فقط نفي طرز الحداثة دون محاولة تقديم بديل مقنع.
تركّز خطاب مرحلة ما بعد الحداثة وقتها على تجريد أي معنى من السلطة على المنتج الثقافي (كما في نص أو عمل معماري أو فني). فكل المعاني ممكنة ويمكنها أن تتعايش معاً دون تناقضات وجوديّة. وهو ما برر لاحقاً إعادة تقييم كاملة لهياكل القوة السائدة في المجتمعات الغربيّة، وفتحت الأفق لفهم تجربة الوجود الإنساني من خلال تقاطع هويات متعددة بين الطبقة والجنسانيّة والدين والجنس والعرق والظروف الموضوعيّة معاً، وتظل دائماً في حالة سائلة، وهي الأجواء التي حكمت خبرة الجيل الحالي، ولا يزال البعض متعلقاً بها، مستشهداً ببعض الأعمال الأدبيّة التي ما زالت تستعين بأدوات تلك المرحلة دون أن يدرك أن الرواية بالذات تأتي متأخرة إلى المشهد الثقافي، وأن عشرات الأعمال كانت لا تزال تصدر متأثرة بأدوات الحداثة بعد دخول الحداثة مرحلة موتها.
يكفيك بالطبع أن تشاهد - دائماً في الغرب - فيلماً سينمائياً حديثاً، أو تستمع لعمل موسيقي جديد أو تحضر مؤتمراً أدبيّاً لتجد أنّ لا أثر مطلقاً لمرحلة ما بعد الحداثة. لا أحد خارج الدوائر المتخصصة الضيّقة يتحدث عن فوكو أو ديدرا أو بودليارد، ولم يقرأ أي من الشباب إيكو أو كالفينو أو ديليو. فما الذي حدث، وكيف لقيت ما بعد الحداثة نهايتها رغم أننا لا نجد رمزاً مجسداً - كما في بناية جونسون - ليعبّر عن تلك النهاية؟ لكن التساؤل الأهم يبقى ما الذي حل مكان «ما بعد الحداثة»، ويوجه مزاج الثقافة وإيقاع الحياة في الغرب راهناً؟
الواقع أن الـ25 عاماً الأخيرة شهدت تحولات جمّة مفاجئة ومفجعة ليس في طبيعة النتاج الثقافي فحسب، بل وعلى نحو أكثر جذريّة في أشكال السلطة وهيكليّات القوة ومعنى المعرفة وطرائقها، وكذلك مفهوم الغربيين لذواتهم وتصوراتهم عن الزمان والمكان و«الحقيقة». هناك في لحظة ما بين إرسال أول رسالة نصيّة عام 1992 وحرب الخليج 2003 أخذت التكنولوجيا الحديثة بإعادة ترتيب أوراق العالم من جديد، وانطلقت دون رحمة تعيد تعريف كل شيء: المُنتِج والمنتَج والمستهلك لكل معطيات الحياة البشريّة المعاصرة. لم يعد المستهلك مجرد متلقٍ للمنتجات الثقافيّة، كما تفترض العلاقات في مجتمع ما بعد الحداثة، بل قلبت معطيات التكنولوجيا الأدوار ليصبح المستهلك، وعلى نحو متزايد، جزءاً لا يتجزأ من عمليتي الإنتاج والاستهلاك معاً: برامج تلفزيون الواقع التي تتطلب تصويت المشاهدين، الشكل الجديد لتلقي الأخبار على الإنترنت، الذي يجعل التلفزيونات والصحف التقليديّة تعيش من أجل كبار السن فحسب، الصحافة الجديدة حيث كل قارئ صحافي أو مصور محتمل، سجلات أصوات العالم المتوفرة بسهولة خياليّة عبر تطبيقات «يوتيوب» وغيرها، طريقة الاستماع الانتقائي للموسيقى وتبادلها إلكترونياً، المعارف الإلكترونيّة التي تدفع بأدوات المعرفة التقليديّة من كتب ومجلات ومؤتمرات ومحاضرات إلى الانقراض، تطبيقات مشاهدة المواد الدراميّة والوثائقيّة من أفلام ومسلسلات على الإنترنت التي منحت سلطة إدارة العرض بالكامل للمستهلك. هذه كلها مجرد أمثلة على هذا الانقلاب الجذري على صعيد العلاقة بين طرفي عمليّة الإنتاج الثقافي، التي تقابلها تغييرات مماثلة أيضاً في مضمون تلك الأعمال تأخذ بها بشكل متزايد إلى الضحالة والتسرع وقصر العمر الافتراضي: منتجات ثقافة اليوم لا تاريخ لها ولا مستقبل، فهي عابرة ومؤقتة وتتلاشى في الفضاء السيبري فور انتقال مستهلكها - المنتِج إلى شيء آخر.
مع ذلك فإن الجيل الجديد يتطلع نحو مزاج عصره المستجّدِ هذا - يسميه آلان كيربي «الديجيمودرانزم» أو الحداثة الرقميّة - بإعجاب، دون أي تعاطف مع منتجات ما بعد الحداثة التي يتناقص جمهورها بغياب الجيل الأكبر سناً. فالجيل الجديد الذي ولد بعد بناية جونسون المشهورة يرى هذي المرحلة الحاليّة كما لو كانت عصر نهضة ذهبي فائر يمجد العقل والإبداع والتميّز والاحترافيّة والتمرد على القيم الموروثة، والارتقاء بالفردانيّة - حيث أحدث منتجات التكنولوجيا قد تستخدم من قبل شخص بسيط لإنتاج نص على مستوى ثرثرة يومية فتعطي أبعاداً غير مسبوقة لمفهوم التجربة الديمقراطيّة.
هذا كلّه يدفع للاعتقاد بأن ما بدأ يتشكل في عقد التسعينات من منظومة متكاملة لعلاقة البشر بأنفسهم وبالآخرين، وبالعالم، يبدو قادراً على الصمود لبعض الوقت وقطعيّاً في علاقته بالمرحلة السابقة، الأمر الذي يبرر ادعاء البعض بأن تلك المنظومة أشبه بمرحلة حداثة جديدة - تشبه مرحلة الحداثة التقليديّة لا سيما في بدايات القرن العشرين - بجذريتها وصمودها لفترة طويلة نسبياً، لتتحوّل «ما بعد الحداثة» بالنتيجة إلى مجرد فترة انتقاليّة عابرة بين هاتين الحداثتين، ونوعاً من زمان توحش مؤقت لمجتمعات مات قديمها ولم يكن جديدها قد ولد بعد - وفق وصف غرامشي -، وفضاء فارغ ثيمته النفي والرفض لا المعنى.
الخشية أن الحداثات - وكما تقول الخبرة التاريخيّة - بسبب من جذريتها تلتهم في طريقها عادة ملايين البشر، وتنتج مآسيَ وهولوكوستات، وتتسبب في إحساس الأفراد العميق بالاغتراب والوحدة والتضاؤل. حداثتنا الجديدة هذي تبدو - وإن اختلفت أدواتها ومناهجها عن الحداثة الأولى - أنها ستتبع ذات المسار المظلم، وإن حادت عنه فلمسارٍ أكثر إظلاماً ليس إلا.



الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».


سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
TT

سباق التوقعات يشتعل حول مقالب «رامز ليفل الوحش» في رمضان

القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)
القرد المبرمج الذي يشارك مع رامز جلال (إم بي سي مصر)

أثار طرح بوستر برنامج المقالب «رامز ليفل الوحش»، الذي يقدمه الفنان رامز جلال في رمضان 2026، اهتماماً لافتاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدَّر الترند عبر منصة «X» في مصر، الثلاثاء.

كان رامز جلال قد كشف عن الملصق الترويجي للبرنامج، الذي ظهر من خلاله وقد أعطى ظهره للكاميرا دون أن يكشف عن ملامح أو تفاصيل أخرى، ثم ظهر في ملصق آخر وقد طغى اللون الأحمر على كل شيء؛ ملابسه ونظارته وملابس القرد الذي يحمله على كتفه وفانوس رمضان الذي يمسكه بيده، بينما ظهر بشعر برتقالي على شكل حمم بركانية، ما أشعل سباق التوقعات بين الجمهور حول فكرة الموسم الجديد من البرنامج الذي اعتاد إثارة الجدل وخطف الانتباه في مواسمه السابقة.

رامز جلال كما ظهر على بوستر البرنامج (إم بي سي مصر)

وكتب رامز، عبر حسابه على «X»: «بسم الله توكلنا على الله»، معلناً بطريقته المعتادة الموسم الجديد لبرنامج المسابقات الذي يقدمه بعنوان «رامز ليفل الوحش» في رمضان 2026 على «MBC مصر».

وأضاف: «اجمد ومتبقاش خفيف... الموضوع مخيف»، الذي تتخذه قناة MBC شعاراً للبرنامج، وقد جرى تصويره بمدينة الرياض، وهو من إنتاج الهيئة العامة للترفيه (GEA) ليعلق متابعون حول توقعاتهم لطبيعة المقلب الذي سيتعرض له ضيوف البرنامج. وكتب حساب باسم «محمد العريفي»: «أيوة كده يا رامز، نجم رمضان كل سنة». وكتب حساب باسم «شهد»: «البوستر يجنن، وطبعاً لون شعرك خيالي».

وعلق «Abdou»: «واضح إن الضحايا، هذا العام، داخلين أخطر تجربة في حياتهم، (رامز ليفل الوحش) هيكسر الدنيا».

في حين كشف حساب باسم «MEMO» أن «مفاجأة رامز جلال، هذا الموسم في رمضان، هو استضافته اللاعب أشرف حكيمي، ليبدأوا لعبة مثل (سكواد جيم)، ووسط اللعب سيجري حبس الضيف في غرفة مظلمة بمفرده ليس بها غير شاشة، وفجأة رامز هيشغل عليها جول «بابا غابي» في المغرب بنهائي أمم أفريقيا».

وكتب حساب باسم «Arabian Crave»: «بما إن الفضول واصل للسماء والكل بيسأل رامز جلال ناوي على إيه السنة دي، خليني أفكّلك اللغز وأوريك الطريق اللي هتحس فيه ريحة المقلب قبل ما يبدأ، تخيل نفسك رايح مهرجان عالمي وفجأة تلاقي نفسك جوة نسخة مخيفة من لعبة الحبار، بس المرة دي كلها مصرية».

ويحظى تسجيل حلقات البرنامج بكثير من السرية حتى لا تتسرب الفكرة لبقية ضيوف البرنامج الذي يعمل رامز وفريق الإعداد والإخراج معه على الانتهاء من تصوير الحلقات كاملة قبل شهر رمضان بوقت كاف.

وأكد الناقد أحمد سعد الدين أن اسم رامز جلال يتحول إلى «ترند» مع اقتراب شهر رمضان، وقبل عرض برنامجه؛ لأن اسمه وحده يكفي، سواء أكان تحت مسمى «رامز قلب الأسد» أم «رامز ليفل الوحش»، فهو يحظى بشعبية كبيرة لدى الجمهور الخليجي والجمهور المصري، مشيراً إلى أنه يعتمد في كل مرة على فكرة جديدة في برنامج يتمتع بإنتاج ضخم يتيح له أن يحقق إبهاراً فنياً، مضيفاً، لـ«الشرق الأوسط»: «لكن مشكلة البرنامج أنه يعتمد على فكرة واحدة طوال شهر رمضان، وبعد عرض خمس حلقات يكون المشاهد قد أدرك الفكرة وتوقّع ما سيقوله الضيف، ومن الأفضل أن يقدم فكرة مختلفة لكل عشر حلقات».

ويلفت سعد الدين إلى أن الحلقات الأولى التي قدمها لم تكن تتمتع بإنتاج كبير، لكن بعدما اتجه للإنتاج في كل من دبي والسعودية توافرت له إمكانات واسعة مكّنته من تقديم عناصر إبهار أكثر، والاستعانة بنجوم عالميين في بعض الحلقات.

بدأ الفنان رامز جلال «52 عاماً» تقديم برنامج المقالب، الذي يحمل اسمه بشكل موسمي في رمضان من كل عام، في 2011، وقد حملت عناوين متعددة، على غرار «رامز قلب الأسد»، و«رامز ثعلب الصحراء»، و«رامز مجنون رسمي»، و«رامز إيلون مصر».


مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مسابقة «فاروق حسني» تحتفي بإبداعات شبابية وتتوّج مسيرة يحيى الفخراني

يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني أثناء تكريمه بجائزة الاستحقاق من مؤسسة فاروق حسني (وزارة الثقافة المصرية)

وسط حضور فني وثقافي واسع، احتفت «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، مساء الاثنين، بإبداعات الشباب المشاركين في الدورة السابعة من مسابقتها السنوية، التي شهدت تتويجاً لمسيرة الفنان يحيى الفخراني الفنية، وتأكيداً لأهمية الفن بصفته «أساس الحضارة وذاكرة الوجود الإنساني».

وأكد وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، في كلمته خلال الحفل الذي أقيم بحديقة «مركز الجزيرة للفنون» بحي الزمالك وسط القاهرة، على سعي المؤسسة التي تحمل اسمه إلى «ترسيخ رسالتها الفنية والمساهمة في إعلاء القيمة الحقيقية للفن ودوره الثقافي في المجتمع»، مشيراً إلى أنه انطلاقاً من هذا التوجه تمت إضافة «جائزة الاستحقاق» إلى الحفل السنوي، التي تُمنح لقامة بارزة في عالم الفن والثقافة، معرباً عن سعادته بأن تذهب الجائزة هذا العام إلى الفنان يحيى الفخراني.

وشدد حسني على أهمية الفن والثقافة بصفتهما «جوهر الوجود الإنساني الذي يحفظ ملامح الأمم»، وقال: «الثقافة ليست ترفاً، ومصر عرفت طريقها للحضارة عندما جعلت الفن والفكر لغة الحياة».

وسلم وزير الثقافة ، أحمد فؤاد هنو، مساء الاثنين، «جائزة الاستحقاق» للفخراني، عادّاً الجائزة «تكريماً لقيمة الفن الهادف والإبداع المسؤول، وللنموذج الفني الذي حافظ، على مدار عقود، على احترام عقل ووجدان الجمهور»، مشيراً إلى أن «الفخراني يُمثل رمزاً للفنان الواعي بدوره الثقافي والإنساني».

وشهد الحفل الذي أقيم على أنغام موسيقى كلاسيكية هادئة احتفاء بإبداعات الشباب في مختلف المجالات الفنية، حيث تقدم لفروع المسابقة الخمسة؛ التصوير، والعمارة، والنحت، والنقد الفني التشكيلي، والتصوير الفوتوغرافي، 1211 فنانة وفناناً من مختلف المحافظات شاركوا بنحو 2354 عملاً فنياً متنوعاً.

الفنان فاروق حسني يلقي كلمة في حفل توزيع جوائز المؤسسة الثقافية التي تحمل اسمه (وزارة الثقافة المصرية)

وقال حسني: «نحتفي بجيل من المبدعين يحمل حساسية العصر، ويصوغ رؤيته للعالم دون أن ينفصل عن جذوره»، مؤكداً أن المسابقة «ليست احتفالاً بإنجاز عابر، بل هي تأكيد على أن الفن في جوهره فعل مقاومة للنسيان، وانحياز دائم للجمال، وبذرة أمل تزرع في أرض الوطن لتثمر وعياً وحياةً».

بدوره، أشاد هنو بالمسابقة التي «تحتفي بجيل واعد من المبدعين الشباب وتكرم قامة فنية كبرى»، مؤكداً أن «هذا التلاقي بين الخبرة المتراكمة والطاقة الشابة يعكس حيوية المشهد الثقافي المصري، وقدرته على التجدد والاستمرار».

وعدّ «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون» بمثابة «نموذج رائد للعمل الثقافي المستدام، بفضل رؤية مؤسسها المستنيرة التي لم تتوقف عند حدود المسؤولية الرسمية، بل امتدت إلى دعم الإبداع وإتاحة الفرص أمام الطاقات الشابة واكتشاف المواهب ورعايتها».

وشهد الشهر الماضي افتتاح «متحف فاروق حسني»، وهو جزء من «مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون»، التي تأسست عام 2019. وقبل تسليم الجوائز افتتح هنو وحسني المعرض الجماعي للشباب المتأهلين للمرحلة النهائية من المسابقة، الذي يستمر حتى 19 فبراير (شباط) الحالي. وفاز بجوائز مسابقة النقد الفني التشكيلي بالترتيب من الأول إلى الثالث، كل من إيريني سمير حكيم شحاتة، وشيماء سمير عبد المنعم عباس، ومروة السيد عباس السيد. بينما كان المركز الأول في جائزة العمارة من نصيب مشاركة جماعية (محمد أحمد زكي سيد ومحمد مرزوق محمد متولي وهارون ياسر هارون محمد)، وجاء في المركز الثاني عبد الرحمن حسين محمد عبد العال، أما المركز الثالث فكان مشاركة جماعية أيضاً بين (مريم أسامة سند العرباني وبنان خالد غريب محمد وإسراء عبد العزيز محمد حامد وسلمى الخولي عبد المنعم الخولي).

ونالت مشاركة جماعية لكل من محمد هاني عبد الفتاح، وعمر علاء الدين إسماعيل، وجاسمين أشرف كرم، وحبيبة محمد علي، على شهادة تقدير، وكذلك نالت مشاركة جماعية لكل من غادة عبد الوهاب إبراهيم، وهبة محمد مصطفى إبراهيم، شهادات تقدير.

وفي فرع التصوير الفوتوغرافي، جاءت المراكز الثلاثة الأولى بالترتيب من نصيب، فايز أحمد إبراهيم عطية، ورنا أسامة السعيد إبراهيم، وعلاء نور الدين مصطفى يوسف، بينما حصلت حنان سعيد عبد الدايم محمد على شهادة تقدير.

جانب من حضور حفل توزيع الجوائز (وزارة الثقافة المصرية)

وفي فرع النحت، فاز بالمركز الثاني حسام مصطفى رمضان محمد، وبالمركز الثالث يوسف حامد محمد محمود، كما فازت بشهادة شكر وتقدير فاطمة محمد خالد ثابت، أما جائزة التصوير فكانت من نصيب سمر رأفت عبد الله محمد، وحصلت فاطمة إبراهيم محمد حسين على المركز الثاني، وفاز بالمركز الثالث مينا نصيف فهمي يعقوب.

وشهد الحفل حضوراً واسعاً لمسؤولين سابقين وحاليين وشخصيات فكرية وثقافية، من بينهم المهندس أيمن عطية محافظ القليوبية، والدكتور زاهي حواس، والدكتور مصطفى الفقي، والدكتور سامح فريد وزير الصحة الأسبق، والكاتب محمد سلماوي، والدكتور أحمد غنيم رئيس هيئة المتحف المصري الكبير، والمهندس محمد أبو سعدة رئيس جهاز التنسيق الحضاري، والمهندس إبراهيم المعلم والناقد الفني طارق الشناوي.